النص المفهرس
صفحات 361-380
الطهارة ٣٦٠ وقد روى عن مالك فى العتبية ما ظاهره المتع منه. وإنما معناه إيثار الغسل عليه، وحسبك بما أدخل فى موطئه، وهو أصح ما نقل عنه. وقد قال الشيخ أبو بكر فى شرح المختصر الكبير: إنه روى عن مالك: لا يمسح المسافر ولا المقيم، فإن صحت هذه الرواية، فوجهها أن المسح منسوخ. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى يبعد؛ لأن ابن وهب روى عنه أنه قال: لا أمسح فی سفر ولا حضر، و کأنه کرهه. وفى النوادر عن ابن وهب أنه قال: آخر ما فارقته على المسح فى السفر والخضر، وكأنه وهو الذى روى عنه متأخرو أصحابه مطرف وابن الماجشون، فدل ذلك على أنه منعه أولاً على وجه الكراهية لما لم ير أهل المدينة يمسحون، ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق. مسألة: وهذا فى السفر، فأما المسح فى الحضر، فعن مالك فیه روايتان، إحداهما: المنع، والثانية: الإباحة، وهو الصحيح، وإليه رجع مالك. والدليل على ذلك حديث على بن أبى طالب، رضى الله عنه، قال: جعل رسول الله ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن المحرم لا يمسح على الخف، قاله مالك فى المختصر. قال ابن القاسم فى المجموعة: لأنه مقطوع تحت الكعبين. وقد روى الشيخ أبو إسحاق فى مختصره عن الوليد بن مسلم عن مالك: يمسح المحرم على خف، قطعه أسفل من الكعبين، ويمر على ما بدا من كعبيه. وهذه رواية غير معروفة عن مالك، وإنما يعرف هذا من أقوال الأوزاعى، والوليد بن مسلم كثير الرواية عنه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه لا يجوز للمحرم أن يمسح على الخف، وإن لم يقطعه أسفل من الكعبين؛ لأنه منهى عن لبسه، وإنما يتعلق المسح بما أبيح له لبسه وحكم النساء فى المسح على الخف حكم الرجال، رواه ابن القاسم وعلى بن زیاد عن مالك. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه يجوز لها المسح على الخف حال الإحرام؛ لأنها ليست بممنوعة من لبسه. !، وعبدالرحمن بن عوف یؤمهم))، يريد أنه جاء فصل: وقوله: ((فجاء رسول الله ﴿ ٣٦١٠ الطهارة . موضع الصلاة وجماعة أصحابه، فألفى عبدالرحمن بن عوف يؤمهم، وفى ذلك دليل على أن الصلاة فى أول الوقت مندوب إليها، وأن لها فضيلة متأكدة، ولذلك قدموا عبدالرحمن بن عوف إذ تغيب النبى 198 فى حاجته مع فضيلة الصلاة خلف النبى وقرب موضع تغيبه لا يجوز أن يكونوا قدموا عبدالرحمن بن عوف خوف فوات الوقت؛ لأن النبى ﴿﴿ صلى بعض صلاته بعد تمام صلاة عبدالرحمن بن عوف، ولا يظن به تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت. فصل: وقوله: ((فصلى رسول الله ﴿﴿ الركعة التى بقيت عليهم))، يريد الركعة التى أدركها معهم. وروى أن تلك الصلاة صلاة الصبح. وقوله: ((فلما قضى رسول الله ﴿19 صلاته قال: أحسنتم))، يريد أنه قضى ما بقى من صلاته بعد سلام عبدالرحمن بن عوف، وهذا هو الظاهر من لفظ الحديث، فقال لهم: ((أحسنتم)) على سبيل التأنيس لهم، والإمضاء لفعلهم. ٧٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنْهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوْفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، وَهُوَ أَمِيرُهَا، فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ یَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ، فَقَلِمَ عَبْدُ اللّهِ، فَتَسِىَ أَنْ يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، خَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ، فَقَالَ: أَسَأَلْتَ أَبَاكَ؟ فَقَالَ: لا، فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَا أَدْخَلْتَ رِحْلَيْكَ فِى الْغُفَّيْنِ، وَهُمَا طَاهِرَتَانٍ، فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ اللّهِ: وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنَ الْغَائِطِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، وَإِذْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْغَائِطِ. الشرح: إنكار عبدالله بن عمر على سعد بن أبى وقاص المسح على الخفين فى الحضر، وهو أمير البلدة على ما علم من حال الصحابة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يهابون فى ذلك أميرًا ولا غيره، ولاسيما وقد علم من فضل سعد المسارعة إلى ما يظهر له من الصواب، ويدل إنكار عبدالله بن عمر لذلك أنه لم ير أباه ولا أحدًا من جملة الصحابة بالمدينة يمسحون مع تجويزهم له أخذًا بالأفضل. فصل: وقول سعد بن أبى وقاص: إذا قدمت، فسل أباك، يحتمل أنه قد كان علم من ٧٠ - وأخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ٢٠٢. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٤٦، ٥٥٣. وأحمد فى المسند برقم ٨٨، ١٢٩، ١٩٤، ٢١٦، ٢٣٩، ٣٠٩، ٣٤٥، ٣٨٩. الطهارة ٣٦٢ عمر موافقته فى ذلك، إما مفاوضة فى هذا الحكم أو بغير ذلك، ويحتمل أن يكون أراد أن يعلم ما عند عمر رضى الله عنه فى ذلك من فعل النبى فصل: وقوله: ((فقدم عبدالله، فنسى أن يسأل عمر عن ذلك حتى قدم سعد»، يحتمل أن يكون عبدالله إنما أغفل سؤال أبيه؛ لأنه سكن ووثق، واستغنى بخبر سعد، فى ذلك وعلم فضله وحفظه وصدقه، فلما قدم سعد وأمره بالسؤال، سأل عبدالله عن ذلك، إما ليعلم أباه بما ظهر إليه، ووصل إليه من علم هذه الحادثة، وإما ليطلب زيادة إن كانت عنده وأخبره عمر بمثل ما أخبره به سعد. وقال له: ((إذا أدخلت رجليك فى الخفين وهما طاهرتان، فامسح عليهما))، فجعل طهارة الرجلين عند إدخالهما فى الخفين شرطًا فى صحة المسح عليهما، وسيأتى بيانه إن شاء الله. فصل: وقول عبدالله بن عمر: ((وإن جاء أحدنا من الغائط))، تثبيتًا فى الأمر وتقريرًا له على طهارة الحدث دون طهارة الفضيلة، فأجابه عمر بأن ذلك لمن تطهر عن حدث. مسألة: ومن تيمم ثم لبس خفيه، فقد قال أصبغ فى العتبية: إن لبس خفيه قبل أن يصلى كان له أن يمسح على خفيه، وإن لبسهما بعد أن صلى لم يمسح عليهما. قال سحنون: لا يمسح عليهما، وإن لبسهما قبل الصلاة. حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم معناه. وجه قول أصبغ أنه لبس خفيه بطهارة يستبيح بها الصلاة، فكان له أن يستبيح بها الماء کالمسح على الجبائر. ووجه القول الثانى أن هذا أحد حالتى التيمم، فلم يستبح المسح على الخفين، أصله إذا لبسهما بعد الصلاة، واحتج مطرف وصاحباه بأن منتهى طهر التيمم فراغ تلك الصلاة. مسألة: المشهور من قول مالك وأصحابه أن مدة المسح غير مقدرة. قال الشيخ أبو محمد: وقال غير واحد من أصحابنا البغداديين فى الرسالة المنسوبة إلى مالك فى التوقيت: إنها لا تصح، وفيها أحاديث لا تصح عنه. وفى العتبية من رواية ابن وهب وابن القاسم: للمقيم والمسافر أن يمسحا، وليس لذلك حد من الأيام. وقال عنه ابن نافع فى المجموعة: حده للحاضر من الجمعة إلى الجمعة، يريد أنه يلزمه خلعها لغسل الجمعة. قال الشيخ أبو بكر: وقد روى أشهب عن مالك: يمسح المسافر ثلاثة أيام، ولم يذكر للمقيم وقت. ٣٦٣ الطهارة وجه القول الأول أن هذه طهارة، فلم تتوقت بزمن مقدر كغسل الرجلين. ووجه القول الثانى ما روى عن النبى 8$: ((مسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يومًا وليلة))، ومن جهة المعنى أن انتقال الطهارة من الغسل إلى المسح مؤثر فى المنع من استدامتها كالتيمم. ٧١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ فِى السُّوقِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ دُعِىَ لِحَتَازَةٍ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفِيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. الشرح: قوله: ((ومسح رأسه، ثم دعى لجنازة ليصلى عليها حين دخل المسجد»، يحتمل أن يكون أخر المسح لما اعتقد تفريق الطهارة، ويحتمل أن يكون أخر ذلك لعجز الماء عن قدر الكفاية، وقد قال ابن القاسم فى المجموعة: لم يأخذ مالك يفعل ابن عمر فى تأخير المسح، فحمل ذلك على القصد إلى تأخيرها. وروى على بن زياد عن مالك، أن من أخر مسح خفیه فى الوضوء، وحضرت الصلاة فليمسحهما، ويصلى ولا يخلع، وهذا يحتمل تجويز التفريق فى الطهارة أجمع، ويحتمل أن يكون ذلك لتجويزها فى المسح خاصة، وقد فسر ذلك محمد بن مسلمة فى المبسوط، وقال: إن ذلك إذا صار إلى المسح، فهو خفيف. فصل: وظاهر قوله: ((إنه دعى لجنازة حين دخل المسجد فمسح على خفيه، ثم صلى عليها))، يقتضى أنه مسحهما بعد دخول المسجد، إما أن يكون فى المسجد، وإما أن يكون بعد الخروج منه، فإن كان فى المسجد، فقد استجاز ذلك لقلة، الماء الذى يقطر منه. وأما الوضوء فى المسجد، فقد اختلف فيه أصحابنا، فأجازه ابن القاسم فى صحته من رواية موسى بن معاوية عنه، وكرهه سحنون لما فى ذلك من مج الريق فى المسجد، وما يتناثر من الماء مما يؤثر فى نظافة المسجد. " وقد روى محمد بن يحيى فى المدنية عن مالك: لا يصلح أن يتمضمض فى المسجد، وإن غطى بالحصباء بخلاف النخامة؛ لأن النخامة لا يجد الناس منها بدًا ولا مضرة عليهم فى ترك المضمضة فى المسجد، يريد والله أعلم، أن النخامة تكثر وتتكرر فشق الخروج ٧١ - الحديث فى الموطأ برقم ٧١. ........... ٣٦٤. الطهارة لها من المسجد، والله أعلم، والمضمضة تندر وتقل، فلا مضرة ولا مشقة فى الخروج لها من المسجد، والله أعلم، وهذا التعليل مروى عن القاسم بن محمد. فرع: إذا قلنا إن ذلك ممنوع فى المسجد، فقد قال ابن حبيب: جاء النهى أن يتطهر إلا خارجًا عنه فى رحابه، وعلى أبوابه، فأباح ذلك فى رحاب المسجد وعند أبوابه متنحیًا عن طريق الناس فى الدخول إليه والخروج عنه. فصل: وقوله: ((ثم صلى عليها))، يريد على الجنازة، يحتمل أن يكون يصلى عليها فى موضع الجنائز، لقوله: ((ثم صلى عليها))، و(ثم)) تقتضى المهلة والتراخى، ويحتمل أن يكون صلى عليها فى المسجد والجنازة خارج المسجد، وسيأتى الكلام على هذه المسألة فی کتاب الجنائز، إن شاء الله. ٧٢ - مَالِك، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشِ الأَشْعَرِى، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ أَتّى قُبَاء فَبَالَ، ثُمَّ أَتِىَ بِوَضُوءٍ(١) فَتَوَضَّأْ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفْيْنِ، ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى. الشرح: قوله: «ثم أتى قباء فبال))، إخبار منه بتقدم حديثه على الوضوء، وأن ما حكاه من المسح على الخفين لم يكن فى تجديد طهارة، وإنما كان فى طهارة حدث لا تجزى الصلاة إلا بها، وتم ذلك بالإخبار عن دخول المسجد وصلاته فيه، ولم يعين الصلاة؛ لأن الطهارة لا تختلف لذلك. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلاةِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَيْهِ، ثُمَّ بَالَ، ثُمَّ نَزَعَهُمَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا فِى رِ حْلَيْهِ، أَيَسْتَأْتِفُ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ: لِيُنْزِعْ خُفِيْهِ، وَلْيَغْسِلْ رِحْلَيْهِ، وَإِنْمَا يَمْسَحُ عَلَى الْعُقْنِ، مَنْ أَدْخَلَ رِحْلَيْهِ فِى الْخُفْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِخْلَيْهِ فِى الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنٍ بِطُهْرٍ الْوُضُوءِ، فَلا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِيْنِ. الشرح: وهذا كما قال أنه لبس خفيه بعد وضوئه، ثم خلعهما ثم لبسهما، فقد زال حكم لبسهما على الطهارة، وصار لابسًا لهما على غير طهارة، وإدخالهما فى الخف ٧٢ - الحديث فى الموطأ برقم ٧٢. (١) بوضوء: الماء المعد للوضوء. ٣٦٥ الطهارة طاهرتين شرط فى صحة المسح على الخفين، والفرق بين الخفين وبين الجبائر أن سبب لبس الخفين موقوف على اختيار لابسهما، وسبب الجبائر غير موقوف على اختيار من وضعت به. مسألة: ولبس الخفين إنما أبيح المسح عليهما إذا لبسهما للوجه المعتاد من المشى فيهما أو التدفى بهما، وأما من لبسهما ليمسح عليهما، فالمشهور من المذهب أنه لا يجزئ، وحكى أبو زيد فى ثمانيته عن أصبغ، أنه يكره، فمن فعله أجزأه، وأجاز ذلك إبراهيم النخعى والحكم بن عتيبة. وجه المنع أنه إنما أبيح المسح عليهما للحاجة ومشقة خلعهما، ولم يبح المسح عليهما لمشقة إيصال الماء إلى العظم، وإنما ذلك حكم الجبائر. ووجه الرواية الأخرى أنه ملبوس يجوز المسح عليه لضرورة اللبس، فجاز المسح عليه إذا لبس للمسح علیه کالجبائر. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن المسح على الخفين لا يرفع الحدث، وبه قال جمهور الفقهاء. وقال داود: يرفع الحدث الأصغر. وفائدة ذلك أن خلع الخفين بعد المسح عليهما يبطل حكم المسح، ويوجب غسل الرجلين. وقال داود: الطهارة باقية لا تبطل إلا بحدث. والدليل على ما يقوله أن هذا مسح على حائل دون عضو من أعضاء الوضوء، فظهور أصله يبطل حكمة أصله، إذا مسح على الجبائر والعصائب. فرع: إذا قلنا إنه يجب غسلهما عند نزع الخفين بنوعهما، فقد روى ابن القاسم عن مالك، أنه إن غسلهما مكانه أجزأه. وروى زيد بن شعيب الإسكندرى عن مالك أنه ينتقض وضوؤه، وبه قال الشافعی. وجه ذلك عند مالك أن الموالاة شرط فى صحة الطهارة، وذلك معدوم فى غسل رجلیه بعد خلع خفیه. ووجه القول الأول أنه لم يوجد بين حالى الطهارة مهلة، فلم تعدم الموالاة، وإنما تعدم الموالاة بأن تمضى مدة طويلة بين أول الطهارة وآخرها يعلم فيها المكلف أنه غير كامل الطهارة، وهذا معدوم فى مسألتنا، ولذلك جاز لمن نسى عضوًا من أعضاء طهارته، ثم ذكر بعد مدة أن يفرده بالطهارة؛ لأنه فى تلك المدة لم يكن عالمًا بأنه على غير طهارة، ففى مسألتنا أبين، والله أعلم. ٣٦٦ الطهارة ... فرع: فإذا قلنا إنه يغسل، فإن غسلهما. مكانه أجزأه، وإن أخذ ذلك، فقد روى ابن القاسم عن مالك، أنه يستأنف الوضوء. وروى محمد بن يحيى عن مالك: يجزيه غسلهما. وروى ابن وهب عن مالك: أرجو أن يجزيه ذلك، وابتداء الطهارة أحب إلىّ. وجه القول ما قدمنا من أن الموالاة شرط فى صحة الطهارة، وتمنع الموالاة إن تخللها مدة يعلم فيها أنه على غير طهارة. والرواية الثانية مبنية على أن الموالاة ليست بشرط فى صحة الطهارة أو على أنها ليست بشرط فى صحة تطهير ما ظهر من المحل بعد إكمال الطهارة بتطهير البول. قال القاضى أبو الحسن: من قال من أصحابنا: الموالاة مستحبة، فإنه يغسل رجليه، وإن طال ذلك. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ، فَسَهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَيْنِ، حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ وَصَلَّى، قَالَ: لِيَمْسَحْ عَلَى خُفْيْهِ، وَيُعِيدُ الصَّلاةَ، وَلا يُعِيدُ الْوُضُوءَ. الشرح: وهذا كما قال؛ لأنا قد بينا أن تأخير غسل الرجلين عن الطهارة ناسيًا لا يفسدها، فلذلك لم يجب عليه إعادة الوضوء، ولم يكمل الوضوء دون ذلك، فوجب إعادة الصلاة والمسح على الخفين بدلاً من غسل الرجلين، فكان ذلك حكمهما. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفِيْهِ، ثُمَّ اسْتَأَنَفَ الْوُضُوءَ، فَقَالَ: لِيْزِغْ خُفَيْهِ ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَغْسِلْ رِ حْلَيْهِ. الشرح: هذا المشهور من مذهب مالك، رحمه الله، والمروى عن جماعة من أصحابه. وروى موسى بن معاوية الصمادحى، عن ابن القاسم، عن مالك فنى العتبية: أنه إذا غسل رجليه دون سائر أعضاء وضوئه، ثم أدخلهما فى الخفين، جاز المسح عليهما وإن نام بعد أن لبس خفيه، وقبل أن يكمل طهارته، فالخلاف بين الروايتين مبنى على فصلین. وأما الفصل الأول، فإن الرواية الأولى مبنية على أنه لا يطهر عضو من أعضاء الطهارة إلا بكمال الطهارة كلها، ولا يكمل بتطهيره خاصة، فمن غسل رجليه قبل أن یتوضأ لم تطهر قدماه بغسل قدميه، وإنما يطهران بإ کمال طهارته، و کذلك سائر أعضائه. ٣٦٧ الطهارة وأما الرواية الثانية، فمبنية على أن كل عضو تكمل طهارته بتطهيره، فإذا غسل رجليه فقد طهرتا بالغسل، فكان حكمه فى لبس الخفين حكم من كملت طهارته؛ لأن قدمیه قد کملت طهارتهما. فصل: وأما الفصل الثانى، فهو إفراد القدمين بالغسل طهارة شرعية يستباح بها المسح على الخفين دون الطهارة المشروعة فى رفع الحدث، فلذلك قال: إنه إن نام قبل تمام الطهارة جوز له المسح مع ذلك على الخفين، وعلى الرواية الثانية، ليست بطهارة شرعية، ولا يستباح بها مسح ولا غيره. مسألة: ولو توضأ فغسل إحدى رجليه ثم لبس الخف الواحد، ثم غسل الأخرى ثم لبس الآخر، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يمسح عليهما. وقال مطرف من أصحابنا: يمسح عليهما، وبه قال أبو حنيفة. وجه الرواية الأولى أن كل ما كانت الطهارة شرطًا فى صحته، وجب أن يتقدم على جميعه كالصلاة. ووجه الرواية الثانية أنه حدث ورد على طهر كامل، فأشبهه إذا ابتدأ اللبس بعد غسل القدمين. العمل فى المسح على الخفين ٧٣ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، أَنْهُ رَأَى أَبَاهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَيْنِ، قَالَ: وَكَانَ لا يَزِيدُ إِذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفْيْنِ، عَلَى أَنْ يَمْسَحَ ظُهُورَهُمَا، وَلا يَمْسَحُ بُطُونَهُمَا. الشرح: وهذا على ما ذكر من جواز المسح على الخفين، وذلك أن عروة كان لا يزيد فى مسح الخفين على مسح الظهور، ومعنى ذلك أن ظهر الخف عنده محل وجوب المسح، وبه قال مالك، ولو مسح الأسفل دون الأعلى لم يجزه، ويعيد أبدًا، قاله سحنون ٧٣ - أخرجه مسلم ٢١٥/١ كتاب الطهارة باب ٩ عن أبى هريرة. وابن ماجه ١٥٤/١ برقم ٤٥٢ عن عائشة. وأحمد ٤٧١/٢ عن أبى هريرة. والبيهقى فى السنن الكبرى ٦٩/١ عن عائشة بكتاب الطهارة، باب الدليل على .. إلخ. والطبرانى فى الكبير ٣٤٨/٨ عن أبى أمامة. وابن أبى شيبة ٢٦/١ عن أبى هريرة. وأبو عوانة ٢٣٠/١ عن عبد الله بن عمرو. وابن عدى ٤١٧/٢ عن عائشة. وذكره فى الكنز ٤٣٠/٩ برقم ٢٦٨٢٧ وعزاه لسعيد بن منصور، عن أبی ذر. ٣٦٨ الطهارة وابن حبيب. هذا المشهور من المذهب. وروى ابن عبدالحكم عن أشهب، أنه يجزيه، وبه قال بعض أصحاب الشافعى. والدليل على المشهور من المذهب أن ظاهر الخف له حكم الخف بدليل أنه لا يجوز للمحرم لبسه، وأسفل الخف له حكم النعل، بدليل أنه يجوز للمحرم لبسه، فوجب أن يختص المسح بما له حكم الخف دون ما حكمه حكم النعل. وتحرير ذلك أن هذا موضع من الملبوس فى القدم لا يلزم المحرم بلبسه فدية، فلم يجز أن يفرد بالمسح كما لو انفرد. ووجه قول أشهب، والله أعلم، أن الممسوح عنده غير مستوعب، ولذلك جوز المسح ببعض الرأس، وإذا كان أسفل الخف عنده محلاً للفرض؛ لأنه يحاذى من القدم ما هو محل لفرض الغسل، جاز له الاقتصار عليه. ٧٤ - مَالِكِ، أَنْهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفْيْنِ كَيْفَ هُوَ؟ فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابٍ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ، وَالأَخْرَى فَوْقَهُ، ثُمَّ أَمَرَّهُمَا. قَالَ يَحْتِى: قَالَ مَالِك: وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال ابن شهاب، رحمه الله، جمع فى مسحه بين الفرض، وهو ظاهر الخف، وبين الفضيلة، وهو باطن الخف، فمسح جميع الخف إلى العقب، وهذا هو المشهور من المذهب، وبه قال ابن القاسم. وقال ابن عبدالحكم: إن مسح باطن الخف فرض لا يخرق الإخلال به. وقال ابن نافع: من ترك مسح باطن الخف أعاد أبدًا. وروى ابن عبدالحكم، عن أشهب: أن الفرض مسح باطن الخف، وأنه إن مسحه دون ظاهره أجزا، وقد تقدم توجیه قول ابن القاسم. ووجه قول ابن عبدالحكم وابن نافع، أنه موضع من الخف یحاذى المغسول من القدم، فوجب غسله كالظاهر. فرع: فإذا قلنا برواية ابن القاسم، فإن مسح أعلى الخف دون باطنه، أعاد فى الوقت. وقال سحنون: لا إعادة عليه. ٧٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٦. أخرجه البغوى فى شرح السنة ٤٦٣/١ عن المغيرة. ٠ ٣٦٩ ...... الطهارة وجه قول ابن القاسم: يعيد فى الوقت ليؤدى الفرض باتفاق وليأتى به على أكمل هيئاته. مسألة: وهل عليه استيعاب الممسوح من الخف بالمسح أم لا؟. الظاهر من المذهب وجوب الاستيعاب، وهو مقتضى رواية موسى بن معاوية عن ابن القاسم فى العتبية، ويقتضى قول محمد بن مسلمة: ليس شأن المسح الاستيعاب أن ذلك غير واجب، وقد قال به قوم من أصحابنا. قال الشيخ أبو بكر: وجه وجوب الاستيعاب أنه مسح أبدل من غسل، فكان حكمه فى الاستيعاب كالجبيرة. مسألة: ويجوز المسح على الخف إذا كان إلى الكعبين. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى أن يستر محل الغسل، ويكون من الصحة بحيث يمكن متابعة المشى فيه غالبًا، فإن كان الخرق يسيرًا جاز المسح عليه خلافًا لأحد قولى الشافعى، وإن كان كثيرًا لم يجز المسح عليه. وقال الثورى: يمسح عليه، وعلى ما ظهر من الرجل. والدليل على ما نقوله أن هذا ملبوس لا يمكن متابعة المشى فيه غالبًا، فلم يجز المسح عليه كالخرق تلف على الرجل. فرع: وفرق العراقيون من أصحابنا بين القليل الذى لا يمنع المسح وبين الكثير الذى يمنعه، فإن القليل ما يمكن متابعة المشى عليه غالبًا، والكثير لا يمكن متابعة المشى معه غالبًا. وقال ابن القاسم: إن الخرق إذا ظهر منه القدم منع المسح، وإذا لم يظهر منه القدم لم يمنعه، ولم يجد فيه أحد من أصحابنا ربعًا ولا ثلثَاء، خلافًا لأبى حنيفة فى قوله: إن كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع، جاز المسح عليه، وإن كان ثلاثة أصابع فأكثر ما جاز المسح علیه. والدليل عليه ما تقدم، فإن أشكل الخرق، فلم يدر أهو من الكثير الذى يمنع المسح أم من القليل الذى لا يمنعه؟، فقد قال ابن حبيب: لا يمسح عليه. ووجه ذلك أنه لا يجوز المسح إلا على ما تيقن إجزاؤه، والله أعلم وأحكم. مسألة: واختلف قول مالك فى جواز المسح على الجرموق، فأجازه مرة وأخذ به ابن القاسم، ومنعه مرة. ... الطهارة ٣٧٠ ووجه الجواز أن هذا خف يمكن متابعة المشى فيه غالبًا. ووجه الرواية الثانية أن المسح على الخف أبيح لضرورة مشقة خلعه ولبسه، وذلك معدوم فى الجرموق كالنعل. واستدل القاضى أبو محمد فى ذلك بإنه ملبوس على ممسوح، فلم يجز أن يمسح فى الوضوء لغير ضرورة كالعمامة، فاقتضى استدلاله أن الجرموق هو خف ملبوس على خف. قال الشيخ أبو محمد فى نوادره: قال بعض البغداديين: اختلف قول مالك فى مسح خف الملبوس على خف، فقال مرة: يمسح، وقال مرة: لا يمسح، وهكذا ذكره الشيخ أبو بکر فی شرحه. وقال القاضى أبو الحسن: الجرموق هو الخف فوق الخف. وقال ابن حبيب: هو خف غليظ لا ساق له. مسألة: ومن لبس مهاميز فوق خف، فقد قال سحنون: يمسح على المهاميز. ووجه ذلك على قول من يرى تبعيض المسح بين، وعلى قول من لا يرى ذلك أنه لما سومح فى يسير الخرق، فبأن يسامح فى يسير الحائل الذى تدعو الضرورة إليه أولى. * ما جاء فى الرعاف ٧٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ، انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَى وَلَمْ يَتَكَلِّمْ. الشرح: قوله: ((انصرف)) معناه، والله أعلم، إذا كان بأن يراه قاطرًا أو سائلاً أو يرى أثره فى أنامله، فإن لم يتيقن ذلك، ففى المدونة عن مالك فى مصلٍ ظن أنه أحدث أو رعف، فانصرف لقبل الدم ثم تبين له أنه لم يصبه شىء، يرجع فيستأنف الصلاة، ولا یبنی. قال ابن القاسم: ومن قطع صلاته تعمدًا أفسد على من خلفه، فظاهر هذا يقتضى إن فعل الإمام ذلك بطلت صلاته، وصلاة من خلفه. وقال سحنون فى المجموعة: إن استخلف الإمام فى الرعاف، ثم تبين له أنه يرعف لم تبطل على من خلفه؛ لأنه خرج لما يجوز له وليعد هو صلاته خلف المستخلف. ٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٧. وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٤٠٧/٢. ابن أبى شيبة فى المصنف ١٠٣/١. المحلى ٨٤/٣. كشف الغمة ١٨٦/١. ٣٧١٠٠٠٠ ..... الطهارة .. ووجه قول مالك ما احتج به ابن القاسم، وجعل خروجه من الصلاة بظن الرعاف ممنوعًا منه؛ ولذلك أبطل صلاته وصلاة من خلفه. وقد قال سحنون: إن ذلك يجوز له، ولذلك لم تبطل صلاة من خلفه؛ لأن ما كان على وجه السهو لا يتعدى صلاة الإمام إلى صلاة المأموم كالمصلى محدثًا. وقد قال سحنون فى الإمام شك فى ثلاث ركعات أو أربع، فيسلم على شك: أنه قد أبطل عليه وعليهم، والفرق بينهما أن هذا مأمور بالتمادى على إتمام صلاته، ومنهى عما أتى به من السلام ومن ظن الرعاف، فمأمور بالخروج منهى عن التمادى، وإنما يبنى على الظاهر، ويحتمل أن يفرق بين الظن والشك. وقد قال فى الواضحة، وكتاب ابن سحنون فى الذى يسلم على الشك فى ثلاث أو أربع: أنها تجزیه. قال ابن حبيب: کمن تزوج امرأة لها زوج غائب، لا يدری احی هو أم میت، ثم تبين أنه مات لمثل ما تنقضی فیه عدتها قبل نكاحها، فنكاحه ماض. وروی عیسى عن ابن القاسم فى العتبية فيمن صلى ركعتين ثم شك فى الوضوء فأتم الصلاة على ذلك، ثم تيقن الوضوء: أن صلاته تجزيه. وقال أشهب: لا تجزيه، وهو باطل. فصل: وقوله: ((انصرف فتوضأ، ثم رجع فينى))، يريد انصرف عن صلاته ثم رجع إلى الصلاة، فبنى على ما تقدم له منها، ولم يتكلم، يريد أنه استدام حكم الصلاة. وأما قوله: ((فتوضأ))، فإنه يحتمل قوله: ((فتوضأ)) وضوء الحدث، ويحتمل غسل الدم. والكلام فى هذا الحديث فى أربعة فصول، أحدها: أن الرعاف لا ينقض الطهارة، والثانى: فى أن الحدث يمنع البناء، والثالث: فى أن الرعاف لا ينقض الصلاة، والرابع: فيما يلزم من الخروج إلى غسل الدم وحكم البناء، فأما الأول فقد تقدم دليلنا على أن ما يخرج من غير السبيلين من الدم لا ينقض الطهارة. فصل: وأما الفصل الثانى فى أن الحدث يمنع البناء، سواء كان غالبًا أو غير غالبًا، فهو مذهب مالك وجميع أصحابه. وقال أبو حنيفة: إن الحدث الغالب لا يمنع البناء، والرعاف عنده حدث غالب، فلذلك يمنع البناء. والدليل على ما نقوله أن المحدث إذا خرج إلى الوضوء لا يخلو أن يكون فى صلاة أو فى غير صلاة، فإن كان فى غير صلاة، وجب أن لا يبنى على أول صلاته للإجماع الطهارة ...... ٣٧٢ على أن التفريق مفسد لها، وإن كان فى صلاة وجب أن تبطل صلاته للإجماع على أن الطهارة شرط فى صحتها، ولو صح بعضها مع عدم الطهارة لوجب أن يصح جميعها مع عدم الطهارة. وهذا باطل باتفاق، وإذا بطل هذان الوجهان بطل البناء مع الحدث. فصل: وأما الفصل الثالث فى أن الرعاف لا يبطل الصلاة ولا يمنع البناء، فقد قال القاضى أبو محمد: إنه إجماع الصحابة، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس، ولا مخالف لهم. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى فى ذلك المتعلق بالقياس؛ لأنه مانع يخرج من الجسد من غير مسلك الطعام والشراب، فلم يبطل خروجه الصلاة كالعرق والدموع. فصل: وأما البناء، فإن الأفضل عند مالك إن رعف أن يقطع الصلاة بكلام أو غيره، فيغسل عنه الدم ثم يبتدأ الصلاة، رواه فى المجموعة ابن نافع وعلى بن زياد عن مالك. وجه ذلك أن يخرج من الخلاف ويؤدى الصلاة باتفاق. فرع: وهذا إذا كان مأمومًا، فإن كان فذًا، فهل له أن يبنى أم لا؟ عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: ليس له ذلك، وهو المشهور من مذهبه، والثانية: له ذلك، وبه قال محمد بن مسلمة. وجه الرواية الأولى أن العمل يبطل الصلاة وينافيها إلا أن يكون بفائدة لا تصح لهما به، وإذا كان وراء إمام أبيح له الخروج وغسل الدم؛ ليحرز صلاة الجماعة مع الإمام، ولولا ذلك لفاتته، وإن كان وحده، فلا فائدة فى خروجه إلا بمجرد العمل فى الصلاة؛ لأنه يقدر بعد غسل الدم على الصلاة وحده. ووجه الرواية الثانية قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وقد تقدم له عمل، فوجب أن لا يبطله. ومن جهة المعنى أن هذا رعف فى الصلاة، فكان له أن يبنى فى الرعاف كالمأموم. مسألة: واختلف أصحابنا فى حكم الراعف، فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك لا يبنى حتى يتقدم له ركعة بسجدتيها، فإن رعف قبل ذلك لم یین، وقال ابن الماجشون: إن رعف فى الركعة الأولى قطع واستأنف الإقامة. وروى ابن وهب عن مالك فيمن رعف بعد ركعة وسجدة إن بنى أجزاه. ٣٧٣ الطهارة وفرق ابن حبيب بين الجمعة وغيرها فقال: إن كان فى الجمعة لم يبن، إلا أن يرعف بعد كمال الركعة. وأما فى غير الجمعة، فإنه يبنى. قال سحنون: إن أحرم ثم رعف بنى على إحرامه. وجه رواية ابن القاسم أن البناء لا يكون على غير شىء، وإنما يكون على شىء قد كمل وحصل وأقل ما يوصف بذلك من الصلاة ركعة بسجودها. وقول ابن القاسم على أن الفذ لا يبنى، ومن جوز البناء قبل عقد الركعة، فمبنى على أن للفذ أن يبنى، وعلى ذلك فرق ابن حبيب بين الجمعة وغيرها؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بالإمام، ولا يحصل للمأموم حكم صلاة الإمام إلا بأن يصلى معه ركعة بسجدتيها. فرع: فإذا أدرك ركعة بسجدتيها، وبعدها ركعة سجد لها سجدة، ثم رعف فخرج ثم رجع بعد أن غسل الدم، فروى ابن القاسم أنه يأتنف تلك الركعة الثانية من أولها. وقال ابن الماجشون: إذا تقدمت له ركعة كاملة، ثم رعف فى الثانية، فإنه يبنى على ما تقدم. وجه قول ابن القاسم أن الركعة الواحدة لا يصح الفصل فيها بعمل لغيرها، وإن کان من الصلاة، و کذلك من فصل بین ر کعة وسجدتیھا بركوع أو سجود لغيرها، فقد فاته إتمامها، ولما كان الخروج لغسل الدم ليس من الركعة كان فصلاً بين الركعة مانعًا من إتمامها. ووجه القول الثانى أن الخروج لغسل الدم لم يكن مانعًا من إتمام الركعة. فصل: وقوله: ((ثم رجع فبنى ولم يتكلم))، يريد أنه رجع إلى صلاته وإلى موضع صلاته، وذلك أن المأموم إذا رعف فخرج وغسل الدم، فإن اعتقد أن إمامه فى صلاته لزمه الرجوع إلى تمام ما أدرك معه من الصلاة، فإذا سلم الإمام قام فأتى بما فاته من صلاة الإمام، وإن اعتقد أن إمامه قد أتم صلاته فلا يخلو أن يكون فى جمعة أو غير جمعة، فإن كان فى جمعة لزمه الرجوع إلى الجامع؛ لأن بقية صلاته من الجمعة، والجمعة لا تصلى إلا فى الجامع، وإن كان فى غير جمعة، أتم حيث غسل عنه أو فى أقرب المواضع إليه مما يمكنه أن يتم فيه؛ لأن الزيادة على ذلك عمل تستغنى عنه الصلاة، فكان مفسدًا لها. هذا هو المشهور من مذهب مالك. ورواية ابن القاسم عنه، وهو فى المدنية من رواية محمد بن يحيى عن مالك، أنه لا يرجع لإتمام الصلاة إلا فى مسجد رسول الله ﴿﴿ وفى المسجد الحرام، فجعل له الرجوع لفضيلة المكان، وإن لم يكن من شرط صحة الصلاة. ٣٧٤ الطهارة ولعل قوله فى حديث ابن عمر: ((فتوضأ ثم رجع))، إنما عنى بذلك أنه كان يرجع إلى مسجد النبى ﴿﴿، والله أعلم. فرع: فإن كان فى جهة، فقد قال أبو إسحاق: وإنما يرجع إلى أدنى موضع تصلى فيه الجمعة بصلاة الإمام. ومعنى ذلك أن ما زاد على هذا المقدار عمل كثير مستغنى عنه، فإن أتم فى غير الجامع مع القدرة على إتيانه، فقد قال الشيخ أبو إسحاق: لا إعادة عليه، فجعل الرجوع إلى الجامع من فضيلة ما بقى عليه من صلاته وليس شرطًا فى صحتها. والظاهر من قول مالك أن ذلك لا يجزئه. وقد قال ابن المواز: من ذكر سجدتی السهو قبل السلام من الجمعة، فلا يسجدهما إلا فى المسجد، فإن سجدهما فلا يجزئه. وقول أبى إسحاق يصح على رواية محمد بن يحيى عن مالك: يرجع الراعف لإتمام صلاته فى المسجد الحرام؛ لأن إتيانه فضيلة، وليس بشرط فى صحة الصلاة. مسألة: والمشهور من المذهب أن الراعف يرجع مادام إمامه فى بقية من صلاته من تشهد أو غيره. وقال أبو إسحاق: إن رجا أن يدرك مع إمامه ركعة، وإلا صلى مكانه. ٧٦ - مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى. ٧٧ - مَالِك، عَنْ تَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قُسَيْطِ اللَّيْئِىِّ، أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّى، فَأَتَى حُجْرَةً أُمِّ سَلَّمَةً، زَوْجِ النّبِىِّ ﴿، فَأُتِىَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَّنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى. الشرح: وقوله فى حديث ابن عباس: ((أنه رعف، فخرج فغسل عنه الدم))، إخبار وتصريح بأنه كان لا يرى الوضوء من الرعاف، وأنه رأى ذلك تكرر من عبدالله بن عباس حتى خرج عن أن يفعل ذلك ساهيًا. فصل: وقوله فى حديث سعيد بن المسيب: ((أنه أتى حجرة أم سلمة زوج النبى، ﴿)) لعله كان أقرب المواضع إلى مصلاه مما يمكنه فيه غسل الدم؛ لأن الراعف إنما يجب ٧٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨. ٧٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩. ٣٧٥ .... الطهارة . أن يخرج إلى أقرب المواضع المباحة له التى يمكنه فيها غسل الدم، فإن زاد على ذلك بطلت صلاته؛ لأن الزيادة على ذلك عمل كثير فى الصلاة لا تعلق له بالصلاة. وقوله فيه: ((فأتى بوضوء فتوضأ))، على حسب ما روى فى حديث ابن عمر، يحتمل الوجهین المذکورین فیه. فصل: وقوله: ((ثم رجع، فبنى على ما قد صلى))، يقتضى أنه قد كان تقدم من صلاته ما بنی علیه. العمل فى الرعاف ٧٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِىِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَرْعُفُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ، حَتّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ مِنَ الدَّمِ الْذِى يُخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ، ثُمَّ يُصَلِّى، وَلا يَتَوَضَّأُ. الشرح: قوله: ((يرعف فيخرج منه الدم حتى تختصب أصابعه))، ظاهر هذا اللفظ يقتضى أنها كانت تختصب أصابعه كلها، وهذا فى حيز الدم الكثير، ولعله أراد الأنامل العليا من أصابع يده، وأن ذلك فى حيز اليسير، والرعاف على ضربين، قليل وكثير. فأما الكثير، فهو الذى يخرج الراعف إلى غسله، ثم يبنى على ما تقدم من صلاته. وأما القليل، فإنه يفتله بأصابعه حتى يجف، ويتمادى على صلاته، ويجرى ذلك مجرى البثرة يحكها فى الصلاة، فيخرج منها يسير الدم، فإنه يفتله بأصابعه حتى يجف ويتمادى فى صلاته، وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا. فرع: والكثير أن يسيل أو يقطر، لقوله تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإن لم يسل ولم يقطر، وإنما كان يرشح من أنفه، فإنه يقتله بأصابعه، فإن عم أنامله الأربعة العليا، ولم يزد على ذلك فهو يسير لا ينصرف منه، وإن زاد على ذلك إلى الأنامل التى تليها فلينصرف، فإنه كثير. قاله ابن نافع فى المجموعة عنه، وفى كتاب ابن المواز نحوه. ومعنى انصرافه فى هذا قطع صلانه واستئنافه بعد غسل الدم؛ لأنه حامل نجاسة فى خروجه، فتبطل بذلك صلاته. ٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٠. ٣٧٦ الطهارة فصل: وقوله: ((ثم يصلى ولا يتوضأ))، يحتمل أيضًا معنيين، يحتمل أن يقصد إلى الإخبار عن أن مثل هذا المقدار من الدماء لا يوجب عليه وضوء حدث، وهو مذهب من يقول إن خروج الدم من الجسد ينقض الطهارة أنه إنما ينقضها الكثير الذى يسيل، فأما الرشح فلا ينقضها، والوجه الثانى أن يريد به ولا يغسل عنه الدم الخارج من أنفه. ٧٩ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَرِ، أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِ الدَّمُ، حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ، ثُمَّ يَفْتِلُهُ(١)، ثُمَّ يُصَلِّى وَلا يَتَوَضَّأُ. الشرح: قوله: ((ثم يفتله))، يريد أنه كان يفتله بإصبعه ليجف فيها، وتذهب رطوبته، فلا يفسد ثوبه ولا شيئا من جسده، وهذا فى اليسير على ما تقدم ذكره. العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف ٨٠ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبُرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِى طُعِنَ فِيهَا فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، وَلا حَظَّ فِى الإِسْلامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ(١)، فَصَلَّى عُمَرُ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ(٢) دَمًّا. الشرح: قوله: ((إنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التى طعن فيها))، ظاهره أن وقت صلاة الصبح من الليل؛ لأن الذى صح عن عمر أنه طعن فى صلاة الصبح من أول ركعة، ولعل هذا مخالف لتلك الرواية، ويحتمل أنه أراد بذلك من الوقت المتصل بتلك الليلة، وعند مالك أن النهار من طلوع الفجر. وقد روى عيسى عن ابن القاسم أن عمر مات من يومه الذی طعن فيه. ٧٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١. (١) یفتله: أی یحکه ویزیله. ٨٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢. وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٣٥٧/١. عبد الرزاق فى المصنف ١٥٠/١. (١) ((ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة))، أخذ بظاهره من كفر بترك الصلاة تكاسلا وهو مذهب جمع من الصحابة، وبه قال أحمد وإسحاق، ومال إليه الحافظ المنذرى فى ترغيبه. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٨). (٢) يثعب: أى ينزف ويسيل منه الدم. وقال فى النهاية: أى يجرى، وقال فى العين: أى ينفجر. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٨). ٣٧٧٠ الطهارة فصل: وقوله: ((فأيقظ عمر لصلاة الصبح))، يقتضى أن ذلك يجب عليه؛ لأن الصلاة لا تسقط بجرح ولا شدة مع بقاء العقل، ولذلك قال عمر: «نعم ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة))، يعنى أنه لا نصيب له فى الإسلام، ولا تقبل منه أعماله إذ الصلاة أول أعمال الإسلام قبولاً وأرفعها شأنًا، فمن ترك الصلاة بطل نصيبه من سائر أعمال الإسلام، ولم ينتفع بها، ولم یکن له نصيب منها. ويحتمل أيضًا أن يريد بذلك: ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة مكذبًا بها، وسيأتى الكلام فى ذلك، ويحتمل أن يكون أراد بذلك: ولا يحقن دمه من لا يصلى؛ لأن الذى يحقن الإنسان به دمه، هو إظهار الشهادتين والصلاة والزكاة، قال الله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥]، فمعنى ذلك من ترك الصلاة فليس له فى الإسلام حظ يحقن به دمه. فصل: وقوله: ((فصلى عمر وجرحه يثعب دمًا))، يريد يسيل دمًا، وخروج الدم من الجرح على وجهين، أحدهما: أن يكون متصلاً غير منقطع، والثانى: أن يجرى فى وقت دون وقت، فإن اتصل خروجه، فعلى المجروح أن يصلى على حاله، ولا تبطل بذلك صلاته؛ لأنه نجاسة لا يمكنه التوقى منها، وليس عليه غسلها إلا إذا كثرت وتفاحشت، فإنه يستحب غسلها. فرع: وأما ما لا يتصور خروجه ويمكن التوقى من نجاسته ودمه، فإن انبعث فى الصلاة بفعل المصلى أو بغير فعله، فإنه يقطع الصلاة لنجاسة جسمه وثوبه، فيغسل ما به من الدم، ثم يستأنف صلاته؛ لأن هذه نجاسة يمكن التوقی منها. ٨١ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ رُعَافٍ فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ؟ قَالَ مَالِك: قَالَ يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ: ثُمَّ قَالَ سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَّّبِ: أَرَى أَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ إِمَاءٌ. قَالَ يَحْتِى: قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: سؤال ابن المسيب لأصحابه على سبيل الاستخبار لهم بالمسائل والتدريب لهم فى فهمها والنظر فى أحكامها، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التنبيه لهم على السؤال عن حكم من رعفه الدم وغلبه ولم ينقطع. ٨١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣. الطهارة ٣٧٨ وقوله: ((أرى أن يومئ برأسه إيماء))، يريد أنه لا يتمكن من غسل الدم؛ لأنه لا ینقطع، فحكمه أن یصلی به على هيئته ویومئ لركوعه وسجوده. واختلف أصحابنا فى توجيه ذلك، فقال ابن حبيب: إنما ذلك ليدرأ عن ثوبه الفساد بالإيماء له؛ لأنه لو ذهب فتم ركوعه وسجوده لأفسد ثوبه الدم، فكان ذلك من الأعذار التى تبيح الإيماء كما يبيح التيمم الزيادة فى ثمن الماء، وتسقط فرض استعماله. وقال محمد بن مسلمة: إنما ذلك إذا کان الرعاف یضر به فی ر کوعه وسجوده کالرمد، ومن لا يقدر على السجود. الوضوء من المذى ٨٢ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْعَذْىُ مَاذَا عَلَيْهِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ عِنْدِى ابْنَةً رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَأَنَا أَسْتَحِى أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنْ ٨٢ - أخرجه البخارى كتاب العلم برقم ١٣٢. ومسلم كتاب الحيض ٣٠٣. والنسائى كتاب الطهارة برقم ١٥٢، ١٥٣، ١٥٦، ١٥٧، ١٩٣، ١٩٤. وكتاب الغسل والتيمم برقم ٤٣٥، ٤٣٦، ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٤٠. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ٢٠٦، ٢٠٧. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٠٥. وأحمد بالمسند برقم ٦٠٧، ٦١٩، ٨٤٩، ٨٥٨، ١٠١٢، ١٠٧٤، ١٢٤٢، ١٦٢٨٤، ٢٣٢٩٦، ٠٢٣٣٠٧ وعبدالرزاق برقم ٦٠٠ عن المقداد. وذكره فى كنز العمال برقم ٢٧٠٧١ وعزاه السيوطى لعبدالرزاق بالمصنف، عن المقداد. وقال ابن عبدالبر: هذا إسناد ليس بمتصل؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علی ولم ير واحدا منهما. ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، ولا خلاف أن المقداد توفى سنة ثلاث وثلاثين، وهو المقداد بن عمرو الكندى يكنى أبا معبد تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهرى فنسب إليه. وقال: بين سليمان وعلى فى هذا الحديث ابن عباس. وأخرجه مسلم والنسائى من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علىّ بن أبى طالب أرسلت المقداد بن الأسود ... الحديث. انظر: (التمهيد، حديث عاشر لأبى النضر، باب الوضوء من المذى، وتنوير الحوالك صـ٤٨). ٣٧٩ الطهارة ذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا وَحَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ(١) وَلْيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ. الشرح: قوله: ((إن على بن أبى طالب أمره أن يسئل رسول الله (!))، أصل فى التعاون على طلب العلم والنيابة فيه وقبول خبر الثقة فيما يعقل عنه. فصل: وقوله: ((عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذى))، الأصل هاهنا الزوجة، وفى غير هذا الموضع القرابة، قال الله تعالى فى قصة نوح: ﴿إِن ابنى من أهلى﴾ [هود: ٤٥]، والمذى بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة وتخفيف الياء وبتحريك الذال وتشديد الياء، حكى ذلك القاضى أبو محمد. قال ابن حبيب: هو ماء رقيق إلى الصفرة يخرج على وجه الصحة عند الالتذاذ بالنساء، ولذلك قال فى سؤاله عن الرجل إذا دنا من أهله، فسأل عن المذى الخارج بلذة دون المذى الخارج على وجه السلس. فصل: وقوله: ((فإن عندى ابنة رسول الله ﴿﴿، وأنا أستحى أن أسأله)) إظهار، للعذر المانع له من المباشرة لسؤال رسول الله ﴿، وهو غاية فى حسن الأدب وكريم الأخلاق وتمام المروءة، إذا كانت ابنة رسول الله ﴿، فأعظمه ووقره على أن يذكر بحضرته شيئًا من مباشرة النساء والدنو منهن على وجه الالتذاذ بهن. فصل: وقوله : ((إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة)»، النضح يكون على معنيين، الرش، والثانى بمعنى إرسال الماء وسكبه، وفى الحديث بمعنى إرسال الماء على الفرج لغسله، وإنما يكون النضح بمعنى الرش فى موضع الشك فى نجاسة الثوب، وسنبین ذلك إن شاء الله. مسألة: وقد اختلف أصحابنا فى الواجب بالمذى، فروى على بن زياد عن مالك: يجب به غسل الذكر كله. وقال أصحابنا البغداديون: معنى ذلك غسل مخرج الأذى من الذكر دون سائره، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. (١) فلينضح فرجه: أى ليغسله. وقال فى النهاية: يريد النضح بمعنى الغسل والإزالة وأصله الرشح ويطلق على الرش. وضبطه النووى بكسر الضاد. قال الزركشى واتفق فى بعض مجالس الحديث أن الشيخ أبا حيان قرأه بفتح الضاد فرد عليه السراج الدمنهورى، وقال: نص النووى على أنه يكسر، فأساء أبو حيان، وقال: حق النووى أن يستفيده منى والذى قلت هو القياس. قال الزركشي: وكلام الجوهرى يشد لما قاله النووى لكن نقل عن صاحب الجامع أن الكسر لغة وأن الأفصح الفتح. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٩).