النص المفهرس

صفحات 361-380

٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام
الحديث : ٢٩٠،٢٨٩
وخرجه بقيُّ بن مخلد في («مسنده)»، ولفظُه: ((ثَلاثَةٌ لا تقربهُم
الملائكةُ بخير: جيفةُ الكَافرِ، والمُتضمِّحُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلا أن يَبْدُوَ له
أن يأكلَ أو ينامَ توضّاً وضوءَه للصَّلاة)).
ويحيى بن يَعْمَرَ(١)، والحسنُ لم يسمعُ (٢) من عمَّارٍ.
وخرَّجَه الطبرانيُّ، ولفظُه: ((إِنَّ الملائكةَ لا تحضُر جنازةَ كافرٍ بخير،
ولا جنبًا حَتَّى يغتسلَ أو يتوضأ وضوءَه للصَّلاة ولا مُتُضمِّخًا بُصفْرة)).
ورَوَىَ وكيعٌ في ((كتابه)(٣)، عن هشامٍ بنِ عُروة، عن أبيه، عن
عائشةَ قَالَتْ: إِذَا أَرادَ أَحَدُكُم أن يرقدَ وهو جنبٌ فَلْيتوضَّأْ؛ فَإِنَّ أحدكم
لا يَدْرِ لعلَّه أن يُصَابَ في مَنَامِهِ.
ورخَّصَ آخرونَ فِي نَومِ الجنبِ من غَيْرِ وضوءٍ. منهم: سعيدُ بن
المسيب، وربيعةُ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ الثَّوريُّ، والحسنُ بن حي، (٣١ -
ب/ط) ووكيعٌ. وروى أبو حنيفة، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ قال: كانوا
ينامون وهم جنبٌ - يعني قبلَ الوضوءِ.
وقد وردَ حديثٌ يدلُّ على الرخصةِ من رواية أبي إسحاقَ، عن
الأسود، عن عائشةَ قالتْ: كان النَّبِيِّ نَّهِ ينامُ وهو جنبٌ ولا يمسّ ماءً.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، والتِّرمذيُّ،
وقال: قد رَوَى غيرُ واحدٍ عن الأسودِ، عن عائشةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّ كَانَ
يتوضَّأُ قبل أن ينام - يعني جنبًا. قَالَ: وهذا أصحّ من حديثِ أبي
(١) في ((ط)): ((معمر)) وهو تصحيف.
(٣) وعنه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٠/١).
(٢) يعني: ((كلاهما)).
٣٦١

الحديث : ٢٨٩، ٢٩٠
كتاب الغسل
إسحاقَ، عن الأسود. قال: ويَرَوْنَ أنَّ هذا غلط من أبي إسحاق(١).
وقد تقدَّمَ حديثُ الحكم، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ
بخلاف هذا.
خرَّجَه مسلمٌ(٢) .
وكذلك رَوَاه حجاجُ بن أرطاةَ، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن
أبيه، عن عائشةَ.
خرَّجَ حديثه الإمامُ أحمد، ولفظُهُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يجنبُ من اللَّيلِ،
ثم يتوضَّأُ وضوءَه للصَّلاة حتىَّ يصبحَ ولا يمسَّ ماءَ(٣).
وخرَّجَهَ بقيُّ بن مخلدٍ من طريقِ ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمن بن
الأسود، عن أبيه قَالَ: سألتُ عائشةَ: كيفَ كَانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يصنعُ
إِذَا أرادَ أَنْ ينامَ وهو جنُبٌ؟ قالت: يتوضأُ وضوءَه للصَّلاة، ثم ينامُ.
وهذا الحديثُ مِمَّ اتَّفَقَ أئمةُ الحديثِ (٤) من السَّفِ على إنكارِه على
أَبِي إِسْحَاقَ(٥)، منهم: إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، وشعبةُ، ويزيدُ بنُ
(١) أحمد (٤٣/٦، ١٠٦ - ١٠٧، ١٤٦، ١٧١)، وأبو داود (٢٢٨)، والنسائي في ((الكبرى))
(٣٧٩/١١-٣٨١ - تحفة)، وابن ماجه (٨٥١)، (٥٨٢)، (٥٨٣)، والترمذي(١١٨)، (١١٩).
(٣) أحمد (٢٢٤/٦).
(٢) مسلم (٢٢/٣٠٥).
(٤) فى ((ط)): ((الحدث)) خطأ .
(٥) انظر ((التمييز)) للإمام مسلم (ص١٨١ - ١٨٢)، و((العلل)) لابن أبي حاتم (١١٥)،
و(«العلل)) للدار قطني (١٦٤/٣)، (٢٥/ق٥٦ - أ، ب)، و((الأفراد)) له (٥٩٩٣، ٦٠٠٠،
٦٠٠٣ - أطرافه)، و((النكت الظراف)) (٣٨٠/١١ - ٣٨١) و((التلخيص الحبير)) (١٤٠/١ -
١٤١)، و((السنن)) لأبي داود، و((تهذيب السنن)) لابن القيم (٣٧٩/١ - ٣٨١ - عون)،
و((شرح المعانى)) للطحاوي (١٢٤/١-١٢٧)، و(«التمهيد(( (٣٩/١٧)، و(«المغني)» (٣٠٤/١).
وكذا تعليق الشيخ شاكر على ((جامع الترمذي)).
٣٦٢

٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام
الحديث: ٢٩٠،٢٨٩
هارونَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وأبو بكر بنُ أبي شيبةَ، ومسلمُ بنُ الحجاجِ،
وأبو بكر الأثرمُ، والجوزجانيَّ، والتِّرمذيَّ، والدَّارقطنيَّ، وحَكَى ابنُ
عبد البرِّ عن سفيانَ الثَّورِيِّ أَنَّه قَالَ: هو خطأٌ، وعَزَاه إلى كتابِ أبي داودَ.
والموجودُ في كتابه هذا الكلام عن يزيدَ بنِ هارونَ، لا عن سفيانَ.
وقال أحمد بنُ صالحِ المصريُّ الحافظُ: لا يحلُّ أن يُرْوَى هذا
الحديثُ - يعني أنَّه خطأ مقطوعٌ به فلا تحلُّ روايتُه من دونِ بيانٍ عِلَّتِهِ.
وأمَّا الفقهاءُ المتأخرون: فكثيرٌ منهم نَظَرَ إلى ثقةٍ رجاله فظنَّ صحَّتُه،
وهؤلاء يظنون أَنَّ كلَّ حديث رواه ثقةٌ فهو صحيحٌ ولا يتفطَّنونَ لَدقائق
علمٍ عللِ الحديثِ .
ووافقهم طائفةٌ من المحدِّثينَ المُتأخِّرِينَ كالطَّحاويِّ (٣٢ - أ/ط)،
والحاكم، والبيهقيِّ، ثم اختلفوا في الجمع بينَه وبينَ حدَثِ النَّخعيِّ، عن
الأسود، عن عائشةَ في الوضوءِ، ولهم في ذلك مسالك:
أَحدُها: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إذا أَرادَ النَّمَ وهو جنبٌ تَوضَّأَ فِي غَالِبٍ
أَوْقَاته لفضيلة الوضوء، وكَانَ تارةً يتركُ الوضوءَ لبيان الجَوَازِ وَأَنَّ الوضوءَ
غيرُ واجبٍ وأنَّ النَّومَ بدونِه غيرُ محرمٍ. وهذا سَلَكَه طوائفُ من الفُقَهاء
من أصحابِنَا وأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وغَيْرِهم.
والثاني: أَنَّ حديثَ أبي إسحاقَ أُرِيدَ به أَنَّ النَّبيَّ نَّ كَانَ ينامُ ولا
يمسُّ ماءً للغسلِ؛ فهو موافقٌ لحديث إبراهيمَ، عن الأسودِ في المعنى.
وهذا مسلكُ أبي العباسِ بن سُرَيَج، والطحاوي وغيرهما. وحديثُ
حجاج، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه يشهدُ لهذا التَّأويل كما
٣٦٣

الحديث : ٢٨٩، ٢٩٠
كتاب الغسل
تقدَّم لفظه.
والثَّالث: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إذا أصابتْه الجنابةُ من أولِ اللَّيلِ توضَّاً،
ثُمَّ نَامَ نومَهَ الطَّيلَ المعتادَ من اللَّيلِ، وإِنْ أصَابَتْه الجنابةُ من آخرِ اللَّيلِ
بعدَ قضَاءِ وِرْدِه من الصَّلاةِ هجَعَ هجعةً خفيفةً للاستراحةِ، ثُمَّ قَامَ
فاغتسلَ لصَلاةِ الفَجرِ. وهذا مسلكُ طائفةٍ من العُلماءِ وَسَلَكَه الطّحاويّ -
أيضًا - وأشَارَ إليه ابنُ عبد البرِّ، وغيرُه.
وقد رَوَى زهيرٌ، وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ هذا الحديثَ بسياقٍ
مطولٍ، وفيه أَنَّ نومَه من غير أَنْ يمسَّ ماءً إِنَّمَا كَانَ في آخرِ اللَّيل إِذا
قَضَى صلاتَهُ ثُمَّ كَانَ له حاجةٌ إلى أهله(١).
وخَرَّجه الطَّحاويُّ من طريقِ زهيرٍ، عن أبي إسحاقَ، ولفظُ حديثه:
((كَانَ رسول اللّهِ وَهِ ينامُ أولَ اللَّيلِ ويحيي آخرَهَ، ثُمَّ إن كان له حاجةٌ
قَضَى حاجته، ثُمَّ ينامُ قبل أن يمسَّ ماءً، وإن نَامَ جنبًا توضأ وضوءَ الرَّجُلِ
الصَّلاة)(٢).
وهذه زيادةٌ غريبةٌ.
وقد خرَّجه الإمام أحمد(٣) بسياقٍ مطول من طريقِ زهيرِ بدونٍ هذه
الزيادة في آخرِه.
وخرَّجه مسلمٌ في ((صحيحهِ))(٤) - أيضًا - من طريقِ زهيرٍ، إلا أنَّه
أسقطَ منه لفظةَ ((قَبْلَ أن يمسَّ ماءً)) فلم يَذْكِرْهَا؛ لأنَّه ذكرَ في كتابٍ
((التمييز)) له أنَّها وهمٌ من أبي (٣٢ - ب/ط) إسحاقَ.
(١) فى ((ط)): ((هله)).
(٣) (١٠٢/٦).
(٢) ((شرح المعاني)) (١٢٥/١).
(٤) (٧٣٩).
٣٦٤

٢٧ - باب الجنب يتوضأ ثم ينام
الحديث: ٢٩٠،٢٨٩
وقد رُوِيَ عن أبي إسحاقَ ما يخالفُ هذه الروايةَ؛ فروی سفيانُ،
عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَهِ يصيبُ
أهله من أولِ اللَّلِ ثم ينامُ ولا يمسَّ ماءً، فإذا استيقظَ من آخر الليل عَادَ
إلى أهله واغتسل.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١).
وخرَّجَ الطبرانيُّ من طريقِ حمزةَ الزيات، عن أبي إسحاقَ، عن
الأسود، عن عائشةَ قالت: كان النَّبِيُّ بِّهِ يجامعُ نساءَه ثم لا يمسُّ ماءً،
فإن أصبحَ فأرادَ أن يعاودَ عاودَ، وإن لم يُردِ اغتسلَ(٢).
ورواه شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، فذكر في حديثه أَنَّه ◌َلِّ كان يصيبُ
أهله ثم يعودُ ولا يمسُّ ماءً، ولم يذكرِ النَّوم(٣).
وهذا كلُّه يدلُّ على أَنَّ أبا إسحاق اضطربَ في هذا الحديثِ ولم يُقِمْ
لَفْظَهُ كما ينبغي؛ بل سَاقَه بسياقات مُخْتلفةٍ مُتَهافتة .
وَرَوَى محمد بنُ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ أَنَّه سَأَلَها: هل
كَانَ رسولُ اللهِ وَّ ينامُ وهو جنبٌ؟ قَالتْ: نعم؛ ولكنَّه كان لا ينامُ
حتَّى يتوضأ وضوءَه للصَّلاة ويغسلَ فرجَه.
خرَّجَه بقي بن مخلدٍ في («مسنده) .
وهذا يدلُّ على أنَّها لم تروِ نومَه من غير وضوء في حَالِ الجنابة
بحَالِ.
(١) (١٠٦/٦ - ١٠٧) وتقدم قريبًا.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٩/٦).
(٢) ((الأوسط)) (٧٥٨٩).
٣٦٥

الحديث : ٢٩١
كتاب الغسل
٢٨ - بَابُ
إِذَا الْتَّقَى الْختَانَانِ
٢٩١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: ثَتَ هِشَامٌ .(١)
وحَدَّثَنَا [أَبُو](٢) نُعيمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِىِ
رَفِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِّ ◌ِلَ قَالُ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَّ شُعَبِهَاَ الأَرْبَعِ ثُمَّ
جَهَدُهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ)).
تَابَعَه عَمْرو، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ موسى: نَا أَبَانٌ: نَا قَتَادَةُ: أَنَا الحَسَنُ
مثْلَه.
هِشَامٌ الرَّاوي عن قتادةَ هو: الدَّسْتُوائي، وقد خرَّجَه مسلمٌ من
حديثه - أيضًا - وخرّجَه - أيضًا - من طريقٍ شعبةَ، عن قتادةَ به، وفي
حديثه ((ثم اجتهد)»(٣).
وخرَّجَ النسائيُّ (٤) من حديثِ خالدٍ، عن شعبةَ، عن قتادة قال: سمعتُ
الحسنَ يحدث، فذكره.
وهذه الروايةُ فيها تصريحُ قتادةَ بسماعِ الحديثِ من الحسنِ كالرواية
التي ذكرها البخاريُّ بعدها عن موسى - وهو: ابنُ إسماعيلَ -، عن
أبان؛ ومرادُه بذلك أنَّه أَمنَ بذلك تدليسَ قَتَادةَ وثبتَ سماعهُ لهذا الحديث
(١) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا هشام ح)).
(٢) سقطت من ((ط))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٣) مسلم (٣٤٨).
(٤) (١ / ١١٠).
٣٦٦

٢٨ - باب إذا التقى الختانان
الحديث : ٢٩١
من (٣٣ - أ/ ط) الحسنِ.
وخرَّجَه مسلم (١) ((من طريقِ مطر الوراق، عن الحسنِ وزاد فيه: ((وإن
لم ينزل)».
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، (٢) عن عفان، عن همامٍ وأبان، عن قتادةَ،
ولفظ حديثه: ((إذا جَلسَ بين شُعبها الأربع فأجهدَ نفسَه فقد وجبَ
الغسلُ، أَنْزِلَ أو لم يُنْزِلْ)(٣) .
وخرَّجَه البيهقيُّ (٤) من طريقِ سعيدٍ بن أبي عروبة، عن قتادةَ، ولفظ
حديثه: ((إِذَا التقى الخَتَانانِ وَجبَ الغسلُ، أَنْزِلَ أو لم يُنْزِلْ)).
وذكر الدارقطنيّ في ((العلل)) (٥) الاختلافَ على الحسنِ في إسنادِ هذا
الحديثِ في ذكرِ أبي رافعٍ وإسقاطِهِ منه، وروايةُ الحسنِ له عن أبي هريرةَ
بغيرِ واسطةٍ وفي وَقْفِه على أبي هريرة ورَفْعِه، ثم قال: الصَّحيحُ:
حديثُ الحسنِ، عن أبي رَافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَجْهِ، وَذَكَرَ
عن موسى بنِ هارون أَنَّه قال: سَمِعَ الحسنُ من أبي هريرة؛ إلا أنَّه لم
يسمعْ منه عن النَّبِيِّ وَّ: ((إذا قَعدَ بينَ شُعبِها الأربع))، بينهما: أبو
رافعٍ. انتھی.
وما ذكرَه من سَماعٍ الحسنِ من أبي هُريرةَ مُخْتَلَفٌ فيه (٦)، وقد صحّ
(١) (٣٤٨)
(٣) (١١٠/١).
(٥) (٢٥٢/٨ - ٢٦٠).
(٢) أحمد (٣٤٧/٢).
(٤) (١٦٣/١).
(٦) هذا، وقول جمهور المتقدمين من الأئمة الحفاظ أنه لم يسمع منه؛ فقد نص أكثر من
عشرين منهم على نفي سماعه، وخطئوا من زعم أنه سمع منه .
وأما قول من قال إنه سمع منه، فقد اعتمدوا على بعض روايات جاء فيها تصريح الحسن=
٣٦٧

الحديث : ٢٩١
كتاب الغسل
روايتُه لهذا الحديثِ عن أبي رافعٍ، عن أبي هُريرةَ.
ولم يُخرِّجِ البخاريَّ حديثَ عائشةَ في هذا الباب، وقد خرَّجَه مسلمٌ
من رواية هشامٍ بن حسان، عن حُميدٍ بن هلال، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي
موسى أنَّه سأل عائشة عما يوجبُ الغسلَ؟ فقالت: عَلَى الخبير سقطتَ،
قَالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا جَلسَ بَيَنَ شُعبها الأَرْبع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد
وجَبَ الغسلُ))(١).
كذا خرَّجه من طريق الأنصاريِّ، عن هشامٍ.
وخرَّجه من طريقِ عبد الأعلى، عن هشامٍ، عن حميد، قال: ولا
أعلمُهُ إلا عن أبي بردةَ، عن أبي موسى، وتردَّدَ في وصلِ إسنادِه(١).
وقد عَجبَ أحمدُ من هذا الحديث وأن يكون حُميدُ بن هلال حدّث
به بهذا الإسناد. وقال الدارقطنيَّ: صحيحٌ غريبٌ؛ تفرَّدَ به: هشامُ بن
و
حسان، عن حمید .
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ من حديثٍ عليٍّ بن زيد بنِ جُدْعَان،
عن سعيد بن المسيب، عن عائشةَ قالت: قَالَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إِذَا جَاوَز
الختانُ الختانَ وجَبَ الغسلُ))(٢).
وعليُّ بن زيدٍ فيه مقالٌ مشهورٌ، وقد اختُلِفَ عليه في رفعِهِ ووقفِه .
ورواه يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، عن سعيد بن المسيب أَنَّ أبا موسى
= بسماعه من أبي هريرة، ولكنها روايات معلولة لا يعتمد عليها، نص على ذلك أبو حاتم
وأبو زرعة وغيرهما.
(١) مسلم (٣٤٩).
(٢) أحمد (٤٧/٦، ٩٧، ١١٢، ١٣٥)، والترمذي (١٠٩).
٣٦٨

٢٨ - باب إذا التقى الختانان
الحديث : ٢٩١
(٣٣ - ب/ ط) دَخَلَ على عائشةَ فحدَّثَتْه بذلك ولم تَرْفَعْه.
وخرّجَ مسلمٌ(١) من طريقِ ابن وهب، عن عياضٍ بن عبد الله، عن
وُ
أبي الزَّبيرِ، عن جابرٍ بن عبد الله، عن أم كلثوم، عن عائشةَ أَنَّ رجلاً
سألَ النَّبِيِّ بَّهَ عن الرَّجُلِ يُجامعُ ثم يكسلُ هل عليهما الغسلُ؟ وعائشةُ
جالسةٌ فَقَالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَفْعلُ ذلك أَنَا وهَذِهِ ثُمَّ نغتسلُ)).
وأُمُّ كلثوم هي بنتُ الصِِّّيق أختُ عائشةَ رضي اللهُ عنهم.
قال الدارقطنيُّ: لم يُخْتَلف عن أبي الزُّبِيرِ في رفعِ هذا الحديثِ.
قلتُ: رَوَاه عنه: عياضُ بن عبد الله، وابنُ لَهيعةَ، وأشعث، وكلُّهم
رفعوه.
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ من حديثِ أشعث، وابنٍ لهيعة(٢).
كذلك قَالَ الدار قطنيُّ. وكذلك رواه قتادةُ، عن أم كلثومٍ، عن عائشةَ.
وحديثُ قتادةَ: خرَّجَه بقيُّ بن مخلدٍ، ولفظُ حدثِه: عن عائشةَ أَنَّها
ونبيّ اللهِ وَ له فعلا ذلك فلم يُنزِلِ الماءَ فاغتسلَ وأمرَها أن تغتسلَ.
ولكن في سماعٍ قتادةَ من أم كلثومٍ نظرٌ؛ ولأجله تركَ مسلمٌ تخريجَ
الحديثِ من طريقهِ، والله أعلم.
وعندَ قَتَادةَ فيه إسنادُ آخر: رَوَاه عن عبد الله بن رباح، عن عائشةَ،
معَ الاختلافِ عليه في رَفْعِه ووَقْفه.
وقِيلَ: عَنْ قَتَادَةَ قال: ذُكِرٍ لَنَا أَنَّ عَبَد الله بنَ رباحٍ سأل عَائِشةَ؛
فدلَّ على أنَّه لمَ يَسْمِعْهُ منه.
(٢) ((المسند)) (٦٨/٦، ٧٤، ١١٠).
(١) (٣٥٠) .
٣٦٩

الحديث : ٢٩١
كتاب الغسل
وَرَوَاه ثابتٌ البنانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن رباح.
وقِيلَ: عنه، عن عَبدِ اللهِ(١) بن رَبّاح، عن عبد العزيز بن النُّعمانِ، عن
عَائشةٍ(٢)، معَ الاختلافِ عليه فى رَفْعِه ووقفه.
وأَنْكَرَ أَحْمَدُ رَفْعَهُ وقالَ: عبدُ العزيز بن النَّعمان لا يُعرفُ.
وقال البخاريُ(٣): لا أعلمُ له سماعًا من عائشة.
وذكر ابنُ معينٍ (٤): أَنَّ روايةَ ثابتٍ بإدخالِ عبدِ العزيز بنِ النُّعمانِ في
إسنادِهِ أصحّ من روايةٍ قَتّادةَ بإسقاطه .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وابنُ حبان
في ((صحيحه))(٥) من حديث الأوزاعيِّ، عن عبد الرحمن بن القاسمِ،
عن أبيه، عن عائشةَ قالتْ: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ، فَعَلْتُه
أنا ورسُول الله وَِّ فَاغْتسلْنَا .
وقال التِّرمذيَّ: حسن صحيح. وصحّحَهُ غيرُ واحد من (٣٤ - أ/ ط)
الحفّاظ.
ءِ
وقال البخاري(٦): هو خطأ؛ وإنَّما يرويه الأوزاعيّ، عن عبد الرحمن
ابن القاسم مرسلا .
(١) في (ط)): ((عبد الرحمن)) خطأ.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٣/٦، ٢٢٧، ٢٢٩).
(٣) في ((التاريخ الكبير)) (٩/٦).
(٤) في ((تاريخ الدوري)) (٢٠٨/٤)، وانظر ((مسند أحمد)» (٢٦٥/٦).
(٥) أحمد (١٦١/٦)، والترمذي (١٠٨)، والنسائي في ((الكبري)) (١٠٨/١)، وابن ماجه
(٦٠٨)، وابن حبان (١١٧٦ - إحسان).
(٦) في ((العلل الكبير)) للترمذي (ص٥٧).
٣٧٠

٢٨ - باب إذا التقى الختانان
الحديث : ٢٩١
ورُدَّ قولُه بكثرة من رواه عن الأوزاعي من أصحابه موصولا .
وأعلَّهُ الإمامُ أحمدُ بأنَّهُ رُوِيَ عن الأوزاعيِّ موقوفًا، قال أحمدُ:
ءِ
والمرفوعُ في آخرِ الحديثِ إنما كان الأوزاعيّ يرويهِ عن يحيى بن أبي كثيرٍ
أنه بلَغَهُ عن عائشةَ.
وكذا رواه أيوبُ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةً
موقوفًا لم يرفعْه، وذكر أبو زُرعةَ الدّمشقيُّ هذا عن أحمدَ، ثم قال أبو
زرعةً: رأيتُ أبا مسهرٍ على(١) هذا الحديث على يحيى بن معينٍ فَقَبِلَهُ
يَحْيِىَ ولم ينكرُهُ.
وقد رُوِيَ عنَ عائشةَ من طرقٍ أخرى متعددةٍ مرفوعًا .
وخرَّجَه البزارُ من طريق ابن فديكِ: نا الضحاك بنُ عثمان، عن
عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال:
((إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسلُ)).
وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ مشهورون.
وقد صحَّ ذلك عن عائشةَ من قولها غير مرفوعٍ من طرقٍ كثيرةٍ جدّاً،
وفي بعضها اختلافٌ في رفعِهِ ووقفِه.
ولعلَّ عائشةَ كانت تارةً تُفْتِي بذلك وتارةً تذكرُ دليلَه وهو ما عندها
عن النَّبِيِّ نَّهِ فِيه كمَا أنَّ المفتي أحيانًا يذكرُ الحكمَ من غيرِ دَليلٍ وأحيانا
يذكرُهُ مَعَ دليلهِ، واللهُ أعلمُ.
والجلوسُ بينَ شعبها الأربع قيل: المرادُ: يدي المرأةِ ورجليها. وقيلَ
غيرُ ذلك ◌َمَّا يُرْغَبُ عن ذكرِهِ.
(١) كذا، ولعلها: ((عرض)).
٣٧١

الحديث : ٢٩١
كتاب الغسل
وجَهْدُها: هو عبارةٌ عن الاجتهادِ في إيلاجِ الحشَفةِ في الَفَرْجِ، وهو
المرادُ - أيضًا - من التقاء الختانين.
قال الشَّافعيُّ: معنى التقاء الختانين: أَنْ تغيبَ الحشفةُ في الفرجِ
حَتَّى يصيرَ الختانُ الذي خلفَ الحشفة حذوَ ختانِ المرأةِ .
وقَالَ أحمدُ: التقاءُ الختانينِ المدورة يعني الحشفةَ، فإذا غابتْ فالختانُ
بعدها.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه من رواية حجَّاجٍ بن أَرْطَاةَ، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ وَ لَ قال: ((إِذَا الْتَّقَى
الخَتَانان وتَوارت الحشَفَةُ فقد وَجبَ الغُسْلُ))(١).
وحجَّاجٌ مدلسٌ، وقيل: إِنَّ أكثرَ رواياتهِ عن عمرو بن شعيب سَمعها
من العَرَزَمِي (٣٤ - ب/ط) ودلسها، والعَرْزَمِيَّ ضَعِيفٌ.
وقد رُوِيَ - أيضًا - هذا الحديثُ عن العرزميِّ، عن عمرو.
ورُويَ من وجهِ ضعيف، عن أبي حنيفةَ، عن عمرو، به، وزاد في
روايته: ((أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ)). خرَّجَه الطبراني(٢).
وقوله (إِذَا الْتَّقى الختانان)) استدلَّ به الإمامُ أحمدُ على أَنَّ المرأةَ تختتنُ
کالرَّجلِ.
وختانُ المرأةِ مشروعٌ بغيرِ خلافٍ، وفي وجوبِهِ عن أحمدَ روايتان
على قولِه بوجوبهِ على الرِّجَالِ.
(١) أحمد (١٧٨/٢)، وابن ماجه (٦١١).
(٢) في ((الأوسط)) (٤٤٨٩).
٣٧٢

الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
٢٩ - بَابُ
غَسْلٍ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: نَا عَبّدُ الوَارِثِ، عَنِ الْحُسَينِ المُعَلِّمِ(١) قَالَ
يَحْيَى: وأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةً أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِد
الجَهَنِيَّ أَخْبَرَهَ أَنَّه سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُّ
امْرَأَتَه فَلَمْ يُمْنٍ؟، فَقَالَ(٢) عُثْمَانُ: يَتَوضَّأُ كَمَا يَتَوضَّأُ الصَّلاةِ وَيَغْسِلُ
ذَكَرَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَّ عَلَيَّ بَّنَ
أَبِي طَالِبٍ والزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله (٣) وأَبِيَّ بَنَ كَعْبٍ(٤)
فَأَمَرُوه بِذَلِكَ.
وأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ(٥) أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبيرِ أَخْبَرَه أَنَّ أَبَا أُيُّوبَ أخبره أنَّه
سَمِعَ ذَلكَ منْ رَسُول الله ◌ِلتِ.
٢٩٣ - حَدَّثْنَا مُسَدَُّ: نَا يَحْبَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرني أَبِي
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِيُّ بَنُ كَعْبَ أَنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
ونَ﴾ (٢): ((إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ)). قَالَ: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهَ
ثُمَّ يَتَوضَأُ ويُصَلِّي)».
(١) ((المعلم)) ليست في ((اليونينية)).
(٣) في ((ط)): ((عبد الله)) خطأ.
(٢) في ((اليونينية)): ((قال)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهم)).
(٥) في بعض نسخ ((اليونينية)): ((قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة)).
(٦) في اليونينية)): (يا رسول الله)) بدلا من ((قال رسول الله وَله))، وبالتالى تكون الجملة:
((إذا جامع الرجل ... )) من قول أُبَيِّ بن كعب.
٣٧٣

الحديث : ٢٩٣،٢٩٢
كتاب الغسل
قَالَ أَبُو عَبْد الله: الغُسْلُ أَخْوطُ وذَلَك(١) الأخير، إِنَّمَا(٢) بيَّنَا لاختِلاَفِهِمْ.
الذي وقع فِي الرِّوايةِ الأولى عن أبي سلمةَ، عن عروةَ أَنَّ أبا أيوبَ
أَخْبَره أنَّ سَمِعَ ذلك من النَّبِيِّ بِّهِ وَهْمُ نَبََّ عليه الدارقطنيُّ وغيره(٣)؛
تدلُّ عليه الروايةُ الثَّانيةُ عن هشام بن عروةَ، عن أبيه: أخبرني أَبُو أيوبَ
قَالَ: أخْبَرني أُبَيُّ بن كعبٍ، عن النَّبِيِّ ◌َِّهُ.
صَلَا الله
وَسِله
وقد روى عبدُ الرحمن بن سُعَاد، عن أبي أَيَّوبَ، عن النَّبِيِّ
قال: «المَاءُ مِنَ المَاءِ».
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه(٤)؛ وليسَ فيه تصریحُ
أبي أيوبَ بسماعِهِ من النَّبِيِّ ◌َِّ.
وقد خرَّجَ البخاريُّ - فيما تقدم - في ذكرِ نواقض الوضوء(٥) حديثَ
ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إذا أُعْجِلْتَ - أو
أُقْحِطْتَ - فلا غسل عليك))(٦).
وخرَّج - أيضًا - حديثَ يحيى بن أبي كَثِيرِ الذي خرّجه هنا من طريقِ
شيبان(٧)، عن يحيى إلى قولِه في آخر الحديث ((وأَبَيِّ بن كعبٍ فَأَمروه
بذلك)» ولم يذكر ما بعدَه.
(١) في ((اليونينية)): ((وذاك)).
(٢) في ((اليونينية)): ((وإنما)).
(٣) انظر ((العلل)) للدار قطني (٣٢/٣ - ٣٣).
(٤) أحمد (٤١٦/٥، ٤٢١)، والنسائي (١١٥/١)، وابن ماجه (٦٠٧).
(٥) حديث (١٨٠ - فتح).
(٦) في ((الصحيح)): ((فعليك الوضوء))، وأمَّا رواية: ((فلا غسل عليك)) فهي رواية غير
البخاري، انظر ((الفتح)) (٢٨٥/١).
(٧) في ((ط)): ((سفيان)) خطأ، وهو: شيبان بن عبد الرحمن النحوي. والحديث في ((الفتح))
(١٧٩).
٣٧٤

٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
ولعلَّه تركَه لِمَا وقَعَ فيه من الوهم الذى ذكرناه (٣٥ - أ/ ط).
وعند البخاريِّ في كلا الرِّوايتين أَنَّ عليا والزّبيرّ وطلحةً وأُبّيّ بن
كعب أَفْتَوا بذلك ولم يَرْفعوه إلى النَّبِيِّ وَِ.
وقد وَفِعَ في روايةٍ غيره أَنَّهم رفعوه - أيضاً - إلى النَّبِيِّ ◌ِ﴾
وقد قالَ عليّ بنُ المدينيِّ في هذا الحديثِ: إنَّه شاٌ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: هو منكرٌ؛ لم يُتَابع عليه يحيى بن أبي كثير(١).
وقد صحَّ عن أكثرٍ من ذُكِرَ عنه من الصَّحابةِ أَنَّه لا غسلَ بدون
الإنزالِ خلافُ ذلك، قال عليّ بن المدينيِّ: قد رُوِيَ عن عليٍّ، وعثمانَ،
وأُبيِّ بن كعب بأسانيد جياد أنَّهم أَفْتُوا بخلاف ما في هذا الحديث(١).
وقال الدار قطنيَّ : (٢) رواه زيدُ بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد
ابن خالد أنَّه سأل خمسةً أو أربعةً من أصحابِ النبيِّ وَِّ فَأَمَرُّوه بذلك،
ولم يَرْفعه.
يشيرُ إلى أَنَّ زيدَ بن أسلم خالفَ أبا سلمةَ في رفعِهِ فلم يرفعْ منه
شيئًا.
وقد كَانَ قومٌ من الأنصارِ قديمًا يقولون: ((إِنَّ الماءَ من الماءِ) ثُمَّ استقرَّ
الأمرُ على أنَّه إذا التقى الخِتَّانانِ وجبَ الغسلُ، ورجَع أكثرُ من كان
يخالفُ في ذلك عنه، وأَمَّا المهاجرونَ فقد صحَّ عنهم أنَّهم قالوا: ((إِذَا
الْتَّقى الخَتَانان وجَبَ الغسلُ)) منهم: عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ؛ فدلَّ على أَنَّ
عثمانَ وعليا عَلِمُوا أَنَّ((الماء من الماء)» نُسِخَ؛ وإلا فكيفَ يَرْوِي عثمانُ أو
(١) انظر ((التمهيد)» (١٠٦/٢٣، ١١٠ - ١١١).
(٢) انظر ((العلل)) للدارقطني (٣٢/٣-٣٣).
٣٧٥

الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
كتاب الغسل
غيرُهُ عن النَّبِيِّ وَ ◌ِّ شيئًا ثُمَّ يرجعُ عن القَوْل به(١)؟!
وفي ((صحيحِ مسلم))(٢)، عن أبي موسى قال: اخْتَلفَ في ذلك رهطٌ
مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصارِ فقال الأنصاريون: لا يجبُ الغسلُ إلا مِنَ الدَّفْقِ
أو مِنَ المَاءِ، وقال المهاجرونَ: بل إذا خالطَ فقد وجبَ الغسلُ. قال: قال
أبو موسى: فَأَنَا أَشْفِيكم من ذلك، وذكر قيامَه إلى عائشةَ وما رَوَتْه له
عن النَّبِيِّ وَّ كما سبقَ ذكرُ(٣).
ورَوَى وكيعٌ، عن القاسمِ بن الفضلِ، عن أبي جَعْفُرِ محمدِ بن علي
قَالَ: قال الُهَاجرونَ: ((إذا جَاوزَ الخَتَانُ الخَتَانِ وَجَبَ الغسلُ))، وقال
الأنصارُ: ((المَاءُ مِنَ المَاءِ».
وروى ابنُ أبي شيبة(٤)، عن حفصٍ بن غياث، عن حَجَّاجٍ، عن أبي
جعفرٍ قال: أَجْمِعَ الْمُهَاجرون: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ أَنَّ ما
وجبَّ (٥) (٣٥ - ب/ ط) الحَدَّين: الجلدَ وَالرَّجمَ أَوْجبَ الغسلَ.
وروى إبراهيم بن مسلم الخوارزميّ في كتابِ ((الطهور)) عن ابنِ نمير،
عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيب قَالَ: كان أبو بكرٍ وعمرَ
و
يأمرانِ بالغسلِ - يعني من الإكسالِ .
وروى مالك(٦)، عن ابنِ شِهَابٍ، عن سعيد بن المسيبِ قَالَ: إنَّ
عُمرَ، وعثمانَ، وعائشةَ كانوا يَقُولونَ: إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجبَ
الغسلُ.
(١) انظر ((التمهيد)) (١٠٦/٢٣ - ١١٧).
(٣) في الباب الماضي (ص٣٦٨) .
(٥) في ((المصنف)): ((أوجب)) وهو أصوب.
(٢) (٣٤٩) .
(٤) (٨٦/١)، وفيه: (الحد والرجم)) كذا.
(٦) في ((الموطأ)) كتاب الطهارة (٧٣).
٣٧٦

٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
ورَوَى عبدُ الرزاق(١)، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيبِ
قَالَ: كان عمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، والمهاجرونَ الأولونَ يقولون: إذا
مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغسلُ.
ورَوَى وكيعٌ، عن محمد بن قيس الأسديِّ، عن عليٍّ بن ربيعةَ، عن
عليٍّ قَالَ: إذا جَاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
ورَوَى ابنُ أبي شيبةً(٢) ، والأثرمُ بإسناديهما، عن عاصمٍ، عن زرِّ، عن
عليٍّ قَالَ: إذا التقى الخَتَانان وجَبَ الغسلُ. وقد رُوِيَ عن عليٍّ من وجوهٍ
متعددة .
فهؤلاء الخلفاء الراشدون رضي اللهُ عنهم قد أَجْمَعوا على ذلك مع
أَنَّ بعضَهم روى عن النَّبِيِّ نَِّ خلافَه، فلولا أنَّهم علموا أَنَّ ما خالف
ذلك منسوخٌ لما خالفوا ما سمعوه من النَّبِيِّ بَّهِ ووافقهم على ذلك أكابرُ
الصَّحابةِ منهم: ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأبو ذَرٍّ، وأبو هريرةَ، ومعاذُ
ابن جبلٍ - فقيه الأنصار -، وأبو هريرةَ، وعائشةُ أمُّ المؤمنينَ وهي أعلمُ
النَّاسِ بهذا وإليها مرجع النَّاسِ كُلِّهم، وقد صَحَّ عنها أَنَّها أَفْتَتْ بذلك
وأمرتْ به وأَنَّ الصَّحابةَ الذين سَمِعُوا منها رَجَعوا إلى قولِها في ذلك؛
فإنَّها لا تقولُ مثلَ هذا إلا عن علمٍ عندها فيه عن رسولِ اللهِ وَ له لا سيَّما
وقد عَلِمَتْ اختلافَ الصَّحابةِ في ذلك. وجمعَ عمرُ النَّاسَ كُلَّهم على
قولها، فلو كانَ قولُها رأيًا مجردًا عن رواية لما استجازتْ رَدَّ روايات
غيرِها من الصَّحابةِ برأيها؛ وقد رُويَ عنها من وجوه كثيرة وبعضُها
صحيحٌ - كما تقدَّم - أَنَّها روتْه عن رسول الله بَّه قولا أو فعلا، فما
(١) في ((المصنف)) (٢٤٥/١).
(٢) في («المصنف)) (٨٦/١).
٣٧٧

الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
كتاب الغسل
بَقِيَ بعد ذلك سوى العناد والتَّعنُّت ونعوذُ بالله من مخالفة ما (٣٦ -
أ/ ط) أَجْمعَ عليه الخلفاءُ الرَّاشدونَ وجَمعَ عليه عمرُ كلمةَ المسلمين،
وأَفْتَتْ به عائشةُ أُمُّ المؤمنين أَفْتَهُ نساءِ هذه الأُمَّةِ وهي أعلمُ بمستندِ هذه
المسألةِ من الخلقِ أجمعين(١).
فروى مالك(٢)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أَنَّ أبا
موسى الأشعريَّ أتى عائشةً أُمَّ المؤمنين فَقَالَ لها: لقد شقَّ عَليَّ اختلافُ
أصحابِ رسولِ اللهِ وَّ في أمرٍ إِنِّي لأعظمُ إِنِّي(٣) أستقبلُكِ به، قالتْ:
ما هُوَ؟ ما كنتَ سائلا عنه أُمَّك، فَسَلْني عنه. قَالَ لها: الرَّجُلُ يصيبُ
أهلَه ثم يكسلُ ولا يُنْزِلُ. فَقالتْ: إِذَا جَاوزَ الخِتانُ الختانَ فقد وجَبَ
الغُسْلُ. فقال أبو موسى: لا أسألُ عن هذا أحدا بعدك.
ورواه حمادُ بن زيدٍ، وعبدُ الوهاب الثقفيُّ، وغيرُهما، عن يحيى بنِ
سعيد بنحوه، وسمى عبد الوهاب في روايته من قال: ((لا يجبُ الغسلُ
بذلك)): أبَيَّ بن كعبٍ، وأبا أيوبَ، وزيد بن ثابت، وسَمَّى مِمَّنْ يأمرُ
بالغُسلِ: عمرَ، وعثمانَ.
ورَوَى ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن معمر(٤) بن عبدالله
ابن أبي حُيَيَّة، عن عبيد بِن رفاعة بن رافع، عن أبيه رِفَاعةً قال: كنتُ
عندَ عُمرَ فقيل له: إِنَّ زيدٌ بنَ ثابتِ يُفْتِي بَرأيه في الذي يُجَامِعُ ولا
يُنْزِلُ، فَدَعَاه فقال: أَيْ عدوَّ نفسِه! قد بَلَغْتَ أن تُفْتِيَ النَّاسَ في مسجدٍ
(١) انظر ((التمهيد)) (١٠٠/٢٣) فما بعدها.
(٢) كتاب الطهارة (٧٥).
(٣) في ((الموطأ)): ((أن)).
(٤) في ((ط)): ((يعمر)) بالياء، وعلى الصواب في جميع مصادر ترجمته التي وقفت عليها.
٣٧٨

٢٩ - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
رسولِ اللهِ وَلَه برأيك؟! قَال: ما فعلتُ؛ ولكنْ حَدَّثَنِي عُمُومتي، عن
رَسُولِ اللهِ وَله. قال: أَيُّ عمُومتكَ؟ قال: أُبِيُّ بنُ كعبٍ، وأبو أيوبَ،
ورفاعةُ بنُ رافعٍ. قال: فالتفتَ عمرُ إليَّ، فقلتُ: كُنَّا نفعلُه على عهد
رسولِ اللهِ وَّرَ. قَالَ: فَسَأَلتم عنه رسولَ اللهِ وََّ؟ قَالَ: كُنَّا نفعلُه علَى
عهْدِهِ. قال: فجمعَ النَّاسَ وأصفقَ (١) النَّاسُ عَلَى أنَّ الماءَ لا يكونُ إلا من
الماء إلا رجلين: عليّ بنَ أبي طالبٍ، ومعاذَ بن جبلٍ قالا: إذا جاوزَ
الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ، فقال عليٌّ: يا أميرَ المؤمنين! إِنَّ أعلمَ النَّاس
بهذا أزواجُ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَأَرْسلَ إلى حفصةَ فقالتْ: لا عِلمَ لي، فَأَرْسلَ
(٣٦ - ب/ط) إلى عائشةَ فقالت: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
قال: فَتَحطّمَ عمرُ يعني: تغيظ - ثُمَّ قال: لا يبلغُنِي أَنَّ أحدا فعلَه ولم
يَغْتَسِلْ إلا أنهكتُه عقوبةٌ.
خرَّجَه الإمامُ أحمد(٢)، وبقيّ بن مخلد في ((مسنديهما))، ومسلمٌ في
كتاب ((التفصيل)) وهو: كتابُ ((الناسخ والمنسوخ)) له -، ثم خرَّجَه من
طريقِ عبدِ الله بن صالحٍ، عن اللَّيثِ: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن
معمر(٣) بن أبي حُبَّّة، عن عبيدٍ بن رفاعةَ أَنَّ زيد بن ثابتٍ كان يقولُ،
فذكره بنحوه، ولم يَقُلْ ((عن أبيه)).
ومعمرُ بن أبي حُبِيَّةً ويقال: ابنُ أبي حُبَّةٍ(٤)، وثَّقْه ابنُ معينٍ وغيرُه،
(١) كتب في حاشية ((ط)): ((أي: أجمع)).
(٢) (٥/ ١١٥) من طريق زهير، وابن إدريس، عن ابن إسحاق.
(٣) كذا في ((ط)) وسبق ((يعمر)) وسيأتى قريبًا ((يعمر))، وهو معمر بن أبي حيية.
(٤) كذا صححه عبد الله بن أحمد في ((العلل)) (٥٥٨٦) وغيره يقول: ((حبيبة)) بفتح الحاء
المهملة. وقال الأمير ابن ماكولا في («الإكمال)) (١٢٠/٣) ((معمر بن أبي حيية .. ومن
قال فيه: ابن أبي حبيبة، فقد غلط. وانظر تعليق العلامة المعلمي عليه.
٣٧٩

الحديث: ٢٩٣،٢٩٢
كتاب الغسل
وعبيد بن رفاعة ذكره ابنُ حبان في ((ثقاته))(١).
وهذه الروايةُ يُسْتَفَادُ منها أمورٌ، منها: أَنَّ كثيرًا من الأنصارِ كانَ يُقُلِّدُ
بعضُهم بعضًا في هذه المسألةِ ولم يَسْمَعْ ذلك من النَّبِيِّ وَلَهِ إلا قليلٌ
منهم.
ومنها: أَنَّه لَم يظْهَرْ في ذلك المجلس شيءٌ من رواياتِ الأنصارِ
الصَّريحةِ عن النَّبِيِّ نَّهِ؛ وإنما ظهرَ التَّمسكُ بفعلٍ كانوا يفعلونَه على
عهدٍ رَسُولِ اللهِ ◌ِ ◌ّله، فسأل عمرُ: هل عَلِم به النَّبيِّ نَّ؟ فلم يكن لهم
جوابٌ. وهذا ممَّا يدلُّ على أَنَّ تلك الروايات الصريحةَ حصلَ الوهمُ في
نقلِها من يَعْضِ الرُّواةِ.
ومنها: أَنَّ الْمُهَاجرينَ الذين رُويَ أَنَّهم كانوا يُخالفونَ في ذلك
ويَرْوونَ عن النَّبِيِّ وَِّ خلافَه كعثمانَ رَجَعوا عَمَّا سمعوه منه، وكذلك
الأنصار - أيضًا - رَأْسُهم: أبيُّ بن كعبٍ رجعَ، وأخبر أَنَّ ما سَمِعه من
النَّبِيِّ وَّهُ في ذلك كان رخصةً في أولِ الأمرِ ثُمِّ نُسِخَ وزالَ. وهذا يدلُّ
على أنَّ تبَيَّنَ لهم نسخُ ما كانوا سمِعُوه بيانًا شافيًا بحيثُ لم يبق فيه لبسٌ
ولا شكٌّ.
وقد ذَكَرَ الشَّافعيُّ أَنَّه اتَّفَقَ هو ومن ناظرَهَ في هذه المسألةِ على أَنَّ
هذا أقوى مما يُستدَلُّ (٢) به عليها.
ويدلُّ على رجوعٍ أُبَيِّ وغيرِهِ من الأنصارِ: ما رَوَى الزُّمريُّ، عن
سهلٍ بن سعد، عن أُبيِّ بن كعب قال: إنَّما كان الماءُ من الماءِ رخصةً في
(١) (٥/ ١٣٣).
(٢) في ((ط)): ((يستل)) خطأ .
٣٨٠