النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤٠ .. وقوت الصلاة ....... الشرح: قول عبدالله بن عمر حجة فى اللغة لأنه من أهل اللسان مع ما ينضاف إلى ذلك من العلم بالشريعة وصحبته النبى 48 والدين والورع، وإذا كان يحتج بقول امرئ القيس والنابغة فى اللغة، فبأن يحتج بقوله أولى، والميل بتسكين الياء فيما ليس بخلقة ثابتة، يقال: مالت الشمس ميلاً، وقال الله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩]، وأما الخلق والأجسام فبفتح الياء، يقال: فى أنفه ميل، وفى الحائط ميل. ١٩ - مَالِك، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنِى مُخْبِرّ(١) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ إِذَا فَاءَ الْفَىْءُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ. الشرح: دلوك الشمس واقع على كل ميل لها، فابتداء دلوكها إذا زالت الشمس، وهو أول وقت الظهر، وإذا فاء الفىء ذراعًا، وهو دلوك أيضًا، وهو عند مالك وقت إقامة صلاة الجماعة فى المساجد، وبذلك كتب عمر إلى عماله، وما بعد ذلك إذا صار ظل كل شىء مثله، وهو وقت العصر إلى آخر وقتها دلوك أيضًا، وما بعد ذلك من غروب الشمس دلوك أيضًا، وهو حد لدخول وقت صلاة المغرب .. ولذلك روی مجاهد عن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس غروبها، فاسم الدلوك واقع على ذلك كله، فيحتمل أن يعتقد فى الآية أنها تتناول ما ذكرناه من جهة العموم ويحتمل أن يعتقد فيها بعض ذلك إذا دل عليه الدليل، والله أعلم. فصل: وقوله: ((وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته))، وصف الليل بالاجتماع، وإنما هو فى الحقيقة الوقت ولا يوصف بالإجتماع وإنما يجتمع بذلك ظلامه. وقوله: ((وظلمته))، عطف على الاجتماع، والمراد بذلك سواده. * جامع الوقوت ٢٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((الَّذِى ١٩ - الحديث فى الموطأ برقم ١٩. (١) مخبر: قال فى الاستذكار: هو عكرمة، وكان مالك يكتم اسمه لكلام سعيد بن المسيب فیه. ٢٠ - أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٢٢. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة= ........... ٢٤١ وقوت الصلاة تَقُوتُهُ(١) صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنْمَا وُيِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ(٢). = برقم ٦٢٦. والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٦٠. والنسائى كتاب الصلاة برقم ٤٧٨. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤١٤. وابن ماجه كتاب الصلاة برقم ٦٨٥. وأحمد بالمسند برقم ٤٥٣١، ٤٦٠٧، ٤٧٩٠، ٥٠٦٥، ٥١٣٩، ٥٢٩١، ٥٤٣٢، ٥٧٤٦، ٦١٤٢، ٦٢٨٤، ٦٣٢٢. والدارمى كتاب الصلاة برقم ١٢٣٠، ١٢٣١. وعبدالرزاق بالمصنف برقم ٢٠٧٤ عن ابن عمر جـ٥٤٨/١. وابن خزيمة برقم ٣٣٥ عن ابن عمر. والبغوى بشرح السنة ٢١٣/٢ عن ابن عمر. (١) اختلف فى معنى الفوات فى هذا الحديث فقيل هو فيمن لم يصلها فى وقتها المختار وقيل: هو أن تفوته بغروب الشمس، قال الحافظ مغلطاى فى موطأ ابن وهب: قال مالك: تفسيرها ذهاب الوقت. وقال الحافظ ابن حجر: قد أخرج عبدالرزاق هذا الحديث من طريق ابن جريج عن نافع، وزاد فى آخره: قلت لنافع: حتى تغيب الشمس؟ قال: نعم، قال: وتفسير الراوى إذا كان فقيها أولى. قلت: وقد ورد مصرحًا برفعه فيما أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف عن هشيم عن حجاج عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: ((من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهل وماله، وقيل: هو تفويتها إلى أن تصفر الشمس، وقد ورد مفسرًا من رواية الأوزاعى فى هذا الحديث قال فيه: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة. وقال الحافظ ابن حجر: ولعله مبنى على مذهبه فى خروج وقت العصر. وقال مغلطاى فى علل ابن أبى حاتم: من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وتر أهله وماله. قال أبو حاتم: التفسير من قبل نافع. وقالت طائفة: المراد فواتها فى الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلية والنهارية. ويؤيده ما أخرجه ابن منده بلفظ: ((الماتور أهله وماله من وتر صلاة فى جماعة وهى صلاة العصر)، وروى عن سالم أنه قال: هذا فيمن فاتته ناسيًا ومشى عليه الترمذى. وقال الداودى: إنما هو فى العامد، قال النووى: وهذا هو الأظهر. وقد اختلف أيضًا فى تخصيص صلاة العصر بذلك فقيل: نعم، لزيادة فضلها ولأنها الوسطى ولأنها تأتى وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وحرصهم على قضاء أعمالهم ولاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، وهذا ما رجحه الرافعى فى شرح المسند والنووى فى شرح مسلم. قال ابن عبد البر: الحق أن الله يخص ما يشاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. وقال ابن عبدالبر: يحتمل أن الحديث خرج جوابًا على سؤال السائل عمن تفوته العصر وأنه لو سئل عن غيرها لأحابه مثل ذلك فیکون حکم سائر الصلوات كذلك خصوصًا وقد ورد الحديث من رواية نوفل بن معاوية الدئلى بلفظ: (من فاتته الصلاة، ويلفظ ((من فاتته صلاة، ولم يخص العصر. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٣، ٢٤). (٢) وتر أهله وماله: قال الخطابى وغيره: معناه نقص أهله وماله وسليهم فبقى وترًا بلا أهل ولا مال، فليحذر من إصابة يطلب بها وترًا، والوتر الجناية التى يطلب تارها، فيجتمع عليه غمان، غم المصيبة، وغم مقاساة طلب الثأر، ولذا قال: وتر ولم يقل: مات أهله. وقال= وقوت الصلاة ٢٤٢ الشرح: اختلف أصحابنا فى معنى الفوات فى هذا الحديث، فقال ابن وهب: إنما ذلك لمن لم يصل فى الوقت المختار، وهو إلى أن يصير ظلك مثليك. واختار هذا القول الداودى، وذكر سحنون فى تفسير حديث النبى 18: ((من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر))، فقال: يريد فيما ترى وقتها فى الحديث الذى جاء: ((الذى تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله))، هو الذى تغرب عليه الشمس، ولم يدرك منها شيئًا، واختار هذا القول أبو محمد الأصيلى، وقال: الفوات هو أن يصلى بعد أن يذهب النهار كله، وهذا أشبه بلفظ الفوات. وقد روى التأويلان عن نافع، فروى ابن جريج بإثر هذا الحديث، قلت لنافع: حتى تغرب الشمس. وروى الوليد، عن الأوزاعى، عن ابن عمر قال: قال رسول الله : ((من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وتر أهله وماله)). ومعنى الفوات أن لا يمكن الأداء فى الوقت، وهو قد روى عن سالم بن عبدالله أنه قال: ذلك فى الناسی. فصل: وقوله: ((وتر أهله وماله»، يحتمل أن يريد به أن وتر أهله وماله فوات ثواب يدخر له، فيكون ما فاته من ثواب صلاة العصر فى وقتها مثل ما فات الموتور من الثواب الجزيل الذى وعده الله على وتر أهله وماله فى سبيل الله، ويحتمل أن يريد بذلك أن ما فاتته الصلاة يلحقه من الأسف على ذلك عند معاينة الثواب مثل ما يلحق من وتر أهله وماله. وقال الداودى: معناه أنه يجب عليه من الاسترجاع ما يجب على من وتر أهله وماله؛ لأن من فرط فى صلاته فقد أتى كبيرة يجب عليه الأسف والندم عليها والتوبة منها. وهذا الذى ذكره الداودى إنما يتوجه على من ترك الصلاة عامدًا، وأما من تركها ساهيًا أو ناسيًا، فلا يجب عليه شىء من ذلك ولا يمتنع أن يكون قد فاته من الثواب مثل ما فات من وتر أهله وماله دون ثواب أو يلحقه من الأسف عند معاينة ما فاته من الثواب ما يلحق من وتر أهله وماله. وعلى أن ما قاله من أن من وتر أهله وماله يجب عليه الاسترجاع ليس بصحيح، بل لا يجب عليه شىء من ذلك، وإنما يجب عليه الصبر والتسليم، وإن استرجع مع ذلك =الجوهرى: الموتور هو الذى قتل له قتيل فلم يدرك دمه ويقال أيضًا: وتره حقه: أى نقصه. وقيل: الموتور من أخذ أهله وماله، وهو ينظر، وذلك أشد لغمه. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٤). ٢٤٣٠٠٠ وقوت الصلاة .. فحسن لقوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) [البقرة: ١٥٦]، وقد روى ابن حبيب عن مالك أن معنى من وتر أهله: انتزعوا منه وذهب بهم، والله أعلم. ٢١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ فَلَقِىَ رَجُلًا(١) لَمْ يَشْهَدِ الْعَصْرَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا حَبْسَكَ عَنْ صَلاةِ الْعَصْرِ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ عُذْرًا. فَقَالَ عُمَرُ: طَفَّفْتَ(٢). قَالَ يَحْتَى: قَالَ مَالِك: وَيُقَالُ لِكُلِّ شَىْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ. الشرح: ذكر الداودى أن الرجل الذى لم يشهد العصر مع عمر بن الخطاب، هو عثمان بن عفان، وذكر غيره أنه ابن حديدة صاحب النبى وقول عمر له: ((طففت))، أى نقصت نفسك حظها، يريد أنه نقص حظها من فضيلة الجماعة المقصودة فى مسجد النبى ﴿﴿ لأنه لا يمكنه أن يصلى فيه جماعة إذا كان له إمام راتب قد صلى فيه، وإن كان هذا المخاطب يدرك فضيلة المسجد بصلاة الفذ ويدرك فضيلة الجماعة فى غير ذلك المسجد. ٢٢ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُصَلَّىَ لَيُصَلّى الصَّلاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْهَا، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا، أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ، مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ(١). ٢١ - الحديث فى الموطأ برقم ٢١. (١) قال فى الاستذكار: ذكر بعض من شرح الموطأ أن هذا الرحل هو عثمان بن عفان. قال: وهذا لا يوجد فى أثر علته وإنما هو رجل من الأنصار من بنى حديدة. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٥). (٢) طففت: أى نقصت نفسك حظها. والتطفيف فى لسان العرب: هو الزيادة على العدل والنقصان منه. انظر: (لسان العرب مادة (طفف). وتنوير الحوالك صـ ٢٥). ٢٢ - وأخرجه الدارقطنى ٢٤٨/١ عن أبى هريرة. وعبد الرزاق بالمصنف ٥٨٤/١ عن طلق بن حبيب مرسلا. (١) قال ابن عبدالبر: هذا - يعنى الحديث - له حكم المرفوع إذ يستحيل أن يكون مثله رأيًا وقد ورد نحوه من طرق مرفوعًا، فأخرجه الدارقطنى فى سننه من طريق عبيدالله بن موسى عن إبراهيم بن الفضل عن المقبرى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللـه #: ((إن أحدكم ليصلى الصلاة وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله)). وأخرجه ابن عبدالبر من- ٢٤٤ وقوت الصلاة ........ الشرح: قال مالك فى حديث يحيى بن سعيد: لا يعجبنى ذلك، ويصلى الناس فى أول الوقت ووسطه وكره التضييق فى ذلك، ووجه كراهية مالك لهذا الحديث أن ظاهره يعارض الحديث الذى لا خلاف فى صحته من قوله : ((الذى تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله))، فجعل ﴿﴿ من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله، وجعل يحيى بن سعيد من صلى الصلاة فى بعض وقتها ولم يفته الوقت أنه قد فاته منه بقوات أوله ما هو أعظم من أهله وماله، فجعل فى فوات بعض الوقت أعظم مما جعله النبى ﴿﴿ فى فوات جميعه، وفى ذلك أشد التضييق على الناس. وقد ذهب أشهب إلى قول يحيى بن سعيد، فقال: من صلى العصر فى تغير الشمس فقد فاته من وقتها أفضل من أهله وماله، ولا أقول فاته الوقت كله حتى تغرب الشمس، فجعل قول يحيى بن سعيد على فوات الوقت المختار، وكان هذا ينحو إلى تأويل ابن وهب فى حديث ابن عمر، والله أعلم. مَالِك: مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِى سَفَرٍ، فَأَخْرَ الصَّلاةَ سَاهِيًّا أَوْ نَاسِيًّا، حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ، أَنْهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِى الْوَقْتِ، فَلْيُصَلِّ صَلاةَ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ، فَلْيُصَلِّ صَلاةَ الْمُسَافِرِ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِى مِثْلَ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِك: وَهَذَا الأَمْرُ هُوَ الَّذِى أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النّاسَ، وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِلَدِنَا. الشرح: قوله: ((من أدركه الوقت فأخر الصلاة ساهيًا أو ناسيًا)). السهو: الذهول عن الشىء، تقدمه ذكر أو لم يتقدمه، وأما النسيان، فلابد أن يتقدمه الذكر، فمعنى قوله هذا من غفل عن الصلاة فلم يذكرها فى الوقت جملة أو غفل عنها بعد أن ذكرها، فحكمه ما ذکر. ويحتمل أيضًا أن يأتى باللفظين لاختلافهما وإن كان معناهما واحدًا كقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [ص: ٧٣، الحجر: ٣٠]، وإنما كان عليه أن يصلى صلاة الحضر إذا قدم على أهله فى وقت الصلاة مؤد لها فى وقتها فى الحضر، وقد كان المصلى مخيرًا بين أداء الصلاة فى أول الوقت وفى وسطه وآخره، فلما لم يصل فى أول =طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن الزهرى عن ابن عمر أن النبى 8# قال: ((إن الرحل ليدرك الصلاة وما فاته منها خير من أهله وماله». ٢٤٥٠٠ وقوت الصلاة الوقت ولا فى وسطه تعينت عليه الصلاة فى آخره، وكان ذلك وقت وجوبها عليه، وهو فى ذلك الوقت من أهل الحضر، فوجبت عليه حضرية، وكذلك لو ترك الصلاة فى الحضر ساهيًا أو ناسيًا وسافر فى بقية من وقتها، فإنه يصليها سفرية، هذا قول جماعة الفقهاء. وقال مجاهد: فرضه الإتمام، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]، ولم يفرق بين آخر الوقت وأوله. ومن جهة المعنى أن الاعتبار فى صفتها بوقت وجوبها، ووقت الوجوب من وقتها غير متعين على ما بيناه، وله تعيينه فى أى جزء شاء منه، والتعيين إنما يكون بالفعل دون النية والقول، فإذا أخرها حتى سافر فى آخر الوقت، فقد عين وقت الوجوب فيه، وهو فی حال سفره، فلزمته سفرية. مسألة: والمقدار الذى يراعى من أدرك الوقت فى ذلك ركعة من الصلاة المنسية، فإن كانت العصر، فمقدار ركعة، وإن كانت الظهر والعصر، فمقدار ثلاث ركعات فأكثر؛ لأنه يصلى الظهر ركعتين وتبقى ركعة العصر، وإن كانت العشاء الآخرة فمقدار ركعة فأكثر، وإن كانت المغرب والعشاء، فاختلف أصحابنا فى هذا الأصل إذا خرج لمقدار ثلاث ركعات، فعلى قول سحنون وابن عبدالحكم: يصلى العشاء سفرية، وعلى قول ابن القاسم وأصبغ: يصليها حضرية. فصل: ((وإن كان قدم وقد ذهب الوقت فليصل صلاة المسافر)) لأنه إنما يقضى مثل الذى كان عليه هذا مذهب مالك، رحمه الله، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يقضيها حضرية. والدليل على ما نقوله، أن هذه صلاة مقضية، فوجب أن تقضى على حسب ما تؤدى عليه من قصر أو إتمام، أصله إذا نسيها فى الحضر ثم ذكرها فى السفر. فرع: قال القاضى أبو محمد فى إشرافه: من نسى صلاة سفرية، فذكرها فى الحضر فالأولى أن يقضيها سفرية، فإن أتمها كره له ذلك وجاز، ومن رأى من أصحابنا أن القصر فرض المسافر، قال: يجب قصرها، وأما إذا ذكرها فى السفرية، فإنه يقضيها سفرية، فجعل لذكرها فى الحضر تأثيرًا، وهذا فيه نظر، والله أعلم. ٢٤٦ وقوت الصلاة الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِى فِى الْمَغْرِبِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ، فَقَدْ وَحَبَتْ صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَخَرَجْتَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ. الشرح: قوله: ((الشفق الحمرة))، قد تقدم الكلام فيه مع أبى حنيفة، وقوله بعد هذا: ((إن وقت المغرب يخرج بمغيب الشفق))، تصريح منه بأن وقت المغرب ممتد كسائر أوقات الصلوات وأنه ينتهى إلى مغيب الشفق، وقد تقدم الكلام عليه. وقال الداودى: إن معنى ذلك فى المسافر الذى يجد به السير ويريد الجمع بين العشاءين، وهذا عدول منه عن الظاهر مع أنه حجة عليه لأنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين على الوجه الذى ذكر إلا فى الوقت المختار لهما، ولذلك لا يجمع بين الظهر والعصر بذلك السبب إلا على الوجه المختار لهما. وقول مالك، رحمه الله، يقتضى فى هذه المسألة أن وقت الاشتراك للمغرب والعشاء ينقضى بمغيب الشفق وأن ما بعده يختص بالعشاء، وفى المجموعة عن أشهب ما يدل على أن ما بعد مغيب الشفق، هو وقت الاشتراك وأن ما قبله يختص بالمغرب، ولا يتجه حينئذ على القولين وقت الاشتراك إلا بمقدار فعل كل واحدة من الصلاتين فيه بدلاً من الأخرى. ووجه قول مالك حديث أبى أيوب المراغى، عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله ﴿﴿ قال: ((وقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق)) وفى حديث بريدة: ((وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق)). ٢٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِىَ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَلَمْ يَقْضِ الصَّلاةَ. قَالَ مَالِكٍ: وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ذَهَبَ، فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ فِى الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّى. الشرح: هذا الذى قاله مالك، رحمه الله، من أن من أغمى عليه، فذهب عقله حتى انقضى وقت الصلاة أنه لا قضاء عليه وإن لم يغم عليه إلا عن صلاة واحدة ولمقدار ركعة من آخر وقتها. ورواه عن ابن عمر رضى الله عنه، وهو قول أكثر العلماء، وهو الظاهر من مذهب الشافعى. ٢٣ - الحديث فى الموطأ برقم ٢٣. ٢٤٧ ... ....... وقوت الصلاة وقال أبو حنيفة: إن أغمى عليه يومًا وليلة أو أقل من ذلك قضى الصلاة، وإن أغمى عليه أكثر من ذلك لم يقص من الصلاة ما أخر وقتها. والدليل على ما نقوله أن هذا معنى يسقط فرض الصلاة كثيره، فوجب أن يسقط فرضها قلیله کالحیض، وسواء اقترن بذلك مرض أو عرا عنه. فصل: وقوله: ((فأما من أفاق وقد بقى عليه بعض الوقت، فإنما عليه قضاء الصلاة التى أفاق فى وقتها)) الحديث الذى روى عن النبى لها أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)»، وهذا قد أدرك ركعة منها قبل أن تغيب الشمس، فوجب أن يكون مدركًا لجميعها على ما قدمناه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالوقت الذى يدرك الصلاة به المغمى عليه يفيق، والحائض تطهر، والصبى يحتلم، والكافر يسلم، هو وقت ضرورة، وقد مضى الكلام فى وقت الاختيار، والكلام هاهنا فى وقت الضرورة، وذلك للظهر والعصر إلى غروب الشمس، فمن أدرك من هؤلاء قبل غروب الشمس مقدار خمس ركعات، فقد أدرك الظهر والعصر، وهذا للمقيم. وأما المسافر، فإنه يدرك الصلاتين بمقدار ثلاث ركعات، وإن لم يدرك الإمقدار ركعتين، فقد أدرك العصر وفاتته الظهر، وهذا حكم المغرب والعشاء، فأما المقيم، فإن أدرك مقدار خمس ركعات قبل الفجر، فقد أدرك الصلاتين، وإن أدرك مقدار أربع ركعات، فقد قال مالك: يصلى المغرب والعشاء؛ لأنه إذا صلى المغرب أدرك ركعة من العشاء. وهكذا روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبدالحکم وأصبغ، وروى القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه عن محمد بن مسلمة وابن الماجشون يصلى العشاء دون المغرب؛ لأن وقت المغرب قد خرج. قال القاضى أبو إسحاق: والقياس ما قاله مالك. قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: والذى عندى أن أصحابنا اختلفوا فى هذه المسألة لاختلافهم فى أصلين إليهما تعدت هذه المسألة وعليهما ترتبت، وربما قيل أحدهما أصل للآخر، فأما الأصل الأول، فهو أن من أصحابنا من قال: إن ما بعد الزوال بمقدار ركعتين للمسافر وأربع ركعات للمقيم يختص بالعصر لا مشاركة فيه للظهر، وإنما يشتركان فيما بين هذين الوقتين، وإلى هذا ذهب القاضى أبو الحسن والقاضى أبو محمد وذكره القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه. ٢٤٨ وقوت الصلاة ........... وقال آخرون من أصحابنا: إن جميع الوقت من الزوال والعصر بما قبل الغروب للترتيب، فإذا سقط فرض العصر بوجه ما وبقى فرض الظهر، جاز أن يؤدى قبل الغروب بركعة أو ركعتين، ويكون المصلى لها فى ذلك الوقت مؤديًا لا قاضيًا، والمغرب والعشاء مثل ذلك على القول الأول ما بعد الغروب بمقدار ثلاث ركعات يختص بالمغرب، وما قبل الفجر بمقدار ركعتين للمسافر وأربع ركعات للمقيم يختص بالعشاء ووقت الاشتراك بينهما. وعلى القول الثانى: الاشتراك من وقت الغروب إلى طلوع الفجر. فوجه القول الأول أن هذه صلاة فرض، فوجب أن يكون لها وقت يختص بها کالصبح. ووجه آخر: وهو أنه لا خلاف فى أنه إذا ضاق الوقت عنهما أن الأولى تسقط، فلو كان الوقت مشتركًا بينهما لوجب أن يكون المدرك الركعة مدركًا لهما، وأن تسقط الآخرة لتقدم الأولى فى الرتبة، فلما سقطت الأولى مع تقدمها وثبتت الثانية مع تأخيرها، ثبت أن الوقت للثانية خاصة دون الأولى، يبين ذلك أن الوقت المشترك بينهما إذا اجتمعتا، قدمت الأولى على كل حال. ووجه القول الثانى: أن هذا وقت العصر، فوجب أن يكون وقتًا مشتركًا بينها وبين الظهر، أصله إذا صار ظل كل شىء مثله. ووجه آخر، وهو أن السفر لا ينقل أوقات الصلوات، ولذلك لم يجز أن ينقل الظهر إلى ما قبل الزوال ولا الفجر إلى ما قبل طلوع الفجر، فلو لم يكن ما بعد الزوال بمقدار ركعتين وقتًا للعصر فى الحضر لما جاز أن يكون وقتًا لهما فى السفر. والأصل الثانى: أنه إذا ضاق وقت الصلاتين، فهل يعتبر إدراك وقتها باعتبار وقت الأولى منهما أولا أو باعتبار وقت الآخرة أولاً، اختلف أصحابنا فى ذلك، فمنهم من قال: يبدأ أولاً باعتبار وقت الأولى، ومنهم من قال: يعتبر أولاً بإدراك وقت الثانية. مثال ذلك أن يفيق مغمى عليه لمقدار أربع ركعات قبل الفجر، فإن قلنا باعتبار وقت الأولى، فإنه مدرك لوقت الصلاتين لأنه يدرك ثلاث ركعات للمغرب، ثم ركعة من العشاء، وأن يبدأ باعتبار وقت الأخرى، فإنه مدرك لوقت صلاة العشاء. فوجه القول الأول: أن النظر فى وقت الصلاتين يجب أن يكون على حسب أدائها من الترتيب، فيكون أولاً فى المغرب لأن الفعل يتناولها قبل أن يتناول العشاء. ٢٤٩٠ وقوت الصلاة ووجه القول الثانى: أن آخر الصلاتين أحق بآخر الوقت بدليل أنه إذا ضاق الوقت عنهما تسقط الأولى، فكان الاعتبار فى الوقت بالثانية منهما عند ضيق الوقت، فإن فضل عنها من الوقت شىء كان للأولى، وإن لم يفضل شىء، سقطت الأولى. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالذى تحصل به الحائض مدركة للوقت أن تكمل طهارتها وتتمكن من الشروع فى الصلاة، وقد بقى عليها منه مقدار خمس ركعات قبل غروب الشمس، إن كانت مقيمة، أو ثلاث ركعات، إن كانت مسافرة، ولا يعتبر فى ذلك بوقت انقطاع الدم وإنما الاعتبار بوقت كمال شروط الصلاة، وكذلك الصبى يبلغ، فأما الكافر يسلم، فقد قال ابن القاسم وابن حبيب: يراعى وقت إسلامه دون فراغه من طهوره، والفرق بينه وبين الحائض أنه عاص بترك الطهور والصلاة، ولا تعصى بذلك الحائض. أما المغمى عليه، فأجراه مالك مجرى الحائض لأنه مغلوب غير ملوم. وقال ابن حبيب: هو كالنصرانى يسلم، قال: ووجه ذلك أن المغمى عليه حين يفيق من الصلاة كالكافر وإنما هو كالمحدث، وأما الحائض فليست من أهل الصلاة حتى تغتسل، وما قاله غير مسلم، ولمنازعه أن يقول: إن المغمى عليه ليس من أهل الصلاة لأن حدثه يمنعه من ذلك كالتى انقطع عنها دمها. وحكى ابن سحنونة فى كتابه عن أبيه، أن الكافر يسلم والمغمى عليه يفيق كالحائض بعد فراغها من غسلها. وكذا حكى ابن حبيب فى واضحته عن أصبغ. قال القاضى أبو محمد: وهو القياس لأن الإسلام يَحُبُّ ما قبله، ولو وجبت عليه الصلاة بترك الإسلام لوجب عليه قضاء الصلوات قبل إسلامه. مسألة: ولو أن مغمى عليه أفاق قبل الغروب، فذكر صلاة نسيها قبل الإغماء، فإنه يبدأ بالصلاة التى نسى، فإن بقى بعد فراغها وقت للصّلاتين أو أحدهما صلى ما أدرك وقته، وإن لم يدرك شيئًا من الوقت، فقد اختلف فيه قول ابن القاسم، فقال فى كتاب محمد: لا يصلى ظهرًا ولا عصرًا. واختاره أصبغ ورواه عن مالك، وقال مرة أخرى: يصلى ما أفاق فى وقته. ورواه القاضى أبو إسحاق عن محمد بن مسلمة. فوجه الرواية الأولى ما روى عن النبى 18: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها))، فإذا اجتمع فى هذا الوقت ثلاث صلوات، استوعب الصلاة الأولى للوقت وسقط فرض ما بعدها لما كانت أحق منها بالوقت. ووجه الرواية الثانية أنه مغمى عليه أدرك وقت الظهر والعصر، فلزمه الإتيان بهما، ٢٥٠ وقوت الصلاة وإنما قدمت عليهما الفائتة للترتيب لا لأن الوقت مختص بها، وذلك لا يسقط فرض الظهر، وهذا حكم إفاقة المغمى عليه وطهر الحائض فى آخر الوقت، فأما ما يطرأ من الإغماء والحيض فى آخر الوقت، فإنه يسقط فرض الصلاة إذا أدرك من وقتها مقدار ركعة فأكثر، فقد طرأ عليه ذلك، وهو مقيم لمقدار أربع ركعات قبل الغروب أو لمقدار ركعتين للمسافر سقط عنه فرض العصر. وإن كان ذلك لمقدار خمس ركعات فى المقيم أو ثلاث ركعات فى المسافر سقط عنه فرض الظهر والعصر، ولو كان ذلك لمقدار خمس ركعات للمقيم. قبل الفجر سقط عنه فرض المغرب والعشاء، ولو كان لمقدار أربع ركعات قبل الفجر. فعلى قول مالك: يسقط فرض المغرب والعشاء، وعلى رواية القاضى أبى إسحاق عن محمد بن مسلمة وابن الماجشون: يسقط فرض العشاء، ويقضى المغرب. ولو كان مسافرًا فطرأ ذلك عليه لمقدار ثلاث ركعات قبل الفجر، فعلى رواية القاضى أبى إسحاق عن عبدالملك ومحمد، يسقط فرض المغرب والعشاء لأنه قد أدرك جميع وقت العشاء ومقدار ركعة من المغرب، وعلى قول مالك: يسقط فرض العشاء ويقضى المغرب. مسألة: فإن طرأ ذلك على مقيم لمقدار ركعة من آخر النهار، وهو ناس للعصر، سقط عنه فرضها، ولو كان ناسيًا الظهر مصليًا للعصر، ففى العتبية من رواية سحنون وعيسى عن ابن القاسم: لا يقضى الظهر لأن ذلك وقتها. وروى يحيى، عن ابن القاسم: يقضى الظهر لأنه قد فات وقتها قبل الإغماء، فرواية عيسى وسحنون مبنية على الاشتراك فى جميع الوقت ورواية يحيى مبنية على أن ما قبل المغرب يختص بالعصر. وأخذ ابن حبيب فى هذه المسألة بالاحتياط، فإذا كان الاحتياط فى رواية عيسى وسحنون أخذ بها، وذكر أنه قول مطرف وأصبغ، وإذا كان الاحتياط فى رواية يحيى أخذ بها، وذكر أنه قول ابن الماجشون وابن عبدالحكم، فلو صلت امرأة الظهر بثوب نجس والعصر بثوب طاهر، ثم ذكرت ذلك لمقدار ركعة من النهار لم تقض الظهر فى قول ابن الماجشون وابن عبدالحكم وقضتها فى قول الآخرين لما فيه من الاحتياط للصلاة، والله أعلم. ٢٥١٠٠٠ وقوت الصلاة النوم عن الصلاة ٢٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ حِينَ قَفَلَ(١) مِنْ خَيْرَ، أَسْرَى(٢) حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، عَرَّسَ(٣) وَقَالَ لِيِلال :. (اْلأُ(٤) لَنَا الصُّبْحَ) وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأْ بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَّدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَحْرِ، فَغَلَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ وَلا بِلالٌ، وَلا أَحَدٌ مِنَ الرَّكَّبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَفَرِعَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ بِلالٌ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِى الَّذِى أَخَذَ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (قْتَادُوا)(٥). فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ، وَاقْتَادُوا شَيْئًا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِلَالا فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَه الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلاةَ: ((مَنْ نَسِىَ الصَّلاةَ فَلْيُصَلْهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِى كِتَابِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى﴾)) [طه: الآية ١٤]. ٢٤ - أخرجه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٦٨٠. والترمذى كتاب تفسير القرآن برقم ٣٠٨٧. والنسائى كتاب المواقيت برقم ٦١٨، ٦١٩، ٦٢٠. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤٣٥. وابن ماجه كتاب الصلاة برقم ٦٩٧. قال السيوطى فى تنوير الحوالك: هذا مرسل تبين وصله، فأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة به. (١) قفل: القفول: هو الرجوع من السفر، ولا يقال لمن سافر مبتدئًا قفل. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٦). (٢) أسرى: قال فى النهاية: السرى: السير بالليل، يقال سرى يسرى سرى، وأسرى إسراء لغتان، ولأبى مصعب أسرع، ولأحمد من حديث ذى مخبر زيادة، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٦). (٣) عرَّس: بتشديد الراء، قال الخليل والجمهور: التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة ولا يسمى نزول أول الليل تعريس. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٦). (٤) اكلاً: بالهمز، أى احفظ وارقب، قال تعالى: ﴿قل من يكلوكم بالليل﴾ أى: يحفظكم والمصدر كلاءة، بفتح الكاف والمد. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٦). (٥) اقتادوا: أى ارتحلوا وزاد مسلم: ((فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان)). قال ابن رشيق: قد علله النبى 18# بذلك، ولا يعلم ذلك إلا هو. وقال القاضى عياض: هذا أظهر الأقوال فى تعليله. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٧). ٢٥٢ وقوت الصلاة الشرح: قال أبو محمد الأصيلى: قول الزهرى فى هذا الحديث حين قفل من خيبر غلط، وإنما هو حين قفل من حنين، ولم يعرض ذلك للنبى ﴾ إلا مرة واحدة حين رجع من حنين إلى مكة، والصحيح ما قاله ابن شهاب. وفى حديث عبدالله بن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية، وذلك فى زمن خيبر، وعلى ذلك يدل حديث أبى قتادة، وكذلك قال أهل السير. وقوله: ((أسری))، یعنی سار ليلاً، ويقال أسرى وسرى بمعنى واحد، وسير الليل عند الحاجة إليه كخوف أو شدة حر غير ممنوع، إلا أن الفضل مع المتمكن نوم الليل وسيره آخره لما روى أنس، عن النبى ﴿لا أنه قال: ((عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل)). فصل: وقوله: ((حتى إذا كان من آخر الليل عرس)). التعريس نزول آخر الليل، قاله صاحب العين. ويستحب للمعرس التنحى عن الطريق، والأصل فى ذلك ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﴿ قال: ((إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم فى الجدب فأسرعوا السير، وإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق)). فصل: وقوله: ((اكلأ لنا الصبح))، دليل على صحة العمل بخبر الواحد؛ لأنه ﴿﴿ رجع فى وقت الصلاة، وهو من أهم أمر الشريعة وأعظمها شأنا إلى قول بلال وحده. وقوله: ((نام رسول الله ﴿﴿ وأصحابه)) إرادة الرفق بهم والإبقاء عليهم لما أدركهم من نصب السفر، ومثل هذا يجوز لمن أراد النوم قرب وقت الصلاة وإن جاز أن يتمادى به النوم حتى يخرج وقت الصلاة لأن مثل هذا التجويز يلحق من أراد أن ينام الليل، وأفرد بلالاً بحفظ الوقت لما توهم فيه من القوة على ذلك ولعلمه بأوقات الصلاة. فصل: وقوله: ((وكلا بلال ما قدر له))، إخبار منه ﴿3﴾ أن فعل بلال كان بقدر الله تعالى وتكذيبًا للقدرية الذین ینفون ذلك. وقوله: ((ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر))، إخبار عن بلال أنه لم يترك حفظ الصبح، وإنما استند إلى راحلته ليقوى بذلك على حفظ الفجر، وكذلك قابله فغلبته عیناه. فصل: وقوله: ((لم يستيقظ رسول الله ﴿﴿ ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس)، يريد: نالهم شعاعها وضوؤها عند ارتفاعها، ((ففرغ رسول الله ﴿﴾)). قال أبو محمد الأصيلى: إن فزعه كان لأجل المشركين الذين رجع من غزوهم لئلا يتبعوه ويطلبوا أثره فیجدوه وجميع أصحابه نیامًا. ٢٥٣ وقوت الصلاة . قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: ويصح عندى أن يكون فزعه ﴿3﴾ لما فات من وقت الصلاة، ولم يكن عنده قبل ذلك الوقت، ما يجب على من نابه مثل ذلك، ففزع له، وهذا أشبه بالخبر، فلذلك ذکر فی حدیث زيد بن أسلم أنه قال للناس، وقد رأی من فزعهم: ((يا أيها الناس، إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا فى حين غير هذا))، إخبار منه لهم بأنه لا أثم ولا حرج على من نابه مثل هذا. فصل: وقوله: ((فقال بلال: یا رسول الله، أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك))، اعتذار ؛ حيث لم يقم بما أمره به، يريد: غلب نفسى الذى غلب على نفسك، منه للنبى وحال بينى وبين مرادى منها، الذى أخذ بنفسك، وهو الله تعالى الفعال لما يريد. فصل: وقوله: ﴿): ((اقتادوا))، يريد أن يقتادوا رواحلهم، قال: ((فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئًا))، اختلف الناس فى تأويل أمره لهم بالاقتياد مع وجوب المبادرة إلى الصلاة القائمة بإثر الاستيقاظ من النوم، وترك كل ما منع، فقال عيسى بن دينار، وعبدالله بن وهب: هو منسوخ، قال عيسى: نسخه قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾ [طه: ١٤]، ونسخه قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). فأما قوله: إن الناسخ ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾ فليس بصحيح، لأن الآية مكية، وفعله هذا بعد هجرته إلى المدينة بأعوام، ولا ينسخ الحكم قبل وروده والعمل به، ولا خلاف فى ذلك. وقوله: إنه منسوخ بقوله :﴿5: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) أقرب قليلاً إلا أنه يتوجه عليه الاعتراض من وجهين، أحدهما: أنه أثبت ذلك بقوله ◌َّ: فإن الله تعالى يقول: ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾ فجعل ذلك مأخوذًا من هذه الآية المكية، وما كان بهذه المثابة لا ينسخ به فعله فى المدينة. والثانى: أن النسخ لا يثبت نظرًا إلا إذا لم يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ، فإذا أمكن الجمع بينهما لم يجز دعوى النسخ فیھما. وقد ذكر أصحابنا ممن منع نسخ هذا الفعل فى ذلك وجهين، أحدهما أنه ﴿﴿ أمر بالاقتياد لئلا يبقى من أصحابه نائم، وقد كانوا نصبوا من طول السرى، فأشفق أن يبقى منهم جماعة لا يستيقظون بالأذان والإقامة، والرحيل يعم جميعهم، ويوقظ أولهم وآخرهم. والثانى: وهو الأبين أن النبى 198 علل وجه الاقتياد والامتناع من الصلاة فى ذلك .. وقوت الصلاة ٢٥٤ الوادى بما ذكره فى حديث زيد بن أسلم: ((إن هذا واد به شيطان))، وهذه علة لا طريق لنا إلى معرفتها، فلا يلزمنا العمل بها، ومن استيقظ منا لصلاة فى بطن واد، وجب عليه فعلها لأنا لا ندری هل فيه شیطان أم لا. وقد ذكر محمد بن مسلمة فى المبسوط نحو هذا، ولو علمنا ذلك الوادى الذى أمر النبى 9 بالخروج منه وجرى لنا فيه مثل ذلك، فقد ذهب الداودى إلى أنه لا تجوز الصلاة فيه للعلة التى ذكرها نبينا ﴿، ويحتمل أيضًا أن تجوز الصلاة فيه لأنا لا ندرى هل بقى الشيطان فيه أم لا؟، ولعله قد ذهب، فلا يجوز لنا ترك العبادة إلى صلاة قد فات وقتها وتعين فعلها لعلة، لا ندرى هل هى باقية أم لا؟. وذهب أبو حنيفة إلى أن تأخير رسول الله ﴿4 الصلاة وأمره بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه فى حين طلوع الشمس ولا يجوز قضاء الفوائت ذلك الوقت عنده، فأمرهم بالاقتياد إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق ويتم طلوعها فتجوز الصلاة. وهذا الذى ذهب إليه ليس بصحيح لا يحتمله لفظ الحديث لأن وقت طلوع الشمس وكونها فى الأفق لا يكون لها ضوء يضرب شيئًا مما على الأرض وإنما تضرب الناس الشمس ويرتفع ضوؤها عليهم بعد ارتفاعها من الأفق، يؤيد هذا التأويل قوله فى حديث عمران بن حصين: ((فما أيقظنا إلا حر الشمس))، ولا يكون ذلك إلا بعد تمكن ارتفاعها. ومما يبين فساد ما ذهب إليه، قوله ﴿1: ((إن هذا واد به شيطان))، فجعل ذلك علة فى خروجهم عن الوادى واقتيادهم رواحلهم شيئًا، ولو كان طلوع الشمس مانعًا من الصلاة وموجبًا للاقتياد لعلل به، ولقال: اقتادوا فإن الشمس طالعة. وأيضًا فإن أبا حنيفة لا يقول بمقتضى هذا الحديث لأنه يجوز عليه أن يصلى فى هذا الوقت صبح يومه وإنما منع أن يصلى فيه غيرها من الفوائت، والذى امتنع النبى ﴿ من أدائها فى الوادى هى صبح ذلك اليوم، فلا يتناول الحديث موضع الخلاف معه. فصل: وقوله: ((ثم أمر رسول الله ﴿ بلالا، فأقام الصلاة بهم - رواه جماعة أصحاب الموطأ - فأقام على اليقين - رواه ابن بكير - ثم أمر بلالا فأذن فأقام الصلاة)). وقول الجماعة عن مالك أصح وأولى، واختلف الفقهاء فى الأذان للفوائت، فقال مالك والأوزاعى والشافعى: من فاتته صلاة أو صلوات، فإنه لا يؤذن لشىء منها ويقيم لكل صلاة. وقال أبو حنيفة: يؤذن للفوائت ويقام، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور، وقال سفيان: لا يؤذن لها ولا يقام. ٢٥٥ وقوت الصلاة . والدليل على أنه لا يؤذن لها أن الأذان إنما هو إعلام للناس بالوقت ودعاء لهم إلى الجماعة، ووقت القضاء ليس بوقت إعلامهم ولا وقت دعائهم إلى الصلاة. ودليل آخر: وهو أن الأذان إنما يختص بأوقات الصلوات لأن فى الأذان فى غير أوقاتها تخليطًا على الناس وإذا اختص بأوقات الصلوات لم يكن مشروعًا فى الفوائت لأن الفوائت لا تختص بوقت كالنوافل، وإذا ثبت ذلك، فإن الأذان المذكور فى الحديث، هو الإعلام بالصلاة دون الأذان المشروع بدليل ما ذكرناه، والله أعلم. والدليل على أن الإقامة مشروعة فى الفوائت حديث مالك المذكور، وفيه: فأمر رسول الله قلّ بلالاً فأقام الصلاة بهم. ومن جهة المعنى، أن الإقامة ذكر شرع فى استفتاح الصلاة لا يجوز أن ينفصل عنها، فكان لازمًا للفوائت وغيرها كتكبيرة الإحرام. فرع: ومن ذكر صلاة يخاف فواتها إن أذن لها وهو فى جماعة يلزمهم الأذان فى الوقت فليقيموا وليصلوا جماعة، ويتركوا الأذان، فإن خافوا الفوات بالإقامة صلوا بغير إقامة. ووجه ذلك أن الأذان والإقامة من فضائل الصلاة التى تتقدمها، والوقت من فروض الصلاة، فلا يجوز أن يترك للفضائل. مسألة: وهل يصلى ركعتى الفجر من فاتته صلاة الصبح قبلها أم لا؟ روى ابن وهب عن مالك، أنه لا يركع، وقال أشهب: لا يركع الفجر حتى يصلى الفريضة، وبه قال الثوری واللیث. وقال أشهب وعلى بن زياد: يركع ركعتى الفجر ثم يصلى الصبح، وبه قال أبو حنيفة والشافعى وأحمد وداود. وجه رواية ابن وهب قوله ﴿گ: «من نام عن صلاة أو نسیھا فلیصلها إذا ذكرها»، وهذا ينفى فعل صلاة قبلها. ومن جهة المعنى أن الصلاة الفائتة يتعين وقتها بالذكر، وهو مقدار ما تفعل فيه، فلا يجوز أن يفعل غيرها فيه، كما لو ضاق وقتها المعين بها. ووجه قول أشهب ما روى عن أبى هريرة أنه قال: عرسنا مع النبى 18 فلم يستيقظ حتى طلعت عليه الشمس، فقال النبى ﴿﴾: ((ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه شيطان))، قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين. وقال يعقوب: ثم صلى سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة. ٢٥٦ . وقوت الصلاة ......... فصل: وقوله: ((فصلى بهم الصبح))، بيان أن الجماعة إذا فاتت جميعهم الصلاة صلوها جماعة بعد وقتها، وهذا فى جميع الصلوات إلا الجمعة، وسيأتى ذكرها إن شاء الله تعالى. وقوله حين قضى الصلاة: ((من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها))، تنبيه لهم على فقه ما فعله، وإخبار أن الاشتغال بالرحيل من الوادى وغير ذلك ليس مما يجوز أن يقاس عليه غيره من الأعمال التى ليست بشرط فى صحة الصلاة لأن فرض من ذكر صلاة أن يصليها، ولا يشتغل برحيل ولا غيره، ولكن الرحيل من ذلك الوادى كان شرطًا فى صحة الصلاة على الوجه الذى ذكرناه، ومثل ذلك أن يذكر الصلاة وهو فى موضع نجس، فإن عليه أن ينتقل منه إلى موضع طاهر. فصل: وقوله 198: ((فإن الله تعالى يقول فى كتابه: (أقم الصلاة لذكرى﴾)) [طه: ١٤]، تنبيه على هذا الحكم وأخذه من الآية التى تضمنت الأمر لموسى عليه السلام بذلك وأن هذا مما يلزمنا اتباعه فيه. واختلف أهل التفسير فى معنى قوله: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾، فقال مجاهد: معناه، وأقم الصلاة لذكرى فيها، وقيل معناه: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح، وقيل معناه أقم الصلاة إذا ذكرتنى، وقيل معناه: أقم حين تذكرها. قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وهذا أبين الأقوال عندى لأن النبي احتج بهذه الآية على قوله: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))، ولو كان المراد بقوله: ﴿لذكرى﴾ غير المراد بقوله: إذا ذكرها، لما صح احتجاجه عليه على هذا الوجه الذى احتج به، وقد قرئ: ﴿أقم الصلاة لذكرى﴾ ووجه إضافة الذكر إلى البارئ تعالى لأن الصلاة عبادة له، فمن ذكر العبادة ذكر المعبود، وبالله التوفيق. ٢٥ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنْهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيْلَةٌ، بِطَرِيقٍ ٢٥ - أخرجه البيهقى فى الدلائل ٢٧٣/٤ عن زيد بن أسلم، وذكر أنها كانت عند مرجع الصحابة من خيبر فى الدلائل ٢٧٢/٤، وقد روى البيهقى بسنده الحديث السابق (١٤٩) عن أبنى هريرة، وذكر أن القصة وقعت بطريق مكة، روى نفس القصة، عن ابن مسعود وأنها وقعت زمان الحديبية بالدلائل ٢٧٤/٤، ثم قال البيهقى، وأحمد ٣٩١/٤: يشبه والله أعلم أن يكون نوم الصحابة عن صلاة الصبح وقع مرتين: مرة فى مرجعهم من الحديبية، ومرة فى مرجعهم من خيبر. وقال النووى فى شرحه على مسلم: ظاهر الأحاديث يدل على أن تلك الواقعة حدثت مرتین وهذا هو الذی رجحه عیاض. ٢٥٧ ..... وقوت الصلاة مَكّةَ، وَوَكَّلَ بِلالا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلاةِ، فَرَقَدَ بِلالٌ وَرَقَدُوا، حَتّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَرِعُوا، فَأَمَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ يَرْكَبُوا حَتّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِى، وَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فَرَكِيُوا حَتّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِى، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ ﴿، أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّفُوا، وَأَمَرَ بِلالا أَنْ يُنَادِىَ بِالصَّلاةِ، أَوْ يُقِيمَ، فَصَلّى رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِالنَّاسِ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا (١)، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِى حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاةِ، أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلَّهَا فِى وَقْتِهَا). ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ إِلَى أَيِى بَكْرٍ فَقَالَ: -قال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث فى الموطآت لم يسنده عن زيد أحد من رواة الموطأ، وقد جاء معناه متصلاً مسندًا من وجوه صحاح ثابتة فى نومه :﴿ عن صلاة الصبح فى سفره، روى ذلك جماعة من الصحابة وأظنها قصة لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار، والله أعلم، إلا أن بعضها فيه مرجعه من خيبر، كذا قال ابن شهاب: عن سعيد ابن المسيب فى حديثه هذا، وهو أقوى ما يروى فى ذلك، وهو الصحيح، إن شاء الله. وقول زيد بن أسلم فى حديثه هذا: بطريق مكة، ليس بمخالف لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة يشبهان أن يكونا واحدًا، وربما جعلته القوافل واحدًا. وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل، وليس مما يعارض حديث ابن شهاب. انظر: (التمهيد، حديث ثالث وأربعون لزيد بن أسلم مرسل). (١) إن الله قبض أرواحنا: زاد أبو داود من حديث ذى مخبر: ثم ردها إلينا. وله من حديث أبى قتادة: ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردّها حين شاءه. وللبزار من حديث أنس: ((إن هذه الأرواح عارية فى أجساد العباد يقبضها ويرسلها إذا شاء)). قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: فى كل جسد روحان: إحداهما: روح اليقظة التى أجرى الله العادة أنها إذا كانت فى الجسد كان الإنسان مستقيظًا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى: روح الحياة التى أجرى الله العادة أنها إذا كانت فى الجسد كان حيًا، فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيى، قال: وهاتان الروحان فى باطن الإنسان لا يعرف مقرّهما إلا من أطلعه الله على ذلك فهما كجنينين فى بطن امرأة واحدة، قال: ولا يبعد عندى أن تكون الروح فى القلب، قال: ويدل على وجود روحى الحياة واليقظة قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها﴾ تقديره: ويتوفى الأنفس التى لم تمت أجسادها فى منامها، فيمسك الأنفس التى قضى عليها الموت عنده، ولا يرسلها إلى أجسادها، ويرسل الأنفس الأخرى وهى أنفس اليقظة إلى أحسادها إلى انقضاء أجل مسمى وهو أجل الموت، فحينئذ تقبض أرواح الحياة وأرواح اليقظة جميعًا من الأجساد. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٨). . وقوت الصلاة ٢٥٨ (إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلالا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى، فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّثُهُ(٢)، كَمَا يُهَدَّأُ الصَِّىُّ حَتّى نَامَ)). ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِلالا فَأَخْبُرَ بِلالٌ، رَسُولَ اللَّهِ ﴿ مِثْلَ الَّذِى أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَمَا بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ. الشرح: ذكر جماعة من الناس أن حديث زيد بن أسلم وسعيد بن المسيب عن صلاة واحدة ومعنى الحديثين متقارب فى أكثر ألفاظها. وقوله: ((فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادى»، ليس مخالف لقوله فى حديث سعيد: ((فاقتادوا))، إلا أنه يحتمل أن يكون أمرهم بذلك على التخيير، فركب بعضهم واقتاد بعضهم. وقوله: ((فأمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا)) يحتمل أن يكون هو الأذان المذكور فى حديث عمر بن حصين. وقوله: ((وأمر بلالا أن يؤذن أو يقيم))، شك من الراوى، وليس على معنى التخيير : لأنه لا خلاف بين الناس فی نفی التخيير. وقوله: ((إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا فى حين غير هذا)) على سبيل التأنيس لهم والرفق بهم. وقد روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أن رسول الله ﴿ طرقه وفاطمة ﴾ ليلة، فقال: ((ألا تصليان؟))، فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا بنت النیی شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى بشىء، ثم سمعته وهو يولى يضرب فخذه ويقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شىء جدلا﴾ [الكهف: ٥٤]، وإنما أراد رسول الله أن يتأسف على من فاته ذلك ويشق ولا يخف عليه ويسهل فوات ما فاته من العبادة لأن الأجر الجزيل يحصل للمتأسف على ذلك. وذكر فى حديث زيد بن أسلم («الروح)) فقال: إن الله قبض أرواحنا، وذكر فى حديث سعيد بن المسيب ((النفس))، وقال: أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك. قال الشيخ (٢) وأما قوله: يهدئه كما يهدأ الصبى، فمعناه يسكنه ويعلله حتى نام؛ وروى أهل الحديث هذه اللفظة بترك الهمز، وأصلها الهمز عند أهل اللغة. قال إبراهيم بن هرمة: مخود تعاطيك بعد رقدتها إذا تلاقى العيون مهدؤها انظر: (التمهيد، حديث ثالث وأربعون لزيد بن أسلم مرسل). ٢٥٩ وقوت الصلاة أبو محمد: النفس والروح شىء واحد، وكذلك قال القاضى أبو بكر والقاضى أبو جعفر السمنانى وأبو عمران الفاسى وعليه جماعة أهل السنة، ويؤيد ما ذهبوا إليه الأخبار فى هذين الحديثين على معنى واحد، مرة باسم النفس، ومرة باسم الروح. فصل: وقوله: ((فليصلها كما كان يصليها فى وقتها))، يريد أن يفعل فيها من تمام الركوع والسجود وأداء الفرائض وسائر الاحكام وما كان يفعله فى وقتها. فصل: وقوله: ((ثم التفت رسول الله ﴿ إلى أبى بكر، فقال: إن الشيطان أتى بلالاً))، الخبر إظهار لنبوته وإنباء بما أطلعه الله عليه من علم غيبه بما ينفرد الناس به من أحوالهم ولا طريق إلى معرفته إلا لمن أطلعه الله عليه بالوحى، ثم دعا رسول الله (% بلالاً ليريهم تحقيق ما أخبرهم به مما انفرد بلال بعلمه من حال نفسه، فأخبر بلال رسول الله ﴿﴾ مثل ما أخبر به رسول الله ﴿﴾ أبا بكر. وقوله: ((يهدئه)) من أهدأت الصبى إذا ضربت بيدك عليه رويدًا لينام. وقول أبى بكر: ((أشهد أنك رسول الله)) استدامة الإيمان وإظهار لما تجدد فى نفسه من قوته بظهور الآيات على يدى رسول الله * النهى عن الصلاة بالهاجرة ٢٦ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿﴾ قَالَ: ٢٦ - أخرجه البخارى ٢٢٥/١ كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر فى شدة الحر، عن أبى هريرة. ومسلم بكتاب المساجد باب ٣٢، ٤٣٠/١ عن أبى هريرة. والترمذى جـ ٢٦٨/١ برقم ١٥٨ عن أبى ذر بكتاب الصلاة، باب ما جاء فى تأخير .. إلخ. والنسائى ٢٤٩/١ عن أبى هريرة. وأبو داود بكتاب الصلاة، باب ٤ جـ١٠٨/١ عن أبى هريرة برقم ٤٠٢. وابن ماجه ٢٢٢/١ كتاب الصلاة، باب ٤ برقم ٦٧٧ عن أبى هريرة. وأحمد ٢٥٦/٢ عن أبى هريرة. والبيهقى فى السنن الكبرى ٤٣٨/١ كتاب الصلاة، باب تأخير الظهر، عن زيد بن وهب. وابن خزيمة ١٧٠/١٤٣٢٨ عن أبى هريرة. وابن حبان جـ٣٠/٢ عن أبى ذر. والبغوى بشرح السنة ٢٠٢/٧ عن أبى ذر. وابن أبى شيبة ٣٢٤/١ عن أبى ذر، كتاب الصلاة. باب من كان يبرد بها .. إلخ، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال ابن العربى: هذا من مراسيل عطاء التى تكلم الناس فيها، وقال ابن عبدالبر: يقويه الأحاديث المتصلة التى رواها مالك وغيره من طرق كثيرة.