النص المفهرس

صفحات 201-220

دِيه الرحالُ
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام القاضى أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى،
رحمه الله:
الحمد لله فالق الإصباح، وجعل الليل سكنًا، يرسل الرياح بين يدى رحمته نشرًا،
مالك السموات والأرض وما بينهما، وهو العزيز الحكيم، وله ما سكن فى الليل
والنهار، وهو السميع العليم، لا إله إلا هو، لم يشرك فى ملكه أحدًا، ولم يتخذ صاحبة
ولا ولدًا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق وبينات من
الرشاد، ووعد الصدق، وأنزل عليه كتابه المجيد، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فبلغه للناس كافة، وبينه الخاصة والعامة ليهلك من
هلك عن بينة، ويحيا من حيى عن بينة، حتى كمل دين الإسلام وتقررت شرائعه
ولاحت سيل الأحكام وثبتت مناهجه وأمر بتبليغه إلى من شهده وإلى من سمعه ومن لم
يسمعه، لتكون معالم الدين بعده لائحة، وأحكامه على ما أثبتها باقية، فصلى الله عليه
وعلى آله وأتباعه وسلم تسليما.
أما بعد: وفقنا الله وإياك لما يرضيه، فإنك ذكرت أن الكتاب الذى ألفت فى شرح
الموطأ المترجم بكتاب ((الاستيفاء)) يتعذر على أكثر الناس جمعه، ويبعد عنهم درسه،
لاسيما لمن لم يتقدم له فى هذا العلم نظرٍ ولا تبين له فيه بعد أثر، فإن نظره فيه يبلد
خاطره ويحيره، ولكثرة مسائله ومعانيه يمنع تحفظه وفهمه، وإنما هو لمن رسخ فى العلم
وتحقق بالفهم، ورغبت أن أقتصر فيه على الكلام فى معانى ما يتضمنه ذلك الكتاب من
الأحاديث والفقه، وأصل ذلك من المسائل بما يتعلق بها فى أصل كتاب الموطأ ليكون
شرحًا له وتنبيهًا على ما يستخرج من المسائل منه، ويشير إلى الاستدلال على تلك
المسائل والمعانى التى يجمعها وينصها ما يخف ويقرب ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر
فى هذه الطريقة من كتاب ((الاستيفاء)) إن أراد الاقتصار عليه وعونًا له إن طمحت همته
إليه، فأجبتك إلى ذلك وانتقيته من الكتاب المذكور على حسب ما رغبته وشرطته،
وأعرضت فيه عن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالة وما احتج به المخالف،

٢٠٢
.
خطبة الکتاب
وسلكت فيه السبيل الذى سلكت فى كتاب ((الاستيفاء)) من إيراد الحديث والمسألة من
الأصل، ثم أتبعت ذلك ما يليق به من الفرع وأثبته شيوخنا المتقدمون رضى الله عنهم
من المسائل وسد من الوجوه والدلائل، وبالله التوفيق وبه أستعين وعليه أتوكل وهو
حسبی ونعم الوكيل.
وقد قدمت فى الكتاب المذكور ما لا أخلى هذا الكتاب من حرف من ذكره وذلك
أن فتوى المفتى فى المسائل وكلامه عليها وشرحه لها إنما هو بحسب ما يوفقه الله تعالى
إليه، ويعينه عليه وقد يرى الصواب فى قول من الأقوال فى وقت ويراه خطأ فى وقت
آخر، ولذلك يختلف قول العالم الواحد فى المسألة الواحدة، فلا يعتقد الناظر فى كتابى
أن ما أوردته من الشرح والتأويل والقياس والتنظير طريقه القطع عندى حتى أعيب من
خالفها وأذم من رأى غيره، وإنما هو مبلغ اجتهادى وما أدى إليه نظرى وأما فائدة
إثباتى له فتبيين منهج النظر والاستدلال والإرشاد إلى طريق الاختبار والاعتبار، فمن
كان من أهل هذا الشأن فله أن ينظر فى ذلك ويعمل بحسب ما يؤدى إليه اجتهاده من
وفاق ما قلته أو خلافه، ومن لم يكن نال هذه الدرجة فليجعل ما ضمنته كتابى هذا
سلمًا إليها وعونًا عليها. والله ولى التوفيق والهادى إلى سبيل الرشاد، وهو حسبنا ونعم
الو کیل.

وقوت الصلاة
جمع وقت، كضرب وضروب، وفلس وفلوس، ووجه ووجوه، فوقت الصلاة يتسع
لتكرار فعلها مرارًا وجميعه وقت لجواز فعلها.
واختلف الناس فى وقت الوجوب منه: فذهب أكثر شيوخنا من المالكيين إلى أن
جميعه وقت للوجوب، وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أن آخره وقت للوجوب، وذهب
أصحاب الشافعى إلى أن أوله وقت الوجوب، وإنما ضرب آخره فصلاً بين الأداء
والقضاء.
وذهب بعض العلماء إلى أن وقت الوجوب منه وقت غير معين، فإن للمكلف تعيينه
بفعل الصلاة فيه.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وهذا أظهر عندى وأجرى على أصول
المالكية؛ لأن معظمهم قالوا: إن الأفعال المخير بينها كالعتق والإطعام والكسوة فى
الكفارة الواجب منها واحد غير معين، وللمكلف تعيين وجوبه بفعله ولم يخالف فى
ذلك أحد من أصحابنا غير محمد بن خويز منداد، فإنه قال: إن جميعها واجب، فإذا فعل
المكلف أحدها سقط وجوب سائرها وما قدمناه هو الصحيح إن شاء الله؛ لأن الأفعال
الواجب جميعها لا يسقط وجوب بعضها بفعل غيرها.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف الناس فى جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت:
فذهب القاضى أبو محمد عبدالوهاب بن نصر إلى أنه لا يجوز ذلك إلا لبدل وهو العزم
علی فعلها.
وحكى عن غيره أنه يجوز تركه إلى غير بدل إلى أن يبقى من وقتها.ما يفعل فيه.
وقال قوم من أصحابنا: إن العزم واجب ولا أسميه بدلاً. وهذا أظهر؛ لأنه لا يجوز
للمكلف ترك العزم على فعلها متى تذكرها فى وقت ولا غيره.
مسألة: وأما الصلاة، فاختلف الناس فى معنى تسميتها بذلك، فقال أبو إسحاق
والزجاجى وابن قتيبة وابن الأنبارى أن الصلاة فى كلام العرب الدعاء، وإلى ذلك ذهب
أكثر أصحابنا وأصحاب أبى حنيفة والشافعى، ومن ذلك سميت صلاة الجنائز صلاة،
وإن لم یکن فیھا ر کوع ولا سجود.

٢٠٤
وقوت الصلاة
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: وأخبرنا أبو محمد مكى بن أبى طالب، رحمه
الله: إنما سميت بذلك من الصلوين، وهما عرقان فى الردف ينحنيان فى الصلاة،
وحكى مثل هذا عن المبرد.
وقال ابن عزيز: الصلاة الرحمة، واختلف العلماء فى لفظ الصلاة، فذهب القاضى أبو
محمد: إلى أنها مجملة لأن هذا اللفظ واقع على الركوع والسجود وسائر ما تشتمل عليه
الصلاة من الأفعال والأقوال. وذهب محمد بن خويز منداد، إلى أنها لفظة عامة؛ لأنها
واقعة على الدعاء منها خاصة، وأن سائر الأفعال والأقوال شروط فيها ومعان تقترن
بها.
فصل: وإنما ابتدأ مالك، رحمه الله، بذكر أوقات الصلاة فى كتابه؛ لأنه أول ما
يراعى من أمر الصلاة؛ ولأنه حينئذ يجب فعل الطهارة بحسب وجوب الصلاة، فكان
الابتداء بذكر أوقات الصلاة أولى فى الرتبة.
١ - مَالِكِ بْن أَنَس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْرَ الصَّلاةَ يَوْمًا
١- أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٢٢. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة
برقم ٦١٠، ٦١١. والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٤٧. والنسائى كتاب المواقيت ٤٩٤،
٥٠٥. وأبى داود كتاب الصلاة ٣٩٤، ٤٠٧. وابن ماجه كتاب الصلاة ٦٦٨. وأحمد
بالمسند برقم ١٦٦٤٠، ٢١٨٤٨. والدارمى كتاب الصلاة ١١٨٥. وأخرجه عبدالرزاق
بالمصنف بلفظه برقم ٢٠٧٢ مختصرا، عن عائشة ٥٤٧/١. والطبرانى فى الكبير ٢٥٨/١٧
عن أبى مسعود.
وقال ابن عبدالبر: هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة عنه فيما بلغنى، وظاهر
مساقه فى رواية مالك يدل على الانقطاع، لقوله: ((إن عمر بن عبدالعزيز أخر الصلاة يومًا،
فدخل عليه عروة))، ولم يذكر فيه سماعًا لابن شهاب من عروة، ولا سماعًا لعروة من بشير
بن أبى مسعود. وهذه اللفظة أعنى ((أن)) عند جماعة من أهل العلم بالحديث محمولة على
الانقطاع، حتى يتبين السماع واللقاء، ومنهم من لا يلتفت إليها، ويحمل الأمر على المعروف
من مجالسة بعضهم بعضًا ومشاهدة بعضهم بعضًا وأخذهم بعضهم عن بعض، فإن كان ذلك
معروفًا لم يسأل عن هذه اللفظة، وكان الحديث عنده على الاتصال، وهذا يشبه أن يكون
مذهب مالك. وهذا الحديث متصل عند أهل العلم، مسند صحيح لوجوه؛ منها: أن مجالسة
بعض المذكورين فيه لبعض معلومة مشهورة، ومنها أن هذه القصة قد صح شهود ابن شهاب
لما جرى فيها بين عمر بن عبدالعزيز وعروة بن الزبير بالمدينة، وذلك فى أيام إمارة عمر عليها
لعبد الملك، وابنه الوليد، وهذا محفوظ من رواية الثقات لهذا الحديث عن ابن شهاب. انظر
التمهید: (حدیث أول لابن شهاب عن عروة).

......... ٢٠٥
وقوت الصلاة
فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبُرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخْرَ الصَّلاةَ يَوْمًا (١)، وَهُوَ
بِالْكُوفَةٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِىُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ، أَيْسَ قَدْ
عَلِمْتَ أَنَّ حِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ
قَ* ثُمَّ صَلَى فَصَلَى رَسُولُ اللّهِ ﴿، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ثُمَّ صَلَّى فَصَلّى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ثُمَّ قَالَ: ((بِهَذَا أُمِرْتُ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيز: أَعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ
يَا عُرْوَةُ أَوَ إِنَّ حِبْرِيلَ هُوَ الَّذِى أَقَامَ لِرَسُولِ اللّهِ ﴿ وَقْتَ الصَّلاةِ.
قَالَ عُرْوَةُ: وَكَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىُّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِهِ قَالَ
عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثِْى عَائِشَةُ زَوْجُ النّبِّ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ
وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَبِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن عبدالعزيز أخّر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة، فأخبره
بالحديث))، يحتمل أن يكون عمر أخرها عن الوقت المختار إلى آخره، ويحتمل أن يكون
أخرها عن جميعه إلى وقت الضرورة والأشبه بفضل عمر وحاله أن يكون التأخير إلى
وقت الإِسفار، فيكون عروة أنكر عليه تأخيرها بالجماعة التى من سنتها أن تقام صلاتها
فى أول الأوقات، وإن كان يجوز عليه السهو عن العلم بأنه لا يجوز تأخير الصلاة عن
جميع وقت الاختيار، ولابد أن يكون خفى عليه، رحمه الله، بعض العلم بالوقت، ولذلك
لم يعتذر لعروة بمانع منعه من تقديم الصلاة فى أول وقتها وإنما راجعه مراجعة من أنكر
عليه ما أورد عليه من أمر الوقت.
فصل: وقول عروة: ((إن المغيرة بن شعبة أخْر الصلاة يومًا، وهو بالكوفة))، وما قاله
أبو مسعود الأنصارى سُنة فى ملاطفة الإنكار لما يجب إنكاره، لاسيما لمن علم انقياده
للحق وحرصه على معرفته، فإن ذلك أقرب له إلى الرجوع إلى الحق وأسلم لنفسه من
الغضب الموجب للعناد، وكذلك يجب لمن أمر بالمعروف ونهى عن منكر أن يرفق فى
أمره ونهيه.
قال الله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]، وفى فعل
(١) هى العصر كما مر فى رواية معمر، وفى رواية الليث عند البخارى: أخر العصر شيئًا،
قال الحافظ ابن حجر: وبذلك يظهر مناسبة ذكر عروة حديث عائشة بعد حديث أبى
مسعود. انظر: (تنوير الحوالك صـ١١).

.. وقوت الصلاة
٢٠٦
المغيرة تأنيس لعمر بن عبدالعزيز؛ لأنه لم ينفرد بهذا الأمر بل قد سها عن علمه كثير من
فضلاء الصحابة، وذلك مما يخفف على عمر سهوه.
واحتج عروة على قوله بحديث النبى 488 ليصح قوله وتثبت حجته؛ لأن عمر بن
عبدالعزيز من الأئمة الذين يسوغ لهم الاجتهاد، فليس لعروة أن يرده عن رأيه وما يؤديه
إليه اجتهاده إلا بخبر يمنع الاجتهاد المؤدى إلى ما يخالفه، وأرسل عروة الخبر فلم ينكر
عليه عمر إرساله، وهذا يدل على اتفاقهما على القول بالمراسيل.
فصل: وقول أبى مسعود: ((ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى،
فصلى رسول الله ﴿﴿؟)) على وجه الإنكار لفعله، إن كان قد علم من صلاة جبريل
بالنبى ﴿﴿ وتبيين الأوقات له ما علم هو، واستبعاد أن يخفى هذا على من صحب النبى
﴿ كصحبة المغيرة له، وإخباره أن جبريل صلى بالنبى ﴾ فى أوقات الصلاة
واحتجاجه به على المغيرة فى مراعاة الوقت غير بيِّن من لفظ الحديث، وإنما فيه من
التعلق بذلك أن هاهنا وقتًا مأمور بالصلاة فيه.
وأما تعيين الوقت فليس فى لفظ هذا الحديث، وإنما انفرد به عن ابن شهاب، أسامة
ابن زيد الليثى، ولا يحتمل مخالفة مثل ذلك وغيره من حفاظ أصحاب الزهرى، ويحتمل
أن يكون المغيرة علم وقت الصلاة وظن أن ذلك مصروف إلى اجتهاده ونظره، وأن فعل
النبى
فى وقت معين على وجه الندب والفضيلة، أو على وجه الإباحة والتخيير بينه .
وبين غيره من الأوقات، فأخبره أبو مسعود أن جبريل أقام للنبى 8# فى ذلك الوقت
وأعلمه أنه مأمور به، وذلك يمنع تأخيرها عن هذا الوقت.
فصل: وقوله: ((إن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله (1988))، ذهب بعض
المفسرين إلى أن الفاء هاهنا بمعنى الواو لأن النبى ﴿﴿ إذا ائتم بجبريل عليه السلام يجب
أن يكون مصليًا معه، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب أن يكون مصليًا بعده.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: والصحيح عندى أن الفاء على بابها للتعقيب،
ومعنى ذلك أن يكون جيريل كلما فعل جزءًا من الصلاة فعله النبى ﴿َ﴾ بعده، وهذه
سنة الصلاة أن يكون المأموم تبعًا للإمام فى أفعال الصلاة يفعلها بعده، ولا يفعلها معه،
فإنه على ضربين، منهما ما تفسد به الصلاة، ومنهما ما لا تفسد به، وسيأتى بعد هذا
مبينًا إن شاء الله تعالى.
ولا يمتنع أن يقال: صلى فصلى عمرو، وإذا افتتح زيد الصلاة قبل عمرو، وفعلا سائر

وقوت الصلاة
٢٠٧٠٠٠٠٠
....
أفعال الصلاة علی ذلك، ألا ترى أنك تقول: سافر زید، فسافر عمرو، إذا شرع زید فی
السفر وخرج له قبل عمرو، وإن کان عمرو قد شرع فيه قبل تمام زيد، وهذا أوضح فى
ائتمام النبى ﴿ بجبريل من أن تكون الفاء بمعنى الواو، ولأن العطف بالواو يحتمل أن
يكون النبى ﴿1﴾ صلى قبل جبريل، والفاء لا تحتمل شيئًا من ذلك، فهى أبعد من وجوه
الاحتمال وابلغ فى البيان.
فصل: واحتجاج أبى مسعود على المغيرة، وعروة على عمر بهذا الخبر، إن كانا أخّرا
الصلاة عن جميع وقتها المستحب بين، وإن كانا إنما أخراها إلى آخره، فلما فيه من
التغرير بفواتها والتشديد عليها فى ذلك بتأكد وجوبها، وإنما تتم الحجة فى ذلك بأن
يكون قد تقدر عند المغيرة وعمر من خبر أبى مسعود وعروة وقت صلاة جبريل بالنبى
إما بإشارة أو بزيادة لفظ فى الخبر لأنه ليس فى قولهما: ((صلى فصلى (49)) بيان
وقت الصلاة، ولا دليل على أن المغيرة وعمر أخرا الصلاة عنه.
فصل: وقوله: ((بهذا أمرت))، وأمرت، روايتان، فأما أمرت، بالضم، فمعناه أمرت
أن أبلغه إليك وأبينه لك، ومعنى أمرت، بالفتح، وهى رواية ابن وضاح، أمرت أن
تصلى فيه وتشرع فيه الصلاة لأمتك.
وقوله: هذا إن كان صلى فى أول الوقت، ومقتضى هذا الأمر الوجوب، وإن كان
إنما صلى به يومًا واحدًا فهو إشارة إلى الوقت الذى يستحب للأئمة إقامة صلاة الجماعة
فیه، والله أعلم.
فصل: وقول عمر لعروة: ((أعلم ما تحدث به يا عروة، أو أن جبريل هو الذى أقام
لرسول الله ﴿﴿ وقت الصلاة) لا لمعنى الائتمام له، ولكن على سبيل الحض له، على
زيادة التثبت والتنبيه على إعادة النظر والتعجب من أن يكون مثل هذا من أمر الصلاة
مع أنها رأس هذا الدين وأهم أموره، لم يصل إليه علمه مع اجتهاده فى طلب العلم
والاهتمام بأمر الشريعة، لاسيما الصلاة التى إليه إقامتها، وهو الإمام فيها، فعظم عليه أن
يكون عليه أن يكون قد ذهب عليه مثل هذا من شأنها، ومعرفة سبب إقامة أوقاتها ومن
الذى أقامها، فقال عروة: ((كذلك كان بشير بن أبى مسعود يحدث عن أبيه)) إتمامًا
لحجته وإقامة لها بإسناد الحدیث والإعلام باسم من حدثه به.
وأكد ذلك عروة واستشهد عليه بما حدثته به عائشة رضى الله عنها من أن النبى

وقوت الصلاة
٢٠٨
كان يصلى العصر والشمس فى حجرتها، فيحتمل أن يكون أكد ذلك بزيادة عدالة
عائشة على عدالة بشير بن أبى مسعود، ويحتمل أن يكون أراد بذلك تقوية الأمر فى
نفس عمر بكثرة الرواة والناقلين لمعناه، وفيه بيان أن عروة إنما أنكر تأخير فعل الصلاة
عن أول الوقت ووصف الوقت الذى حض فيه على الصلاة، وهو إذا كانت الشمس
فى الحجرة، وقولها: ((قبل أن تظهر))، قيل معناه تذهب، وأنشدوا فى ذلك:
وتلك شکاة ظاهر عنك عارها
أى ذاهب، وقيل معنى: تظهر: تعلو وتصير على ظهر الحجرة، قال الله تعالى: ﴿فما
اسطاعوا أن يظهروه﴾ [الكهف: ٩٧] الآية، والمعنيان متقاربان، وروى حبيب عن
مالك، قال: معناه أن الشمس فى الأرض لم تبلغ الجدار، أى لم تظهر فيه.
٢ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: فَسَّكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ﴾
خَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ
أَنْ أَسْفَرَ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟ قَالَ: هَأَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
(مَا بَيْنَ هَذَيْنِ رَقْتٌ)).
الشرح: هذا الحديث مرسل، ولا نعلم أحدًا من أصحاب مالك أسنده، ولا نعلم
أحدًا أسنده من طريق عطاء، وقد ذكر القنازعى، رحمه الله، أن سفيان أسنده عن زيد،
عن عطاء، عن النبى 18، وأراه وهم.
٢ - أخرجه النسائى كتاب الأذان برقم ٦٤٢. وأحمد، عن أنس ١١٣/٣. والنسائى ٢٧١/١ عن
أنس بكتاب الأذان، باب وقت أذان الصبح. والترمذى برقم ١٥٢ عن بريده ٢٨٦/١ کتاب
الصلاة، باب ١١٥ المواقيت. وابن ماجه برقم ٦٦٧ عن بريدة جـ٢١٩/١ كتاب الصلاة،
باب المواقيت. ابن حبان برقم ١٤٩٠ جـ٢٤/٣ عن بريدة. وأبو عوانة ٣٧٤/١ فى مسنده.
قال السيوطى: اتفقت رواة الموطأ على إرساله وقد ورد موصولاً من حديث أنس بن مالك.
وأخرجه البزار فى مسنده وابن عبدالبر فى التمهيد بسند صحيح من طريق حميد عنه، ومن
حديث عبدالله بن عمر. وأخرجه الطبرانى فى الكبير بسند حسن. ومن حديث عبدالرحمن بن
زيد بن جارية، أخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط. ومن حديث زيد بن حارية، أخرجه أبو
یعلی فی مسنده.
وقال ابن عبدالبر: بلغنى أن سفيان بن عيينة حدث بهذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء
ابن يسار عن أنس بن مالك مرفوعًا. قال: ولا أدرى كيف صحة هذا عن سفيان والصحيح
عن زيد ابن أسلم أنه من مرسلات عطاء: انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٦).

......... ٢٠٩
وقوت الصلاة
وقوله: ((جاء رجل إلى رسول الله ﴿ فسأله عن وقت الصلاة)) يجوز أن يكون
الرجل طارئًا أو قاطنًا قد علم أن وقت صلاة النبى ﴿19 هو من أكد وقت الصلاة، ولم
یعلم جمیع الوقت فيسأله عن تحديده.
فصل: قوله: ((فسكت عنه رسول الله ﴿ حتى إذا كان من الغد)، يحتمل أن يكون
النبى ﴿﴿ ترك تعجيل القول فى ذلك حتى يبينه بالفعل قصدًا إلى المبالغة فى البيان وأنه
أقرب إلى المتعلم وأسهل عليه.
ويحتمل أن يريد بذلك البيان للجماعة لأنه لو أخبر السائل لانفرد بعلم ذلك والصلاة
جامعة يحضرها معه كثير من الصحابة فيكون ذلك تعليمًا لجميعهم إذ كان هذا مما تعم
الحاجة إليه وسكوته عنه على ما ذكر فى الخبر يحتمل أن يكون قد علم من حاله أنه
قاطن معه ملازم له كأبى هريرة وغيره من أهل الصفة، فكفاه علمه بعادته الماضية
ومعرفته بحاله فى ملازمة الصلاة معه عن أمره له بذلك.
ويحتمل أن يكون طارئًا قد علم من حاله أنه لا يرحل إلا بعد انقضاء مدة التعليم إما
يوحى على ما حكاه كثير من شيوخى أو بغير ذلك.
على أنه قد روى هذا الحديث بريدة بن خصيب الأسلمى، وذكر فيه أن النبى
قال له: ((صل معنا هذين اليومين)). أخرجه مسلم فى صحيحه، فيحتمل أن يكون
الراوى لحديث عطاء لم يسمع أمر النبى 48 السائل بأن يشاهد معه الصلاة، ويحتمل أن
یکون سمعه، وأراد بقوله: ((فسكت عنه» سكوته عن جواب مسألته وتأخير النبی
جواب السائل عن وقت الصلاة يحتمل أن يكون أنه لم يكن ثبت عنده هذا، فأخر ذلك
إلى أن يعلم الحكم بوحى أو بنظر، ويحتمل أن يكون أخره لما رأى فى ذلك من المصلحة
إما الوجوه التى ذكرناها أو لغير ذلك من وجوه المصالح التى علمها النبى
وليس هذا من تأخير البيان الذى تكلم شيوخنا فى جواز تأخيره عن وقت الخطاب
بالعبادة إلى وقت الحاجة فمنع ذلك أبو بكر الأبهرى وغيره من شيوخنا، وجوزه
القاضى أبو بكر وجمهور أصحابنا ووقت الخطاب بالصلاة وبيان أحكامها وأوقاتها قد
تقدم قبل سؤال هذا السائل لأنه لم يسئل إلا عن عبادة ثابتة.
ولم يختلف أحد من المسلمين فى أن النبى 8 له أن يؤخر جواب السائل له عن
وقت السؤال ولا يجيبه أصلاً، وقد فعل ذلك فى مسائل كثيرة وأنكر على السائل مسألة
اللعان، ولم يختلفوا أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل.

وقوت الصلاة
...
٢١٠
وقد تكلم قوم من شيوخنا فى وجه تأخير جواب السائل وما فى ذلك من التغرير
بفوات العلم لجواز أن يموت السائل قبل وقت التعليم الذى أخر إليه الجواب، فقالوا:
يجوز أن یکون الوحی قد نزل عليه ﴿®4 بأن ذلك لا يكون، وهذا الوجه إن كان سائغًا،
فلا يحتاج إليه مع ما فيه من التعسف لأن النبى ﴿ كان حكمه فى إجراء الأمور على
ظواهرها وجعلها على عادتها حكم أمته، ولذلك كان يرسل أمراءه على الجيوش ورسله
إلى البلدان مع تجويزه عليهم الموت إلا أنه كان يحمل ذلك على العادة واستصحاب
السلامة.
ولا خلاف أن سائلاً لو سائل عالما عن حكم مسألة لجاز له تأخير الجواب عنها، ما
لم يخف فواتها لاسيما إذا كان فى تأخير الجواب تقريب على السائل وزيادة فى البيان
له، وإن كان لا طريق له إلى المعرفة ببقائه إلى وقت جوابه، وأيضًا فإن الظاهر من هذا
الحديث أنه سأله بعد صلاة الصبح من يوم سؤاله لأنه بدأ بتعليمه من صلاة الصبح من
الغد، فلم يتخلل بين وقت السؤال ووقت التعليم وقت صلاة يخاف عليه فيها الجهل
بالوقت.
وعلى قولنا أنه سأل عن تحديد الوقت، فالأمر أسهل، ووجه جواز التأخير أبين، ولو
مات السائل قبل وقت التعليم لكان قد أثيب على بحثه وسؤاله عن العلم ولم يدخل عليه
تفريط بتأخيره.
فصل: وقوله: ((حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر))، تحقيق هذا
اللفظ على أصل موضوعه فى كلام العرب يقتضى أن طلوع الفجر هو كان وقت فعل
الصلاة، وذلك غير جائز ولابد أن يتقدم طلوع الفجر ابتداء الصلاة، إلا أن هذا اللفظ
قد يستعمل فى كلام العرب بمعنى المبالغة، تقول: جلست حين جلس زيد، فيقتضى
ذلك أن جلوسهما كان فى وقت واحد، غير أن ابتداء جلوس زيد تقدم، فعلى هذا
يصح قوله: ((صلى حين طلع الفجر)).
والفجر هو البياض الذى ينفجر من المشرق يشبه بانفجار الماء، وهما فجران، الأول
منهما كذنب سرحان، والسرحان الذيب، ولا يتعلق به حكم صلاة ولا صوم ويسمى
الفجر الكاذب. والثانى هو الفجر الصادق وبه يتعلق تحريم الأكل على الصائم ووجوب
الصلاة على المصلى.
وروى ابن ثوبان عن النبى 88 نحو هذا المعنى وهو وإن كان لا يعتمد على ما روى
بمثل إسناده إلا أنه معمول به متفق على صحة معناه.

........... ٢١١
وقوت الصلاة
فصل: وقوله: ((ثم صلى من الغد بعد أن أسفر))، يريد بذلك بعد بدء الإسفار، ثم
وقعت الصلاة فى بقية الأسفار ولو كانت الصلاة بعد جميع الإسفار لكانت عند طلوع
الشمس، وليس كذلك من وقتها وإنما قصد المحدث بذلك إلى الإخبار بتقديم الصلاة
فى أول ما يمكن فعلها فيه من الوقت وتأخيرها إلى آخر ما يمكن فعلها فيه من الوقت،
فأتى بألفاظ المبالغة فيما قصد به.
وفى هذا بيان أن ليس لصلاة الصبح وقت ضرورة وأن وقت الاختيار لها متصل
بطلوع الشمس.
ولمالك، رحمه الله، مسائل تدل على أن قوله اختلف فى ذلك، فقال مرة: ليس لها
وقت ضرورة، على مقتضى الحديث. وقال مرة لها وقت ضرورة فأما ما يقتضى أن
جميع وقتها وقت اختيار فهو قوله: ((إن من رجا أن يدرك الماء قبل طلوع الشمس لم
يتيمم))، فلو كان وقت الاختيار إلى الإسفار، لراعى الإسفار فى جواز التيمم كما يراعى
مغيب الشفق فى التيمم للمغرب، وكذلك سائر الصلوات.
وأما ما يقتضى من قوله: ((إن لها وقت ضرورة))، فهو ما روى ابن نافع عن مالك
فى المسافرين يقدمون الرجل لسنه يصلى بهم فيسفر بصلاة الصبح وأن يصلى الرجل
وحده فى أول الوقت أحب إلىّ من أن يصلى بعد الإسفار مع الجماعة وهذا من قوله
مبنى على أن وقت الإسفار وقت ضرورة لصلاة الصبح، لا وقت اختيار، ولو كان من
جملة وقت الاختيار لكانت صلاة الجماعة فيه أفضل من الصلاة فى أول الوقت لأن
فضيلة الجماعة متفق عليها، وفضيلة أول وقت الاختيار على آخره، مختلف فيه.
ووجه الأول الخبر المتقدم، ومن جهة المعنى أن أول وقت صلاة الصبح لما لم يكن فيه
وقت ضرورة لها ولا لغيرها من الصلوات المفروضة لم يكن فى آخر وقتها وقت
ضرورة وليس كذلك سائر الصلوات، فإن فى أول وقت كل صلاة منها وقت ضرورة
لها، ولما شاركها فى وقتها من الصلوات فلذلك كان فى آخر وقتها وقت ضرورة.
ووجه رواية ابن نافع أن هذه إحدى الصلوات الخمس، فكان لها وقت اختيار
ووقت ضرورة كسائر الصلوات.
فصل: وقوله: ((أين السائل عن وقت الصلاة))، يقتضى اهتمامه ﴿3﴾ بتعليم السائل
وإرادته لإتمام ما شرع فيه من تعليمه، ويدل ذلك على أنه اعتقد مقامه عنده إلى أن يتم
تعليمه، وهو وإن كان ﴿﴿ يعلم الجميع إلا أنه خص السائل لفضل اجتهاده وبحثه عن
· العلم.

٢١٢
وقوت الصلاة
وقوله: ((ما بين هذين وقت)) إخبار أن ما بين وقتى صلاتيه وقت لصلاة الصبح،
وليس فى ذلك إخبار على أن وقت الصلابين وقت للصلاة إن أشار بقوله: هذين، إلى
وقتى الصلاتين.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه يفهم من قوله ﴿1: ((ما بين هذين وقت)) أن وقت
الصلاة أيضًا من الوقت، وأن ذلك من مفهوم الخطاب كقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال
ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: ٧] وأنه يفهم من الخطاب أنه من يعمل قنطارًا من الخير يره،
وهذا ليس بصحيح.
وقوله: ((ما بين هذين وقت))، إنما يتناول الخبر أن ما بين وقتى صلانيه وقت للصلاة
المسئول عنها، ولم يتناول الخبر وقتى الصلاتين من الوجه الذى ذكره كما لو قال زيد:
ما بين دارىّ هاتين لعمرو، ولم يفهم منه أنه أقر بداريه لعمرو، وإنما يتناول إقراره ما بين
الدارين خاصة، وكذلك لو قال: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وقت لصلاة
الصبح، لم يفهم منه أن وقت طلوع الفجر ووقت طلوع الشمس وقت للصبح.
وأما قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ فهذا يفهم منه أن من عمل
مثقال قنطار من الخير يره لأن القنطار كله مثاقيل ذر، فلو كان من عمل مثقال قنطار
من الخير لم يره لما كان قول القائل: ((من يعمل مثقال ذرة خيرا يره)) صدقًا لأن من
عمل قنطار من خير فقد عمل مثاقيل ذر، وزاد على ذلك.
والصحيح فى تأويل قوله ﴿): ((ما بين هذين وقت))، أن الخبر إنما ثبت به أن ما بين
وقتى ما أشار إليه وقت لصلاة الصبح، فإن كان أشار إلى الصلاتين فقد ثبت بالخبر أن
ما بينهما وقت لصلاة الصبح وثبت بفعله أن وقتى صلاتيه وقت لها، فثبت بعض الوقت
بالقول وبعضه بالفعل.
وإن كان أشار إلى ابتداء صلاته فى أول يوم وإلى انتهائها فى اليوم الثانى، فقد ثبت
جميع الوقت بالقول، وإن كان أوله وآخره قد ثبت أيضًا بالفعل. وقوله: ((وقت))، وإن
كان نكرة، ولم يضف إلى شىء يكون وقتًا له، فإن المراد به: وقت الصلاة، واستغنى
عن ذكرها بما تقدم من قوله: ((أين السائل عن وقت الصلاة)).
٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجٍ
٣ - أخرجه البخارى كتاب الصلاة، وكتاب مواقيت الصلاة، وكتاب الأذان برقم ٣٧٢، ٥٧٨،
٨٦٧، ٨٧٢. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٦٤٥. والترمذى كتاب=

٢١٣٠٠
.......
وقوت الصلاة
النَّبِىِّ :﴿ أَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ
مُتَلَفِّعَاتٍ (١) بِمُرُوطِهِنّ(٢) مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَسِ (٣).
= الصلاة برقم ١٤١. والنسائى كتاب المواقيت، وكتاب السهو برقم ٥٤٥، ٥٤٦، ١٣٦١.
وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤٢٣. وابن ماجه كتاب الصلاة برقم ٦٦٩، وأحمد فى مسند
الأنصار ٢٣٥٣١، ٢٣٥٧٦، ٢٥٥٧٩،٢٤٩٢٦، ٠٢٥٦٩٠ والدارمى كتاب الصلاة برقم
١٢١٦.
(١) متلفعات: قال ابن عبد البر: رواية يحيى بفاءين وتبعه جماعة فى كثير منهم بفاء ثم عين
مهملة وعزاه القاضى عياض لأكثر رواة الموطأ. وقال الأصمعى: التلفع أن يشتمل بالثوب
حتى يجلل به جسده. وقال صاحب النهاية: اللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو
غيره وتلفع بالثوب إذا اشتمل به. وقال عبدالملك بن حبيب فى شرح الموطأ: التلفع أن يلقى
الثوب على رأسه ثم يلتف به ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس. وقال الرافعى فى شرح
المسند: التلفع بالثوب الاشتمال به وقيل الالتحاف مع تغطية الرأس. انظر: (تنوير الحوالك
صـ ١٧).
(٢) بمروطهن: جمع مرط بكسر الميم كما فى الصحاح قال: وهى أكسية من صوف أو خز
کان يؤتزر بها. قال الشاعر:
كساهم ثوبهم وفى الدرع رادة وفى المرط لفا وإن رد فهما عبل
وقال الرافعى: المرط كساء من صوف أو خز أو كتان، عن الخليل. ويقال: هو الآزار، ويقال:
درع المرأة. وفى الحكم: هو الثوب الأخضر. وفى مجمع الغرائب، المروط: أكسية من شعر
أسود. وعن الخليل، هى أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابى: هو الأزار. وقال النضر بن شميل:
لا يكون المرط إلا درعا وهو من خز أخضر ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا
النساء نقل ذلك مغلطاى فى شرح البخارى. وقال ابن دقيق العيد فى شرح العمدة: زاد
بعضهم فى صفتها، أن تكون مربعة. وقال بعضهم: إن سداها من شعر. وقال ابن حبيب فى
شرح الموطأ: المرط كساء صوف رقيق خفيف مربع كان النساء فى ذلك الزمان يأتزرن به
ويلتففن. وقال أبو جعفر النحاس فى شرح المعلقات عند قول امرئ القيس:
فقمت بها أمشى تجر وراءنا على أثرينا أذيال مرط مرحل
المرط: إزار خز معلم. انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٧).
(٣) الغلس: قال الرافعى: هو ظلمة آخر الليل. وقيل: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.
انتهى. والأول هو المجزوم به فى الصحاح.
وقال فى النهاية: الغلس ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. وقال القاضى عياض:
الغلس بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قاله الأزهرى والخطابى. وقال الخطابى: والغبش
بالباء والشين المعجمة قيل الغبس بالسين المهملة وبعده الغلس باللام وهى كلها فى آخر الليل
ويكون الغبش أول الليل. انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٧، ١٨).

٢١٤
وقوت الصلاة
الشرح: قوله: ((إن كان رسول الله ﴿ ليصلى الصبح))، على معنى التأكيد، وإن
مخففة من الثقيلة. وروى يحيى: ((متلففات))، وتابعه على ذلك بعض رواة الموطأ، والأكثر
على ((متلفعات))، والمعنى متقارب، إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، والمروط
أکسیة مربعة سداها شعر.
وقوله: ((ما يعرفن من الغلس))، يحتمل أمرين: أحدهما لا يعرف أرجال هن أم نساء،
من شدة الغلس، إنما يظهر إلى الرائى أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوى.
ويحتمل أيضًا أن يريد: لا يعرفن من هن من النساء، من شدة الغلس، وإن عرف
أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضى أنهن سافرات عن وجوههن، ولو كنَّ غير
سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن
کشف وجوههن أحد أمرين: إما أن یکون ذلك قبل نزول الحجاب، أو یکون بعده،
لكنهن أمنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس، فأبيح لهن كشف وجوههن، فى هذا
الحديث إباحة خروج النساء إلى المساجد للصلاة لأن معناه: فينصرف النساء اللواتى
صلين معه الصبح، ولو لم يكن ذلك مرادًا باللفظ لما كان ذكر انصرافهن تبيينًا للوقت،
وعلى هذا جماعة أهل العلم.
وقد قال بعض من فسر هذا الحديث: إن فيه دليلاً على مبادرة خروج النساء من
المسجد لئلا يزاحمن الرجال.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: والذى يقتضيه عندى ظاهر اللفظ اتصال
خروجهن بانقضاء الصلاة لقولها: ليصلى الصبح فينصرف النساء، والفاء فى العطف
تقتضى التعقيب، ويصح أن يبادرن بالخروج لما ذكر هذا المفسر من أن يسلمن من
مزاحمة الرجال، ويصح أن يفعلن ذلك اغتناما لستر الظلام لهن، ويصح أن يفعلن ذلك
مبادرة إلى مراعاة بيوتهن، وفعل ما يلزمهن فعله من أمور دنياهن.
مسألة: وفى هذا الحديث دليل على أن أكثر فعل النبى ﴿ صلاة الصبح فى أول
وقتها لقولها: ((إن كان رسول الله ﴿﴿ ليصلى الصبح))، وهذا اللفظ لا يستعمل إلا
فيما يثابر عليه، وذلك دليل على أن أداءها فى أول وقتها أفضل من أدائها فى سائره لأن
النبى ﴿﴿ لا يثابر على ذلك إلا للفضيلة، وإلى هذا ذهب مالك والشافعى، وذهب أهل
الكوفة إلى أن آخر الوقت أفضل، فإن قيل: إن هذا اللفظ يستعمل فيمن يفعل الفعل مرة
واحدة، ولا يثابر عليه ولا يفضله، ولذلك نقول: كان الشافعى يمسح بعض رأسه فى

٢١٥
.....
وقوت الصلاة
الوضوء، وكان مالك يقضى بالشاهد مع اليمين، ولا يدل ذلك على أن الشافعى كان
يثابر على مسح بعض رأسه ويراه أفضل من مسح جميعه، ولا على أن مالكًا کان یری
القضاء باليمين مع الشاهد أولى من القضاء بالشاهدين.
والجواب أن مثل هذا اللفظ لا يستعمل فى الأغلب إلا فيما يلزم المخبر عنه من
الأفعال، ولذلك يقال كان فلان يلبس الخضرة إذا كانت غالب لباسه، وكان ابن عمر
يخضب بالصفرة، وكان رسول الله ﴿﴿ يأتى قباء راكبًا، وإنما يقال لمن فعله مرة واحدة
لبس فلان الخضرة، وخضب زيد بالصفرة، وأتى عمرو الكوفة، هذا هو المعهود من
كلامهم المعروف فى خطابهم.
وأما قول القائل: كان الشافعى يمسح بعض رأسه، وكان مالك يقضى باليمين مع
الشاهد، وإن لم يقتض أن ذلك كان عندهما أفضل، فإنه يقتضى تكرر قولهما به، أن
قولهما به أفضل عندهم من القول بغيره.
وإذا ثبت أن هذا اللفظ يقتضى التكرار، ثبت أنه هو الأفضل فيما اختلفنا فيه لأن
النبى ﴿لَ﴾ لا يكرر ولا يثابر إلا على الأفضل واستدلالى فى المسألة وهو أن المبادرة بها
فى أول وقتها احتياط للشريعة وإبراء للذمة لئلا يطرأ على المكلف ما يمنع من فعله فى
آخر الوقت من النسيان وغير ذلك من الأعذار، وفى التأخير تعريض للتغرير، وتسبب
للفوات.
٤ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ
٤ - أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٧٩. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة
برقم ٦٠٨. والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٧١. والنسائى كتاب المواقيت برقم ٥١٥،
٥١٧. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤١٢. وابن ماجه كتاب الصلاة برقم ٦٩٩. وأحمد
بالمسند برقم ٧١٧٥، ٧٤٠٨، ٧٤٨٥.
قال أبو السعادات بن الأثير: وأما تخصيص هاتين الصلاتين بالذكر دون غيرهما، مع أن هذا
الحكم ليس خاصًا بهما، بل يعم جميع الصلوات، فلأنهما طرفا النهار، والمصلى إذا صلى بعض
الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت فلو لم يبين # هذا الحكم، وعرف
المصلى أن صلاته تجزيه، لظن فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت؛ وليس كذلك آخر
أوقات الصلاة ولأنه نهى عن الصلاة عند الشروق والغروب فلو لم يبين لهم صحة صلاة من
أدرك ركعة من هاتين الصلاتين لظن المصلى أن صلاته فسدت بدخول هذين الوقتين، فعرفهم
ذلك ليزول هذا الوهم.

وقوت الصلاة
٢١٦
الأَعْرَجِ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةٌ مِنَ
الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةٌ مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ
تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ).
الشرح: قوله: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك
الصبح))، يحتمل وجهين: أحدهما من كان بصفة المكلفين وأدرك مقدار ركعة من
الوقت قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك وجوب الصبح، وهذا معنى قول ابن القاسم،
رحمه الله، إنما ذلك فى أهل الأعذار، الحائض تطهر، والمجنون يفيق، والنصرانى يسلم،
والصبی محتلم.
والوجه الثانى: أن من أدرك أن يصلى ركعتين من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس،
فقد أدرك الصلاة، ولم يكن قاضيًا لها بعد وقتها، ولم يخرجه فعل بعضها بعد طلوع
الشمس عن حكم الأداء، كما أن من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فإن حكمه فى
جميعها حكم المأموم، وليس فعله لبعضها وحده بمخرج له عن حكم الجماعة.
وإذا قلنا إن المراد به إدراك وقت الوجوب، فإن المراد من أدرك مقدار ركعة من
صلاة الصبح، وليس فى قوله، ذلك إباحة لتأخير الصلاة إلى آخر الوقت حتى لا يدرك
إلا بعضها فيه، وإنما بين حكم من أخرها كما أن من قال: من قتل عبد زيد عليه قيمته،
فإنه قد بین حکم من فعل ذلك ولم يبح القتل.
فصل: وقوله: ﴿: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك
العصر))، يحتمل من الوجوه مثل ما تقدم، وفيه أن آخر وقت العصر غروب الشمس
على ما ذكرناه، فثبت بهذا الحديث وبما سنذكره بعد هذا من الأخبار فى تفسير خبر
=(فائدة): روى أبو نعيم فى كتاب الصلاة الحديث بلفظ: ((من أدرك ركعتين قبل أن تغرب
الشمس، وركعتين بعدما غابت الشمس لم تفته العصر)). انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٨،
١٩).
وقال ابن عبدالبر فى التمهيد: وذكر الحسن بن على الحلوانى، قال: حدثنا أحمد بن صالح،
قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا أبو صخر، عن هلال بن أسامة قال: كان عطاء بن يسار
إذا جلس يكون زيد ابن أسلم عن يمينه، وكنت عن يساره. وأما بسر بن سعيد فإنه كان مولى
لحضرموت من أهل المدينة، وكان ثقةً فاضلاً مسنًا، سمع سعد بن أبى وقاص، وجالسه كثيرًا،
ولم ينكر يحيى القطان أن يكون قد سمع زيد بن ثابت. انظر: (التمهيد حديث خامس لزيد
ابن أسلم متصل صحیح مسند).

٢١٧
وقوت الصلاة
عمر فى أوقات الصلوات أن لصلاة العصر وقتين، أحدهما: وقت اختيار واستحباب،
والآخر وقت ضرورة وكراهية ويجرى مجرى العشاء الآخرة وسنبين الأوقات بعد هذا،
إن شاء الله تعالى.
فصل: وقوله فى هذا الحديث: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس
فقد أدرك العصر))، يقتضى أنه أقل ما يكون به المدرك مدركًا، وبه قال مالك والشافعى
فی أحد قولیه.
وقال أبو حنيفة والشافعى أيضًا: من أدرك تكبيرة من الصلاة قبل أن تغرب الشمس،
فقد أدرك العصر. واختلفوا فيما أدرك من أدرك تكبيرة قبل غروب الشمس، فقال أبو
حنيفة: أدرك العصر خاصة.
٠٠
وقال الشافعى: أدرك الظهر والعصر. فإن قالوا: أليس فى قولهم: أدرك ركعة من
العصر، أنه مدرك، ما يقتضى أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا إلا من جهة
دليل الخطاب، وأنتم لا تقولون به.
فالجواب أن كثيرًا من أصحابنا يقولون بدليل الخطاب، كالقاضى أبى الحسن بن
القصار، والقاضى أبى محمد بن نصر وغيرهما، وبه قال متقدمو أصحابنا كابن القاسم
وغيره، فعلی ھذا يحتج بدلیل الخطاب، فإن سلمتم وإلا نقلنا الكلام إلیه. وإن تر کنا
القول بدليل الخطاب على اختيار القاضى أبى بكر وغيره من أصحابنا، فإن الحديث
حجة فى موضع الخلاف لأنه ﴿﴿ إنما قصد إلى بيان آخر الوقت وما يكون المدرك به
مدركًا من أفعال الصلاة ما يعتد به ولا يحتاج إلى إعادة، فلم يكن مدركًا لحكمها كما
لو لم يدرك شيئًا منها، فإنهم قالوا: روى عن النبى 19 أنه قال: ((من أدرك من العصر
سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها)).
فالجواب أن السجدة هاهنا تقع على الركعة، يدل على ذلك أن عائشة رضى الله
عنها روت مثل هذا الحديث ثم قالت فى آخره: والسجدة إنما هى الركعة.
وجواب ثان أنه قد شرط إدراك السجدة، ومن لم يدرك الركعة فلم يدرك السجدة
بدلیل أنه لا يعتد بها من صلاته.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالر کعة التی یکون مدركًا بإدراكها، حکی القاضى أبو محمد
أن مذهب أصحابنا أن الركعة التى يدرك بها مدركها الوقت، إنما هى الركعة
بسجدتيها، وهذا كلام صحيح لأن الركعة لا تتم إلا بسجدتيها، وقد يطرأ عليها الفساد

وقوت الصلاة
٢١٨
مع سلامة الصلاة ما لم تكمل بسجدتيها، ألا ترى أنه لو صلى ركعة ونسى منها
سجدة ثم ركع ركعة ثانية بطلت الركعة الأولى مع سلامة الصلاة، ولو أكمل الركعة
بسجدتيها، لم يفسدها شىء بوجه مع سلامة الصلاة.
فرع: إذا ثبت أن إدراك وقت العصر يكون بإدراك ركعة منها قبل غروب الشمس،
فإذا أحرمت المرأة بالعصر قبل الغروب بركعة، فلما كانت فى آخر ركعة منها وقد
غربت الشمس حاضت، فإنها تقضى العصر لأنها حاضت بعد خروج وقتها، رواه ابن
سحنون عن أبيه، وقد رأيت لأصبغ: لا قضاء عليها، والله أعلم، والأول أظهر.
٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطْابِ كَتَبَ إِلَى
عُمَّالِهِ إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِى الصَّلاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا(١) وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ
ضَيّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِذَا كَانَ الْقَىْءُ ذِرَاعًا إِلَى
أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ
الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنٍ، أَوْ ثَلاثَةٌ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ فَلا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلا
ثَامَتْ عَنَّهُ، فَمَنْ نَامَ فَلا نَّمَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ(٣).
٥ - الحديث فى الموطا برقم ٥.
وقال السيوطى: هذا منقطع، فإن نافعًا لم يلق عمر. وأخرج نحوه البخارى فى كتاب مواقيت
الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر جـ٢٢٩/١ عن أنس. ومسلم كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب استحباب التبكير إلى العصر جـ٣٤٣/١ عن أنس. وذكره بكنز العمال ٤٣/٨
برقم ٢١٧٨٣ عن أنس، وعزاه إلى مالك، وعبد الرزاق، والبخارى ومسلم والنسائى، وأبى
عوانة.
(١) من حفظها: قال ابن رشيق: أى علم ما لا تتم إلا به من وضوئها وأوقاتها وما يتوقف
على صحتها وتمامها.
وفى معجم الطبرانى الأوسط عن أنس مرفوعًا: «ثلاث من حفظهن فهو ولى حقًا، ومن
ضيعهنّ فهو عدو حقًا: الصلاة والصيام والجنابة)). انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٩).
(٢) مشتبكة: قال فى النهاية: اشتبكت النجوم، أى ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض
لكثرة ما ظهر منها؛ وشاهد هذه الجملة من المرفوع ما أخرجه أحمد عن أبى عبدالرحمن
الصنابحى قال: قال رسول الله : ((لن تزل أمتى بخير ما لم يؤخروا المغرب انتظار الاظلام
مضاهاة لليهود، وما لم يؤخروا الفجر لانمحاق النجوم مضاهاة للنصرانية».

٢١٩
...
...
وقوت الصلاة
الشرح: قوله: ((إن أهم أمركم عندى الصلاة))، يقتضى أن أمورهم مهمة، ولكن
للصلاة مزية لأنها عماد الدين وعلامة للمؤمنين، وقد أمر بإقامتها جميع الناس.
وقوله: ((من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه))، يقال: حفظت الشىء، إذا قمت
برعايته، ولم تضيعه، ومن رعاية الصلاة أن تقام بشروطها، من طهارتها وركوعها
وسجودها وأوقاتها وغير ذلك.
وقوله: ((و حافظ عليها))، قال ابن المواز: المراد به مراعاة أوقاتها، وقد قيل ذلك فى
قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فيكون ذلك
تأكيدًا لمراعاة الوقت مع دخوله فى وقتها من حفظها، كقوله تعالى: ﴿من كان عدوا
لله وملائكته ورسله وجبريل ومیکال﴾ [البقرة: ٩٨] وقيل: إن معنى قوله: «حافظ
عليها))، تأكيد لقوله: ((من حفظها))، وبمعناه.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: والأبين عندى فى ذلك أن يكون بمعنى أدام
الحفظ لها، يقال: حافظ فلان على الصلاة، أدام الحفظ لها، ويقال: حافظ فلان على
أمر كذا وكذا، أدام الرعاية له والاهتمام به، ولا يقال: حافظ عليه إذا راعاه مرة
واحدة، كما يقال: حفظه، فمعنى ذلك من حفظها وأدام الحفظ لها، حفظ دينه.
وقال الداودى: يروى من حفظها أو حافظ عليها، وإن ذاك شك من الراوى،
والأول أصح.
فصل: (حفظ دینه» يحتمل معنیین، أحدهما: أنه حفظ معظم دينه وعماده، کما
روى عن النبى الا أنه قال: ((الحج عرفة)) يعنى معظمه وعماده، والثانى أن يريد هنا به
حفظ سائر دينه، فإن مواظبة الصلوات فى الجماعات، مما يستدل به على صلاح المرء
وخيره لتكررها وظهورها دون سائر العبادات.
فصل: وقوله: ((ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع))، يحتمل معنيين، أحدهما إذا علم
أنه مضيع للصلاة ظن به التضييع لسائر العبادات التى تخفى. والثانى: أنه إذا ضيع الصلاة
فقد ضيع سائر العبادات، وإن عملها؛ لما روى عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغنى أن أول
ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه، نظر فيما بقى من عمله، وإن لم تقبل
منه لم ينظر فی شیء من عمله.
فصل: وقوله: ((أضيع)) على مثال أفعل فى المفاضلة من الرباعى وهو قليل، واللغة
المشهورة فى ذلك فهو لما سواها أشد تضييعا.