النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠ مقدمة التحقيق وقد روى الطبرى عن العباس بن الوليد عن إبراهيم بن حماد، قال: سمعت مالكًا يقول: قال لى المهدى: يا أبا عبد الله ضع كتابًا أحمل الأمة عليه. قال: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع، وأشار إلى المغرب، فقد كفيتكه، وأما الشام ففيهم الذى علمته، يعنى الأوزاعى، وأما أهل العراق فهم أهل العراق، فيفهم من ذلك أن المهدى هو الذى طلب من مالك أن يصنف الموطأ. ولكن هناك رواية أخرى ذكرها الطبرى أيضًا تخالف الرواية الأولى، فقد روى عن محمد بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعانى فدخلت عليه فحادثته وسألنى فأجبته، فقال: إنى عزمت أن آمر بكتبك هذه التى قد وضعتها، يعنى الموطأ، فتنسخ نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدونه إلى غيره ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث، فإنى رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وأن ردهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل بلد لأنفسهم، فقال: لعمرى لو طاوعتنى على ذلك لأمرت. هكذا ساق ابن جرير تلك الرواية التى تناقض الأولى دون أن يرجح إحداهما، ويغلب على ظنى رفض الروايتين، ذلك أن المهدى ولى الخلافة العباسية سنة ١٥٨هـ، وقت كان مالك فى نحو الخامسة والستين من عمره، أى أنه كان فى أواخر سنى حياته، وأن المهدى وهو أمير روى عن مالك الموطأ، فكيف يطلب منه أن يصنف الموطأ وهو خليفة؟ ويفهم من الرواية الثانية أن علم مالك كان منتشرًّا فى بلاد المغرب، فهل كان هذا العلم هو ما دون فى الموطأ أم غيره؛ وإذا كان هو ما دون فى الموطأ فهل بلغ المغرب مدونًا أو غير مدون. والنص يحدثنا عن كتب مالك التى وضعها أى أن مالكًا كان وضع كتبه قبل أن يراه المنصور، ثم هل كان المنصور فى غفلة حتى يطلب من مالك أن ينسخ كتبه ليعمل بها أهل الأمصار بما فيهم أهل العراق، ونحن نعلم أن الإمام مالك كان له رأى فى علماء العراق، وعلماء العراق لهم رأى فى مالك، فهل كان المنصور يضمن ٢١ مقدمة التحقيق تأييد علماء العراق أو غير العراق من الأمصار، لعلها رغبة الأمصار، أو لعلها رغبة جاشت فى نفس المنصور، ولكنه أدرك أنها بعيدة التحقيق. أما متى صنف الموطأ فتحديد ذلك لا سبيل إليه، ولاسيما إذا علمنا أن مالكًا وضع الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث ولم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقى ما بين أيدينا، فهذا يدل على أن تصنيفه استغرق أعوامًا عديدة لا نستطيع أن نحددها، بالرغم مما ذكره السيوطى، أن مالكًا قال: ألفته فى أربعين سنة. وقد روى الموطأ عن مالك عدد كبير من العلماء وفى ذلك يقول السيوطى: الرواة عن مالك فيهم كثرة بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته كانوا أساتذة مدرسته فى الأمصار ولعل مدرسة المالكية فى مصر كانت من أنشط المراكز لنشر تعاليم مالك ورواية الموطأ، وعن المصريين انتشر المذهب فى المغرب والأندلس فهرع علماؤها إلى الأخذ عن مالك نفسه. وفى ذلك يقول ابن خلدون: وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وكانت رحلتهم غالبًا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق فى طريقهم، فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك، وشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده. فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته، ويذكر المؤرخون أن أول من بث تعاليم مالك بالأندلس هو عبد الملك بن حبيب، وأشهر تلاميذ مالك من الأندلسيين هو يحيى بن يحيى الأندلسى الذى انتشرت روايته للموطأ وكادت تندثر روايات غيره من تلاميذ مالك، وهو الذى كان أُثيرًا عند أموبى الأندلس فلم يتول قضاء الأندلس أحد إلا بمشورته، فكان جميع قضاتها من أصحابه وتلاميذه، وهذا لم يحدث لأحد من تلاميذ مالك إلا لليث بن سعد بمصر، ولكن الليث كان صاحب مذهب خالف فيه مالكًا فى بعض المسائل نراها مبثوثة فى رسائله إلى مالك، وربما كان استثار الحكومة الأموية بالأندلس بالعطف على يحيى بن يحيى من أسباب بقاء روايته وشهرتها دون غيرها من الروايات. ذكر الذين رووا الموطأ عن مالك من أهل المدينة: ١ - معن بن عيسى القزاز. ٢ - عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبى المدنى ثم البصرى سمع من الإمام نصف الموطأ، وقرأ هو عليه النصف الآخر. ٣ - أبو مصعب أحمد بن أبى بكر بن القاسم بن الحارث الزهرى. ٤ - بکار بن عبدالله الزبیری. ٥ - مصعب بن عبدالله الزبیری. ٦ - عتيق بن يعقوب. ٧ - مطرف بن عبدالله. ٨ - إسماعيل بن أبى أويس عبدالله. ٩ - عبدالحميد بن أبى أويس عبدالله. ١٠ - أيوب بن صالح، وسكن الرملة. ١١ - سعید بن داود. ١٢ - محرز المدنى، قال عياض: وأظنه بن هارون الخديرى. ١٣ - يحيى بن الإمام مالك، ذكره ابن شعبان وغيره. ١٤ - فاطمة بنت الإمام. ١٥ - إسحاق بن إبراهيم الحنينى. ١٦ - عبدالله بن نافع. ٢٣ مقدمة التحقيق ١٧ - سعد بن عبد الحميد الأنصارى. ومن أهل مكة: ١ - يحيى بن قزعة. ٢ - الإمام الشافعى. حفظ الموطأ بمكة، وهو ابن عشر، فى تسع ليال، ثم رحل إلی مالك فأخذه عنه. ومن أهل مصر: ١ - عبدالله بن وهب. ٢ - عبدالرحمن بن القاسم. ٣ - عبدالله بن الحكم. ٤ - يحيى بن عبدالله بن بكير . وقد ينسب إلى جده، وفى الديباج: أنه سمع من مالك الموطأ سبع عشرة مرة. ٥ - سعيد بن كثير بن عفير الأنصارى، وينسب إلى جده. ٦ - عبدالرحيم بن خالد. ٧ - حبيب بن أبى حبيب إبراهيم، وقيل مرزوق، كاتب مالك. ٨ - أشهب. ٩ - عبدالله بن يوسف التنيسى، وأصله دمشقی. ١٠ - ذو النون المصرى. ومن أهل العراق وغيرهم: ١ - عبدالرحمن بن مهدى البصرى. ٢ - سوید بن سعید بن سهل الهروی. ٢٤ مقدمة التحقيق ٣ - قتيبة بن سعيد بن جميل البلخى. ٤ - يحيى بن يحيى التميمى الحنظلى النيسابورى. ٥ - إسحاق بن عيسى الطباع البغدادى. ٦ - محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبى حنيفة. ٧ - سليمان بن برد بن نجيح التجيبى. ٨ - أبو حذافة أحمد بن إسماعيل السهمى البغدادى. وسماعه للموطأ صحيح، وخلط فى غيره. ٩ - محمد بن شروس الصنعانى. ١٠ - أبو قرة السکسکی موسى بن طارق. ١١ - أحمد بن منصور الحرانى. ١٢ - محمد بن المبارك الصورى. ١٣ - بربر المغنى، بغدادی. ١٤ - إسحاق بن موسى الموصلى، مولى بنى مخزوم. ١٥ - يحيى بن سعيد القطان. ١٦ - روح بن عبادة. ١٧ - جويرية بن أسماء. ١٨ - أبو الوليد الطيالسى. ١٩ - أبو نعيم الفضل بن دكين الکوفی. ٢٠ - محمد بن يحيى السباى اليمانى. ٢١ - الوليد بن السائب القرشى. ٢٥ ............ مقدمة التحقيق ٢٢ - محمد بن صدقة الفدکی. ٢٣ - الماضى بن محمد بن مسعود الغافقى. ٢٤ - محمد بن النعمان بن شبل الباهلى. ٢٥ - عبيد الله بن محمد العیشی. ٢٦ - محمد بن معاوية الحضرمى. ٢٧ - محمد بن بشير المغافرى الناجى. ٢٨ - يحيى بن مضر القيسى. ومن أهل المغرب من الأندلس: ١ - زياد بن عبدالرحمن الملقب شبطون. سمع الموطأ من مالك. ٢ - يحيى بن يحيى الليثى. ٤،٣ - حفص وحسان، ابنا عبدالسلام. ٥ - الغاز بن قیس. ٦ - قرعوس بن العباس. ٧ - سعيد بن عبدالحكم. ٨ - سعید بن أبی هند. ٩ - سعید بن عبدوس. ١٠ - عباس بن صالح. ١١ - عبدالرحمن بن عبدالله. ١٢ - عبدالرحمن بن هند. ١٣ - شبطون بن عبدالله الطليطلانى. ٢٦ مقدمة التحقيق ومن القيروان: ١ - أسد بن الفرات. ٢ - خلف بن جرير بن فضالة. ومن تونس: ١ - علی بن زياد. ٢ - عيسى بن شجرة. ومن أهل الشام: ١ - عبد الأعلى بن مسهر الغسانی. ٢ - عبد بن حبان الدمشقيان. ٣ - عتبة بن حماد الدمشقى، إمام الجامع. ٤ - مروان بن محمد. ٥ - عمر بن عبدالواحد السلمى، دمشقيان أيضًا. ٦ - يحيى بن صالح الوحاظى الحمصى. ٧ - خالد بن نزار الأیلی. قال القاضى عياض، بعد ذكر غالبهم: فهؤلاء الذين حققنا أنهم رووا عنه الموطأ، ونص على ذلك المتكلمون فى الرجال. وقد ذكروا أيضًا: أن محمد بن عبدالله الأنصارى البصرى أخذ الموطأ عنه، كتابة، وإسماعيل بن إسحاق، أخذه عنه، مناولة. أما أبو يوسف، فرواه عن رجل، عنه. وقد ذكر عن المهدى والهادى أنهما سمعا منه، ورويا عنه. وأنه كتب الموطأ للمهدی. ٢٧ مقدمة التحقيق . وذكروا أيضًا أن الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموطأ. ولا مرية أن رواة الموطأ أكثر من هؤلاء ولكن إنما ذكرنا منهم من بلغنا، نصا، سماعه له منه، وأخذه له عنه، أو من اتصل إسنادنا له فیه عنه. والذى اشتهر من نسخ الموطأ، مما رويته، أو وقفت عليه، أو كان فى روايات شيوخنا، أو نقل منه أصحاب الخلاف الموطآت، نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة. وقد رأيت الموطأ رواية محمد بن حميد بن عبدالرحيم بن شروس الصنعانى عن مالك، وهو غريب؛ ولم يقع لأصحاب اختلاف الموطآت. فلهذا لم يذكروا عنه شيئًا. هذا كله كلام القاضى عياض. وقال الجلال السيوطى: وقد ذكر الخطيب، ممن روى الموطأ عن مالك، إسحاق ابن موسى الموصلى، مولى بنى مخزوم. وقال بعض الفضلاء: اختار أحمد بن حنبل فى مسنده رواية: عبدالرحمن بن مهدی. والبخارى رواية: عبدالله بن يوسف التنيسى. ومسلم رواية: یحیی بن یحیی التمیمی النيسابورى. وأبو داود رواية: القعنبى. والنسائی رواية: قتيبة بن سعيد. وقد عقب على ذلك المرحوم الشيخ محمد بن حبيب الله الشنقيطى بقوله: ومن هنا نعلم، بالضرورة أن أصحاب كتب الحديث المعتبرة، كلهم عالة على مالك وأصحابه وهو شيخ الجميع؛ لأن مدار الحديث اليوم على الكتب الستة، ٢٨ مقدمة التحقيق ومسند الإمام أحمد، وقد رأيت تعويل الجميع على روايات الموطأ والسماع من أصحابه. وقد قال الشيخ ولى الدين الدهلوى وطنا، العمرى نسبا: كتاب الموطأ أصح الكتب وأشهرها، وأقدمها وأجمعها. وقد اتفق السواد الأعظم من الملة المرحومة على العمل به، والاجتهاد فى روايته ودرايته، والاعتناء بشرح مشكلاته ومعضلاته، والاهتمام باستنباط معانیه و تشیید مبانیه. ومن تتبع مذاهبهم، ورزق الإنصاف من نفسه، علم، لا محالة، أن الموطأ عدة مذهب مالك وأساسه، وعمدة مذهب الشافعى وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبى حنيفة وصاحبيه ونبراسه. وهذه المذاهب بالنسبة للموطأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون. وإن الناس، وإن كانوا من فتاوى مالك فى رد وتسليم، وتنكيت وتقديم، ما صفى لهم المشرب، ولا تأتى لهم المذهب، إلا بما سعى فى ترتيبه، واجتهد فى تهذيبه وقال الشافعى لذلك: ليس أحد أمن علىَّ فى دين الله من مالك. وعلم أيضًا أن الكتب المصنفة فى السنن كصحيح مسلم وسنن أبى داود، وما يتعلق بالفقه من صحيح البخارى وجامع الترمذى مستخرجات على الموطأ تحوم حومه، وتروم رومه مطمح نظرهم منها وصل ما أرسله، ورفع ما أوقفه، واستدراك ما فاته، وذكر المتابعات والشواهد لما أسنده، وإحاطة جوانب الكلام بذكر ما روى خلافه. وبالجملة، فلا يمكن تحقيق الحق فى هذا ولا ذاك، إلا بالإكباب. على هذا الكتاب. ا.هـ. كلام الدهلوى بلفظه. مقدمة التحقيق ٢٩ ......... ومما هو ضرورى عند المحدثين، أن مشايخ أصحاب الكتب الستة ومن عاصرهم، كالإمام أحمد فى مسنده، أغلبهم تلامذة الإمام مالك، الذين رووا عنه الموطأ بروايات عديدة، قل أن تخلو واحدة منها عن زيادة تنفرد بها. ولم يتركوا شيئًا من أحاديث الموطأ، بل أخرجوها فى مصنفاتهم، ووصلوا كثيرًا من مرسلاته ومنقطعاته وموقوفاته، وبذلك يتضح ما نقلته هنا عن ولى الله الدهلوى. ذكر نسخ الموطأ أما نسخ الموطأ فعدتها أربع عشرة نسخة. ذكرها الإمام عبدالحى اللكنوى، فى مقدمة كتابه التعليق الممجد، على موطأ محمد وذكرها الإمام الشنقيطى فى كتابه دليل السالك إلى موطأ الإمام مالك. وها نحن نذكر أسماء أصحاب تلك النسخ، وشيئًا من تاريخهم، كما سرده هذان الإمامان الجلیلان. النسخة الأولى: المفهومة من الموطأ عند الإطلاق فى عصرنا، هى نسخة يحيى بن يحيى المصمودى. وهو أبو محمد يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل بن منقايا المصمودى، نسبة إلى مصمودة، قبيلة من البربر. أخذ يحيى الموطأ، أولا، من زياد بن عبدالرحمن بن زياد اللخمى، المعروف بشبطون، وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك فى الأندلس. ورحل إلى مالك للاستفادة مرتین، ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث، وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة، فامتنع، وكان متورعًا زاهدًا، مشارًا إليه فى عصره. وارتحل يحيى إلى المدينة، فسمع الموطأ من مالك بلا واسطة، إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف باب خروج المعتكف إلى العيد وباب قضاء الاعتكاف وباب النكاح فى الاعتكاف. وكانت ملاقاته وسماعاته فى السنة التى مات فيها مالك، يعنى سنة تسع وأربعين ومائة، و کان حاضرًا فى تجهيزه وتكفينه. ٣١ ..... مقدمة التحقيق وأخذ الموطأ أيضًا من أجل تلامذة مالك، عبدالله بن وهب، وأدرك كثيرًا من أصحابه، وأخذ العلم عنهم، ووقعت له رحلتان من وطنه: ففى الأولى، أخذ عن مالك، وعبدالله بن وهب، وليث بن سعد المصرى، وسفيان ابن عيينة، وغيرهم، وفى الثانية، أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة، من أعيان تلامذة مالك. قال الإمام الزرقانى: كان يحيى عن مالك. فقيل: هذا الفيل. فخرجوا لرؤيته ولم يخرج. فقال مالك له: لم لم تخرج لنظر الفيل، وهو لا يكون ببلادك؟ فقال: لم أرحل لنظر الفيل، وإنما رحلت لأشاهدك، وأتعلم من علمك وهديك، فأعجبه ذلك، وسماه عاقل الأندلس وإليه انتهت رياسة الفقه بها. وانتشر به المذهب، وتفقه به من لا يحصى، وعرض للقضاء فامتنع، فعلت رتبته على القضاة، وقبل قوله عند السلطان، فلا يولى قاضيًّا فى أقطاره إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، فأقبل الناس عليه لبلوغ أغراضهم. وهذا سبب اشتهار الموطأ بالمغرب من روايته دون غيره. قلت: ولكن يبقى معرفة سبب اشتهاره فى العالم الإسلامى، والاعتماد عليه دون سواه. وبعد ما صار جامعًا بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه، وأقام بالأندلس، يدرس ويفتى على مذهب مالك، وبه وبعيسى بن دينار، تلميذ مالك، انتشر مذهب مالك فى بلاد المغرب. وكانت وفاته سنة أربع وثلاثين بعد المائتين. النسخة الثانية: نسخة ابن وهب، وهو أبو محمد عبدالله بن سلمة الفهرى المصرى: ولد فى ذى القعدة سنة خمس وعشرين بعد المائة، وأخذ عن أربعمائة شيخ، منهم مالك، والليث ٣٢ مقدمة التحقيق ........... .. ابن سعد، ومحمد بن عبدالرحمن، والسفيانان، وابن جريج وغيرهم. وكان مجتهدا لم يقلد أحدًا، كما قال بعضهم. والصحيح أنه كان مقلدًا للإمام مالك، وقد تعلم منه الاجتهاد والتفقه، ومن الليث، وكان كثير الرواية للحديث. وقد ذكر الذهبى وغيره أنه وجد فى تصانيفه مائة ألف حديث وعشرون ألفًا، كلها من رواياته. ومع هذا لم يوجد فى أحاديثه منكر، فضلا عن ساقط أو موضوع. ومن تصانيفه الكتاب المشهور بجامع ابن وهب وكتاب المناسك، وكتاب المغازى، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب القدر، وغير ذلك. وقد كان صنف كتاب أهوال القيامة، فقرئ عليه يومًا، فغلب عليه الخوف، فغشى عليه، وتوفى فى تلك الحالة يوم الأحد خامس شعبان سنة تسع وتسعين بعد المائة. وقد طلب بتوليته القضاء فامتنع. ومما تفردت به هذه النسخة، وهو أولها: مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) الحديث. ولا يوجد هذا الحديث فى الموطآت الأخر، إلا موطأ ابن القاسم. قال الإمام الشنقيطى: وتوجد الآن نسخته مكتبة فيض الله شيخ الإسلام بالأستانة العلية، كما أخبرنى به بعض علماء الترك الأفاضل. النسخة الثالثة: نسخة أبى عبيد الله عبدالرحمن بن القاسم بن خالد المصرى، ولد سنة اثنتين وثلاثين بعد المائة، وأخذ العلم عن كثير من الشيوخ، منهم مالك، وهو الذى تمهر على يديه. ويروى أنه صحبه نحو عشرين سنة، أو أكثر، وكان من أخص تلاميذه ٣٣ مقدمة التحقيق وكان زاهدًا، فقيهًا، ورعا، وكان يختم القرآن كل يوم ختمتين. وهو أول من دون مذهب مالك فى المدونة، وعليها اعتمد فقهاء المذهب. وكانت وفاته فى مصر سنة إحدى وتسعين بعد المائة. ومما انفردت به نسخته من الموطأ: مالك عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﴿ قال رواية عن ربه سبحانه وتعالى: ((من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى، فهو له كله، أنا أغنى الشركاء)». قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث لا يوجد إلا فى موطأ ابن القاسم، وابن عقير، من الموطآت. النسخة الرابعة: نسخة أبى عبدالرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى، القعنبى نسبة إلى جده، أصله من المدينة وسكن البصرة، وكان بمكة فى شوال سنة إحدى وعشرين بعد المائتين، وكانت ولادته بعد الثلاثين والمائة. أخذ عن مالك، والليث، وحماد، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين: ما رأينا من يحدث لله، إلا وكيعا والقعنبى. وله فضائل جمة وكان مجاب الدعوات، وعد من الأبدال، رحمه الله، ومما انفردت به نسخته: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أن رسول الله ﴿®)، قال: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله)). ٣٤ ...... ... مقدمة التحقيق النسخة الخامسة: نسخة عبد الله بن يوسف الدمشقى الأصل، التنيسى: نسبة إلى تنيس. قال فى القاموس: تنيس كسكين، بلدة بجزيرة من جزائر بحر الروم، قرب دمياط، تنسب إليها الثياب الفاخرة، وهو ثقة، وثقه البخارى وأبو حاتم، وأكثر عنه البخارى وغيره من كتبه، وهو أثبت الناس فى الموطأ، بعد القعنبى. قال أبو بكر بن خزيمة: سمعت نصر بن مرزوق يقول: سمعت يحيى بن معين يقول، وسألته عن رواة الموطأ عن مالك، فقال: أثبت الناس فى الموطأ عبدالله بن مسلمة القعنبى، وعبدالله بن يوسف التنيسى، بعده، ومما انفردت به نسخة التنيسى عن غيرها، إلا نسخة ابن وهب: مالك عن ابن شهاب عن حبيب، مولى عروة، عن عروة أن رجلا سأل رسول الله : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله)) الحديث. هكذا قالوا. النسخة السادسة: نسخة معن القزاز، نسبة إلى بيع القز، وهو أبو يحيى معن بن عيسى بن دينار، المدنى، الأشجعى، مولاهم. كان يلقب بـ ((عكاز مالك)) لكثرة استناده عليه. كان من كبار أصحاب مالك ومحققيهم، ملازمًا له وإنما قيل له «عكاز مالك) لأن مالكا، بعدما كبر وأسن، كان يستند عليه، حين خروجه إلى المسجد، کثیرًا. توفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين ومائة، فى شهر شوال. . ومما انفردت به نسخته، عن غيرها من نسخ الموطأ: ٣٥ مقدمة التحقيق مالك عن سالم أبى النضر، عن أبى سلمة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله يصلى فى الليل، فإن فرغ من صلاته، فإن كنت يقظانة تحدث معى، وإلا اضطجع حتى يأتيه المؤذن. النسخة السابعة: نسخة سعيد بن عفير، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصارى. أخذ عن مالك والليث وغيرهما. روى عنه البخارى وغيره، وصار أحد المحدثين الثقات، ويقال: إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. توفى فى رمضان سنة ست وعشرين بعد المائتين. ومما انفردت به نسخته عن غيرها من الموطآت، إلا موطأ محمد بن الحسن: مالك عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شهاب عن جده أنه قال: ((يا رسول الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت. قال: لم؟ قال: نهانا الله أن تحمد بما لم نفعل، وأجدنى أحب أن أحمد ..... )) الحديث. النسخة الثامنة: نسخة ابن بكير: اشتهر بنسبته لجده: وهو يحيى بنن يحيى بن بكير، أبو زكريا، الموصوف بإحياء شوارد العلوم وجمع شتاتها المصرى. أخذ عن مالك والليث وغيرهما. وروى عنه البخارى ومسلم، بواسطة، فى صحیحیهما. وثقه جماعة. مات فى صفر سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين. ومما انفردت به نسخته من الموطأ عن كل الموطآت إلا نسخة محمد بن الحسن: مقدمة التحقيق ٣٦ ..... ... مالك عن عبدالله بن أبى بكر، عن عمرة عن عائشة؛ أن رسول الله ﴾ قال: ((ما زال جبريل يوصينى بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه». فمتن هذا الحديث، فى رواية محمد، برواية مالك عن يحيى بن سعيد، عن أبى بكر، عن عمرة، عن عائشة. النسخة التاسعة: نسخة أبى مصعب الزهرى، اشتهر بكنيته، واسمه أحمد بن أبى بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، العوفى، قاضى المدينة وأحد شيوخ أهلها. لازم مالكًا وتفقه عليه، وروى عنه موطئه. أخرج عنه أصحاب الكتب الستة، إلا أن النسائى، روى عنه، بواسطة. توفى، رحمه الله، فى رمضان سنة اثنتين وأربعين ومائتين، عن اثنتين وتسعين سنة. وقد قالوا: إن موطأه آخر الموطآت التى عرضت على مالك، ويوجد فى موطئه زيادة نحو مائة حديث على سائر الموطآت الأخر. وكذلك موطأ أبى حذافة السهمى. ومما انفردت به نسخته عن غيرها من الموطآت: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أن رسول الله # سئل: عن الرقاب، أيها أفضل؟ فقال: ((أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها)). قال ابن عبدالبر: هذا الحديث موجود فى موطأ يحيى أيضا. النسخة العاشرة: نسخة مصعب الزبیری، وهو مصعب بن عبدالله الزبیری. قال بعضهم: مما انفردت به نسخته: ٣٧ مقدمة التحقيق مالك عن عبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر؛ أن رسول الله ﴿لَ﴾ قال، فى أصحاب الحجر: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين .... )) الحديث. قال ابن عبدالبر: هذا الحديث موجود فى موطأ يحيى بن بكير، وسليمان أيضًا، أى سليمان بن برد وهو فى موطأ محمد بن الحسن أيضًا. النسخة الحادية عشرة: نسخة محمد بن مبارك الصوری. قال الإمام الشنقيطى: ولم أقف على أن نسخته انفردت ببعض الأحاديث. النسخة الثانية عشرة: نسخة سليمان بن برد بن نجيح التجيبى، مولاهم. ولم أقف على أنها انفردت بشىء من الأحاديث، إلا حديث أصحاب الحجر. ولم تنفرد به عن نسخة مصعب بن عبدالله الزبيرى، ولا عن نسخة محمد بن الحسن. النسخة الثالثة عشرة: نسخة سوید بن سعید، أُبی محمد الهروى. روى عنه مسلم وابن ماجه وغيرهما، وكان من الحفاظ المعتبرين. مات سنة أربعين بعد المائتين. ومما انفردت به نسخته: ٣٨ مقدمة التحقيق مالك عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله ﴾ قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رئوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)). رواه البخارى من طريق مالك فى صحيحه، فى باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم ورواه أيضًا من طريق جرير عن هشام بن عروة، إلى آخر إسناد مالك. كتاب الاعتصام باب ما يذكر من ذم الرأى وتكلف القياس. ورواه مسلم من هذه الطريق فى صحيحه، فى باب رفع العلم وقبضه وظهور أهل الجهل، من كتاب العلم. وتوجد نسخته مكتبة الملك الظاهر بدمشق، كما أخبرنى بذلك بعض الثقات. ولم أقف عليها حين زيارتى لها أيام الحرب. النسخة الرابعة عشرة: نسخة محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبى حنيفة. وهى مطبوعة بالهند وإيران، ولها شهرة هناك، وفى الحرمين. ومما انفردت به نسخته حدیث: ((إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى .... )) الحديث. ولذلك نسب الحفاظ هذا الحديث لموطأ مالك. ولكن من لم تشتهر عنده رواية محمد بن الحسن، يزعم أن نسبة هذا الحديث للموطأ غلط. ٣٩ مقدمة التحقيق ونسخته تزيد كثيرًا على موطأً يحيى الليثى، لكنه شحنها بآثار ضعيفة من غير طريق مالك، يحتج بها لفقه الحنفية، كما ذكر فيها ما وافق فقه الحنفية ظاهر أحاديث الموطأ. وكما زادت نسخته بأحاديث؛ فهى خالية من عدة أحاديث ثابتة فى سائر الروايات، كما قاله الزرقانى فى أول شرح الموطأ، وكما وقفت عليه أنا حين درسى له بالمسجد الحرام.