النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
الطهارة
عمرو لم يجز لأنه لا يعلم حينئذ على أيهما تريد عطفه.
ووجه آخر فى العطف، وهو أن الغسل قد يسمى مسحًا لأن المسح خفيف الغسل،
حكى ذلك أبو على الفارسى، قال: ولذلك يقال: تمسحت للصلاة، بمعنى توضأت،
فيجوز لذلك أن يعطف على الرأس، فيكون المراد به الغسل لأن المعطوف والمعطوف
عليه متى اشتركا فى لفظ ما يعطف به أحدهما على الآخر جاز العطف، وإن اختلفا فى
المعنى، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب:
٥٦]، فجمع بينهما فى لفظ الصلاة، وإن كانت الصلاة من البارى تعالى بمعنى الرحمة،
ومن الملائكة بمعنى الدعاء.
ودليلنا من جهة السنة ما رواه مسلم، حدثنا شيبان بن فروخ وأبو كامل جميعًا عن
أبى عوانة، قال أبو كامل: حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر، عن يوسف بن ماهك، عن
عبدالله بن عمرو قال: تخلف النبى
ـَّ فى سفر سافرناه فأدركنا، وقد حضرت صلاة
العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا، ونادى: ((ويل للأعقاب من النار)).
ودليلنا من جهة القياس أنه عضو منصوص على حده، فكان فرضه فى الوضوء
الغسل کالیدین.
ودليل ثان، أن هذه طهارة ترفع الحدث، فكان فرض الرجلين فيها الغسل كالطهارة
الكبرى، أما هم، فأحتج من نص قولهم بما رواه يعلى بن عطاء عن أوس الثقفى ((رأيت
رسول الله ﴿﴿﴿ أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على قدميه)).
والجواب أن حديث يعلى بن عطاء هذا ليس مما يجرى مجرى الصحيح، ولو لم يكن
فيه علة إلا إجتماع الرواة على مخالفته فيه لقالوا ((ومسح على خفيه)).
وجواب ثان، وهو أنه يحمل على الخفين لأن من مسح على خفيه يجوز أن يقال:
مسح على قدميه، وكذلك لو ضرب خفًا فيه رجله لجاز أن يقال: ضرب رجله، ويقال:
أخذت بعضد زید، وإنما أخذت بثوبه من فوقه.
ويحتمل أن يريد الغسل وسماه مسحًا على ما قدمناه، فنحمله على ما ذكرناه،
ونجمع بينه وبين حديث عبدالله أبى عمرو المتقدم على أنه لو مسح رجليه لجاز أن يحمل
على أنه فعله لعلة مانعة من الغسل.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف أصحابنا فى الكعبين اللذين إليهما حد الغسل فى
الوضوء، فحكى القاضى أبو محمد عن مالك فى ذلك روايتين، إحداهما: أنهما العظمان
اللذان فى ظهور القدمين، وروى عن مالك أيضًا أنهما الناتئان فى جانبى الساقين،
وهذه الرواية هى المشهورة عن مالك، وهى الأظهر.

الطهارة .
٢٨١٠
........
٣١ - مَالِك، عَنْ أَبِى الرَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾
قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَثْفِهِ (١) مَاءً، ثُمَّ لِيَنْثِرِهُ(٢)، وَمَنِ اسْتَحْمَرَ (٣)
فَلْیُوتِرْ)).
٣١ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٦١. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٣٧. والنسائى
كتاب الطهارة برقم ٨٦، ٨٨. وأبو داود برقم ٣٥. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم
٣٣٨، ٤٠٩. وأحمد بالمسند برقم ٧١٨٠، ٧٤٠٣، ٧٦٧٣، ٨٠١٦٠، ٨٣٩٩، ٨٤٦٢،
٨٥٠٨، ٨٦٢١، ٨٧٩٦. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٦٦٢، ٧٠٣.
(١) ((إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه)): قال ابن عبدالبر: هكذا رواه يحيى: فليجعل فى أنفه
ثم ليستنثر ولم يقل ماء، وهو مفهوم من الخطاب؛ وهكذا وجدناه عند جماعة شيوخنا، إلا
فيما حدثناه أحمد بن محمد، عن أحمد بن مطرف، عن عبيدالله بن يحيى، عن أبيه، فإنه قال فيه:
فليجعل فى أنفه ماء. وأما القعنبى فلم يقل: ماء، فى رواية على بن عبدالعزيز عن القعنبى.
ورواه أبو داود، عن القعنبى، فقال فيه: فليجعل فى أنفه ماء، و کذلك رواية ابن بکیر، ومعن،
وجماعة عن مالك: فليجعل فى أنفه ماء، وعند أكثر الرواة هو هكذا: فليجعل فى أنفه ماء.
وقال أبو خليفة الفضل بن حباب القاضى البصرى، عن القعنبى فى هذا الحديث: فليجعل فى
أنفه الماء، وهذا كله معنى واحد والمراد مفهوم؛ ورواية ورقاء لهذا الحديث، عن أبى الزناد
كما روى يحيى، عن مالك، لم يقل: ماء. انظر: (التمهيد حديث ثان وعشرون لأبى الزناد).
(٢) قال ابن عبدالبر: فى هذا الحديث الأمر بالاستئثار بالماء عند الوضوء، وذلك دفع الماء
بريح الأنف بعد الاستنشاق، والاستنشاق أخذ الماء بريح الأنف من الكف، والاستنثار دفعه،
ومحال أن يدفعه من لم يأخذه، ففى الأمر بالاستنثار أمر بالاستنشاق فافهم؛ وعلى ما وصفت
لك فى الاستنشاق والاستئثار جمهور العلماء؛ وأصل هذه اللفظة فى اللغة: القذف، يقال: نثر
واستنثر بمعنى واحد؛ وذلك إذا قذف من أنفه ما استنشق مثل الامتخاط، ويقال: الجراد نثرة
حوت، أى قذف به من أنفه، وقد روى ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك قال: الاستئثار أن
يجعل يده على أنفه ويستنثر، قيل لمالك: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك،
وقال: إنما يفعل ذلك الحمار! وسئل مالك عن المضمضة والاستئثار مرة أم مرتين أم ثلاثًا؟
فقال: ما أبالى أى ذلك فعلت، وكل ذلك جائز عند مالك وجميع أصحابه أن يتمضمض
ويستنثر من غرفة واحدة. انظر: (التمهيد، حديث ثان وعشرون لأبى الزناد).
(٣) استجمر: قال القاضى عياض: قال الهروى: الاستجمار هو المسح وهى الأحجار الصغار
ومنه سميت جمار الرمى. وقال ابن القصار: يجوز أن يقال أنه أخذ من الاستجمار بالبخور
الذى يطيب به الرائحة وهذا يزيل الرائحة القبيحة. قال: وقد اختلف قول مالك وغيره فى
معنى الاستجمار المذكور فى هذا الحديث فقيل هذا، وقيل المراد: به فى البخور أن يأخذ منه
ثلاث قطع أو يأخذ ثلاث مرات تستعمل واحدة بعد أخرى، قال: والأول أظهر. وقال
النووى: إنه الصحيح المعروف. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٣٣).

٢٨٢
· الطهارة
الشرح: وقوله: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه))، يريد الماء، وكذلك هو فى
بعض الروايات، ومعنى ذلك أن الاستنشاق هو وضع الماء فى الأنف وجذبه بالنفس
والمبالغة فى ذلك مستحبة لغير الصائم، وأما الصائم فممنوع من ذلك لأن فيه تغريرًا
بصومه.
فصل: قوله: ((ثم لينثره))، معناه ينزل الماء من أنفه يدفعه بنفسه ومن سنته أن يضع
يده عند ذلك على أنفه، وقد روى ابن وهب عن مالك فى المجموعة فى الذى يستنثر
من غير ذلك أن يضع يده على أنفه، أنه أنكره، وقال: هكذا يفعل الحمار.
فصل: وقوله: ((ومن استجمر فليوتر))، اختلف مالك وأصحابه فى الاستجمار،
فروى سحنون فى التفسير، قال: قال لنا على بن زياد: قلت لمالك: كيف الوتر فى
الاستجمار؟ فقال: أما أنا فآخذ العود فأكسره ثلاث كسر، وأستجمر بكل كسرة
منهن، فإن كان العود مدقوقًا، أخذت منه ثلاث مرات.
قال على: فكلمه فى ذلك رجل من قريش، وأنا شاهد، فقال: إن العرب تسمى
الاستنجاء بالحجارة من الغائط استجمارًا، فرجع إلى ذلك مالك. قال على: وقوله الأول
أحب إلىّ. قال سحنون: القول ما رجع إليه مالك. وقد روى عبدالرزاق عن معمر مثل
قول مالك الأول.
فرع: إذا ثبت أن الاستجمار هو الاستنجاء، فقد اختلف أصحابنا فى معناه، فمنهم
من قال: سمى بذلك لأنه يتعلق بالأحجار، وهى الجمار. قال أبو بكر بن الأنبارى:
استجمر الرجل إذا تمسح بالجمار، والجمار الحجارة الصغار، وبه سميت جمار مكة.
وقال القاضى أبو الحسن: يجوز أن يقال إنه أخذ من الاستجمار بالبخور الذى تطيب
به الرائحة، وهذا يزيل الرائحة القبيحة، وهذا الفصل يتعلق به ثلاثة أبواب، أحدها:
وجوب إزالة النجاسة، والثانى: تمييز النجاسات من غيرها، والثالث: فى اختلاف
أحکامها لاختلاف محالها.
باب حكم إزالة النجاسة
فأما إزالة النجاسة، فإن أصحابنا العراقيين اختلفوا فيما حكوا عن مالك فى ذلك،
فحكى القاضى أبو محمد فى المعونة عن مالك فى ذلك روايتين، إحداهما: أن إزالتها

٢٨٣
الطهارة
واجبة وجوب الفرائض، فمن صلى بها عامدًا ذاکرًا أعاد أبدًا، وهو الذى رواه أبو
طاهر عن ابن وهب.
والثانية: أنها واجبة وجوب السنن، ومعنى ذلك أن من صلى بها عامدًا أثم، ولم يعد
إلا فى الوقت استحبابًا، وهذا ظاهر قولى ابن القاسم وعلى الوجهين جميعًا: من صلى
بها ناسيًا أو غير قادر على إزالتها أجزأته صلاته، ويستحب له الإعادة فى الوقت.
وذهب القاضى أبو الحسن إلى أننا إن قلنا إنها واجبة وجوب الفرائض، أعاد الصلاة
أبدًا من صلى بها ناسيًا أو عامدًا، وإذا قلنا إنها واجبة وجوب السنن، أعاد الصلاة أبدًا
من صلى بها عامدًا، ومن صلى بها ناسيًا أو مضطرًا أعاد فى الوقت استحبابًا.
وقال القاضى أبو محمد مثل هذا فى شرح الرسالة، وقال فى تلقين المبتدى: إنها
واجبة لا خلاف فى ذلك من قوله، وإنما الخلاف فى الإزالة، هل هى شرط فى صحة
الصلاة أم لا؟ وهذا هو الصحيح عندى إن شاء الله وبالله التوفيق.
والدليل على وجوب إزالة النجاسة قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤]، ولا
خلاف إنه ليست هاهنا طهارة واجبة للثياب غير طهارتها من النجاسة.
فإن قيل إن الثياب هاهنا القلب، والمراد بالآية تطهيره من الشرك، ويدل على ذلك
أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن قبل الأمر بالصلاة، والوضوء، وإزالة النجاسة إنما
شرع للصلاة؟
فالجواب أن اسم الثياب أظهر فى ثياب اللباس، فيجب أن يحمل على ما هو أظهر
فيه، أو يحمل عليهما جميعًا لاحتماله لهما إلا أن يدل دليل على إخراج بعض ما يتناوله
اللفظ من الجملة.
وأما قولهم: إن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة وفى ذلك دليل على أن المراد بذلك
القلب، فغير صحيح لجواز أن يكون النبى 18 خص بذلك فى أول الإسلام وفرض عليه
دون أمته.
وجواب ثان، وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيحتمل أن يكون قد اتبع فى الصلاة
شرع من قبله من النبيين، فوجب ذلك باتباعهم وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك
الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة فى أول الأمر ثم
ورد بعد ذلك نص الأمر بالصلاة.

٢٨٤
..
الطهارة
والدليل على ما قلناه من جهة السنة ما رواه البخارى حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا
محمد بن حازم، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مر النبى
وَّ بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان فى كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من
البول، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين فغرز فى
كل قبر واحدة))، قالوا: يا رسول الله، لم فعلته؟ قال: ((لعله يخفف عنهما ما لم بيبسا)).
فرع: إذا ثبت ذلك، فوجه قولنا إنها ليست بشرط فى صحة الصلاة، وهو الذى
يناظر عليه أصحابنا أن كل ما صحت الصلاة مع يسيره، فإنها تصح مع كثيره كدم
الاستحاضة.
فإن قيل لا يجوز اعتبار الكثير باليسير لأن دم البراغيث لا يمكن الاحتراز منه، فلذلك
صحت الصلاة به، وأما ما كثر من النجاسة، فإنه يمكن الاحتراز منه، فلم تصح الصلاة
به کالحدث.
فالجواب أن ما قلتموه من أن يسير الدم لا يمكن الاحتراز منه، فلذلك لم تصح
الصلاة به كالمحدث غير صحيح على أصلكم؛ لأنه ينتقض من له جرح ينفجر دمًا فى
الصلاة، فإن عليه عندكم إعادة الصلاة به، وإن كان لا يمكن الاحتراز منه، والفرق بين
هذه الطهارة وطهارة الحدث على أصولنا أن هذه لا تجب بالشك، وطهارة الحدث تجب
بالشك، فلذلك قلنا: إن طهارة الحدث شرط فى صحة الصلاة دون هذه.
ووجه الرواية الثانية، وبها قال أبو حنيفة والشافعى واختارها القاضى أبو محمد، أن
هذه طهارة تجب للصلاة، فكانت شرطًا فى صحتها كطهارة الحدث.
فرع: إذا ثبت أنها شرط فى صحة الصلاة، فهل تكون شرطًا مع النسيان؟ ذهب
القاضى أبو الحسن إلى أنها شرط مع الذكر والنسيان.
واستدل القاضى أبو محمد فى ذلك بما رواه أبو داود، حدثنا موسى بن إسماعيل،
حدثنا حماد بن سلمة، عن أبى نعامة السعدى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى،
قال: بينما رسول الله ﴿﴿ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى
ها صلاته، قال: ((ما حملكم على إلقاء
القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله
نعالكم؟)) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﴿أ: ((إن جبريل
أتانى، فأخبرنى أن فيهما قذرًا، وقال: إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى فى نعله
قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما)).

٢٨٥
الطهارة
ودليلنا من جهة المعنى أن النسيان يسقط التكليف كعدم الماء، ثم ثبت وتقدر أنه لو .
عدم الطهارة بالماء لعدم الماء لصحت صلاته، فكذلك إذا نسى.
ووجه ما قاله أبو الحسن أنها طهارة تجب للصلاة، فكان عدمها ونسيانها سواء فى
إبطال الصلاة كطهارة الحدث.
فرع: إذا ثبت ذلك، فمن رأى نجاسة من بول أو غيره فى ثوبه أو فى جسده، وهو
فى صلاته، فروى ابن القاسم عن مالك: يقطع الصلاة، وقال ابن القاسم فى المدونة:
وإن كان وراء الإمام، ويبتدئها بعد إزالة ذلك، وحكى أبو الفرج فى حاويه إن استطاع
إزالتها تمادى فى صلاته.
فرع: ومن القی علیه فی صلاته ثوب نجس، فسقط عنه مكانه، قال سحنون: أرى
أن يبتدئ صلاة، وهذا مبنى على رواية ابن القاسم. وأما على رواية أبى الفرج، فإنه
يتمادى فى صلاته، ومن رآها بعد أن كملت صلاته، فإنه يعيدها مادام فى الوقت ولا
إعادة عليه بعد الوقت.
واختلفت الرواية عن مالك فى تحديد آخر الوقت، فروى ابن القاسم أن وقت
صلاتى النهار فى ذلك إلى اصفرار الشمس، وروى عنه محمد بن يحيى أن وقتها إلى
غروب الشمس، وهذا فى صلاة العصر واضح لأن آخر وقتها المختار أن يكون ظل كل
شىء مثليه، لكنه لما كان بعد ذلك إلى اصفرار الشمس وقت اختيار الصلاة تشاركها
فى الوقت، كان وقتًا لاستدراك فضيلتها.
فعلى هذا للظهر ثلاثة أوقات: وقت اختيار من زوال الشمس إلى أن يكون ظل
الشىء مثله، ووقت استدراك فضيلته وهو إلى اصفرار الشمس أو إلى أن يصير ظل كل
شىء مثليه، ووقت ضرورة وهو إلى أن يبقى قبل غروب الشمس قدر ما تختص به
العصر أو إلى غروب الشمس على الخلاف فى ذلك.
وأما وقت المغرب والعشاء فى هذا الحكم على ما قدمناه من رواية محمد بن يحيى
فإلى طلوع الفجر، وعلى رواية ابن القاسم، فإلى أن يمضى ثلث الليل، ويمضى نصفه
على قول ابن حبيب، ووقت استدراك فضيلة صلاة المغرب ووقت مغيب الشفق إلى
انقضاء وقت الاختيار للعشاء الآخرة.
وأما صلاة الصبح فوقتها على رواية محمد بن يحيى، إلى طلوع الشمس، وأما على
رواية ابن القاسم، فإن قلنا: ليس لها وقت ضرورة، فإلى طلوع الشمس، وإن قلنا: لها

... الطهارة
.....
٢٨٦
وقت ضرورة فإلى آخر وقت الاختيار، وهو الإسفار، وليس لها وقت استدراك فضيلة
لأنه ليس بعدها صلاة تشاركها فى وقتها، والله أعلم وأحكم.
باب تمييز النجاسة
وأما تمييز النجاسات من غيرها، فإن ذلك على ضربين، أحدهما: تمييز جنسها،
والثانى: تمييز الكثير الممنوع من اليسير المرخص فيه، فأما تمييز جنسها، فإن أبوال ما لا
يؤكل لحمه لتحريمه محرمة، وما لا يؤكل لحمه لكراهيته مكروهة.
قال الشيخ أبو بكر: وقد اختلف فى جواز مسحه، وأصل ذلك أن الأبوال والأرواث
تابعة لأجناس اللحوم فى الطهارة والنجاسة، وعرق الدواب كلها طاهر، وأما الخمر
والمسكر فنجس تعاد منه الصلاة كما تعاد من سائر النجاسات، رواه ابن القاسم عن
مالك فى المجموعة.
مسألة: وأما تبيين قليل النجاسة من كثيرها، فتحقيق مذهب مالك أن قليل
النجاسات كلها وكثيرها سواء إلا الدم، فإن قليله مخالف لكثيره.
وقال الشافعى: قليل النجاسات كلها وكثيرها سواء. وقال أبو حنيفة: قدر الدرهم
من النجاسات معفو عنه، وما زاد على قدر الدرهم فمأمور بإزالته.
والدليل على ما نقوله حديث ابن عباس المتقدم وفيه: فكان لا يستتر من البول، ولم
يفرق بين القليل والكثير. ودليلنا من جهة القياس أن هذه نجاسة يمكن الاحتراز منها،
فوجبت إزالتها کالزائد على قدر الدرهم.
والاستدلال فى هذه المسألة هو أن ما ذهب إليه أبو حنيفة فى هذه المسألة مخالف
للأصول وموجب لغسل قليل النجاسة ومبيح لترك كثيرها، ذلك أنه يقول: إن النجاسة
إذا كانت بقدر الدرهم، وكانت متراكمة بذلك المقدار بحيث لو بسطت لعمت جميع
الثوب، فإنه لا يجب غسلها وإذا كانت أوسع من الدرهم، ولم تكن متراكمة، فإنه يجب
غسلها إذا كانت أقل من الأولى.
أما هم، فأحتج من نص قولهم بأن هذه نجاسة لا تجاوز قدر الدرهم، فلم تجب
إزالتها كأثر الحدث على موضع الاستنجاء.
والجواب أنه لا يجوز اعتبار سائر النجاسات بموضع الحدث، ألا ترى أن النجاسة فى

٢٨٧
الطهارة .
موضع الحدث القبل والدبر من المرأة معفو عنه، وقد زاد على قدر الدرهم، ولا يجوز
مثل ذلك فى سائر النجاسات.
وجواب ثان، وهو أن النجاسة فى موضع النحو متكررة، لا يمكن الاحتراز منها مع
عدم الماء ولا مع وجوده.
وليس كذلك فيما عاد إلى مسألتنا، فإنه ليس متكررًا تكررًا لا يمكن الاحتراز منه
فوجب إزالتها كالذى يزيد على قدر الدرهم، استدلوا بأن هذه نجاسة، فلم يجب إزالة
یسیرها کالدم.
والجواب ان الدم متکرر لا يمكن الاحتراز عنه، فلم تجب إزالته، وليس كذلك فى
مسألتنا، فإن یسیرها یمکن الاحتراز منه، فوجب کالکثیر.
مسألة: وأما الدم، فإنه معفو عن يسيره، والدليل على ذلك أنه لا يجب على المكلف
غسل دم البرغوث الواحد من ثوبه ولا ما يسيل من البثرة من جسده؛ لأنه لا تخلو
الأجسام والثياب من ذلك، ولا يمكن الاحتراز منه.
فرع: إذا ثبت ذلك، فقد روى ابن القاسم عن مالك أن ما قل من الدم أو كثر
يغسل. وقال الداودى، رحمه الله: إن مالكًا، رحمه الله، لم يرد بذلك اليسير جدًا لأنه
قد قال: لا يغسل دم البراغيث إلا أن ينتشر، فدل هذا على أن اليسير جدًا ليس على
المكلف غسله.
فعلى هذا تكون الدماء على ثلاثة أضرب: ضرب يسير جدًا لا يجب غسله ولا يمنع
الصلاة، وضرب أكثر منه يجب غسله ولا يمنع الصلاة كقدر الأنملة والدرهم، وضرب
ثالث كثير جدًا يجب غسله ويمنع الصلاة.
مسألة: والدماء عند مالك كلها سواء، دم الحوت وغيره إلا دم الحيضة، فعنه فيه
روايتان، إحداهما: أنه كسائر الدماء يعفى عن قليله، رواه ابن القاسم. والثانية: أن قليله
و كثيره سواء تجب إزالته، رواه ابن وهب، وفى المدنية من رواية عيسى عن ابن القاسم،
بلغنى أن مالگا قاله ثم رجع عنه، وقال: الدم کله واحد.
فوجه الرواية الأولى أنه دم، فوجب أن يفرق بين قليله وكثيره كسائر الدماء.
ووجه الرواية الثانية انه مائع خرج من القبل، فاستوی قلیلہ و کثیرہ کالبول، وروی
أبو الطاهر عن ابن وهب: من صلى بدم حيضة أو دم ميتة أو بول أو رجيع أو احتلام،
فإنه يعيد أبدًا ولا يفرق بين القليل والكثير.

٢٨٨
الطهارة
وقال ابن حبيب: إن الميتة كدم المذكى، ودم الإنسان والبهيمة والحوت لا تعاد
الصلاة إلا من كثيره. وقال الشيخ أبو الحسن: إن دم الحوت طاهر.
ووجه رواية ابن وهب أنه مائع يجاور الميتة، ويمكن الاحتراز منه، فوجب أن يغسل
قليله وكثيره كالماء الذى يسيل منها.
مسألة: وكم مقدار اليسير المعفو من الدم؟ روى علىّ بن زياد عن مالك فى
المجموعة أن قدر الدرهم من الدم لا تعاد منه الصلاة، ولكن الفاشى الكثير المنتشر.
وقال ابن حبيب: سئل مالك عن قدر الدرهم، فرآه کثیرًا، ورأى قدر الخنصر قليلاً.
فوجه رواية علىّ، أنها نجاسة متكررة، ولا يمكن الاحتراز من يسيرها، فوجب أن
تتقدر بقدر الدرهم کموضع النجو.
فرع: ومعنى ذلك فى الدم دون أثره، فإن ما فوق الدرهم منه فى حيز اليسير. وقال
ابن حبيب: من لم يغسل موضع المحاجم من الدم حتى صلى، لم يعد. ومن سماع
أشهب فى العتبیة فیمن تجفف من غسل فی ثوب فیه دم یسیر لا يخرج بالتجفيف، لا
شیء علیه، وإن كان كثيفًا يخاف أن يخرج بيلل التجفيف، فليغسل جلده.
*
*
باب اختلاف النجاسة باختلاف محلها
وأما اختلاف أحكام النجاسات لاختلاف محالها، فهو أن النجاسات على ضربین،
ضرب يندر ويمكن الاحتراز منه كالبول والغائط فى الثوب والجسد فى غير مخرجيهما
وكسائر النجاسات فى الثوب والجسد وكالدم الكثير فيهما، فهذا تجب إزالة عينه
وأثره، وضرب متكرر لا يمكن الاحتراز منه كالبول والغائط فى مخرجيهما، وما يتطاير
من بعض النجاسات فى الطرقات على الثوب والجسد والخف ونجاسة الدم على
السيف، فهذا تجب إزالة عينه دون أثره. فأما وجوب إزالة عين الضرب الأول وأثره،
فقد تقدم الكلام فيه.
وأما الضرب الثانى، فهو على أقسام، منها ما اختلف فيه، ومنها ما اتفق عليه. فأما
المتفق عليه، فأثر البول والغائط فى مخرجيهما، فهذا لاخلاف فى أنه لا تجب إزالته.
والآثار فى ذلك من جهة السنة كثيرة.
ومن جهة المعنى أن الناس محتاجون إلى التصرف فى السفر فى مواضع تقل فيها المياه

٢٨٩
الطهارة ...
وخروج البول والغائط أمر معتاد لا يمكن مدافعته، فلو كلف الناس إزالة أثره بالماء لكان
فى ذلك منعًا من أكثر الأسفار والحج والجهاد ومعظم العبادات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فما الذى يختص به هذا الحكم؟ روى عيسى بن دينار عن أبى
حازم أن ذلك يختص بالمخرج وما لابد منه، وهذا الذى يحكيه أصحابنا العراقيون عن
مالك، وروى ابن القاسم عن مالك أنه لم يسمعه يذكر ذلك، قال ابن القاسم: وحكم
ذلك سواء، والذى عندى أن الذى يريد ابن القاسم مثل قول أبى حازم، وإنما يخالف فى
العبارة، والله أعلم.
فرع: إذا ثبت ذلك، فتطهير المحلين على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يزيل العين
بالجمار والأثر بالماء، وهذا أفضلها. والثانى: أن يزيل العين والأثر بالماء. والثالث: أن
يزيل العين بالجمار ويبقى الأثر، وهو أضعفها؛ لأنه مزيل للعين خاصة دون الأثر.
فرع: وهذا فيما يخرج من النجاسات والسبيلين، والاستنجاء مشروع فيه. وأما ما
يخرج منهما من طاهر كالريح فلا استنجاء فيه خلافًا لمن قال: يستنجى منه، والدليل
على ما نقوله أن الاستنجاء مأخوذ من النجو، فإذا لم يكن نجو، لم يشرع الاستنجاء.
مسألة: وأما خروج الحصى والدود دون شىء من الآدمى، فعندى أنه لا يجب فيه
الاستنجاء إن أمكن الرد مع بعده؛ لأنه خارج طاهر، فلم يجب منه الاستنجاء كالريح.
فصل: وأما ما يتطاير من نجاسات الطرقات على الثوب والجسد والخف، فعلى
ضربين، أحدهما: ما تخفى عينه ويتيقن وجوده لكثرته فى الطرقات وتكرره بها، فهذا لا
يجب غسله من خف ولا ثوب ولا جسد؛ لأنه مما يتكرر ولا يمكن الاحتراز منه، فكان
معفوا عنه.
وثانيهما: ما ظهرت عينه وهو على ضربين، محرم ومكروه، والمحرم كبول بنى آدم
وعذرتهم والدماء وبول ما حرم لحمه وما يأكل النجاسات من سائر الحيوان، فهذا يجب
غسله من الثوب والخف والجسد؛ لأنه مما يمكن الاحتراز منه ولا يتكرر ولا تخفى عينه
ولا یکثر کثرة الاحتراز منه.
مسألة: وأما المكروه، فكروث الدواب وبولها وما يكره أكل لحمه، فلا خلاف على
المذهب أنه مأمور بغسل الثوب والجسد منه ما لم يكن فى غسله مشقة داعية لأن يترك
المتوقى منه عبادات يضطر إلى ذلك فيها كالمجاهد فى أرض العدو يمسك فرسه، ولا
یکاد ینجو من بوله، فهذا ليس عليه غسله.

٢٩٠
الطهارة
.....
وأما فى أرض الإسلام، فقال مالك فى العتبية: يتوقی جهده ودين الله يسر، فالظاهر
من قوله أنه مأمور بالتوقى إلى من اضطر إلى ذلك من معيشته فى السفر بالدواب، والله
أعلم.
مسألة: وقد اختلف قول مالك فى غسل الخف منه، فقال مرة: يغسل، وقال مرة:
يجزى المسح، فوجه الغسل أنه مأمور بغسل الثوب منه، فكان مأمورًا بغسل الخف منه
كبول ما حرم لحمه، ووجه القول الثانی يختلف باختلاف أصله.
فإن قلنا: إن لحوم الحمر محرمة، فإن هذا متكرر فى الطرقات لا يمكن حفظ الخف
منه، ويمكن حفظ الثياب، ويخالف هذا العذرة وبول الناس؛ لأنه لا يكاد يوجد فى
وسط الطرق، وإنما يقصد بها المستراح، وإن قلنا: إن لحوم الحمر مكروهة فلأن أرواتها
ليست بنجسة، إنما هى مكروهة ولا يمكن حفظ الخفاف منها مع أن الخف يفسد
بالغسل.
فرع: فإن قلنا: يجزئ المسح فى الخف، فهل يجزئ ذلك فى النعل، فقال ابن حبيب:
لا يجزئ فيه إلا الغسل، وروى عيسى أن ابن القاسم فرق بين الخف والنعل، وفى
المدونة ما ظاهره أن المسح يجزئ فيهما.
فوجه قول ابن القاسم، أن المشقة لا تلحق بنزعهما فى الصلاة بخلاف الخف. ووجه
القول الثانى أن الغسل يفسد النعلين كالخف.
مسألة: أما الرجل، فلم أر فيها نصًا، وعندنا أن المسح يجزئ فيها بعد إزالة العين؛
لأن العلة المبيحة لمسح الخف تكرر لهذه العين وعدم خلو الطرقات منها، وهذا المعنى
موجود فى القدم، ويجوز أن يقال بغسل القدم؛ لأن الغسل لا يفسدها وبمسح الخف؛
لأن الغسل یفسده.
مسألة: وأما الدم على السيف، ففى العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: يمسح
ويصلى به، وقد علل القاضى أبو محمد ذلك بصقالته، وأن النجاسة تزول عينها وأثرها
بمسحه؛ لأنها لا تبقى فيه، ويحتمل أن يقال فى ذلك أن الذى يبقى منه فيه يسير معفو
عنه كأثر المحاجم، وهذا آكد؛ لأن السيف يفسد بالغسل والحاجة إلى مباشرة الدماء
متكررة، وبالله التوفيق.

........ ٢٩١
الطهارة
٣٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى إِذْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿َّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَثْثِرْ وَمَنِ اسْتَحْمَرَ فَلْيُوتِرْ)(١).
قَالَ يَحْتَى: سَمِعْت مالِكًا يَقُولُ فِى الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ:
إِنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((أنه لا بأس بهما من غرفة واحدة))، يريد أن الفاعل لذلك لا يخالف
السنة المباحة ولا يخرج، وإن ترك الأفضل.
وقوله: ((يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة))، يحتمل وجهين، أحدهما: أن يفعل
المضمضة كلها والاستئثار كله من غرفة واحدة. والثانى: أن يجمع كل مضمضة
واستنثار فى غرفة واحدة، فيأتى بالمضمضة والاستنثار فى ثلاث غرفات.
واختلف أصحابنا فى تأويل قول مالك: إن تفريق ذلك أولى، على وجهين،
أحدهما: أن الأفضل عنده أن يأتى بمضمضة واستثارة فى غرفة واحدة، ثم يأتى بهما
فى ثانية، ثم فى ثالثة فيفعل ذلك فى ثلاث غرفات، والوجه الثانى أن يأتى بالمضمضة
على النسق فى ثلاث غرفات، ثم يأتى بالاستنشاق على نسق فى ثلاث غرفات، فيأتى
بهما فی ست غرفات.
٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٧. وأخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٦١،
ومسلم كتاب الطهارة ٢٣٧. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٨٦، ٨٨. وأبو داود برقم ٣٥.
وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٣٣٨، ٤٠٩. وأحمد بالمسند برقم ٧١٨٠، ٧٤٠٣،
٧٦٧٣، ٨٠١٦، ٨٣٩٩، ٨٤٦٢، ٨٥٠٨، ٠٨٦٢١ والدارمى كتاب الطهارة ٦٦٢،
٧٠٣. وابن أبى شيبة ٢٧/١ عن سلمة بن قیس.
(١) قال ابن عبدالبر: لا يصح عن مالك ولا عن ابن شهاب فى هذا الحديث غير هذا
الإسناد، وقد وهم فيه عثمان الطرايفى، عن مالك، أخبرنا محمد، حدثنا على بن عمر، حدثنا
أبو محمد الحسين بن أحمد بن صالح، حدثنا عبدالله بن محمد بن ناحية، حدثنا أحمد بن
عبدالرحمن بن المفضل، حدثنا عثمان بن عبدالرحمن، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبى
سلمة، عن أبى هريرة، عن النبى {# قال: ((من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر)).
قال أبو الحسن على بن عمر: هذا وهم، ولا يصح فيه عن مالك ولا عن الزهرى غير حديث
أبي إدريس الخولانى، وقد رواه أسيد بن عاصم، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن
شهاب، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة، عن النبى :﴿ وذلك أيضًا خطأ والصواب ما
فى الموطأ. انظر: (التمهيد، حديث ثان لابن شهاب، عن أبى إدريس الخولانى).

٢٩٢
الطهارة
وقال الشافعى: إن الجمع بينهما فى غرفة واحدة أفضل.
والدليل على ما نقوله رواية وهيب لحديث عبدالله بن زيد بن عاصم، وفيه تمضمض
واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات. ودليلنا من جهة المعنى أن هذين عضوان منفصلان،
فوجب أن يفصل بينهما فى الطهارة کالیدین.
٣٣ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجٍ
النّبِىِّ ﴿، يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا عَبْدَ
الرَّحْمَنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿مَا يَقُولُ: ((وَيْلٌّ(١) لِلأعْقَابِ مِنَ
النّارِ)).
الشرح: قول عائشة، رضى الله عنها: ((أسبغ الوضوء))، على وجه التنبيه له على
إكمال واستيعاب أعضائه.
وقوله : ((ويل للأعقاب من النار)) دليل على أن عائشة تلقنت ذلك من قوله
على الوعيد لمن لم يبلغ بالوضوء أعقابه، والألف واللام فى قوله (18: ((ويل للأعقاب)،
يحتمل أن تكون للعهد، وأن يريد به الأعقاب التى لا ينالها الوضوء، ويبعد أن يريد به
الجنس لأن ذلك يخرجه عن أن يكون وعيدًا لمن أخل ببعض الوضوء.
٣٤ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَخْلَاءَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ
٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨. وأخرجه البخارى ٤٠/١ كتاب العلم، باب من
رفع صوته بالعلم، عن أنس. مسلم ٢١٣/١ كتاب الطهارة، باب ٩ عن ابن عمرو. الترمذى
٥٨/١ برقم ٤١ عن أبى هريرة. أبو داود ٢٤/١ برقم ٩٧ عن عبدالله بن عمرو. النسائى
٧٨/١ كتاب الطهارة، باب ٨٨ عن ابن عمرو. ابن ماجه ١٥٤/١ برقم ٤٥٠ عن ابن عمر،
برقم ٤٥١ عن عائشة. أحمد ١٩٣/٢ عن ابن عمرو. عبدالرزاق فى المصنف برقم ٥٨، ٦٢
عن أبى هريرة ٢١٢٠/١. الدارمى ١٧٩/١ عن ابن عمرو. ابن خزيمة برقم ١٦١ عن ابن
عمرو ٨٤/١. ابن أبى شيبة ٢٦/١ عن عبدالله بن عمرو. الطبرانى فى الكبير ٣٤٧/٨ عن
أبى أمامة. الدارقطنى ٩٥/١ عن عائشة. البغوى فى شرح السنة ٤٢٨/١ عن عبدالله ابن
عمرو. البيهقى فى السنن الكبرى ٦٩/١، ومعرفة السنن والآثار ٦٥٩/١.
(١) ويل: قال النووى: أى هلكة وخيبة. وقال الحافظ ابن حجر: اختلف فى معناه على أقوال
أظهرها ما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى سعيد مرفوعًا: ويل، واد فى جهنم.
قال: وجاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء. انظر: (تنوير الحوالك صـ٣٣).
٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩.

٢٩٣٠
الطهارة .
أَبَهُ حَدَّثَهُ أَنْهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وضوءًا لِمَا تَحْتَ إِزَّارِهِ(١).
الشرح: معنى قوله: ((إنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ بالماء»، يريد أنه سمع وقع
الماء وحر کة يديه.
وقوله: ((وضوءًا لما تحت إزاره))، يريد أنه كان يستعمل الماء فى الاستنجاء، وقد كان
سعيد بن المسيب وغيره من السلف يكرهون ذلك، ويقول ابن المسيب: إنما ذلك وضوء
النساء، فبين مالك، رحمه الله، وجه إباحته بالعمل الجارى به، مع ما يعضده من النظر
فى مبالغة التطهير به.
وقوله: ((لما تحت إزاره))، يحتمل أن تكون اللام معنى ((فى)) وكنى عن موضع الحدث
بما تحت الإزار؛ لأن الوضوء لو أطلق لكان الأظهر حمله على الوضوء الرافع للحدث،
فبين أن المراد به الاستنجاء.
سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِىَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ، أَوْ غَسَلَ
ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِى غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ،
فَلْيُمَضْمِضْ وَلا يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ. وَأَمَّا الذِى غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، فَلْيَغْسِلْ
وَجْهَهُ ثُمَّ لْيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِى
مَكَانِهِ، أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ.
الشرح: يحتمل أن يكون ذكر الناسى؛ لأنه لا عتب عليه فى فعله ولا إنكار بترك
الترتيب المستحب فى الطهارة، وهذا على مذهب ابن القاسم، وأما على رواية ابن
حبيب، فهو أبين؛ لأن حكم الناسى عنده غير حكم العامد والجاهل ولا خلاف فى أن
الترتيب مشروع، وإنما الخلاف فى وجوبه، وفرق بين المضمضة وبين غسل الوجه فى
الترتيب؛ لأن المضمضة من سنن الوضوء وغسل الوجه من فرائضه، وحكم الترتيب إنما
ورد فى الفرائض، وهذا على مذهب ابن القاسم.
وأما ابن حبيب، فقال: من نكس طهارته عامدًا أو جاهلاً ابتدأ الوضوء، وإن فعل
ذلك ناسيًا، نظرت فإن خالف بين مفروض ومسنون، فلا شىء عليه، وإن كان بين
مفروضين، أخر ما قدم وأتى بما بعده من مفروض ومسنون، حكى ذلك عن مطرف
وابن الماجشون.
(١) «لما تحت إزاره)): قيل: كناية عن موضع الاستنجاء تأدبًا، أى أنه بالماء أفضل منه بالحجر.

٢٩٤ .
الطهارة
وروى ابن مسلمة فى المبسوط فيمن غسل رجليه قبل مسح رأسه، يمسح رأسه،
وليس عليه أن يعيد غسل رجليه؛ لأن المسح خفيف.
فصل: ((وأما الذى غسل ذراعيه قبل وجهه، فليغسل وجهه، ثم ليغسل ذراعيه)»،
ظاهره أنه بدأ بغسل يديه، ثم ذكر بعد أنه يغسل وجهه، فهذا إن كان بحضرة ذلك
غسل وجهه؛ لأنه لم یکن غسله بعد غسل يديه، ثم أتى بباقى وضوئه ليحصل له
الترتيب والموالاة.
وأما إن كان ذكر بعد أن غسل وجهه، فإنه لا يحتاج إلى إعادة غسل وجهه، وإنما
عليه أن يعيد غسل يديه ليكون غسلهما بعد وجهه فيحصل الترتيب بينهما ثم يتم
وضوءه علی ذلك، وهذا حکم من أتی بالوضوء كله غير غسل وجهه ثم ذكره، فإنه
يغسله ثم يعيد غسل يديه ثم يتم وضوءه، فيحصل له الترتيب والموالاة، والله أعلم
وأحكم.
فصل: وقوله: ((إن کان فی مکانه أو بحضرة ذلك))، یرید أنه إذا بدأ بغسل ذراعيه ثم
غسل وجهه، فإن كان بحضرة ذلك غسل ذراعيه ليحصل له الترتيب المستحب إذا أدرك
الموالاة المستحقة، وإن ذكر غسل وجهه بعد أن طال وزال عن مكانه، غسل وجهه
خاصة، ولم يكن عليه فى رواية ابن القاسم إعادة غسل يديه؛ لأن الموالاة المستحقة قد
فائته، فسقط حكم الترتيب الملازم لها، وفى المبسوط لمحمد بن مسلمة فى شرح مسألة
الموطأ: هكذا وقع فى النسخة الثانية.
فصل: وقوله: ((إذا كان فى مكانه أو بحضرة ذلك)) ويخرج عن حد الموالاة؛ لأن جبر
الترتيب يحصل له بغسل يديه وسائر أعضاء الطهارة بعد وجهه؛ لأنه إنما نقض الترتيب
بين الوجه واليدين على سائر الأعضاء، فقد وجد ذلك.
ولما كان لهذا الغسل الآخر حظ من الوضوء بترتيبه، شرعت الموالاة بينه وبين سائر
أعضاء الطهارة، وذلك إنما يكون ما لم يجف الوضوء، ولم تفت الموالاة، فإذا جف
الوضوء فاتت الموالاة، فلم يشرع الإتيان بباقى الطهارة؛ لأنه لا فائدة فى ذلك إلا
الموالاة، وقد فات حكمها وإنما تجب مع الذكر دون النسيان.
وفى المبسوط لمحمد بن مسلمة فى شرح مسألة الموطأ: أنه يعيد غسل ذراعيه بعد
وجهه، إن كان بحضرة ذلك، وإن تطاول استأنف وضوءه بمنزلة من فرق وضوءه، وهذا
مبنى على أن طويل النسيان يبطل الموالاة وعلى أن الموالاة مستحقة، والترتيب مستحق

٢٩٥٠٠
الطهارة .
على وجه ما، وفرق ابن حبيب بين مسألة التنكيس ومسألة النسيان لبعض أعضاء
الوضوء، فجعله يستأنف الوضوء فى مسألة النسيان؛ لأن الموالاة شرط فى صحة
الطهارة.
فرع: ومقتضى هذه المسألة أن الترتيب ليس بشرط فى صحة الطهارة. وبه قال أبو
حنيفة، وروى علىّ بن زياد عن مالك أن الترتيب شرط فى صحة الطهارة، وبه قال
الشافعى.
والدليل على صحة القول الأول، وهو المشهور من المذهب، قوله تعالى: ﴿فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة:
٦]، فعطف أعضاء الوضوء بعضها على بعض بالواو، والواو فى كلام العرب تقتضى
الجمع دون الترتيب، فإن قالوا: فإنه قال: ﴿فاغسلوا﴾ فتلقى الأمر بالفاء فى قوله:
﴿فاغسلوا﴾ وذلك يقتضى الترتيب، وإذا وجب الترتيب فى الوجه والبداءة وجب فى
غيره؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
فالجواب أنا لا نسلم أن الفاء للتعقيب، وإنما هى لجواب الشرط وإنما تكون للترتيب
فى العطف خاصة.
وجواب ثان، وهو أنا لو سلمنا أن الفاء للتعقيب لما لزم ذلك؛ لأنه عطف الأعضاء
بعضها على بعض بالواو التى تقتضى الجمع، فكأنه قال: إذا قمتم للصلاة فاغسلوا هذه
الأعضاء، وهذا يمنع الترتيب.
سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ نَسِىَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَثِرَ حَتَّى صِّلّى؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ
يُعِيدَ صَلاَهُ، وَلْيُمَضْمِضْ وَيَسْثِرْ مَا يَسْتَقْبِلُ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّىَ.
الشرح: وهذه المسألة مبنية على ما ذكرنا من أن المضمضة والاستنشاق ليسا من
فرض الوضوء، فلذلك لم يكن على من نسيها أن يعيد الصلاة إذا أتى بالواجب من
الطهارة، وإنما أمره بالمضمضة والاستئثار إذا أراد الصلاة ليكمل نقل طهارته وفرضها،
فإن لم يرد أن يصلى فلا يمضمض ولا يستنثر؛ لأن وقت ذلك قد ذهب بفعل الصلاة،
والطهارة عبادة لا تراد لنفسها وإنما تراد لغيرها.

٢٩٦
الطهارة
....
وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة
٣٥ - مَالِك، عَنْ أَبِى الرِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ﴾
قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَّهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِى وَضُوئِهِ(١)، فَإِنَّ
أَحَدَّكُمْ لا يَدْرِى أَيْنَ بَتْ يَدُهُ(٢).
٣٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٠. وأخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٦٢.
ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٧٨. والترمذى كتاب الطهارة برقم ٢٤. والنسائى كتاب
الغسل والتيجم برقم ٤٤١. وأبو داود كتاب الطهارة برقم ١٠٣، ١٠٥. وابن ماجه كتاب
الطهارة وسنتها برقم ٣٩٣. وأحمد بالمسند برقم ٧٢٤٠، ٧٣٩٠، ٧٤٦٥، ٧٦١٧، ٧٧٥٦،
٢٧٣٩٩، ٨٣٨٠، ٨٧٤١، ٨٨٩٤، ٨٩٨٥، ٩٥٥٩، ٩٦٧١، ١٠١١٩، ٠١٠٢١١
والبغوى بشرح السنة ٤٠٦/١ عن أبى هريرة. والبيهقى فى السنن الكبرى ٤٥/١ عن أبى
هريرة كتاب الطهارة، باب غسل اليدين .. إلخ. والدارمى ١٩٦/١ عن أبى هريرة.
(١) يدخلها فى وضوئه: أى فى الماء الذى فى الأناء المعد للوضوء. زاد الشافعى ومسلم وأبو
داود: ((ثلاثا)، وفى رواية: ثلاث مرات. قال الرافعى: والقدر الذى يستحب غسله ما بين
رءوس الأظافر والكوع هو الذى يغمس فى الأناء غالبًا للاغتراف. قال: وعلى ذلك ينزل قوله
تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾. قال: ولو دخل الساعد فى مسمى اليد لم يكن إلى التقييد بالمرافق
حاجة فى قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. انظر: (تنوير الحوالك صـ٣٤).
(٢) قال ابن عبدالبر: لم تختلف الرواية عن مالك فى حديث أبى الزناد هذا فى قوله: ((فليغسل
يده قبل أن يدخلها)) بغير توقيت ولا تجديد فى الغسلات، وكذلك رواية الأعرج، فيما
علمت، عن أبى هريرة فى هذا الحديث بغير توقیت، کما قال مالك، عن أبى الزناد سواء.
وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبى هريرة
رفعه قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسل يده أو يفرغ
فيها، فإنه لا يدری أین باتت يده.
وكذلك رواه عمار بن أبى عمار، عن أبى هريرة، ذكر حماد بن سلمة، عن عمار بن أبى
عمار، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يضع يده فى الإناء
حتى يغسلها، فإنه لا يدرى على ما باتت يده؛ فقال له قين: أرأيت إذا أتينا مهراسكم هذا
الليل، فكيف نصنع؟ فقال: أعوذ بالله من شرك يا قين! هكذا سمعت النبى 8# يقول.
وكذلك رواية همام بن منبه، عن أبى هريرة أيضًا سواء بغير توقيت؛ ذكره عبدالرزاق، عن
معمر، قال: حدثنا همام بن منبه، عن أبى هريرة، عن النبى ﴿ قال: إذا استيقظ أحدكم من
نومه فلا یغمس يده فى وضوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدرى أين باتت يده.
و کذلك رواه ثابت مولی عبدالرحمن بن زید، عن أبى هريرة بغیر تحدید.
=

الطهارة .
٢٩٧
......
الشرح: اختلف الناس فى سبب غسل اليد لمن قام من النوم، فقال ابن حبيب فى
واضحته: إنما أمر بذلك لما لعله أن ينال به ما قد بيس من نجاسة خرجت منه لا يعلم بها
أو غير نجاسة مما يتقذر، وقيل أيضًا: إنما ذلك لأن أكثرهم كان يستحمر بالحجارة، فقد
يمس بيديه أثر النجاسة، وهذه الأقوال ليست ببينة؛ لأن النجاسات لا تخرج من الجسد
فى الغالب إلا بعلم من تخرج منه، وما لا يعلم به، فلا حكم له.
وكذلك موضع الاستجمار لا تناله يد النائم إلا مع القصد لذلك، ولو كان غسل
اليد بتجويز ذلك لأمر بغسل الثياب التى ينام فيها لجواز أن تخرج النجاسة منه فى نومه
فتنال ثوبه، أو لجواز أن يمس ثوبه موضع الاستجمار، وهذا باطل.
والأظهر ما ذهب إليه شيوخنا العراقيون من المالكيين وغيرهم، أن النائم لا يكاد أن
يسلم من حك جسده، وموضع بثرة فى بدنه، ومس رفغه وإبطه، وغير ذلك من مغابن
جسده، ومواضع عرقه، فاستحب له غسل يده قبل أن يدخلها فى وضوءه على معنى
التنظف والتنزه، ولو أدخل يديه فى إنائه قبل أن يغسلها لما أثم خلافًا لأحمد بن حنبل فى
قوله: غسل اليدين قبل إدخالهما فى الإناء واجب، إذا قام من نوم الليل دون نوم النهار.
=وذكره عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ثابت مولى عبدالرحمن بن زيد،
أنه أخبره، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﴿: ((إذا كان أحدكم نائما ثم استيقظ
فأراد الوضوء، فلا يضع يده فى الإناء حتى يصب على يده، فإنه لا يدرى أين باتت يده.
"قال ابن عبدالبر: احتج بعض أصحاب الشافعى لمذهبهم فى الفرق بين ورود الماء على النجاسة
وبين ورودها عليه بهذا الحديث؛ وقالوا: ألا ترى أن رسول الله# لما خاف على النائم
المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون فى يده نجاسة، أمره بطرح الماء من الإناء
على يده ليغسلها، ولم يأمره بإدخال يده فى الإناء ليغسلها فيه، بل نهاه عن ذلك، قال: فدلنا
على أن النجاسة إذا وردت على الماء القليل أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره؛ قال:
ودلنا ذلك أيضًا على أن ورود الماء على النجاسة لا تضره، وأنه بوروده عليها مطهر لها وهى
غير مفسدة له؛ لأنها لو أفسدته مع وروده عليها لم تصح طهارة أبدًا فى شىء من الأشياء،
واحتجوا أيضًا بنهيه 8 عن البول فى الماء الدائم وبحديث ((ولوغ الكلب فى الإناء)» وبنحو
ذلك من الآثار مع أمره بالصب على بول الأعرابى.
قال ابن عبدالبر: أما لو لم يأت عن النبى 18 فى الماء غير هذا الحديث، لساغ فى الماء بعض
هذا التأويل، ولكن قد جاء عن النبى 8 - فى الماء أنه لا ينجسه شىء - يريد إلا ما غلب
عليه، بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديث موافق لما وصف الله - عز وجل - به الماء فى
قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ يعنى: لا ينجسه شىء إلا أن يغلب عليه. انظر:
(التمهید، حدیث ثالث وعشرون لأبی الزناد).

· الطهارة
٢٩٨
والدليل على ما نقوله أن هذه طهارة عقيب نوم، فاستحب غسل اليد قبلها، أصل
ذلك الطهارة عقيب نوم الليل، وأما الحديث فإنه وإن كان ظاهر الأمر الوجوب، فإنه
قد اقترن به ما دل على أن المراد به الندب دون الوجوب؛ لأنه قال: ((فإن أحدكم لا
يدرى أين باتت يده»، فعلل بالشك، ولو شك هل مست يده نجسًا أم لا؛ لما وجب
علیه غسل يده.
مسألة: وتعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدل على اختصاصه به؛ لأن النائم إن كان لا
يدرى أين باتت يده، فكذلك المجنون والمغمى عليه، وكذلك من قام إلى وضوء من
بائل أو متغوط أو محدث، فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها فى إنائه، خلافًا
للشافعى؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه، ونتف إبطه، وفتل ما يخرج من
أنفه، وقتل برغوث، وعصر بثر وحك موضع عرق.
وإذا كان هذا المعنى الذى شرع له غسل اليد موجودًا فى المستيقظ، لزمه ذلك
الحكم ولا يسقط عنه أن يكون علق فى الشرع على النائم، ألا ترى أن الشرع علقه
على نوم المبيت، ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا فى علة الحكم.
مسألة: من غسل يده قبل وضوءه ثم شرع فى وضوءه، فأحدث فى أثناء وضوءه
ولزمه استئنافه، فهل عليه غسل يده ثانية فى استفتاح وضوءه أم لا؟ روى ابن القاسم
وابن وهب عن مالك فى المجموعة: یعید غسل يديه، وهذا اختيار ابن القاسم. وروی
ابن وهب عن مالك فى المجموعة أيضًا رواية أخرى: لا يعيد غسل يديه، وهو اختيار
اُشھب ویحیی بن یحیی.
فوجه الرواية الأولى أن الطهارة متى شرعت للنظافة ثم دخلها أحكام العبادة المحضة
لتأكدها، غلب عليها حكم العبادة المحضة، لم يراع فيها ويعود سببها كغسل الجمعة،
أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت أحكام العبادة المحضة من اعتبار العد، د لزمه الإتيان به،
وإن عدمت الرائحة، فكذلك فى مسألتنا لما دخله ما يختص بالعبادة المحضة من اعتبار
العدد، لزم الإتيان بها، وإن لم يوجد سببها.
٣٦ - مَالِك عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطْابِ قَالَ: إِذَا نَامَ
٣٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤١. وأخرجه الترمذى ١١١/١ كتاب الطهارة، باب
ما جاء فى الوضوء من النوم برقم ٧٧ عن ابن عباس. الدارقطنى ١٦٠/١ كتاب الطهارة،
باب فيما روى فيمن نام قاعدًا وقائمًا ومضجعًا، عن ابن عباس. الطبرانى فى الكبير ٢٩٠/٨
عن أبى أمامة.

٢٩٩
..
الطهارة .
أَحَدُكُمْ مُضْطَحِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ(١).
الشرح: وجوب الوضوء على النائم المضطجع من باب نواقض الطهارة الصغرى،
وهى ثلاثة أنواع لا خلاف فيها فى المذهب: ذهاب عقل، وخارج، وملامسة. فأما
ذهاب العقل، فهو النوم وما كان فى معناه من الإغماء والسكر والجنون، والأصل فى
وجوب الوضوء ن النوم فى الجملة قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى
(١) قال ابن عبدالبر: وروى أبو خالد يزيد الدالانى، عن قتادة، عن أبى العالية، عن ابن
عباس، أن رسول الله ﴿ قال: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) وهو عندهم حديث منكر،
لم يروه أحد من أصحاب قتادة الثقات؛ وإنما انفرد به أبو خالد الدالانی، وأنكره عليه، ولیس
بحجة فيما نقل.
وقال الليث بن سعد: إذا تصنع للنوم جالسًا فعليه الوضوء، ولا وضوء على القائم؛ والجالس
إذا غلبه النوم توضأ.
وقال الشافعى: على كل نائم الوضوء إلا الجالس وحده، فكل من زال عن حد الاستواء ونام
فعليه الوضوء، وسواء نام قاعدًا، أو ساجدًا، أو قائمًا، أو راكعًا، أو مضطجعًا وهو قول
الطیری وداود بن على.
وروى عن على، وابن مسعود، وابن عمر، أنهم قالوا: من نام حالسا فلا وضوء عليه.
وروى عن ابن عباس، أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو
خفقتين. رواه هشيم، عن يزيد بن أبى زياد، عن مقسم، عن ابن عباس؛ ورواه الشورى، عن
يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه.
وقال الحسن، وسعيد بن المسيب: إذا خالط النوم قلب أحد کم واستحلی نومًا فليتوضأ. وروى
ذلك عن أبى هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وهو معنى
قول مالك.
وكان عبدالله بن المبارك يقول: إن نام ساحدًا فى صلاته فلا وضوء عليه، وإن نام ساجدًا فى
غير صلاته فعليه الوضوء، وكذلك إن تعمد النوم جالسا وهو فى صلاته، فعليه الوضوء.
وروى عن أبى موسى الأشعرى ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أى حال كان
حتى يحدث النائم حدثا غير النوم، لأنه كان ينام ويوكل من يحرسه. وروى عن عبيدة نحو
ذلك. وروى عن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مرارًا مضطجعًا ينتظر الصلاة، ثم يصلى ولا
يعيد الوضوء للصلاة.
وقال المزنى صاحب الشافعى: النوم حدث، وقليله وكثيره يوجب الوضوء كسائر الأحداث.
قال ابن عبدالبر: حجة من ذهب مذهب المزنى فى النوم حديث صفوان بن عسال، مع القياس
على ما أجمعوا عليه فى أن غلبة النوم وتمكنه يوجب الوضوء إلا شىء روى عن أبى موسى
وعبيدة، محتمل للتأويل. انظر: (التمهيد، حديث ثالث وعشرون لأبى الزناد).