النص المفهرس

صفحات 261-280

.. وقوت الصلاة
............
٢٦٠
((إِنَّ شِدَّةٌ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ(١) جَهَنْمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ) وَقَالَ:
(اشْتَكَتِ الَّارُ إِلَى رَّبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ(٢) فِى
كُلِّ عَامٍ، نَفَسٍ فِ الشَّاءِ وَنَفَسٍ فِى الصَّغِ(٣).
الشرح: الفيح سطوع الحر، فأخبر ﴿ أن لجهنم فيحًا، وأن شدة الحر من ذلك الفيح،
وأمر بالإبراد بالصلاة عند شدة الحر، ومعنى ذلك أن يؤخر فعلها إلى أن يبرد وقتها.
(١) إن شدة الحر من فيح جهنم: بفاء مفتوحة وياء تحتية ساكنة وحاء مهملة، والفوح بواو
سطوع الحرّ وانتشاره، واختلف هل هذا على حقيقته، فقال الجمهور: نعم، وقيل: إنه كلام
خرج مخرج التشبيه، أى كأنه نار جهنم فى الحر فاجتنبوا ضرره. قال القاضى عياض: كلا
الوجهين ظاهر وحمله على الحقيقة أولى، وقال النووى: إنه الصواب لأنه ظاهر الحديث ولا
مانع يمنع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم بأنه على ظاهره.
وجهنم: قال يونس وغيره: اسم أعجمی، ونقله ابن الأنباری عن أکثر النحویین، وقیل: عربی،
ولم يصرف للتأنيث والعلمية، وفى المحكم سميت بذلك لبعد قعرها من قولهم بعيدة القمر،
وفى الموعب عن أبى عمرو: جهنام اسم للغليظ، وفى المغيث لأبى موسى المدنى: جهنم
تعريب كهنام بالعبرانية. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٨، ٢٩).
(٢) فأذن لها بنفسين: بفتح الفاء، قال القرطبى: النفس التنفس. وقال غيره: وأصله الروح،
وهو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء فشبه الخارج من حرارة جهنم بردها إلى
الدنيا بالنفس الذى يخرج من جوف الحيوان. وقال ابن العربى: فى الحديث إشارة إلى أن
جهنم مطبقة محاط عليها بجسم يكتنفها من جميع نواحيها، قال: والحكمة فى التنفيس عنها
إعلام الخلوّ أنموذج منها. قلت: وقد روى الطبرانى فى الكبير بسند حسن عن ابن مسعود
قال: ((تطلع الشمس من جهنم فى قرن شيطان فما ترتفع من قصبة إلا فتح باب من أبواب
النار، فإذا اشتد الحر فتحت أبوابها كلها)، وهذا يدل على أن التنفس يقع من أبوابها وعلى أن
شدة الحر من فيح جهنم حقيقة.
(٣) نفس فى الشتاء ونفس فى الصيف: هما بالجر على البدل أو البيان ويجوز الرفع، ولمسلم
زيادة: «فما ترون من شدة البرد فذلك من زمهيرها، وما ترون من شدة الحر فهو من سمومها
أو قال: من حرها)). قال القاضى عياض: قيل: معناه إنها إذا تنفست فى الصيف قوى لهب
تنفسها حر الشمس، وإذا تنفست فى الشتاء دفع حرها شدة البرد إلى الأرض. وقال ابن
عبدالبر لفظ الحديث يدل على أن نفسها فى الشتاء غير الشتاء، ونفسها فى الصيف غير
الصيف. وقال ابن التين: فإن قيل: كيف يجمع بين البرد والحر فى النار؟ فالجواب: أن جهنم
فيها زوايا فيها نار وزوايا فيها زمهرير وليست محلا واحدًا يستحيل أن يجتمعا فيه. وقال
مغلطاى: لقائل أن يقول: الذى خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدين فى محل
واحد. قال وأيضًا فالنار من أمور الآخرة، والآخرة لا تقاس على أمر الدنيا.

........... ٢٦١
وقوت الصلاة
و قوله: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أکل بعضی بعضًا»، يحتمل وجهين،
الحقيقة وهو أن يخلق لها حياة وكلامًا فتتكلم بذلك، والثانى المجاز كقول الشاعر:
شكى إلى جملى طول السرى
وقوله: ((أكل بعضى بعضًا)) يريد بذلك كثرة حرها وأنها تضيق بما فيها ولا تجد ما
تأكله وتحرقه حتى يعود بعضها على بعض.
وقوله: ((فأذن لها بنفسين فى كل عام)) يريد أنه أذن لها أن تتنفس فيخرج عنها
بعض ما تضيق به من أنفاس حرها وزمهريرها، أعاذنا الله برحمته منها.
وفى هذا الحديث من معنى الإبراد مسألة وقت استحباب الصلاة، وذلك أنا حددنا
أوقات الصلوات وبينا فضيلة أوقاتها بما يغنى عن إعادتها وبقى علينا الكلام فى الفضائل
التى ترد على فضيلة أول الوقت، فتكون لها الفضيلة فى نوع من التأخير، ولأصحابنا
فيه أقاويل نحن نذكر منها ما يعول عليه ثم نخلص معانيها، إن شاء الله، وذلك أن ابن
القاسم روى عن مالك فى كتاب الصلاة من المدونة أنه قال: أحب إلىّ أن يصلى الناس
الظهر فى الشتاء والصيف، والفيء ذراعًا ..
وقال ابن حبيب: أول الوقت أحب إلينا فى الأوقات كلها للعامة فى ذات أنفسها،
فأما الأئمة فى المساجد والجماعات، فذلك على ما هو أرفق بالناس، ويستحب فى
الصيف تأخير الظهر إلى وسط الوقت وما بعده قليلاً لأن الناس يقيلون ويستحب
تعجيلها فى الشتاء فى أول الوقت حين تميل الشمس عن أفق المواجه للقبلة لأن الناس لا
یقیلون.
وقال ابن وهب، عن مالك: إنه كره تعجيل الصلاة لأول الوقت، قال عنه ابن
القاسم: ولكن بعدما يتمكن ويذهب بعضه، فمعنى التأخير الذى حكاه ابن القاسم ليس
من معنى الإبراد فى شىء، وإنما هو لأجل اجتماع الناس، فحصل فى صلاة الظهر
تأخيران، أحدهما: لأجل الجماعة، وذلك يكون فى الصيف والشتاء فى المساجد
ومواضع الجماعات، دون الرجل يصلى فى خاصة نفسه، فإنه يستحب له تقديم الصلاة
فى أول الوقت إذ هو الأفضل على ما تقدم، والتأخير الثانى معنى الإبراد، وهو يختص
بوقت الحر دون غيره من الأوقات ويستوى فيه الجماعة والفذ.
فوقت التأخير لأجل الجماعة إلى أن يفىء الفىء ذراعًا، ووقت التأخير لأجل الإبراد
أكثر من ذلك، ويصح أن يكون إلى نحو الذراعين، وقد فسر ذلك أشهب، وذلك أنه

وقوت الصلاة
٢٦٢ .
قال: تأخير الظهر فى الصيف والشتاء إلى أن يفىء الفىء ذراعًا، ثم قال بإثر ذلك: وهذا
فى غير الحر، فأما فى الحر، فالإبراد بها أحب إلينا ولا يؤخر وقتها. ووجه ما ذكره من
الإبراد الحديث المتقدم بالأمر به.
ومن جهة المعنى أن المصلى مندوب إلى الخشوع فى الصلاة والإكمال لركوعها
وسجودها وغير ذلك من أفعالها وأقوالها، وشدة الحر تمنع من استيفاء ذلك من الصلاة
على هذه الحال كما منع من الصلاة بالحقن الذى يمنع الخشوع وإتمام الأقوال والأفعال
وكما أمر بتقديم العشاء بحضرة الصلاة لهذا المعنى، والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فهل يبرد بصلاة العصر أم لا؟ قال أشهب: أحب إلى أن يزيد
المصلى ذراعًا على القامة ولاسيما فى الحر. وقال ابن حبيب: وقتها واحد تعجل ولا
تؤخر إلا فى الجمعة، فإنه يعجل بها أكثر من سائر الأيام.
وجه ما قاله أشهب، أن هذه صلاة رباعية من صلوات النهار، فثبت فيها الإبراد
وانتظار الجمعة كالظهر.
ووجه قول ابن حبيب، أن العصر يكون فى وقت يخف الحر ويطراً على الناس وهم
متأهبون للصلاة، وكان المستحب تقديمها كالمغرب، وأما المغرب فلا خلاف فى
استحباب تعجيلها وإنما الاختلاف فى جواز تأخيرها، وقد تقدم ذكره.
مسألة: وأما العشاء الآخرة، فقال ابن القاسم، عن مالك: يستحب أن يؤخر بعد
مغيب الشفق قليلاً. وقال ابن حبيب: يؤخر فى الشتاء قليلاً لطول الليل ويؤخر أكثر من
ذلك فى رمضان توسعة على الناس فى إفطارهم، وقد تقدم ذكره، وجملة ذلك أن فعل
الصلاة فى أول وقتها عند مالك أفضل، وإنما يستحب التأخير لمعان توجب ذلك وقد
تقدم بيانها.
٢٧ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ.
٢٧ - أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٣٤، ٥٣٧. ومسلم كتاب المساجد ومواضع
الصلاة برقم ٦١٥، ٦١٧. والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٤٥. والنسائى كتاب المواقيت
برقم ٥٠٠. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤٠٢. وابن ماجه كتاب الصلاة برقم ٦٧٧،
٦٧٨. وأحمد بالمسند برقم ٧٠٩٠، ٧٢٠٥، ٧٤٢٤، ٧٥٥٨، ٧٦٦٥، ٧٧٧٠، ٢٧٤٤٣.
والدارمى كتاب الصلاة برقم ١٢٠٧. وكتاب الرقاق برقم ٢٨٤٥. والبيهقى بالسنن الكبرى
٤٣٧/١ عن أبى هريرة بكتاب الصلاة، باب تأخير الظهر .. إلخ، وعبدالرزاق بالمصنف برقم-

٢٦٣
وقوت الصلاة
قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنْمَ)).
الشرح: أمر النبى ﴿﴿ بالإبراد، وعلل ذلك بأن شدة الحر من فيح جهنم، وذكر أن
للنار نفسين، نفس فى الشتاء، ونفس فى الصيف، ولم يأمر بتأخير الصلاة فى شدة
البرد، فلا يتعلق به حكم التأخير.
والأصل فى ذلك ما رواه أبو خلدة عن أنس: كان النبى ﴿﴿ إذا اشتد البرد، بكر
بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. ومن جهة المعنى أنه لا رفق بتأخيرها، بل الرفق
فى تقديمها؛ لأن بتأخيرها يزيد المانع من إتمامها بتزايد البرد كما تمكن العشى وقرب
الليل، والله أعلم.
النهى عن دخول المسجد بريح الثوم
٢٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ:
=٢٠٤٩ جـ ٥٤٢/١ عن أبى هريرة. وابن خزيمة برقم ٣٢٩ عن أبى هريرة جـ ١٧٠/١،
والطيرانى فى الصغير ١٣٧/١ عن أبى هريرة. والبغوى بشرح السنة ٢٠٤/٢ عن أبى هريرة.
وذكره الزيلعى بنصب الراية ٢٤٥/١ فى كتاب الصلاة، باب المواقيت عن أبى هريرة.
٢٨ - أخرجه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٥٦٣. وابن ماجه برقم ١٠١٥. وأحمد
بالمسند برقم ٧٥٢٩، ٧٥٥٥.
وهكذا هو فى الموطأ عند جميعهم مرسل، إلا ما رواه محمد بن معمر، عن روح بن عبادة، عن
صالح بن أبى الخضر، ومالك بن أنس، عن الزهرى، عن سعيد، عن أبى هريرة، مرة موصولاً.
وقد وصله معمر، ويونس وإبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب. فأما رواية معمر، فذكرها
عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن ابن المسيب، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله *:
(من أكل من هذه الشجرة - يعنى الثوم - فلا يؤذينا فى مسجدنا)).
وذكره البخاری، عن مسدد، عن یحیی، عن عبيد الله. قال البخاری: وحدثنا أبو معمر، حدثنا
عبدالوارث، عن عبدالعزيز، قال: سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعت من نبى الله { $ فى
الثوم؟ فقال: قال النبى #: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا.
وحدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد
ابن حنبل، قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبى 8# قال: (من
أكل من هذه الشجرة فلا يقربن المساجد».
وذكره ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب کذلك سواء مسندًا.
وحدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن القاسم، قال: حدثنا أبو عبدالله=

...
٢٦٤
وقوت الصلاة
(مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّحَرَةِ، فَلا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا، يُؤْذِينَا بِرِيحِ النُّومِ».
الشرح: قوله: ((من أكل من هذه الشجرة)) لا يقتضى إباحة ولا حظرًا، فقد يرد مثل
هذا اللفظ فى الحظر كقوله: ((من غشنا فليس منا))(١)، ويرد مثله فى الإباحة كقوله: ((من
دخل دار أبى سفيان فهو آمن))، وإنما ذلك شرط يتنوع معناه بتنوع جوابه.
وقوله: ((فلا يقرب مساجدنا» منع لمن أكل هذه الشجرة من دخول المسجد لما فى
ذلك من إذاية الناس برائحتها ولما يجب من تنزيه المساجد عن كريه الرائحة، وقد بين
ذلك ﴿﴿ بقوله: ((يؤذينا بريح الثوم))، وروى فى هذا الخبر ((مساجدنا)) على العموم،
وروى ((مسجدنا)) على الإفراد، ولا تنافى بينهما، فثبت النهى عن دخول مسجد النبى
برواية من أفرد، وثبت النهى عن دخول جميع المساجد برواية من عمَّ.
وليس يتناول نهيه هذا دخول المساجد وإنما يتناول دخولها برائحة الثوم، وقد علل
ذلك بأن الملائكة تتأذى به، فيقال من حديث جابر عنه: ((من أكل البصل والكراث
=الحسين بن إسماعيل المحاملى ببغداد، قال: حدثنا فضل الأعرج، قال: حدثنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، قال: حدثنى أبى، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة،
عن النبى 8/ قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يؤذينا فى مسجدنا، يعنى الثوم. قال يعقوب:
وذكر أبى، عن أبيه، أنه ذكر معه الكراث والبصل.
قال ابن عبدالبر: روى النهى عن أكل الثوم بألفاظ متقاربة المعانى عن النبى 8# جماعة، منهم:
عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وحذيفة، وابن عمر، وجابر، وأنس، وأبو سعيد،
والمغيرة بن شعبة، ومعقل بن يسار، وأم أيوب. فأما حديث ابن عمر، فرواه عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر، أن النبى ® قال فى غزوة خيبر: ((من أكل من هذه الشجرة -
یعنیالثوم - فلا یقرین مسجدنا)).
وقال ابن عبدالبر: اختلف العلماء فى معنى هذا الحديث، فقال بعضهم: إنما خرج النهى عن
مسجد النبى 8# من أجل جبريل - عليه السلام - ونزوله فيه على النبى {/ .. وقال آخرون،
وهم الأكثرون: مسجد النبى 8# وسائر المساجد غيره فى ذلك سواء، وملائكة الوحى فى
ذلك وغيرها سواء، لأنه قد أخبر أنه يتأذى منه بنو آدم، وقال: إن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه
بنو آدم. وقال: يؤذينا بريح الثوم، ولا يحل أذى الجليس المسلم حيث كان. انظر: (التمهيد
باب النهى عن دخول المسجد بريح الثوم وتغطية الفم، حديث تاسع لابن شهاب، عن سعيد
ابن المسيب مرسل).
وذكره بالكنز ٢٦٨/١٥ برقم ٤٠٩١٨ وعزاه إلى مسلم، وابن ماجه، عن أبى هريرة.
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٠١) من حديث أبى هريرة.

٠ ٢٦٥
وقوت الصلاة
والثوم فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى بما يتأذى به بنو آدم)).
وفى هذا مسألتان، إحداهما: الموضع الذى يمنع دخوله برائحة الثوم، والثانية: بيان ما
يكره لمن أكله دخول المسجد، فأما المسألة الأولى: فإن المواضع التى يحصل فيها اجتماع
الناس على ضربين، أحدهما: ما اتخذ للعبادات كالجامع والمسجد، فهذه يكره دخولها
برائحة الثوم، وقد نص أصحابنا على المسجد الجامع.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وعندى أن مصلى العيد والجنائز كذلك.
وقال ابن وهب فى المبسوط: الذى يأكل الثوم يوم الجمعة، وهو ممن تجب عليه الجمعة
لا أرى أن يشهد الجمعة فى المسجد ولا فى رحابه.
فرع: وهل يدخلها من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد.
قال القاضى أبو الوليد: وعندى أنه لا يجوز ذلك لقوله ﴿43: ((فإن الملائكة تتأذى مما
یتأذی به بنو آدم)).
والضرب الثانى من المواضع: ما اتخذ لغير العبادة كالأسواق ونحوها، فقد قال مالك،
رحمه الله: ما سمعت بكراهية فى دخول الأسواق ممن أكل الثوم، والفرق بينهما أن
المواضع المتخذة للعبادة لها حرمة يجب أن يتنزه بها عن كريه الأرايح بخلاف المتخذة
لغير العبادة، فإنه لا حرمة لها، فلو منع دخول الأسواق برائحة الثوم لكان ممنوعًا من
أكله جملة لأن الأسواق بمنزلة سائر المواضع.
مسألة: وأما الروائح التى تقرب من الثوم كالبصل والفجل والكراث، فقد قال مالك
فى البصل والكراث هنا مثل الثوم، وقال: إن كان الفحل يؤذى ويظهر، فلا يدخل من
أكله المسجد. وروى عن مالك أنه قال: لم أسمع فى الكراث والبصل منعًا، وما أحب
أن يؤذى الناس. وقال فى العتبية: وسئل عن الكراث، فقال: إنه ليكره كل ما يؤذى
الناس، والصحيح أن كل الخضر الكريهة الرائحة فى ذلك كالثوم.
والدليل على ذلك ما روى عنه ﴿﴿ أنه قال: ((من أكل البصل والكراث والثوم فلا
يقرب مساجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)).
ومن جهة المعنى أن هذه رائحة يتأذى أهل المسجد بها، فأشبهت رائحة الثوم.
وقال مالك فى العتبيّة: إن الناس فى ذلك لمختلفون، منهم من لا توجد له رائحة إن
أكله، ومنهم من تكون له الرائحة إذا أكله، فإن أكله أحد وأتى المسجد أخرج منه لما

٢٦٦
... وقوت الصلاة
.....
روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا
خبيثتين، لقد رأيت رسول الله ﴿﴿ إذا وجد ريحهما من الرجال أمر به فأخرج إلى البقيع،
من أکلهما فليتمهما نضجًا.
مسألة: وليس أكل ذلك بحرام لما روى عن أبى سعيد أنه قال: لما فتحت خيبر وقع
أصحاب رسول الله ﴿﴿ فى تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلاً شديدًا
ثم رحلنا إلى المسجد، فوجد رسول الله 48 الريح، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة
الخبيثة فلا يغشنا فى المسجد))، فقال الناس: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبى ل﴾، فقال:
((يا أيها الناس، ليس فى تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرة أكره ريحها)) وهذا فيمن أكل
ذلك نيئًا، فأما من أكله بعد الإنضاج بالنار، فلا منع فيه لحديث عمر بن الخطاب رضى
الله عنه: فليمتها نضجًا، ولم يخالفه أحد. ومن جهة المعنى أن رائحته تذهب بالإنضاج
فيصير بمنزلة سائر الطعام.
٢٩ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُحَِّ (١) أَنَّهُ كَانَ يَرَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِذَا
رَأَى الإِنْسَانَ يُغَطّى فَاهُ وَهُوَ يُصَلِّى جَبَذَ الثّوْبَ عَنْ فِيهِ جَبْذًا شَدِيدًا حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْ
فیهِ.
الشرح: روى ابن القاسم، عن مالك فى المجموعة: لا يلتثم المصلى ولا يغطى فاه،
ومعنى ذلك أن الخشوع مشروع فى الصلاة واللثام ينافى الخشوع لأن معناه الكبر.
وقال مالك فى المختصر: لا يطوف رجل ملثمًا ولا امرأة متنقبة. قال الشيخ أبو بكر:
وذلك لأن الطواف بالبيت صلاة، فلا يجوز أن يفعل الرجل والمرأة فى الطواف إلا ما
يجوز لهما أن يفعلاه فى الصلاة.
مسألة: قال ابن حبيب: لا ينبغى أن يغطى فمه ولا ذقنه ولا لحيته فى الصلاة،
وحکی ابن شعبان فی مختصره الخلاف فى تغطية الذقن عن مالك، فروی عنه أنه لا بأس
به، وإنما المنع من اللثام وتغطية الوجه والفم، قال: وقد روى عنه مطرف أنه كرهه.
فوجه الرواية الأولى أن الرواية إذا منعت تغطية الوجه لم تمنع تغطية الذقن كالإحرام.
ووجه رواية مطرف أنه تغطية لبعض الوجه كاللثام.
٢٩ - الحديث فى الموطأ برقم ٣٠.
(١) قال فى الاستذكار: عبدالرحمن بن مجبر: هو عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب وإنما قيل له
المجبر لأنه سقط فتکسر فجبر.

وقوت الصلاة .
٢٦٧
....
مسألة: ولا تصلى المرأة متنقبة، رواه ابن وهب عن مالك. زاد ابن حبيب: ولا
متلثمة، فإن فعلت، فقد روى ابن القاسم عن مالك: لا تعيد، ووجهه ما قدمناه.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالتقنع فى غير الصلاة مكروه للرجل، قال مالك: إلا أن
يكون لحر أو برد أو غير ذلك من العذر، فلا بأس أن يتقنع للرجل بثوبه، وأما لغير ذلك
فلا، وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده، قال: ورأت سكينة أو فاطمة بنت الحسين بعض
ولدها مقنعًا رأسه، فقالت: اكشف رأسك، فإن القناع ريبة بالليل ومذلة بالنهار. وقال
مالك: أكرهه لغير عذر، وما علمته حرامًا، ولكن ليس من لباس خيار الناس.

العمل فى الوضوء
٣٠ - مَالِك، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتَى الْمَازِىِّ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
ابْنِ عَاصِمٍ(١)، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْتِى الْمَازِنِىِّ(٢)، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِنَنِى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ
٣٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٥. وأخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٨٥.
ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٣٥. والترمذى كتاب الطهارة برقم ٣٠. والنسائى برقم ٩٧،
٩٨. وأبو داود برقم ١١٨. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٤٣٤. وأحمد بالمسند
برقم ١٥٩٩٦. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٦٩٤.
(١) قال السيوطى فى تنوير الحوالك: لأبى مصعب وأكثر رواة الموطأ أن رجلا قال لعبدالله
ولمعن بن عیسی عن عمرو، وعن أبيه یحیی أنه سمع أبا حسن، وهو جد عمرو بن يحيى، قال
لعبدالله بن زيد. وفى موطأ محمد بن حسن عن مالك: حدثنا عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع
جده أبا حسن يسأل عبدالله بن زيد، وكذا ساقه سجنون فى المدونة. وعند البخارى من
طريق وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبى حسن يسأل عبدالله بن
زيد. وعنده أيضًا من طريق سليمان عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان يكثر عمرو من
الوضوء، فقال لعبدالله بن زيد. وفى المستخرج لأبى نعيم من طريق الداروردى عن عمرو بن
يحيى عن أبيه عن عمه عمرو بن أبى حسن قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبدالله بن زيد.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبدالله بن زيد أبو
حسن الأنصارى وابنه عمرو وابن يحيى، فسألوه عن صفة الوضوء، وتولى السؤال منهم له
عمرو بن أبى حسن، فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة، وحيث نسب إلى أبى
حسن، فعلى المجاز لكونه الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نسب ليحيى، فعلى المجاز أيضًا
لكونه تاقل الحديث، وقد حضر السؤال، قال: ويؤيده ما فى رواية الإسماعيلى من طريق خالد
الواسطى عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: قلنا لعبدالله، فإنه يشعر بأنهم اتفقوا على سؤاله.
(٢) وهو جد عمرو بن يحيى قال ابن عبد البر هكذا فى الموطأ عند جميع رواته، وانفرد به
مالك ولم يتابعه عليه أحد، ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث فى عبدالله بن زيد بن عاصم
إنه جد عمرو بن يحيى المازنى إلا مالك وحده، فإنه عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن
المازنى الأنصارى لا خلاف فى ذلك، ولجده أبى حسن صحبة فيما ذكر بعضهم، فعسى أن
یکون جده لأمه.

............ ٢٦٩
الطهارة
تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ إِلَى
الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدٍَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا
إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَّانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِخْلَيْهِ(٣).
الشرح: قوله: ((وهل تستطيع أن ترینی کیف کان وضوء رسول الله ڭ؟)) سؤال
له، هل حفظ وضوء رسول الله ﴾ حفظًا يمكن أن يريه إياه على صفته وجمیع هيئاته،
ولا يقتصر على ما يجزئ من الوضوء. والوضوء بضم الواو، هو الفعل، والضوء بفتحها
هو الماء. وحكى عن الخليل الوضوء بالفتح فيهما.
فصل: وقوله: ((فأفرغ على يده))، لا يخلو وضوء عبدالله بن زيد هذا أن ينوى به مع
التعليم استباحة عبادة أو لا ينوى به غير التعليم، فإن كان نوى به استباحة عبادة، فإنه
يستبيح به الصلاة وغيرها، وإن لم يرد به إلا التعليم، فإنه لا يستبيح به صلاة ولا غيرها،
(٣) وقال ابن عبدالبر فى التمهيد: وأما ما فى هذا الحديث من المعانى، فأول ذلك غسل
اليدين قبل إدخالهما فى الإناء مرتين.
وأما قوله: ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، فالثلاث فى ذلك وفى سائر أعضاء الوضوء أكمل
الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء، ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان، وهذا ما لا خلاف فيه،
والمضمضة معروفة، وهى أخذ الماء بالفم من اليد وتحريكه فى الفم هى المضمضة، وليس
إدخال الإصبع ودلك الأسنان بها من المضمضة فى شىء، فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل،
وقال: فأما الاستنثار والاستنشاق، فمعناهما واحد متقارب، إلا أن أخذ الماء بريح الأنف هو
الاستنشاق والاستنثار رد الماء بعد أخذه بريح الأنف أيضًا، وهذه حقيقة اللفظين، وقد كان
مالك یری أن الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر.
وأما غسل الوجه ثلاثًا فهو الكمال، والغسلة الواحدة إذا عمت تجزئ بإجماع العلماء؛ لأن
رسول الله # توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثً ثلاثًا، وهذا أكثر ما فعل من ذلك ﴿،
وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة والتخيير؛ وطلب الفضل فى الثنتين والثلاث، لا
على أن شيئًا من ذلك نسخ لغيره منه، فقف على إجماعهم فيه؛ والوجه مأخوذ من المواجهة،
وهو من منابت شعر الرأس إلى العارض والذقن والأذنين، وما أقبل من اللحيين.
وقد اختلف فى البياض الذى بين الأذن والعارض فى الوضوء، فروى ابن وهب، عن مالك
قال: ليس ما خلف الصدغ الذى من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.
وقال الشافعى: يغسل المتوضئ وجهه من منابت شعر رأسه إلى أصول أذنيه، ومنتهى اللحية
إلى ما أقبل من وجهه وذقنه؛ فإن كان أمرد، غسل بشرة وجهه كلها؛ وإن نبتت لحيته
وعارضاه، أفاض على لحيته وعارضيه، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التى تحت الشعر،
أجزأه إذا كان شعره كثيرًا. انظر: (التمهيد، حديث أول لعمرو بن يحيى، متصل صحيح).

٢٧٠
الطهارة
وكذلك من نوى بوضوئه تعلم الوضوء، وهو فى العتبية عن ابن القاسم.
وروى عن سفيان الثورى أنه قال: من علم غيره الوضوء أجزأه، ومن علمه التيمم لم
يجزه حتى ينويه لنفسه، وهذا مبنى على أن التيمم يفتقر إلى النية دون الوضوء، وما
قدمناه عن ابن القاسم مبنى على افتقار الوضوء إلى النية.
فصل: وقوله: ((فغسلهما مرتين مرتين))، يريد أنه نظفهما بذلك قبل إدخالهما فى
وضوئه، واختلف أصحاب مالك فى صفته، فروى أشهب عن مالك أنه استحب أن
يفرغ على يده اليمنى فيغسلها ثم يدخلها فى إنائه، ثم يصب على اليسرى. وروى
عيسى بن دينار عن ابن القاسم: أحب إلى أن يفرغ على يديه فيغسلهما كما جاء فى
الحدیث.
فوجه رواية أشهب قوله فى حديث عبدالله بن زيد: ((فغسلهما مرتين مرتين))، وهذا
يقتضى إفراد كل واحدة منهما بالغسل مرتين، ولو غسلهما جميعًا لقال: فغسل يديه
مرتین.
ومن جهة المعنى أن ذلك أيسر لأنه يتناول بيسراه إلاناء فيفرغ بها على مناه، فإذا
غسلها أدخلها فى الإناء نصب بها على يسراه.
ووجه آخر، وهو أن هذا يجب أن يبنى على أن غسل اليدين قبل إدخالهما فى الإناء
طريقة العبادة ومن حكم الأعضاء فى طهارة العبادة أن يستوعب تكرار غسل اليمنى
قبل أن يبدأ بغسل الیسری.
ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن غسل اليد قبل إدخالها فى الإناء إنما هو على
معنى التنظيف بما عسى أن يكون علق بها من أوساخ البدن والعرق وغسل اليدين
بعضهما ببعض أنظف لهما وأبلغ فى إزالة ما يقدر تعلقه بهما.
فصل: وقوله: ((مرتين))، دليل على أن الغسل للعبادة دون النجاسة؛ لأن غسل
النجاسة لا يعتبر فيه العدد، وإنما يعتبر العدد فيما يغسل عبادة كأعضاء الوضوء، والعدد
المشروع فى ذلك اثنان وثلاثة للحديث المتقدم.
ولحديث عبدالله بن سفيان، عن أبى هريرة أن النبى ﴾ قال: «إذا استيقظ أحدكم
من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدرى أين باتت يده)).
فصل: وقوله: ((ثم مضمض واستنثر ثلاثًا))، المضمضة ليست بواجبة عند مالك فى

٢٧١٠٠
الطهارة
الطهارة الصغرى، وبه قال أبو حنيفة والشافعى، وقال ابن أبى ليلى وأحمد بن حنبل:
هی واجبة فيها.
والدليل على ما نقوله، أن هذا عضو باطن فى أصل الخلقة، فلم يجب إيصال الماء إليه
فى الوضوء كداخل العينين.
فصل: وقوله: ((غسل وجهه ثلاثًا))، غسل الوجه فرض فى الطهارة، وله أبواب فى
الغسل والمغسول به والمغسول یجب بيانها.
باب فى بيان غسل الوجه.
فأما الغسل، فإن ابن القاسم حكى عن مالك أنه لم يحد فى الوضوء شيئًا، ومعنى
ذلك أنه لم يحد فيه حدًا لا يجوز التقصير عنه ولا تجوز الزيادة عليه، وأما تحديد فرضه
ونقله، فمعلوم من قول مالك وغيره، ولا خلاف فيه نعلمه، وذلك أن الفرض فى
الوضوء مرة.
والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، والأمر بالغسل أقل ما يقتضى فعله مرة
واحدة لأنه أقل ما يسمى به غاسلاً لأعضاء الوضوء.
وقد روى عن ابن عباس أن رسول الله * توضأ مرة مرة، وأما النقل فمرتين
وثلاثًا. وقد روی عبدالله بن زيد أن النبى ®1 توضأ مرتين مرتين.
وروى عن عثمان أنه أراهم وضوء رسول الله ﴿ فتوضأً ثلاثًا ثلاثًا، وهو أكمل
الوضوء وأتمه، وهو حد للفضيلة.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﴿ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم
قال: ((هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)).
وروى عنه عبدالله بن عمر أنه توضأً ثلاثا ثلاثا، وقال: «هذا وضوئى ووضوء
الأنبياء قبلى))، وليست الآثار فى ذلك بالقوية إلا أن الفقهاء اتفقوا على العمل بها.

٢٧٢
........
الطهارة
باب فى بيان المغسول به
وأما المغسول به، وهو الماء، فإن المشروع منه ما يكفى ويصح به الغسل، ومقدار
ذلك للمتوضئ مقدار مد مد النبى ﴿﴿، وللمغتسل صاع، وسيأتى بيانه إن شاء الله.
مسألة: وفرضه أن يكون العضو المغسول به مع إمرار اليد بأن ينقل باليد أو ينزل
عليه من مطر أو غير ذلك من الوجوه، وأما أن يتناول بيده ثم يرسله ثم يمرها على
العضو المغسول، فلا يجزئ لأنه مسح، وليس بغسل.
باب فى بيان المغسول
وأما المغسول وهو الوجه، فحده طولاً من منابت شعر الرأس على الوجه المعتاد إلى
طرف الذقن فى الأمرد، وأما الملتحى، فاختلف أصحابنا فيه، فروى عن ابن القاسم أن
حده إلى آخر الشعر.
وقال سحنون: فمن لم يمر بيديه إلى آخر شعر لحيته، لم يجزه. وقال أبو بكر
الأبهرى: إن الفرض من ذلك ما حاذى المغسول من الوجه. وسنبين ذلك بعد هذا إن
شاء الله.
مسألة: فإن كانت اللحية خفيفة لا تستر البشرة وجب إيصال الماء إليها، وإن كانت
كثيفة، فقد اختلف أصحابنا فى ذلك، ففى العتبية، أنه عاب تخليلها. وقال ابن حبيب:
يخللها رغبة وليس بواجب. وقال محمد بن عبدالحكم: يخلل فى الوضوء، وبه قال أبو
ثور.
ووجه ما قاله مالك، أن هذا شعر يستر البشرة، فلم يجب إيصال الماء إلى ما تحته
کشعر الرأس.
ووجه قول ابن عبدالحكم أن هذه طهارة يغسل فيها الوجه، فوجب أن تخلل فيها
اللحية کالغسل.
مسألة: وحد الوجه عرضًا فى الملتحى من الصدغ إلى الصدغ، وأما الأمرد، فروى
ابن وهب فى المجموعة عن مالك أنه بمنزلة الملتحى، وحكى أبو محمد بن نصر، عن
متأخرى أصحابنا أن عرض الوجه فى حق الأمرد ما بين الأذنين بخلاف الملتحى.

٢٧٣
الطهارة
وقال أبو حنيفة والشافعى: عرض الوجه فى الأمرد والملتحى ما بين الأذنين. وفى
المبسوط من رواية ابن وهب عن مالك مثله.
وجه القول الأول، البياض بين الصدغين والأذنين لا تقع المواجهة به، فلم يجب غسله
مع الوجه فى الوضوء كالقفا.
ووجه القول الثانی أنه عضو بین الأذنین فی الوجه کالخدین.
مسألة: حكى الشيخ أبو محمد فى نوادره أن عليه أن يغسل ما تحت مارنه وما غار
من أجفانه، ومعنى ذلك أن كل ما كان ظاهرًا، فإنه يجب إيصال الماء إليه، فلا يجب
غسله كجرح برئ على استغوار كبير وما كان خلقًا خلق به لأنه يشق إيصال الماء إليه
وغسله كموضع القطع من الكوع وأصابع القدم.
فصل: وقوله: ((ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين))، ذكر غسل اليدين ولم
يذكر الترتيب فيهما، والسنة أن يبدأ باليمنى لما روى عن مسروق، عن عائشة قالت:
کان النبى څ﴾ يعجبه التیامن فى تنعله وترجله وطهوره وفی شأنه كله.
فصل: وقوله: (إلى المرافق)، اختلف أصحابنا فى اقتضاء دخول المرفقين فى الغسل
مع اليدين، وقد حكى عن المبرد أنه يقتضى دخول المرفقين فى الغسل لأن الحد إذا لم
يستغرق المسمى وإنما حدد بعضه، فإنه يجب أن يدخل فى جملة ما حد منه، كما لو
قال: بعتك هذا الثوب من أوله إلى نصفه، لاقتضى ذلك اشتمال البيع على نصف
الثوب.
وقال جماعة: إن ((إلى)) فى الآية بمعنى ((مع))، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا
أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، والصحيح من ذلك أن ((إلى)) لا تقتضى دخول الحد
فى المحدود وأنها على بابها إلى أن يدل الدليل على كونها بمعنى مع أو غير ذلك مما
يصح أن يحمل عليه. وليس إذا دل الدليل على العدول بها عن ظاهرها فى سائر المواضع
بغير دليل، فمن ادعى دخول المرفقين فى الغسل مع اليدين، وجب عليه أن يدل على
ذلك من غير لفظ ((إلى)).
وقد اختلف الفقهاء فى ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك وجوب إدخالهما فى
الغسل مع اليدين، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
وروى ابن نافع فى المجموعة عن مالك، أنه يبلغ بالغسل إلى المرفقين وإلى الكعبين.

الطهارة
٢٧٤
وقد ذكر الاختلاف فى ذلك الشيخ أبو محمد، وأنكر القاضى أبو محمد أن يكون ذلك
من مذهب مالك، وقال: إنما هو من مذهب زفر بن الهذيل.
وقال أبو الفرج من أصحابنا: إن المرفقين يجب إدخالهما فى الطهارة، لا على معنى
أن الطهارة واجبة فيهما، ولكن على معنى أنه يجب استيعاب الذراعين إليهما ولا يتيقن
ذلك لهما إلا بغسل المرفقين.
وذهب بذلك أصحابنا فى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]،
والواجب إمساك جزء من الليل يتيقن بذلك الإمساك جميع النهار. وحكى ذلك القاضى
أبو محمد عن بعض أصحابنا وأنكره، وذهب إلى أن المرفقين على الطهارة وهو الصحيح
إن شاء الله.
والدليل على ذلك حديث أبى هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى شرع فى العضد، ثم
ذكر بعد أن أكمل وضوءه، هكذا رأيت رسول الله ﴿﴾ يتوضأ.
ودليلنا من جهة المعنى أن هذا أحد طرفى المعصم، فوجب غسله فى الوضوء
کالرسغ.
مسألة: فإن كان فى يده خاتم، فهل عليه تحريكه أم لا؟ قال مالك فى العتبية: ليس
عليه تحريك الخاتم فى الوضوء. وقال ابن المواز: ولا فى الغسل. وقال ابن حبيب: إن
كان ضيقًا فعليه تحريكه، وليس عليه ذلك إن كان واسعًا. وقال الشيخ أبو إسحاق:
عليه تحريك الخاتم ضيقًا كان أو غير ضيق.
ويحتمل ما قاله مالك تعليلين أحدهما: أن الخاتم لما كان ملبوسًا معتادًا يستدام لبسه
من غير نزع فى الغالب لم يجب إيصال الماء إلى ما تحته بالوضوء كالخفين، والثانى أن
الماء برقته مع دقة الخاتم يصل إلى ما تحته من البشرة، فلا يحتاج إلى تحريكه، فعلى هذا لا
يخالف ما قاله ابن حبيب.
وقد قال محمد بن دينار فيمن يلصق بذراعيه قدر الخيط من العجين أو غيره، فلا
يصل الماء إلى ما تحته فيصلى بذلك، فلا شىء عليه. قال ابن القاسم: عليه الإعادة.
مسألة: وهل يلزمه تخليل أصابعه أم لا؟ قال ابن وهب فى العتبية: لابد من التخليل
فى أصابع اليدين، وأما أصابع الرجلين، فإن لم يخللها فلابد من إيصال الماء إليها، وذكر
نحوه ابن حبيب.

٢٧٥
الطهارة
: «إذا
وقد تعلق أصحابنا فى ذلك بحديث لقيط بن سبرة، قال: قال رسول الله
توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)»، وإنما المراد بذلك إمرار اليدين على ما بين
الأصابع على أن حك بعضها ببعض فى اليدين يجزى عن ذلك إلا أن التخليل أفضل.
وأما عفوهم عن تخليل أصابع الرجلين، فقد قال قوم من أصحابنا إن هذه رواية عن
مالك فى جواز ترك إمرار اليد على أعضاء الطهارة فى الوضوء، وقد أشار مالك إلى
إبداء فرق بينهما؛ لأن أصابع الرجلين ملتصقة لا يظهر ما بينهما لأنه قال فى العتبية: لا
يدخل يده فى لحيته عند الوضوء، وهو مثل أصابع الرجلين.
ويؤكد هذا التأويل أن ابن حبيب قال: ليس عليه تخليل أصابع رجليه فى الوضوء،
وإن تر که فى ذلك فى غسله من الجنابة أو ترك تخليل لحيته، لم يجزه.
وقد نصوا على وجوب إيصال الماء إلى ما بين الرجلين، والفرق بين ذلك وبين
البشرة التى تحت اللحية أن ما بين أصابع الرجلين مستور فى أصل الخلقة وبشرة الوجه
ساترها طار، فانتقل الفرض إليه.
فصل: وقوله: ((ثم مسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر))، يريد مقدم رأسه حتى ذهب
بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه، اختلف الناس فى تأويل
قوله: ((فأقبل بهما وأدبر))، فقال قوم: معنى ذلك أن الإقبال هو إلى قفاه والإدبار إلى
مقدم رأسه.
وقال أحمد بن داود من أصحابنا: إنه بدأ بناصيته ثم أقبل بيديه إلى مقدم رأسه، ثم
أدبر بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى ناصيته، وهو الموضع الذى بدأ منه، فيصير الإقبال
متبعضًا، ويكون ابتداؤه من وسط رأسه حتى انتهى إلى وجهه، وأيضًا فإن سنة أعضاء
الوضوء أن يبدأ بطرفها، فيجب أن يجرى الرأس مجراها فى ذلك لأنه عضو من أعضاء
الطهارة.
وقد قال قوم: إن الواو لا تقتضى رتبة، وأنه قدم الإقبال فى اللفظ وهو مؤخر فى
العمل وهذا أصح هذه الأقوال.
فى مسح الرأس يقتضى ثلاثة أبواب
فصل: وما ذكره من صفة وضوء النبى
حده وإيصال الماء إليه، واستيعابه.

٢٧٦
........
الطهارة
باب بيان حد الرأس
أما حده، فهو منابت شعره مما يلى الوجه إلى آخر منابت شعره مما يلى القفا وفى
العرض ما بين الصدغين، وهو حد منابت الشعر المضاف إلى الرأس مما يليهما، وقد
حكى الشيخ أبو محمد فى نوادره أن شعر الصدغين من الرأس يدخل فى المسح.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: ومعناه عندى ما فوق العظم من حيث يعرض
الصدغ من جهة الرأس لأن ذلك الموضع يحلقه المحرم، وأما ما دون ذلك، فهو من
الرأس.
وحكى القاضى أبو محمد أنه إذا كان شعر العارضين من الخفة بحيث لا يستر البشرة
لزم إيصال الماء إلى البشرة، واحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾
[المائدة: ٦]، هذا يقتضى عنده أن العارض من الوجه.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى من موضع العظم وحيث
يبتدئ نبات الشعر بعرض من جهة الوجه.
باب كيفية إيصال الماء إليه
وأما إيصال الماء إليه، فهو أن ينقل بلل الماء بيده ولا يجزيه، أن يمر يديه جافتين على
بلل رأسه، فإن ذلك ليس بمسح بالماء، وإنما هو مسح بيد، حكى ذلك ابن حبيب عن
ابن الماجشون، والذى يتوضأ بالمطر ينصب يديه للمطر، فيمسح بالبلل رأسه، وأما
الغسل فيجزئه فيه أن يمر يده على جسده بما صار فيه من ماء مطر أو غيره، قاله ابن
القاسم وسحنون.
والفرق بينهما أن المسح يسير، فإذا كان على العضو الممسوح لم يكن الماسح ماسحًا
بالماء، وإذا كان الماء فى اليد كان ماسحًا بالماء وأما الغسل يتعلق باليد وينصرف معها
على أعضاء الغسل كان فى اليد ماء أو لا لكثرته، فيكون غاسلاً بالماء ومباشرة
الممسوح بالماء يجب أن تكون على وجه المسح.
فإن كان على وجه الغسل، فقد قال الشيخ أبو إسحاق: یجزیه، وقال ابن حبيب: فى
الخفين. ووجه ذلك أنه أتى بما عليه وزيادة ممنوعة على وجه الكراهية بمنزلة من كرر
مسح الرأس.

٢٧٧
الطهارة
باب استيعاب الرأس مسحًا
وأما استيعاب الرأس، فهو الفرض عند مالك، وقال محمد بن مسلمة: يجزى مسح
أكثره، فإن ترك الثلث أجزأه، وحكى العتبى عن أشهب، أن من مسح مقدم رأسه،
أجزأه. وقال أبو الفرج: إن اقتصر على مسح الثلث، أجزاه.
وقال أبو حنيفة: الواجب قدر ثلاثة أصابع. وقال أيضًا: قدر الناصية، وهو ربع
الرأس. وقال الشافعى: الفرض أقل ما يقع عليه الاسم، ولأصحابه فى ذلك وجهان،
منهم من قال: إن اسم الرأس ينطلق على الشعرة الواحدة. ومنهم من قال: لا ينطلق إلا
على ثلاث شعرات فما زاد.
والدليل على وجوب الاستيعاب قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]،
وهذا يقتضى مسح الرأس لأن هذا اللفظ إنما يقع حقيقة على جميعه دون بعضه، وقد أمر
بمسح ما يتناوله الاسم، فيجب مسح جميعه.
مسألة: وإذا كثرت المرأة شعرها بصوف أو شعر، لم يجز أن تمسح عليه لأنه لا يصل
الماء إلى شعرها من أجله، وإن وصل فإنما يصل إلى بعضه، وهذا مبنى على وجوب
الاستيعاب.
مسألة: وأما المسترسل من الرأس، فهل يجب عليه إمرار اليدين أم لا؟ اختلف
أصحابنا فى ذلك، فقال أبو بكر الأبهرى: لا يمسح منه إلا ما حاذى الممسوح من
الرأس، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وابن القاسم: يمسح جميعه إلى أطراف الشعر،
واختاره القاضى أبو محمد، وبه قال الشافعى.
ودليلنا من جهة القياس أنه شعر نابت على محل تجب مباشرته بالماء فى الوضوء،
فوجب إمرار الماء عليه كشعر الحاجبين.
مسألة: وسنة مسح الرأس مرة واحدة دون تكراره ثلاثا، وبه قال أبو حنيفة. وروى
ابن نافع عن مالك فى مسح الرأس مرة أو مرتين، فقد يقل الماء فيكون مرتين، ويكثر
فيكون مرة، وليس هذا من باب التكرار، وإنما هو من باب استئناف أخذ الماء لما بقى
من مسح الرأس. وقال الشافعى: يكرر مسح الرأس ثلاثًا كسائر الأعضاء.
والدليل على صحة ما نقوله ما روی عن عبدالله بن زيد أنه وصف وضوء النبى
مرتين مرتين، ومسح رأسه مرة واحدة، فوجه الدليل أن عدوله فيه عن التكرار الذى
فعله فى سائر الأعضاء دليل على اختلاف الحكمين.

٢٧٨
الطهارة
وما روى فى حديث عبدالله بن زيد المتقدم فى الموطأ أنه أقبل بهما وأدبر، فليس مما
اختلفا فيه، وإنما ذلك تكرار مسح بغرفة واحدة، وإنما اختلفا فى تكرار مسح ما قد
مسح منه بماء قد يستأنف اغترافه كسائر الأعضاء.
وقد قال الشيخ أبو القاسم بن الجلاب: إن قوله: ((فأقبل بهما وأدبر))، ولا تكرار
فیه، ولکن ذهب بهما أولاً واضعًا یدیه فى وسط رأسه رافعًا کفیه عن فودیه، ثم ردهما
رافعًا يديه عن وسط رأسه وواضعًا كفيه على فوديه ليتم استيعاب الرأس فى المرتين.
ودليلنا من جهة القياس أنه ممسوح فى الطهارة، فلم يسن فيه التكرار كالتيمم
والمسح على الخفين.
مسألة: مسح شعر الرأس أصل فى الطهارة، وليس ببدل، فمن مسح رأسه ثم حلقه
لم يجب عليه إعادة المسح خلافًا لعبدالعزيز بن أبى سلمة، والدليل على ذلك أن هذا
ظاهر من الأصل، فكان أصلاً فى الطهارة كالبشرة.
فصل: وقوله: ((غسل رجليه)) يقتضى وجوب غسلهما لأن أفعاله 49 على
الوجوب، وبهذا قال فقهاء الأمصار.
وقال ابن جرير الطبرى وداود: إن الفرض التخيير فى المسح والغسل، والدليل على
ذلك أن هذا ظاهر من الأصل، فكان أصلاً فى الطهارة كالبشرة.
فصل: وقوله: ((غسل رجليه))، يقتضى وجوب غسلهما لأن أفعاله
ء على
الوجوب، وبهذا قال فقهاء الأمصار. وقال ابن جرير الطبرى وداود: إن الفرض التخيير
فى المسح والغسل.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم
إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]، وهى قراءة نافع
و ابن عامر والکسائی وعاصم من رواية حفص عنه.
فإن قيل إنه إذا وجب غسل الرجلين لقراءة من قرأ بالنصب وجب مسحها لقراءة
من قرأ بالجر، فالجواب أن هذا الذى ذهبتم إليه من التخيير غير صحيح لأن الأمر
بالشىء نھی عن ضده.
وفى الأمر بالغسل نهى عن المسح كما أن فى الأمر بالمسح نهى عن الغسل، ولا
يجوز أن يقال إن مجرد الأمر بهما يقتضى التخيير بينهما لأن الأمر بكل واحد منهما غير

٢٧٩
الطهارة
معين، ويصرف تعينه إلى المأمور به، فكلا القراءتين حجة عليكم مما تدعونه من التخيير،
لأن ظاهر القراءتين جميعا ينفى التخيير بينهما.
فإن قيل، فإن الأمر بالشىء والنهى عنه إذا وردا على وجه فلم يعلم الآخر من الأول
فیحمل أنه ناسخ له حملاً على التخيير.
والجواب أن هذا لا يجوز ولا يقول به أحد، بل إذا ورد الأمر بالشىء والنهى عنه
على وجه يمكن الجمع بينهما، جمع بينهما سواء علم الآخر منهما أو لم يعلم، وإنما
يحتاج إلى التاريخ أو إلى أن ينظر ما يحمل عليه إن جهل أمره على اختلاف الناس فى
ذلك متی تمکن الجمع بينهما.
وهاتان القراءتان لا يمكن الجمع بينهما، بل تحمل قراءة الجر على الجواز، وهو كثير
سائغ فى القرآن وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب
وأباريق﴾ [الواقعة: ١٧]، إلى قوله: ﴿وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة:
٢٣]، والحور العين لا يطاف بهن، ولكن يطفن بأنفسهن كالولدان. وقال امرؤ القيس:
حفیف شواء أو قدید معجل
وقال النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت أو موثق فى حبال القد مسلوب
فخفض أو موثق على الجواز، فإن قيل فإن مثل هذا يلزمكم أيضًا فإن قراءة النصب
يصح أن يحمل العطف على موضع الرأس لأن موضعه النصب، وذلك مشهور شائع فى
كلام العرب، قال الشاعر:
معاوى إننا بشر فاسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فالجواب أن هذا الاعتراض لا يجوز لكم إيراده لأنه يقتضى المنع من الغسل، وأنتم لا
تقولون به.
وجواب ثان، وهو أن العطف على الموضع إنما يجوز إذا كان المعطوف عليه يتعدى
بحرف جر، وفى معنى ما يتعدى بغير حرف جر كقولك: مررت بزيد وعمرا، فمعناه
لقیت زیدًا وعمرًا.
وأما قوله: ﴿فامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]، فإنه لا يتعدى إلا بحرف جر، فلا
يجوز أن يعطف على موضعه. وقد ذكرنا معنى ذلك فى مسألة مسح الرأس.
وجواب ثالث، وهو أن العطف على الموضع لا يجوز إلا حيث لا یشکل، وذلك
يجوز أن تقول: مررت بزيد وعمرا، لما لم يكن فى الكلام ما يصح أن يعطف عليه على
اللفظ، ولو قلت: رأيت زيدًا ومررت بعمرو وخالدًا، وأنت تريد العطف على موضع