النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤٠ الطهارة الشرح: سؤال عبدالله عائشة وإن كان من أهل النظر والاستدلال لموضعها من رسول الله 8 وأنها عرفت ذلك من فعله مرارًا فسألها عن ذلك، فقالت: ((لتشد عليها إزارها على أسفلها))، تريد على الوجه المعتاد ثم يباشرها، إن شاء على ما تقدم من مباشرة الحائض بعد شد إزارها. ١٢٥ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ، سُئِلا عَنِ الْخَائِضِ، هَلْ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ؟ فَقَالًا: لا، حَتَّى تَغْتَسِلَ. الشرح: قوله: ((هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر))، يريد بذلك إذا رأت علامة وجوب الطهر، وأما الطهر فليس بمرئى وإنما ترى المرأة من القصة البيضاء أو الجفوف ما يوجب عليها الطهر ولا يجب لزوجها أن يصيبها بذلك حتى تغتسل، سواء كان انقطع دمها لأكثر الحيض أو لأقله، وعلى هذا جمهور الفقهاء، وبه قال مالك والشافعى. وقال ابن بكير: الإمساك عنها استحسان. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر أمد الحيض، وهو عشرة أيام عنده، جاز للزوج أن يطأها قبل أن تغتسل، فإن انقطع عنها قبل ذلك لم يجز له أن يطأها حتى تغتسل أو يحكم بطهرها لمجىء آخر وقت صلاة. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرهن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] والتطهر إنما هو الاغتسال لأنه تفعل ولا يقال لانقطاع الدم تطهر، وإن جاز أن يقال له طهر، فإن قيل لا نسلم أن معنى يطهرن يغتسلن، ويجوز أن يقال تطهرت المرأة، إذا انقطع عنها الدم، وإن لم يكن ذلك من فعلها، كما يقال تطهرت الأرض، إذا زال ما فيها من الأذى والنجاسة ويقال تقطع الحبل وتكسر الكوز، وإن لم يكن شىء من ذلك من فعلهما، وإنما معناه انقطع الحبل وانكسر الكوز، وكذلك فى مسألتنا معنى تطهرن، تطهرن بانقطاع الدم عنهن، وإن لم یکن من فعلهن. والجواب أن الفراء من أهل العلم بهذا الشأن، قال فى معنى قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]، هو الغسل، ولا نعلم له فى ذلك مخالفًا، ويدل على ذلك أن تطهرن هو تفعلن، والتفعل وقوع الفعل ممن يضاف إليه هذا مقتضاه فى كلام العرب وهو يمنع من حمله على انقطاع الدم لأن ذلك ليس من فعل النساء. وقولهم: تطهرت الأرض وتكسر ١٢٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤. ........ ٤٤١ الطهارة . الكوز على سبيل التجوز والاتساع لأن ذلك ليس من فعلها، وإنما معناه طهرت لما يقال طال الزرع وكثر الماء، وإن لم يكن شىء من ذلك من فعلهما، ولکنه یضاف إليهما مجازًا واتساعا، ولا يجوز أن يصرف اللفظ عن موضوعه، ومقتضاه إلى مجاز له إلا بدليل ولا دليل لكم من هذا الموضع. ومما يبين ما ذكرناه قوله فى آخر الآية: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمدح المتطهرين وأثنى عليهم، وذلك يقتضى أن يكون التطهير من فعلهم، وقد علمنا أن انقطاع الدم ليس من فعل المرأة ولا تمدح به. فرع: وإذا لم تجد التى انقطع دم حيضتها الماء فتيممت لم يجز وطؤها بطهر التيمم، هذا المشهور من مذهب مالك. وقال الشيخ أبو إسحاق: ويجوز وطؤها بالتيمم، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إن صلت بالتيمم جاز وطؤها، وإن لم تصل لم يجز وطؤها، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ودليلنا من جهة القياس أن الوطء يتقدمه معنى يبطل التيمم، وهو المباشرة، فلم يجز بعده الوطء كما لو رأى الماء. * طهر الحائض ١٢٦ - مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلاةٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ بَيْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، بِالدِّرَحَةِ(١) فِهَا الْكُرْسُفُ(٢)، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ: لا تَعْحَلْنَ خَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ(٣) الْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ، الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. ١٢٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٥. (١) بالدرجة: قال ابن عبدالبر: من رواه هكذا فهو على تأنيث الدرج، وكان الأخفش يرويه الدرجة، ويقول: هو جمع درج مثل خرجة، وخرج وترسة وترس، وقال صاحب النهاية: هكذا يروى بكسر الدال وفتح الراء جمع درج، وهو كالصفد الصغير تضع فيه المرأة خف متاعها وطيبها، وقيل إنما هو بالدرجة تأنيث درج، وقيل: إنما هى الدرجة بالضم وجمعها الدرج وأصله شىء يدرج أى يلف فيدخل فى حياء الناقة، ثم يخرج ويترك على حوار فتشتبه فتظنه ولدها فتر أمه. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥٩). (٢) الكرسف: هو القطن. (٣) القصة: يفتح القاف والصاد المهملة المشددة، قال ابن رشيق: وهو الطهر الأبيض الذى- ٤٤٢ الطهارة الشرح: قولها: ((كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة))، تريد لعلمها بهذا الأمر لأنها كانت مع النبى ﴿﴾، وتدل عليه فى السؤال عن أحكام الحيض وتظهر إليه من السؤال عنه ما يستحى منه النساء، فاستقر عندها من علم ذلك ما لم يصل إلى غيرها، فكان النساء يرجعن فى علم ذلك إليها فكن يبعثن إليها بالدرجة، وهى جمع درج فيه الكرسف، وهو القطن لأنه أفضل ما يستبراً به الرحم والدم لنقائه وبياضه وتجفيفه الرطوبات فتظهر فيه آثار الدم ما لا تظهر فى غيره. فصل: وقولها: ((فيه الصفرة من دم الحيضة))، فإن النساء كن يسألن عائشة إذا رأينها عن الصلاة فكانت عائشة تحكم بأنها حيضة، وتقول لهن: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء))، وترى أنهن ممنوعات من الصلاة إذا رأين الصفرة فى زمن الحيض؛ لأنها حيض، وهذا الذى ذهب إليه مالك أن الصفرة والغبرة والكدرة كلها دماء لها بحكم الدم، وذلك يرى فى وقتين، أحدهما: قبل الطهر، والثانى: بعده، فأما ما رأت منه قبل الطهر، فهو عند مالك دم حیض، سواء تقدمه دم قليل أو كثير، وكذلك لو رأت زمن من الحيض ابتداء، دون أن يتقدمه دم، فإنه يكون حيضًا، وإن رأته النفساء كان نفاسًا، وإن كان فى زمن الاستحاضة كان استحاضة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى. وقال أبو يوسف: لا يكون حيضًا إلا أن يتقدمه دم يومًا وليلة. وحكى عن بعضهم، أنه لا يكون حيضًا إلا فى الأيام المعتادة فإن رأته المبتدأة أو رأته المعتادة فى غير أيام العادة لم یکن حیضًا. والدليل على ما نقوله، قول عائشة فى الحديث المتقدم، وهى من أعلم الناس بهذا الشأن، وقد شاع ذلك من فتواها مع تكرر ذلك عليها ولم ينكره عليها أحد ولا خالفها فیه مخالف، فثبت أنه إجماع. ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى لو رؤى بعد دم يوم وليلة كان حيضًا، فإذا رؤى مبتدأ وجب أن يكون حيضًا كالدم الأحمر. مسألة: وأما ما رؤى بعد الطهر، فقال عبدالملك: ما رأته المرأة بعد الاغتسال من حيض أو نفاس من قطرة دم أو غسالة، فإنه لا يجب به غسل وإنما يجب به الوضوء، وهى التربية عنده. = يرينه النساء عند النقاء من الحيض شبه بياضه بالقص، وهو الحص، وقال فى النهاية: هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التى تحشى بها الحائض كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة، وقيل القصة شىء كالخيط يخرج بعد انقطاع الدم كله. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٦٠). ٤٤٣٠٠٠ الطهارة ووجه ذلك ما رواه قتادة عن أم الهذيل عن أم عطية، قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا. قال الداودى: التربة الماء المتغير دون الصفرة. وقال أحمد بن المعدل فى المبسوط: الترية هى الدفعة من دم الحيض لا يتصل بها من الحيض ما يكون حيضة كاملة. فصل: وقولها: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء))، تريد لا تعجلن بالصلاة حتى ترين القصة البيضاء وهى علامة الطهر، والمعتاد فى الطهر أمران: القصة البيضاء، وهى ماء أبيض، وروى على بن زياد عن أنه شبه المنى، وروى ابن القاسم عن مالك أنه شبه البول. والأمر الثانى: الحفوف، هو المرأة تدخل القطن أو الخرقة فى قبلها فيخرج ذلك جافًا ليس عليه شىء من دم. وعادة النساء تختلف فى ذلك فمنهن من عادتها أن ترى القصة البيضاء، ومنهن من عادتها أن ترى الجفاف، فمن كانت من عادتها أن ترى أحد الأمرين، فرأته حكم بطهرها، وإن رأت غيره هل تطهر بذلك أم لا؟ قال ابن القاسم: القصة البيضاء، ومن كانت عادتها برؤية القصة البيضاء لم تطهر برؤية الجفوف. وروى ابن حبيب عن ابن عبدالحكم: الجفوف أبلغ فمن كانت عادتها القصة البيضاء طهرت بالجفوف، ومن كانت عادتها الجفوف لم تطهر بالقصة البيضاء. وجه ما قاله ابن القاسم أن القصة البيضاء علامة للطهر لا تكون إلا عنده، والجفوف قد يوجد فى أثناء الدم كثيرًا فكانت القصة البيضاء التى لا توجد مع الدم أصلا أبلغ فى الدليل على انقطاعه. ووجه قول ابن عبدالحكم أن القصة من بقايا ماء ترخيه الرحم من الحيضة كالصفرة والكدرة، والجفوف انقطاع ذلك کله فكان أبلغ. وقال القاضى أبو محمد وأبو جعفر الداودى: النظر أن يقع الطهر بكل واحد من ذلك من كانت تلك عادتها، ولو لم تکن عادتها. فرع: وهذا فى المعتادة فأما المبتدأة، فقد قال ابن القاسم وابن الماجشون: أنها لا تطهر إلا بالجفوف. وهذا من ابن القاسم نزوع إلى قول ابن عبدالحكم. ١٢٧ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ، عَنِ ابْنَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ ١٢٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٦. الطهارة ٤٤٤ بَلَغَهَا، أَنَّ نِسَاءٌ كُنَّ يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ حَوْفِ اللَّيْلِ، يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَكَانَتْ تَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَتَقُولُ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. الشرح: وقولها: ((بلغها أن النساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل)»، تريد أنهن كن يفعلن ذلك فى أثناء نومهن ينمن ثم يقمن، فيدعون بالمصابيح من جوف الليل قبل وقت الصلاة ثم يعدن إلى النوم، ولم يكن يردن الصلاة من الليل فكانت تعيب ذلك عليهن لتكلفهن من ذلك ما لا يلزم، وإنما يلزم النظر إلى الطهر إذا أردن النوم، وإذا قمن لصلاة الصبح، قاله مالك فى المبسوط. وقال الداودى: عليهن أن ينظرن قرب الفجر، هل يجب عليهن صلاة العشاءين أو إحداهما؟ وهل يجب عليهن الصوم إن كان فى رمضان؟ ومن المبسوط: وعليهن أن ينظرن فى أوقات الصلوات فأما أن يقمن من جوف الليل أو قبل الفجر للنظر إلى الطهر خاصة، فإن مالكا قال: لا يعجبنى ذلك، ولم يكلف الناس مصابيح. ووجه ذلك أنه لو كان عليهن النظر من جوف الليل إلى الطهر لما جاز لهن النوم لئلا يفوتهن النظر بالنوم. فصل: وقول ابنة زيد: ((ما كان النساء يصنعن هذا))، تريد أن هذا تكلف ما لا يجب عليهن وذلك أن من أدركته من النساء كن أكثر اجتهادًا وأفضل علمًا ولم يكن يصنعن ذلك لسبب العشاءين لأن النظر إلى الطهر بسببهما انقضى عند النوم أو الليل، وإنما يكون على قول أبى جعفر الدمياطى فى آخر وقتهما مع التمكن من ذلك. سُئِلَ مَالِك عَنِ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فَلا تَجِدُ مَاءَّ هَلْ تَتَمَّمُ قَالَ: نَعَمْ لِيَتْيَمَّمْ فَإِنَّ مِثْلَهَا مِثْلُ الْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءٌ تَيَّمَّمَ. الشرح: وهذا کما قال لأن الحیض بعد انقطاع دمه حدث يمكن رفعه بالغسل كالجنابة والجنب إذا لم يجد الماء تيمم للصلاة وغيرها من موانع الجنابة، فكذلك الحائض إذا لم تجد الماء تتيمم وتستبيح بذلك موانع الحيض غير الوطء مما قدمنا ذكره. * * * جامع الحيضة ١٢٨ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ قَالَتْ فِى الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَنْهَا تَدَعُ الصَّلاةَ. ١٢٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٧. ٤٤٥٠ ... الطهارة الشرح: قولها فى المرأة الحامل ترى الدم: ((أنها تدع الصلاة))، تريد أن دمها دم حيض يحكم له بإسقاط فرض الصلاة ومنع الصلاة وغير ذلك من موانع الحيض، كما لو كانت حائضًا وإلى هذا ذهب مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: ما رأته الحامل من الدم، فهو دم فساد وليس بدم حيض، فلا تدع الصلاة ولا الصوم ولا تمتنع من شىء من موانع الحيض، وقال: لو أخذت فى هذا بالأحوط فتصلى وتصوم ولا يقربها زوجها ثم تقضى الصوم لكان أحوط. ودليلنا من جهة القياس أن هذا دم فى زمن الحيض خارج من المخرج المعتاد، فوجب أن يكون حيضًا كدم الحائل. ١٢٨ -م مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنِ الْمَرَّةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ؟ قَالَ: تَكُفُّ عَنِ الصَّلاةِ. قَالَ يَحْتَى: قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا. الشرح: وهذا على ما تقدم من أن الحمل لا يمنع الحيض، وأن الدم متى وجد من الحامل حكم بكونه حيضًا وامتنعت المرأة من مواضع الحيض، ونص على الصلاة لأنها اكد العبادات وأعظمها شأنًا، وإذا كان الدم يمنعها وبوجب الكف عنها، فبأن يمنع ذلك أولى وأحرى، ودم الحيض يمنع عشرة أشياء، أحدها: رفع حدثه، والثانى: صحة الصلاة، والثالث: صحة الصوم، والرابع: مس المصحف. وروى أبو زيد عن ابن القاسم فى العتبية: للحائض أن تمسك اللوح تقرأ فيه وتکتب القرآن على وجه التعلم وما كتب فى الرقاع من آيات القرآن على وجه التعوذ، فيعلق على الحائض والصبى، وقد روى أشهب عن مالك: لا بأس بذلك إذا خرز أو جعل فى شىء یکنه. والخامس: الجماع على وجه مخصوص، والسادس: دخول المسجد، والسابع: الطواف، والثامن: الاعتكاف، والتاسع: إيقاع الطلاق على الحائض. وفى منعه قراءة القرآن، روايتان، إحداهما: المنع، والثانية: الإباحة. ذكر القاضى أبو محمد تسعة أشياء، فلم يذكر الاعتكاف ولا إيقاع الطلاق، وزاد على ما ذكرنا منعه وجوب الصلاة، وقال فى الصوم: يمنع فعله ولا يمنع وجوبه. ١٢٨ -م ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٨. ٤٤٦ الطهارة ....... وهذا الذى ذكره يحتاج إلى تأمل وذلك أن الفعل إذا لم يصح انتفى وجوبه؛ لأن تكليفه لا يصح، فإذا قلنا: إن دم الحيض يمنع صحة الصوم، فلا معنى لقولنا : إنه يمنع وجوبه لأن تكليفه لا يصح، فإذا قلنا: إن دم الحيض يمنع صحة الصلاة، فلا معنى لقولنا: إنه وجوبها لأنه يستحيل أن يجب ولا يصح فعلها. وكذلك قوله: لا يمنع وجوب الصوم، غير صحيح؛ لأن الصوم فى زمن الحيض لا يجب لوجه، ولو وجب لأثمت الحائض بتأخيره ولوجب أن يصح منها فعله، وإنما يجب عليها صيام آخر فى غير أيام الحيض، وإنما يقال أن ما تفعله الحائض من الصوم بعد انقضاء أيام الحيض قضاء على سبيل المجاز والاتساع. ١٢٩ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﴿ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ (١) رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَأَنَا حَائِضٌ. الشرح: ترجيلها لرأس رسول الله ﴿)، دليل على جواز مباشرة الحائض، وقد ذكر ذلك إذا كان بمعنى الاستمتاع، وفى هذا زيادة جواز مباشرتها لغير الأستمتاع وتصرفها كتصرف الطاهر فى جميع حوائج الرجال، وقد كانت اليهود إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت فلم يؤاكلوها ولم تتصرف بين أيديهم، فأمر النبى ﴿4 بمخالفتهم فى ذلك وأباح مباشرتها لأن الحائض ليست بنجس، وإنما النجاسة فى الدم. وأما الحدث فليس بنجاسة وإنما هو حكم، وقد روى عن النبى ◌َ﴾ إنه قال لعائشة: ((ناولينى الخمرة، من المسجد، فقالت: إنى حائض، فقال رسول الله ﴾: إن حيضتك ليست فى يدك)). ومعنى ذلك أن نجاسة الحيض ليست فى يدها فتنجس الخمرة بذلك. مسألة: وأما استناد المصلى إلى الحائض، فقد قال ابن القاسم فى المريض، لا يستطيع ١٢٩ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٤٨. ومسلم كتاب الحيض برقم ٢٩٧. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٧٧، الحيض والاستحاضة برقم ٣٨٦، والغسل والتيمم برقم ٤١٣. وأبو داود كتاب الصوم برقم ٢٤٦٩. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٣٣، وكتاب الصيام برقم ١٧٧٨، واللباس برقم ٣٦٥٣. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٧١٨، ٢٤٠٠٠، ٢٥٢٠٧، ٢٥٤١٠، ٢٥٤٤٢، ٢٥٥٧١، ٢٥٧١٦. والدارمى كتاب الطهارة برقم ١٠٥٨، ١٠٥٩، ١٠٦٦، ١٠٦٨، ٠١٠٦٩ والخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب ٨٢/٢ عن عائشة. والخطيب فى كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب ٨٢/١ عن عائشة. وأبو عوانة ٣١٢/١ عن عائشة. (١) أرجل: الترجل هو تمشيط الشعر. ٤٤٧ الطهارة .. أن يصلى جالسًا إلا أن يستند إلى أحد: أنه يصلى مستندًا ولا يستند إلى حائض ولا إلى جنب، وقال أشهب: يستند إن شاء إلى حائض وإلى جنب. وجه ما قاله ابن القاسم أن حدث الحيض لما منع الحائض الصلاة منع غيرها أن يستند إليها کالنجاسة. کان ووجه ما قاله أشهب ما روى منصور بن صفية عن أمه عن عائشة أن النبى يتكئ فى حجرى، وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. ومن جهة المعنى أن هذا حدث فلم يمنع صحة صلاة من استند إليه كالحدث الأصغر، وقد قال بعض القرويين: إن ذلك ليس باختلاف من قولهما، وإنما معنى قول ابن القاسم أنه إنما منع ذلك لنجاسة الثوب أو الجسد لأن الغالب أن ثوب الجنب والحائض لا يسلم من نجاسة، وأن أشهب إنما جوز ذلك إذا تيقن سلامة ثيابهما من النجاسة، والقول الأول أظهر. ١٣٠ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنٍ الزُّبِيِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتٍ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ أَنْهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ (﴾ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَُّ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْنَقْرُضْهُ(١) ثُمَّ ١٣٠ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ٢٧٧. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٩١. والترمذى كتاب الطهارة برقم ١٢٨. والنسائى برقم ٢٩٣. وأبو داود برقم ٣٦٠، ٣٦١. وابن ماجه كتاب الطهارة وسنتها برقم ٦٢٩. وأحمد بالمسند برقم ٢٦٣٨٠، ٢٦٤٤١. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٧٢، ١٠١٦، ١٠١٨. والبغوى بشرح السنة ٧٦/٢ عن أسماء. وابن عساكر ٥٥/٥ بتهذيب تاريخ دمشق عن أسماء. (١) قال ابن عبدالبر: وروى: ((فلتقرصه)) بفتح التاء وضم الراء وكسرها أيضا، ويروى على التكثير: ((فلتقرصه)) بضم التاء وكسر الراء وتشديدها. وقال أبو عبيد: ((فلتقرصه))، يقول: ((فلتقطعه بالماء»، وكل مقطع فهو مقرص، يقال منه: المرأة قرصت العجين إذا قطعته. قال ابن عبدالبر: قول أبى عبيد - عندى - فى هذا بعيد، وخير منه قول الأخفش: سئل عن هذه الكلمة فأراهم كيف ذلك القرص، فضم إصبعيه الإبهام والسبابة، وأخذ بهما شيئًا من ثوبه، فقال: هكذا يفعل بالماء فى موضع الدم، ثم كما يقرص الرحل حاريته هو كذلك القرص، قال: وأما القرس بالسين فهو قرس البرد. قال ابن عبد البر: هؤلاء إنما فسروا اللفظة فى اللغة، وأما المعنى المقصود إليه بهذا الحديث- . الطهارة .... ٤٤٨ لِنْضِحْهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ». الشرح: سؤال المرأة يحمتل أن يكون عما يلزم من أصابها ذلك من الامتناع من لبس الثوب أو قطع موضع الدم لشناعة نجاسته فى نفسها، وأنه ليس كسائر الدماء، ويحتمل أن تسئل كيف تصنع فى غسله فأمرها رسول الله ﴿﴿ أن تقرضه، رواه يحيى ((فلتقرضه))، بضم الراء وتخفيفها، وتابعه على ذلك ابن بكير وأكثر الرواة. ورواه القعنبى ((فلتقرضه» بكسر الراء وتشديدها، ومعنى ذلك أن تأخذ من موضع الدم بأصبعيها وتغمزه للغسل، فيحتمل أن يكون ذلك هو الغسل، واستغنى عن ذكر الماء مع القرض لما علم أنه يقتضى ذلك لأن فائدته إنما تتم ثم يكون النضح بعد ذلك لسائر الثوب لما لم یتیقن منه نجاسة. وقد روى عن عائشة تفسير ذلك: كانت إحدانا تحيض ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلى فيه، فأخبرت أن النضح كان على سائر الثوب وأن القرص والغسل كان لموضع الدم، ويحتمل أن يكون التقريص معه نضح الماء فيكونان غسلا للدم وتكون ((ثم)) بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿آمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [الكهف: ٨٨] ومعناه واهتدى، إلا أن الأول أظهر لأن ((ثم)) تقتضى الترتيب والمهلة. وقوله: ((ثم لتصلى فيه)» يقتضى أن ذلك كمال طهارته لأنها لا تصلى فيه إلا بعد أن تتم طهارته. * المستحاضة ١٣١ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنٍ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا =فى الشريعة، فهو غسل دم الحيض من الثوب إذا أصابه، والخبر بأنه يجب غسله لنجاسته، وحكم كل دم كدم الحيض، إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله عز وجل فى نجاسة الدم أن يكون مسفوحًا فحينئذ هو رجس، والرحس النجاسة. انظر: (التمهيد، حديث رابع وثلاثون لهشام بن عروة). ١٣١ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ٢٢٨. ومسلم برقم ٣٣٣. والترمذى كتاب الطهارة برقم ١١٦. والنسائى كتاب الحيض والاستحاضة برقم ٣٥٩، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٦، ٣٦٧. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ٢٨٢، ٢٨٦، ٣٠٤. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٢١، ٦٢٤. وأحمد بالمسند برقم ٢٥٠٩٤، ٢٦٨١٤، ٢٧٠٨٣. والدارمى كتاب= ٤٤٩٠٠٠ الطهارة قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ(١): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَ: ((إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ(٢)، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِى الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّى)). الشرح: قوله: ((إنى لا أطهر))، تريد لا ينقطع عنها الدم، فهل تدع الصلاة أبدًا ما دامت ترى الدم، فقال رسول الله : ((إنما ذلك عرق وليست بالحيضة)) يريد أن الدم إذا تمادى بها علم أنه عرق لأن دم الحيضة يتقطع ويأتى بعده الطهر. فصل: وقوله: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة)) فى المبسوط من رواية يحيى الفربرى عن مالك أن معنى إقبال الحيضة وإدبارها فى التى تتقطع حيضتها وتختلط بأيام الطهر، فأمرت بترك الصلاة إذا رأت الدم، وهو إقبال الحيضة، وأمرت بفعل الصلاة إذا رأت الطهر، وهو إدبار الحيضة. قال القاضى أبو الوليد: والحديث عندى يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون من أهل التمييز لدم الحيض باللون والرائحة. وقد روى عن النبى 498 أنه قال: ((إذا كانت دم الحيضة فهو دم أسود معرق)). وإن كان الحديث ليس بثابت إلا أن فيه ترجيحًا للتأويل، فعلى هذا إذا كانت من أهل التمييز، وكانت مستحاضة فإنها تصلى أبدًا وتصوم حتى ترى دمًا لا تشك أنه دم حيض، ويمضى لها من العدة مقدار أقل الطهر، فتمسك عن الصوم والصلاة وتكون حائضًا، فإن رأت دم حيض لا تشك فيه ولم يمض لها مقدار أقل الطهر، أو مضى لها مقدار طهر ولم تر التغيير الذى لا يكون إلا للحيض، فإنها لا تكون حائضا ولا يمتنع منها زوجها، فعلى هذا يكون تقدير الحديث. ((فإذا أقبلت الحيضة)) بأن ترى الدم المتغير، وقد مضى الطهر، ((فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها))، وذلك بأن ترى غير دم الحيض ((فاغسلى عنك الدم وصلى))، فيكون هذا فعلها أبدًا مستمرًا. =الطهارة برقم ٧٧٤، ٧٧٩. وعبدالرزاق بالمصنف برقم ١١٦٥ جـ٣٠٣/١ عن عائشة. وابن أبى شيبة ١٢٥/١ عن عائشة. والحميدى برقم ١٦٠ جـ٨٧/١ عن عائشة. وأبو عوانة بالمسند ٣١٩/١ عن عائشة. (١) قال السيوطى فاطمة بنت حبيش: بالحاء المهملة والموحدة والشين المعجمة بصيغة التصغير وهى غير فاطمة بنت قيس التى طلقت ثلاثًا. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٦١). (٢) قال السيوطى: عرق: بكسر العين وسكون الراء، هو المسمى بالعاذل، بالذال المعجمة. ٤٥٠ الطهارة والوجه الثانى أن تكون من غير أهل التمييز فإذا رأت تركت الصلاة قدر أمد أكثر الحيض، فإذا انقضى اغتسلت وصلت، وكانت مستحاضة فيكون إقبال الحيضة أول ما ترى الدم وإدبارها عند التقدير لها، فيكون ذلك على وجه التعليم لمن يصيبها بعد هذا ما قد أصاب فاطمة بنت أبى حبيش، وهذا إذا حملنا قولها: إنى لا أطهر، على حقيقته، وأن الدم يتصل ولا ينقطع عنها. وإن قلنا: إنه على المجاز، وأن معناه لا يكاد ينقطع، فإنه يكون إقبال الحيض أول الدم ثم إدبارها إذا انقضى مقدار دم الحيض، ثم إقبالها إذا رأته مرة أخرى بعد انقطاعه، وهكذا أبدًا فيكون ذلك جواب فاطمة بنت أبى حبيش فيما سألته عنه وما تمثله فى المستقبل. مسألة: عن مالك فى مقدار أقل الطهر روايتان، روى عنه ابن القاسم أن ذلك غير مقدر وأن الرجوع فيه إلى العرف والعادة. ووجه ذلك أن كل أمر احتيج إلى تحديده ولم يرد فى الشرع تحديده، فإن الرجوع فيه إلى العرف والعادة كالعمل فى الصلاة. والرواية الثانية أنه مقدر، واختلف فى التقدير، فروى فى المبسوط عبدالملك بن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام. وقال ابن حبيب: عشرة أيام. وقال محمد بن مسلمة: خمسة عشر يومًا. وجه ما قاله محمد بن مسلمة، قال القاضى أبو الوليد: وهو الأظهر عندى، أن الله تعالى، جعل عدة المطلقة التى تحيض ثلاثة قروء وجعل عدة اليائسة ثلاثة أشهر، فأعلمنا بذلك أن بدل كل قرء شهر، فإذا صح ذلك لم يخل الشهر أن يكون قد أقيم مقام أكثر الحيض وأقل الطهر، أو مقام أقل الحيض وأكثر الطهر، أو مقام أكثرهما أو مقام أقلهما. ولا يجوز أن يقام مقام أقلهما لأن أقل الحيض الذى يقع الاستبراء به ثلاثة أيام أو خمسة أيام على اختلاف الرواية فى ذلك وأقل الطهر خمسة عشر يومًا؛ وأقل من ذلك فيما دون مدة الشهر بكثير ولا يجوز أن يقام مقام أكثرهما، ولا مقام أقل الحيض وأكثر الطهر لأن أكثر الطهر لا حد له، فلم يبق إلا أن يقام مقام أكثر الحيض وأقل الطهر وليس من أصحابنا من يجعل الحيض أكثر من خمسة عشر يومًا فوجب أن يكون أقل الطهر بقية الشهر، وذلك خمسة عشر يومًا. فصل: وقوله : ((فإذا ذهب قدرها))، يريد قدر الحيضة، وهذا يحتمل أن يراد به ٤٥١ الطهارة . قدر الحيضة على ما قدره الشرع، إن كان فى الشرع تقديره، ويحتمل أن يريد ﴿﴿ قدره على ما تراه الحائض المكلفة لذلك وتقدره وأن ذلك يصرف إلى اجتهادها أو الاجتهاد من يقدر ذلك لها ممن يلزم الحائض تقليده، ويحتمل أن يريد بقدرها على ما تقدم من عادتها فى حيضها وفى هذا ثلاث مسائل، إحداها: معرفة أقل الحيض، والثانية: معرفة أكثره، والثالثة: معرفة مقدار حيض المبتدأة والمعتادة، إذا تمادى بها الدم اتصلت أيام الدم أو تخللها طهر. مسألة: فأما أقل الحيض، فقال أصحابنا عن مالك: لا حد له، وهذا يحتاج إلى تفصيل على أصله، فأما فى موانع الحيض فلا حد لأقله، وأما فى الاعتداد والاستبراء، فلأقله حد. وقد قال القاضى أبو الفرج من أصحابتا: إن الدفعة من الدم حيض، وليست بحيضة. وقد اختلف فيه أصحابنا فروى ابن القاسم عن مالك فى كتاب الاستبراء من المدونة فى التى ترى الدم يومًا أو يومين يسئلن عنه النساء، فإن قلن يقع به الاستبراء استبرأت به الأمة. وقال ابن الماجشون: لا يقع الاستبراء والاعتداد بأقل من خمسة أيام. زاد الشيخ أبو إسحاق فى مختصره عنه: بلياليها. وقال محمد بن مسلمة: أقله ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: أقل الحيض يوم وليلة. فيرجع الخلاف فى إعادة الصلاة إذا كان الدم أقل من ثلاثة أيام، مع أبى حنيفة، وإذا كان أقل من يوم وليلة، مع الشافعى. والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] قلنا: من هذه الآية دليلان، أحدهما: اقتصاره فى إجابتهم عن سؤالهم عن المحيض بأنه أذى وتفسيره لهم المحيض بالأذى، وذلك يقتضى أن كل أذى من هذا الجنس لما كان فى جوابه تفسير ولا إعلام بمعنى الحيض. والدليل الثانى: أمره باعتزال النساء فى المحيض، وذلك يقتضى أن يكون لنا طريق إلى معرفته ليصح اعتزالهن فيه، ولو لم يعلم ذلك إلا بعد انقضاء يوم وليلة أو ثلاثة أيام لكان قد علق الأمر بما لا طريق لنا إلى معرفته وهذا باطل باتفاق. ودليلنا من جهة السنة، قوله فى حديث فاطمة بنت أبى حبيش: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة)). ولنا فى هذا دليلان، أحدهما: أمرها بأن تترك الصلاة عند إقبال أمر یسمی پإقباله حیضًا، وعندهم لا يكون حيضًا إلا بعد يوم وليلة أو بعد ثلاثة أيام. ٤٥٢ الطهارة والدليل الثانى: أنه أمرها بأن تترك الصلاة عند إقبال الحيضة، وذلك يقتضى ترك الصلاة بأقل الدم وأنه حيض بإقباله، ولو لم يكن حيضًا إلا بعد يوم وليلة أو بعد ثلاثة أيام، لما جاز ترك الصلاة إلا بعد ذلك، ولما أجمعنا على وجوب ترك الصلاة بأول ما تری من الدم، ثبت أنه حیض. ودليلنا من جهة القياس أن هذا دم يسقط فرض الصلاة، فلم يكن لأقله حد كدم النفاس. مسألة: وأما المسألة الثانية، وهو معرفة أكثر الحيض فذهب مالك والشافعى إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا. وقال أبو حنيفة: أكثر الحيض عشرة أيام. وقال الأوزاعى: أکثر الحیض سبعة عشر يومًا، وبه قال داود. ودليلنا فى هذه المسألة على أبى حنيفة قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وذلك يقتضى حمله على كل أذى من جنسه إلا ما خصه الدلیل. ومن جهة القياس أن هذه مدة أبقت لأقل الطهر وقتًا فى الشهر، فوجب أن يكون حيضًا كالعشرة أيام. مسألة: وأما المسألة الثالثة، وهى مقدار مكث الحائض إذا اتصل بها الدم، فإن الحائض على ضربين، حائل وحامل، فأما الحائل فعلى ضربين، مبتدأة ومعتادة، فأما المبتدأة، فهى التى ترى الدم أول بلوغها، فإن تمادى بها الدم، فعن مالك فيها ثلاث روايات، روى عنه على بن زياد أنها تقعد أيام، لداتها ثم تغتسل وتكون مستحاضة، وروى ابن وهب تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام، ثم تكون مستحاضة، وروى عنه ابن القاسم وأكثر المدنيين: تقعد خمسة عشر يومًا ثم تكون مستحاضة. وقال أبو حنيفة: تقعد أكثر مدة الحيض ثم تكون مستحاضة، وهو نحو رواية ابن القاسم عن مالك. وقال الشافعى: تقيم أكثر مدة الحيض، فإن تمادى بها الدم، فله فى ذلك قولان، أحدهما: أنه يكون الحيض من ذلك يومًا وليلة وتعيد صلاة سائر المدة. والقول الثانى: تعد من ذلك حيضًا سبعة أيام، وتعيد صلاة سائر المدة .. وجه رواية على بن زياد أنها لما لم تكن لها عادة ترجع إليها وجهل أمرها، وجب اعتبارها بأحوال لداتها، إذ لا طريق إلى معرفة حالها بأكثر من ذلك. ٤٥٣ الطهارة ووجه رواية الاستظهار أن هذا خارج من الجسد أريد التميز بينه وبين غيره، فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام، أصل ذلك لبن المصراة. وجه رواية ابن القاسم أن هذه مدة حيض، فإذا رأت الدم فيها وجب أن يكون حيضًا كأيام لداتها. وما ذهب إليه الشافعى من إعادة الصلاة فغير صحيح لأن تلك الأيام لو لم يحكم بكونها حيضًا لما جاز أن تمنع فيها الصلاة، فلما منعت فيها من الصلاة لم تجب عليها إعادتها، وقد كان الأصح إذا لم يتبين أمرها أن تؤمر بالصلاة، فإن كانت ممن تصح منها وتجب عليها فقد أدتها وأخذت بالأحوط فى أمرها، وإن كانت ممن لا تصح منها ولا تجب عليها فقد فعلتها استظهارًا، فأما أن تمنع منها فى وقتها الذى يختص بها وتمنع من أدائها وتؤمر بها فى غير وقتها، فإن ذلك لا يصح كغير الحائض. ولذلك قال مالك رحمه الله فى التى ترى الدم خمسة عشر يومًا وعادتها ثمانية أيام: أنها تستظهر بثلاثة أيام ثم تصوم وتصلى استظهارًا إلى انقضاء خمسة عشر يومًا، فإذا طهرت قضت الصوم، فإن كانت ممن يصح منها الصوم والصلاة، فقد أدتهما وإن لم يصح ذلك منها فهى تقضى الصوم وتسلم من تضييع عبادة فى وقتها وتركها حين وجوبه، وهذا وجه الاحتياط فيما شك فيه. فرع: وأما المعتادة، فإن تمادى بها الدم أكثر من أيام عادتها، فعن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: أنها تقيم أيام عادتها تستظهر بثلاثة أيام، والرواية الثانية: تقيم أكثر مدة الحيض، وذلك خمسة عشر يومًا ثم تكون مستحاضة على معنى الاحتياط تصوم وتصلى ولايطؤها زوجها ثم تنظر فى أمرها، فإن انقطع دمها عند تمام الخمسة عشر يومًا علم أنها قد انتقلت عادتها، وكانت المدة كلها حيضًا، وإن زادت المدة على خمسة عشر يومًا علم أنها قد انتقلت على أن ذلك دم استحاضة واعتدت بحيضها على ما تقدم من عادتها وتقضى الصوم فيما بين ذلك وبين الزيادة على خمسة عشر يومًا. وقال ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة ومطرف: تجلس خمسة عشر يومًا، فإن انقطع دمها، فذلك أكثر حيضها، وإن زاد فهى مستحاضة، واختلفوا فى الحيضة الثانية بعدها، فقال عبدالملك: تجلس أيام عادتها ثم تستظهر. وقال محمد بن مسلمة: تجلس أيام عادتها دون استظهار. وقال مطرف: تجلس خمسة عشر يومًا أبدًا ثم تكون مستحاضة. فرع: وأما الحامل، فاختلف فى أكثر مدة حيضها، فقال ابن الماجشون: أكثره خمسة الطهارة ٤٥٤ عشر يومًا، رواه أبو زيد فى ثمانيته، وقال: لا أنظر إلى أول الحمل ولا إلى آخره. روى عن مالك قال ابن القاسم فى رواية سحنون عنه: فى مدة ثلاثة أشهر ونحوها من أول الحمل خمسة عشر يومًا. وقال ابن وهب: تضعف الحامل أيام عادتها، فعلى هذا إن كانت عادتها خمسة عشر يومًا، فأكثر حيضتها ثلاثون يومًا. وقال مطرف: فى أول شهر من شهور الحمل أيام عادتها وتستظهر بثلاث، وفى الثانى تضعف أيام عادتها دون استظهار، والثالث تضعف أيام عادتها ثلاث مرات، والرابع أربع مرات حتى تبلغ ستين يومًا، وهى فى الواضحة من رواية مطرف عن مالك. فصل: وقوله: ((فإذا ذهب قدرها فاغسلى عندك الدم وصلى)) يحتمل أن يريد غسل الاستحاضة واستغنى عن ذكر الغسل من المحيض لأنه قد تقرر علمه. ١٣٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِىِّ أَنَّ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِى عَهْذِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿، فَاسْتَغْتَتْ لَّهَا أُمُّ سَلَمَةً رَسُولَ اللّهِ ﴿ فَقَالَ: (لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللََّالِى وَالأَيَّامِ الَّتِى كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الّذِى أَصَابَهَا، فَلْتَخْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلْفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْثِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّى))(١). الشرح: قوله: ((إن امرأة كانت تهراق الدماء)»، يقال هى فاطمة بنت أبى حبیش، وقد بين ذلك حماد بن زيد وسفيان بن عيينة فى حديثهما عن أيوب عن نافع عن سلیمان بن يسار. وقوله: ((كانت تهراق الدماء))، يريد أنها كانت من كثرة الدم بها كأنها تهريقه ١٣٢ - أخرجه النسائى فى الحيض والاستحاضة برقم ٣٥٤، ٣٥٥. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ٢٧٤. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٢٣. وأحمد بالمسند برقم ٢٦١٧٦، ٢٦٢٠٠. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٨٠. والطحاوى بمشكل الآثار ٣٠٣/٣ عن أم سلمة. (١) هكذا رواه مالك، عن نافع بن سلیمان، عن أم سلمة، و كذلك رواه أيوب السختیانی، عن سليمان بن يسار، كما رواه مالك عن نافع سواء، ورواه الليث بن سعد، وصخر بن جويرية، وعبيد الله بن عمر على اختلاف عنهم، عن نافع، عن سليمان بن يسار ((أن رجلاً أخبره عن أم سلمة»، فأدخلوا بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلا. انظر: (التمهيد، نافع عن سليمان بن يسار، حديث واحد، وهو حديث رابع وسبعون لنافع). .... ٤٥٥ ...... الطهارة .. فاستفتت أم سلمة لها لاستحيائها من ذلك إذا كانت امرأته، وكان فى ذكره عورة، فسألت أم سلمة أن تسأل لها عن حكمها رسول الله ﴿ لما كانت أم سلمة تحل من النبى ﴿ محلاً يزيل الخجل فى سؤالها إياه عن مثل ذلك، ويقتضى ذلك أن يكون النبى ﴾ قد عرف المرأة باسم أو صفة أو إشارة إليها لذلك لم يستفسر حالها مع اختلاف أحوال الناس فى ذلك لأن النساء على ثلاثة أضرب: حال صغر، وحال حيض، وحال یاس. فأما حال الصغر، فإنه لا يثبت لما رؤى فيه من الدم شىء من أحكام الحيض وإنما هو دم جرح فاسد. وأما حال الحيض، فهو الذى أجاب عنه ﴿﴾ وقد تقدم كلامنا فيه. وأما حال اليأس من المحيض، فهو فى سن الشيخ والهرم، وما رؤى من الدم فى تلك الحال، فليس بحيض، وهل يثبت له أحكام الحيض أم لا؟ اتفق أصحابنا على أنه لا يقع به اعتداد، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿واللائى ينسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]. فرع: وهل تترك اليائسة الصلاة والصوم؟ فى النوادر من رواية ابن المواز عن مالك: أنها تترك الصوم والصلاة. وقال ابن وهب: لا تترك الصوم ولا الصلاة. وجه رواية ابن المواز، أن هذا دم كثير وجد بكثرة، فوجب أن يكون منه ما يمنع من صحة الصوم والصلاة كغير اليائسة. ووجه رواية ابن حبيب أنه دم من لا يحمل مثلها، فلم يمنع صحة الصلاة والصوم كدم الصغيرة. مسألة: فإذا انقطع عنها الدم، فقد قال ابن القاسم: لا غسل عليها. وقال ابن حبيب: عليها الغسل، وإن أشكل أمرها تركت الصلاة كالحائض. وجه قول ابن القاسم، أن هذا دم لا يمنع الصلاة فلم يوجب الغسل كدم الاستحاضة. فرع: والسن الذى يحكم فيه للمرأة باليأس من المحيض، قال الشيخ أبو إسحاق: خمسون عامًا، واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب، قال: بنت خمسين عجوز فى الغابرين. وقالت عائشة: قل امرأة تجاوز الخمسين فتحيض إلا أن تكون قرشية. فصل: وقوله ﴿: ((لتنظر إلى عدد الليالى والأيام التى كانت تحيضهن من الشهر قبل ٤٥٦ الطهارة أن يصيبها ما أصابها)). تعليقه ذلك بالشهر لما فى عادة النساء فى الأغلب من أنهن يحضن فى كل شهر، ولذلك أقيمت حيضة وطهرها مقام شهر، وقصر حيضها على أيامها التى كانت تحيضهن من كل شهر، يحتمل أن يكون النبى ﴿ قد علم حيضتها وأنها كانت أكثر الحيض، فلذلك قصرها عليها، وهذا هو الأظهر لأنه لو لم يعلم حيضتها لجواز أن تختلف عادتها فيكون الجواب غير مستوفى فى حقها، ويحتمل أنه لم يعلم مقدار حيضها، فأجابها بجواب يقتضى حكم كل حائض معتادة، وذلك أنها لما أحالها من عدد الأيام والليالى على ما كان من عادتها من الاستحاضة، وعلم أنها عادة النساء فى ذلك، وإن اختلف فغير خارجة عن قدر أيام الحيض، فقد أمرهن باعتبار قدر من أيام الحيض على حسب عادة كل واحدة منهن. ولذلك اختلف الناس فى حكم الحائض إذا تمادى بها الدم، فقال بعضهم: حيضتها على ما ثبت من عادتها، وقد بينا أن ذلك قول المغيرة وأبى مصعب وهو قول محمد بن . مسلمة فى الحيضة الثانية، وقد قال قوم: تنتقل إلى أكثر الحيض، وكذلك قال مالك ومطرف، وحملوا هذا الحديث على أنه مختص بالمرأة لاحتمال أن يكون النبى أجابها على ما علم من حالها. فصل: وقوله: ﴿ ((فلترك الصلاة قدر ذلك من الشهر)) يقتضى منع الحيض للصلاة وتعليق ذلك بالشهر ظاهره يقتضى أن الحيض يتكرر غالبا وأن الحيض قدرا من كل شهر لا يختلف أقله وأكثره وإن زاد على قدر أكثره خرج عن حكم الحيض المانع مدة الصلاة وذلك القدر فى المشهور من مذهب مالك خمسة عشر يوما، وعلى قول أصحابنا: لكل امرأة قدر عادتها إلا أنها تزيد العادة فى ذلك على خمسة عشر يوما فإذا زاد على خمسة عشر يوما خرجت عن حكم المحيض إلى حكم الاستحاضة التى لا تحيض بعادة. ١٣٣ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ أَنْهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ الَّتِى كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَّانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى. الشرح قولها: ((إن زينب بنت جحش التى كانت تحت عبدالرحمن بن عوف))(١)، ١٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١١٢. أخرجه أبو داود كتاب الطهارة برقم ٢٩٣. (١) قال القاضى عياض: اختلف أصحاب الموطأ فى هذا عن مالك، فأكثرهم يقولون :- .... ٤٥٧ الطهارة . ٤ وأختها حمنة كانت هذا وهم والله أعلم؛ لأن زينب بنت جحش كانت زوج النبى تحت طلحة بن عبيد الله وأختها أم حبيبة هى التى كانت تحت عبدالرحمن بن عوف، واسمها حبيبة. وقد روى هذا الحديث مالك عن ابن عمر، فقال: ابنة جحش، فلم يسمها، وكذلك رواه القاضى أبو إسحاق عن القعنبى عن مالك، فإن كان هذا محفوظًا، فهو الصواب والله أعلم. فصل: وقولها: ((وكانت تستحاض فكانت تغتسل وتصلى))، يحتمل أن الاستحاضة كانت تتكرر عليها فكانت تغتسل متى استحيضت عند خروجها من الحيض وتتمادى بعد ذلك على الصلاة، ويحتمل أنها كانت تغتسل متى انقطع عنها دم الاستحاضة. وقد اختلف قول مالك فقال مرة: تغتسل، وقال مرة: ليس ذلك عليها. وقال ابن القاسم: ذلك واسع. ويحتمل أيضًا أن يكون معنى ذلك أنها كانت تغتسل للصلاة إذا أرادتها. ١٣٤ - مَالِك، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إِلَى سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، يَسْأَلُهُ كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؟ فَقَالَ: تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ، وَتَتَّوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَنْفَرَتْ. الشرح: قوله: ((كيف تغتسل))، يقتضى صفة غسلها والمراد به فى هذا الحديث السؤال عن وقت اغتسالها، ولذلك جاوبه سعید بوقت الغسل دون صفته. وروى أبو داود السجستانى قال: قال مالك: إنى لأظن حديث سعيد بن المسيب من ظهر إلى ظهر، إنما من طهر إلى طهر، فقلبها الناس، فقالوا: من ظهر إلى ظهر، وقد تابع مالكا على هذا القول هود بن عبدالملك وسعيد بن عبدالرحمن، فقالا: إنما هو من طهر إلى طهر، وإنما قال ذلك مالك، رحمه الله، لما لم يكن لوقت الظهر معنى يقتضى اغتسالها، فرأى أن اللفظ قد صحف عن ابن المسيب، وأصله ما ذكره وذلك لمن تميز الدم فتغتسل =زينب بنت جحش، وكثير من الرواة يقولون: عن ابنة جحش، قال: وهذا هو الصواب، قال: ويبين الوهم فيه قوله: كانت تحت عبدالرحمن، وزينب هى أم المؤمنين لم يتزوجها عبدالرحمن بن عوف قط إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة ثم تزوجها رسول اللـه 8# والتى كانت تحت عبدالرحمن بن عوف هى أم حبيبة. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٦٣). ١٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١١٣. أخرجه الدارمى فى الطهارة ٨٠٨، ٨١٠. ٤٥٨ الطهارة إذا انقطع عنها الدم الأسود أو حكم بأنها مستحاضة لتمادية، فالاغتسال فى هذا الموضع له وجه صحیح. وقد بين عبدالكريم الجزرى فى روايته عن سعيد بن المسيب أنه من ظهر إلى ظهر، فقال: تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر، وعبد الكريم حافظ. قال القاضى أبو الوليد: ومعنى ذلك عندى أنه شرع لها الغسل فى كل يوم تجديدًا للنظافة، وذلك الوقت أحق بالغسل لما يختص به من الحر وكثرة العرق وظهور الرائحة التى تحتاج المرأة إلى إزالتها وخفة الغسل فى ذلك الوقت، ولذلك شرع غسل الجمعة ذلك الوقت دون سائر الأوقات ومما يدل على أن الغسل ليس بواجب على المستحاضة قوله : ((إنما ذلك عرق وليست بالحيضة)) وهذا وجوب الغسل كسائر العروق. فرع: إذا أثبت أنه لا يجب به غسل، فهل يجب به الوضوء؟، فالمشهور من المذهب أنه لا يجب به الوضوء. وقال القاضى أبو الحسن: إنه على ضربين: منه ما يكون مرة بعد مرة، فهذا يجب به الوضوء لأنه ليس بمرض ومنه ما يتكرر بالساعات فيستحب منه الوضوء ولا يجب. ودليلنا على نفى الوضوء أنه دم لا يجب به الغسل فلم يجب به الوضوء كما لو خرج من سائر الجسد. ١٣٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَّةِ إِلا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلاةٍ. الشرح: وهذا على ما تقدم من أن المستحاضة إنما يجب عليها غسل واحد عند انقضاء حيضتها وابتداء استحاضتها لتزيل بذلك حدث الحيض، وأما دم الاستحاضة، فإن القاضى أبا الحسن قال: اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: هو حدث، معفو عنه. وقال بعضھم: ليس بحدث. قَالَ مَالِك: الأمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا صِّلْتْ أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا وَكَذَلِكَ النَّفَسَاءُ إِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى مَا يُمْسِكُ النِّسَاءَ الدَّمُ، فَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنَّمَا هِىَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. الشرح: وهذا كما قال أن موانع الحيض هى الصلاة والوطء، فإذا وجبت الصلاة ١٣٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١١٤. ٠٠٠ ٤٥٩ الطهارة . وجبت إباحة الوطء، وما لا يمنع منه الطهر فلا تمنع منه الاستحاضة، وبهذا قال سعيد ابن جبير والحسن وعكرمة. وقال سليمان بن يسار والزهرى: لا يصيب المستحاضة زوجها. فصل: حكم النفساء عند مالك فى ذلك حكم الحائض إذا بلغت أقصى ما يمسك النفساء دم النفاس وتمادى بها الدم اغتسلت، وكانت مستحاضة، واختلف الرواة عن مالك فى أقصى ما يمسك النساء النفاس، فقال مرة: لا حد فى ذلك، ويرجع فيه إلى النساء ومعرفتهن. وقال مرة: أقصى ذلك ستون يومًا، وبه قال الشافعى. وقال ابن الماجشون: ستون أو سبعون يومًا. وقال أبو حنيفة: أربعون يومًا. وجه ما قاله مالك أن الرجوع فى ذلك إلى المعروف والعادة، وقد وجد النفاس ستين يومًا عادة مستمرة. مسألة: وأقل النفاس لا حد له، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور، أن هذا أمر طريقه العادة وقد وجد معتادًا بأقل من أحد عشر يومًا، فلم يجز أن يحد بأحد عشر يومًا كما لم يحد بثلاثين يومًا لما وجد معتادًا أقل من هذا المقدار. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى حَدِيثِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ(١). الشرح: وهذا كما قال لأن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبى ـّ فى قصة فاطمة بنت أبى حبيش أصح ما ورد فى هذا الباب ويحتمل أن يريد به حديث هشام بن عروة عن أبيه أنها لا تغتسل إلا غسلا واحدًا ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة وهذا أظهر من جهة المعنى. ما جاء فى بول الصبى ١٣٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا (١) قال: إن عروة كان يفتى بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذلك عند مالك على الاستحباب لا على الإيجاب. انظر: (التمهيد باب المستحاضة). ١٣٦ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ٢٢٢. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٨٦. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٣٠٣. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٢٣. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٦٧٢، ٢٣٧٣٥، ٢٥٢٤٠.