النص المفهرس
صفحات 281-300
٩ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء بإسناده، عن النّخعيِّ قال: إذا غمسَ الجنبُ يدَه في إناءٍ صغيرٍ فأَهرقْه وإن كانَ کبیرًا فلا بأس به. وهذا قد يرجعُ إلى القولِ بنجاسةِ بدنِ الجنب، وهو قولٌ شاذٌ تردُّه السُنّةُ الصَّحيحةُ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ في جنبٍ اغتسل في ماء يسيرِ أَنْجَسه، ولم يُنْقَلْ عنه في المحدث يتوضأُ في ماء يسير، وإن كان أصحابُنا قد سَوَّوا بينهما. وروى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ أَنَّه كان يكرهُ فضلَ الحائض(١) والجنب(٢). وروى أيوبُ، عن نافع، عن ابن عُمَر أَنَّه كان لا يرى بسؤرِ امرأةٍ بأسًا إلا أن تكونَ حائضًا أو جُنُبًا(٣). ورُوِيَ عن معاذةَ، عن عائشةَ أنها كانت تكرهُ سؤرَ الحائضِ(٤) أن يَتَوضَّأَ به ورُويَ عن أحمدَ (٥) كراهةُ سؤرِ الحائض إذا خلتْ بالماء. وفى («مسند بقي بن مخلد)) من روايةٍ سويد بن عبد العزيز الدمشقي، عن نوحٍ بن ذكوان، عن(٦) (١٢ - ب/ط) هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: وضعتُ لرسول الله وَلَّ ماءَ وأدخلتُ يدي فيه فلمَ (١) في ((ط)): ((الحايظ)) كذا. (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٧/١). (٣) في ((ط)): (يكون)) بالياء، كذا، وما أثبتناه هو الصواب كما في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٣/١). (٤) في ((ط)): ((الحايط)) كذا. (٥) ((مسائل صالح)) (١٤/٢)، وعبد الله (ص/٨)، وأبو داود (ص/ ٤)، وابن منصور: هو إسحاق بن منصور الكوسج، له مسائل عن الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه. (٦) ◌ُررت فى ((ط)). ٢٨١ كتاب الغسل یتوضأ منه. وهذا منكرٌ لا يصحُّ، وسويدٌ ونوحٌ ضعيفان. فَأَمَّا إن أدخَل الجنبُ يدهَ في الماءِ بعد أن نَوى الغسلَ فاغترفَ منه وكانَ الماءُ قليلا، فإن نوى الاغترافَ من الماء لم يَضُرَّه، وإن نوى غسلَ يدِهِ من الجنابةِ في الماءِ صارَ الماءُ مستعملاً، وإن أطلقَ النَّةَ ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء؛ أشهرُهما عندهم: أنَّه يصيرُ مستعملاً وهو قولُ الشَّافعية. والصَّحيحُ: أنه لا يصيرُ بذلك مستعملاً، وعليه يدلُّ حديثُ عائشة وميمونةَ واغتسالُ النبي ◌َّ وأزواجِه من إناء واحدٍ؛ فإنه لو كانَ يصيرُ الماءُ مستعملاً بغمسِ اليدِ في الماءِ بدونِ نيةِ الاغترافِ لوجبَ بيانُه للأمة بياناً عاماً؛ فإنَّ هذا ممَّا تدعوَ الضرورةُ إليه، فَإِنَّ عامةَ النَّاسِ لاَ يستحضرونَ نيةَ الاغترافِ وأكثرهم لا يعلمون حكم ذلك، بل قد رُوِيَ عن النَّبِيِّ وَِّ وأصحابه ما يدلُّ على خلاف ذلك وأَنَّ الماءَ لا يجنبُ باغتراف الجنب منه. وروى سماك، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: اغتسلَ بعضُ أزواجِ النبي وَلهُ مِن جَفْنَةٍ، فأرادَ النبيُّ وَّ أن يتوضأ فقالت: يارسولَ الله: إِّى كنت جنبا قال: ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)). خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وصححه(١). (١) أحمد (٣٣٧/١)، وأبو داود (٦٨)، وابن ماجه (٣٧٠)، والترمذي (٦٥)، وابن خزيمة (٥٧/١ - ٥٨)، والحاكم (١٥٩/١) وقال: ((وهذا حديث صحيح فى الطهارة، ولم يخرجاه ولا يحفظ له علة)» ا. هـ. ٢٨٢ ٩ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء وأعلَّه الإمامُ أحمدُ بأنه رُوِيَ عن عكرمةَ مرسلا(١). وقد صحَّ عن ابنِ عباسٍ أَنَّه سُئِلَ عن الجنبِ يغتسلُ من ماءِ الحمامِ؟ فقال: الماءُ لا يجنب(٢). وصحَّ عنهَ أنَّه قال: الماءُ لا يجنبُ وكذلك صحّ عن عائشةَ من رواية شعبةَ، عن يزيد الرِّشْك، عن معاذة قالت: سألتُ عائشةَ عن الغسلِ من الجنابةِ فقالت: إِنَّ الماءَ لا يُنجِّسُهُ شيءٍ، كنت أغتسلُ أنا ورسول الله وَظله من إناء واحد. وخرَّجه ابنُ خزيمةً(٣) في ((صحيحه)) ولفظه: أَنَّ عائشةَ قالت: الماء طهورٌ ولا يجنب الماء شيء، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله وَ له في الإناء الواحد قالت: أبدؤه(٤) فأفرغ على يديه من قبل أن يغمسهما في الإناء(٥). وروى المقدام بن شريح، عن أبيه أنَّه سأل عائشةَ عن غسل الجنابةِ (١) نقل ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (١/ ٢٢٠) عن الإمام أحمد أنه قال في هذا الحديث: ((أتقيه لحال سماك ليس يرويه غيره)) وقال: ((هذا فيه اختلاف شديد بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه ... )) ا. هـ . وأورد الحافظ الدارقطني في ((العلل)) (٥ب/ ق٧١ - أ، ب) طرق هذا الحديث، وختمها بطريق شعبة، عن سماك، عن عكرمة مرسلا، وكأنه يشير إلى ترجيح المرسل - والله أعلم -. كما رجحه الإمام أحمد، وقول أبي زرعة الذي في ((العلل)) لابن أبي حاتم (٤٣/١): ((الصحيح عن ابن عباس، عن النبي مَّل بلا ميمونة)) لايفهم منه تصحيح للمتن، ولكن هو ترجيح إحدى الطرق على الأخرى، وهذا كثير في كلام الأئمة المتقدمين، وانظر ((كشف الأستار)) (١٣٢/١). (٢) أخرجه ابن أبى شيبة في ((المصنف)) (١٠٨/١). (٣) (١٢٤/١، ١٢٥). (٥) في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)): ((الماء)). ٠ (٤) في ((ط)): ((أبداوه)) . ٢٨٣ كتاب الغسل فقالت: كنت أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَله من إناء واحد قال شريح: كيف يكون؟ قالت عائشةُ: إِنَّه ليسَ على الماء جنابةٌ مرتين أو ثلاثة. خرجه (١٣ - أ/ ط) [ ... ](١)، وبقيّ بن مخلد في ((مسنده))، وخرّجَه إسحاق ابن راهويه في مسنده، وعنده: فقالتْ: إنَّ الماءَ لا ينجسُ. وقد رفعَ بعضُهم آخرَ الحديثِ، وهو قوله: ((الماء لا ينجس)) فجعلهَ من قولِ النَّبِيِّ وَهِ . خرَّجَه الطبرانيُّ، والقاضي إسماعيلُ، وابنُ عديٍّ، وغيرُهم (٢) مرفوعًا. والصَّحيحُ: أنه موقوفٌ على عائشةً. المسألةُ الثانية: ما ينتضحُ من بدنِ الجنبِ في الماءِ الذى يغتسلُ منه. وقد ذكر البخاريًّ عن ابنِ عمرَ، وابن عباس أَنَّهما لم يريا به بأسًا . وروی وکیع في كتابه، عن سفيان،عن العلاء بن المسيب،عن رجل، عن ابن عبّاسٍ أنه لم يكن يرى به بأسا(٣)، وكذلك رخَّصَ فيه أكثرُ السلف، منهم: ابنُ سيرين، والحسنُ، والنَّخعيَّ، وأبو جعفرٍ. قال النخعيّ: ٩3 أوَتجد من ذلك بُدًا؟ وعن الحسن نحوه (٤). ورخَّص فيه - أيضًا مالكٌ، وأحمد، وإسحاقُ، وغيرهم وقد سبق بسطُ ذلك في ذكرِ الماءِ المستعمل، وأنه ليسَ بنجسٍ. ويدلُّ على ذلك أَنَّ (١) بياض في ((ط))، وكتب بجوارها في الحاشية: ((غير المسند)» فلعل البياض: ((الإمام أحمد)) ويكون مراد المحشي أي : أخرجه في غير ((المسند)) والله أعلى وأعلم. (٢) الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٠٩٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (٤٣٩/٦) وأبو يعلى فى «مسنده)) (٢٠٣/٨)، والبزار في («مسنده» (١٣٢/١) - كشف) وأشار إلى إعلال المرفوع بقوله لا نعلم رواه إلا شريك)» ا. هـ . (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٢/١) عن حفص بن غياث، عن العلاء، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس فذكره. (٤) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٧٢/١). ٢٨٤ ٩ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء الحديث: ٢٦٢،٢٦١ اغتسالَ النبي ◌َّ مع بعضِ أزواجهِ من الإناء الواحد لا يسلمُ من إصابة رشاشِ الماءِ المتقاطر منهما للماء، ولو كان ذلك نجسًا لوجبَ بيانه والأمُرُ بالتَّحرزِ منه؛ فإنَّ هذا مما تعمُّ به البلوى ولا يكادُ يسلم النَّاسُ منه. وكلامُ أحمد يدلُّ على أَنَّ ما ينتضحُ من الماءِ عند الغسلِ والوضوء على البدنِ أو الثوبِ أو في الماء لا بأسَ به. فإن توضّاً في طشتٍ ثمٍ صبَّه فأصابَ ثوبَه منه فإنه يُسْتُحبُّ له غسلُه والتنزه منه، فإنَّ هذا لا يشقّ التحرزُ منه وهو ماءٌ قذر قد أخرجَ الذَّنُوبَ والخطايا، واخْتُلِفَ في نجاسته . ثم خرَّجَ البخاريّ في هذا البابِ أربعة أحاديث. الحديث الأول: من حديث: ٢٦١ - أَفَلَحِ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ الله (١) ◌ٌَّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تخْتَلِفُ أَيْدِيناَ فِيهِ. وخرَّجه مسلمٌ في ((صحيحِه))(٢) وزَادَ فيه: من الجنابة. وهذا الحديثُ يُستدلُّ به على جوازِ إدخالِ الجنبِ يدَه قبل كمالِ غسله في الماء الذى يغتسلُ منه وعلى أَنَّ ما ينتضحُ من ماء الغسلِ فى الإناءِ المغتسلِ منه لا يضرَّه. الحديث الثّاني: من حديث: ٢٦٢ - حَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، [عَنْ](٣) عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ(٤) (١) في ((اليونينية)): ((النبي)). (٣) سقطت من ((ط))، والمثبت من ((اليونينية)). (٢) (٤٥/٣٢١). (٤) في ((اليونينية)): ((رسول الله)). ٢٨٥ الحديث : ٢٦٣،٢٦٢ كتاب الغسل مِّهِ إِذا اغْتَسَلَ من الجَنَابة غَسَلَ يَدَهُ. وهذا مختصرٌ من حديث عائشة الذي خرَّجه في أولِ كتاب الغسل(١). وإنما قَصد الإشارةَ إلى ذكرٍ طرقِ الحديث؛ لأنَّه يستدلُّ به على أن الجنبَ إذا اغتسلَ بالإغرافِ من الإناءِ بعد نيةِ الاغتسالِ فلا يمكنُ حملُه على أنَّه غسلَ يده في الإناءِ من غير إفراغٍ فإنه (١٣ - ب/ط) قد خرجه مسلم (٢) من حديث زائدة، عن هشامٍ ولفظُه: كَانَ النبيُّ وَّهِ إذا اغتسلَ من الجنابة بدأ فغسل يديه قبلَ أن يدخلَ يدَه فى الإناءِ ثم توضّاً مثلَ وضوئِه (٣) الصَّلاةِ. وقد خرَّج أبو داود(٤) حديثَ حمادٍ بن زيد، عن هشامٍ، الذي اختصرَهَ البخاريَّ هاهنا، ولفظه: يبدأُ فيفرغُ على يديه. وفي رواية أخرى له: غسلَ يديه فصبَّ الإناءَ على يده اليمنى. الحديث الثالث: ٢٦٣ - نَا أَبُو الْوَلِيدِ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَقْصٍ، عَنْ عُرْوَةً، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ الله (٥) ◌ِِّ مِنْ إِنَّاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ. [ وعَنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القَاسم، عن أبيه، عن عائشة مثله](٦). (١) تقدم برقم (٢٤٨). (٣) في ((ط)) ((وضوه)). (٢)(٣٦/٣١٦). (٤) (٢٤٢) . (٥) في ((اليونينية)): ((النبي)). (٦) مابين المعقوفين ساقط من (ط)) واستدركناه من ((اليونينية)). ٢٨٦ ٩ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء الحديث: ٢٦٤ وهذا يُستدلُّ به كما يستدلُّ بالحديثِ الأول. الحديث الرابع: ٢٦٤ - نَا أُبُو الوَليد: نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْن عَبْدِ اللهِ بنِ جَبْر قَال(١): سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ◌َّهِ وَالَرَأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلاَنٍ مِنْ إِنَاء وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ، وَوَهْبٌ(٢)، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الْجَنَابَةِ. وهذا دلالتُه كدلالةِ الذي قبلَه - أيضا. وعبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ جبٍ هو الذي رَوَى عن أنسِ حديثَ الوضوءِ بالمد، وقد سبقَ شرحُ حاله هناك مبسوطًا . (١) زيادة من ((اليونينية)). (٢) في ((ط)): ((وهيب)) كذا، وعُين في إحدى نسخ البخارى بأنه وهب بن جرير، انظر ((الیونینیة)). ٢٨٧ كتاب الغسل ١٠ -باب تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ (١) وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَّهِ بَعْدَ مَاجفَ وَضُوءُهُ. هذا الأثرُ حكاه الإمامُ أحمد، عن ابنِ عمر أنه توضأُ ثم غسل رجليه في مكان آخر وقال ابن المنذر(٢): ثبتَ أن ابنَ عمرَ توضَّأْ بالسُّوقِ فغسلَ وجهَه ويديه، ومسحَ رأسَه، ثم دُعِيَ لجنازِةٍ فمسحَ على خُفيه، ثم صلَّى عليها. وهذا الأثر رواه مالكٌ"(٣)، عن نافع عن ابن عمرَ أنَّه توضَّ في السُّوقِ فغسلَ وجهَه ويديه، ومسحَ رأسَه، ثم دُعِيَ إلى جنازةٍ فدخَل المسجدَ، ثم مسحَ على خُفيه بعد ماجفَّ وضوءُه. قال البيهقي(٤): هذا صحيحٌ عن ابن عِمرَ، مشهورٌ بهذا اللفظ. وقد اختلفَ (٥) العلماءُ في تفريقِ الوضوءِ والغسلِ، هل يصح معه الوضوء والغسلُ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جائزٌ وهو ظاهر تبويب البخاريِّ هاهنا، وهو مذهبُ أبي حنيفة، والثوريِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ في رواية ، ورواية عن أحمد - أيضا . (١) في ((اليونينية)): ((الغسل والوضوء)). (٢) في ((الأوسط)) (١/ ٤٢٠). (٣) في ((الموطأ)) (ص/ ٤٨) وعنه الشافعي في ((الأم)) (٣١/١). (٤) ((السنن الكبرى)) (٨٤/١). (٥) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤١٩/١ - ٤٢١). ٢٨٨ ٠ ١- باب تفريق الوضوء والغسل والثَّاني: أنه لا يجوزُ، وتجب الإعادةُ بذلك في الوضوءِ والغسلِ. وهو قولُ مالكٍ، وحُكيَ رواية عن أحمدَ، وهي غريبةٌ عنه. والثَّالث: أَنَّه يجبُ في الوضوءِ دون الغسلِ. وهو ظاهر مذهب أحمد. ومِمَّنْ قال: إِنَّه إذا جفَّ وضوءهُ يعيدُهُ: قتادةُ، وربيعةُ، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشَّافعيُّ في القديمِ، وإسحاق في رواية. وقال النخعيُّ: لا بأسَ أن يفرقَ غسلَه من الجنابة (١٤ - أ/ط)، وكذا رُويَ عن ابن المسيب، وعلي بن حسين، ورُوِىَ عن الحسن - فيمن أَخَّر غسل رجليه في الوضوءِ حتَّى جفَّ - : إن كان في عملِ الوضوء غسل رجليه، وإلا استأنف(١). وفرَّق أحمدُ بين الوضوء والغسلِ بأنَّ الله أمرَ في الوضوء بغسلٍ أعضاء معدودة معطوف بعضُها على بعض، فوجب غسلُها مرتبًا متواليا كما يجبُ الترتيبُ والموالاةُ في ركعاتِ الصَّلاةِ وأشواطِ الطَّواف، بخلاف غسل الجنابة؛ فإنَّه أمرَ فيه بالتَطهرِ وهو حاصلٌ بغسل البدن علىَ أيِّ وجهِ كان واستدلَّ لإعادةِ الوضوءِ بأنَّ عمرَ رأى رجلاً على ظهرٍ قدمِه لمعة لم يَغْسلها فأمرهَ بإعادةِ الوضوءِ. وقد اختلفَ (٢) ألفاظُ الرواية عن عمرَ في ذلك، ففي بعضها أَنَّه أمره بغسلٍ ما تركه، وفي بعضها أمرَه بإعادة الوضوء. وفي البابِ أحاديثُ مرفوعة - أيضًا - بهذا المعنى، من أجودِها: حديثٌ رواه بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعضٍ (١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ٧٠) و((الأوسط)) لابن المنذر (٤٢١/١). (٢) كذا في ((ط)). ٢٨٩ كتاب الغسل أصحابِ النبيِّ وَّ أَنَّ النبيَّ وَّهِ رَأَى رجلاً يُصلِّي، وفي ظِهر قدمِه لمعة قدر الدرهم لم يُصبها الماءُ فأمرَه أن يعيدَ الوضوء والصلاةَ. خرَّجَه أبو داود(١)، وقال أحمدُ: إسنادُه جيدٌ. وأما الغسلُ: فرُويَ في حديثٍ مرسل(٢)عن العلاءِ بن زياد أَنَّ النبي وَلَّ اغتسلَ، ثم رأى لمعةً لم يُصِبَّهَا الماءُ فعصر عليها شعَرَه. وأخذَ به أحمدُ في إحدى الرِّوايتينِ عنه. ورُوِيَ عن ابن مسعود قال: الجنبُ ما أصابَ الماءُ من جسده فقد طهرَ، وحمله أبو عبيد على أنَّه إذا فرق غسلَه وقطعه أجْزأه ورُوِىَ عن عليٍّ، وابن مسعود، وجماعة من السَّلْفِ(٣) في الجنب إذا غسلَ رأسَه بالخَطمي (٤) أَنه يجزتُه من غسل الجنابةِ، وليس عليه إعادةُ غسله. وهذا يدلُّ على جوازِ تأخيرِ غسلِ الجسد عن غسلِ الرأس في الغسلِ. وخَرّجَ أبو داود(٥) من حديثٍ شريك(٦)، عن قيس بن وهب، عن رجلٍ من سواءة(٧)، عن عائشةَ، عن النبيَّ ◌َّ أنَّه كان يغسلُ رأسَه بالخطمي(٤) وهو جنبٌ يجتزئ بذلك ولا يصبَّ عليه الماءَ - يعني: أنه لا يعيدُه عن (١) أبو داود (١٧٤)، و((المسند)) (٤٢٤/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨٣/١) وأعله بالإرسال على مذهبه. (٢) أخرجه أبو داود فى ((المراسيل)) (ص/ ٧٤ - ٧٥)، وانظر ((العلل المتناهية)) (٣٤٦/١-٣٤٧) (٣) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ٧٠ - ٧١). (٤) هو نبات نافع، راجع ((القاموس المحيط))، و((النهاية)) (٥١/٢). (٥) (٢٥٦). (٦) في ((ط)): ((سريح)) خطأ . (٧) الذي في ((السنن)): ((رجل من [بني] سواءة)) وكلمة ((بني)) هكذا بين معقوفين، وأخرج الحديث البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٢/١) من طريق أبي داود وفيه (( رجل من سواءة)) هكذا كما هو في ((ط)). وانظر ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٢/١٢) وفى المطبوع : ((سوارة)) بالراء؛ خطأ . ٢٩٠ ١٠ - باب تفريق الوضوء والغسل الحديث : ٢٦٥ غسلٍ بقية جسده. خرَّجَ البخاريّ في هذا البابِ حديثَ ميمونة قالت: ٢٦٥ - وضَعْتُ النَّبِّ ◌َِّهِ مَاءَ يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّيْنٍ أو ثَلاثا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهَ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَتَّشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهَ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَه ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَتَخَّى من مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْه. خَرَّجه من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش بإسناده المتقدم (١٤ - ب / ط). ووجهُ الاستدلال به على جوازِ تفريق الوضوءِ أَنَّهِ وَلِّ فصلَ بين تطهير رأسِهِ وقدميه بالإفراغِ على جسدهِ، ثم بالتَّنْحي من مقامِه. وللإمام أحمد ومن وافقَه جوابان. أحدهما: أَنَّ هذا تفريقٌ يسيرٌ لا يضرُّ؛ فإنَّ المعتبرَ عندهم في التَّفريقِ المبطل أن يُؤْخِّر غسلٍ بعض الأعضاء حتَّى يجفَّ غسلُ ماقبله، ومنهم من اعتبرَ له طولَ الفصل عرفًا، وهما روايتان عن أحمدَ، أشهرهما اعتبارُ الجفاف وهذا التأخيرُ لم يكن طويلا ولاحصلَ معه جفافُ ماقبله فلا يضر . وقد رُوِيَ عن مالكِ أَنَّه إذاَ أخَّر غسل رجليه حتى يكملَ غسله أنَّه يعيدُ الوضوءَ . ولعلَّه أرادَ مع طول الفصل، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم. والثَّاني: أَنَّ هذا التَّفريقَ كان في غسل الجنابةِ وعندَ أحمد لا يعتبر ٢٩١ الحديث : ٢٦٥ كتاب الغسل الموالاةُ للغسلِ، بخلاف الوضوءِ. فإن قيلَ: إنما وقعَ التَّفريقُ في الوضوء الذي في ضمنِ الغسلِ، قيل: أعضاءُ الجنبِ مادامَ عليها الجنابةُ، فإنه لا يعتبرُ لتطهرها موالاةٌ في وضوءٍ ولاغسلٍ . هذا ظاهرُ مذهب أحمدَ الذي عليه عامةُ أصحابِه . وإنما اعتبر الموالاة للوضوء في غسل الجنابة: أبو بكر بنُ جعفر، وطائفةٌ يسيرة من أصحابه، وهو المذهبُ عند الخلال، وسيأتي القولُ في ذلك مبسوطًا إن شاء الله تعالى. وفى تفريقِ الغسلِ صريحًا حديثٌ لا يصحُّ إسنادُه، خرَّجِه الدار قطنيُّ في ((الأفراد))(١)، والإسماعيليُّ في جمع حديث مسعر (٢) من طريق إسماعيلَ بن يحيى التيميِّ، عن مسعر، عن حميد بن سعد، عن أبي سلمةَ ابنِ عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال رجلٌ: يارسولَ اللهِ إنَّ أهلي تغارُ إذا وطئتُ جواربي. قال: ((ولِمَ تُعْلِمْهم ذلك؟)) قال: من قِبَل الغُسلِ قال: ((إذا كانَ ذلك منك فاغسلْ رأسَكَ عندَ أهلك، فإذا حضرت الصَّلاَةُ فاغسلْ سائرَ جسدِك)). إسماعيلُ بن يحيى ضعيفٌ جدّاً. قال الإسماعيليُّ: حميدُ بن سعد مجهولٌ، وأحاديثُ إسماعيلَ بنِ يحيى موضوعةٌ. وفيه حديثٌ آخر رواه جعفرُ بن محمد الفريابي: نا إسحاقُ بن و موسى: ناعاصم بن عبد العزيز: نا محمد بن زيد بن قُنْفُذ التيمي، عن (١) لم نجده في مظانه من ((الأفراد)) بترتيب ابن طاهر ولعله ذكره في غير مظانه والله أعلم. (٢) ((نصب الراية)) (٣٦/١-٣٧). ٢٩٢ ١٠ - باب تفريق الوضوء والغسل الحديث : ٢٦٥ جابرِ بن سيلان، عن ابن مسعودٍ أَنَّ رجالا سأل رسولَ الله وَّ عن الرجلِ يغتسلُ من الجنابةِ فيخطئُ الماءُ بعضَ جسده؟ فقال النبي ءِ (يغسلُ ذلك المكانَ، ثم يُصلِّى))(١). رجالُه کلُّهم مشهورونَ خلا جابر بن سيلان، وقد خرّجَ له أبو داود، ولم نعلم فيه جرحًا(٢) ولا أنَّه روی عنه سوی(١٥ - أ/ ط) محمد بن زيد. (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣١/١٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٤/١). (٢) قال فيه الدارقطني: ((مديني يعتبر به))، انظر ((سؤالات البرقاني)) (٣٨١) بتحقيقنا. ٢٩٣ الحديث : ٢٦٦ كتاب الغسل ١١ - بَابُ "مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الْغُسْلِ خرَّجَ فيه حديثَ ميمونةَ قالتْ: ٢٦٦ - وَضَعْتُ لرَسُولِ اللهَِّ غُسْلاً وسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - ثُمَّ(١) قَالَ سُلَيْمَانٌ(٢): لاَ أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةِ أَمْ لا؟ - ثُمَّ أَفْرَغَ بِمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهَ، ثُمَّ دَلَكَ يَده بالأرْضِ أَوْ بالحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنشَّقَ وغَسَلَ وَجْهَه وَيَدِيْهِ وَسَلَ رَأْسَهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُم تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلَتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيدِه هَكَذَاً، وَلَمْ يُرِدْهَا. خرَّجَه من حديث أبي عوانة، عن الأعمشِ بالإسنادِ المتقدم. ومقصودُهُ منه: قولُها: (( ثُم أفرغَ بيمينِهِ على شمالهِ فغسلَ فرجَه)) وقد خرَّجه البخاريِّ - فيما بعد (٣) - من طريقِ أبى حمزة السَّكري، عن الأعمش، ولفظُه: ((وصبَّ على يديه فغَسَلهما، ثم صبَّ بيمينه على شماله فغسل فرجه)). وهذه الروايةُ تُصَرِّحُ بأنه غسل يديه جميعًا قبلَ إدخالٍ يده اليمنى في الإناء، وقد سبق(٤) من رواية عبد الواحد، وغيرهِ، عن الأعمشِ بنحو (١) ليست في ((اليونينية)). (٣) برقم (٢٧٦). (٢) في ((ط)): ((سلمان)) خطأ . (٤) (الفتح: ٢٦٥). ٢٩٤ ١ ١ - باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل الحديث ٢٦٦ هذا اللفظ - أيضا. وسبقَ - أيضًا (١) - الحديثُ من رواية حفص بن غياث، عن الأعمش، ولفظُه: قالت ميمونةُ: صببتُ للنَّبِيِّ نَِِّّ غسلا فأفرغَ بيمينه على يسارِهِ فغسلهما، ثم غسل فرجه. والمرادُ: أَنَّه تناولَ الإناء بيمينهِ فصبَّهُ على يسارهِ ثم غسلهما معًا وفي روايةٍ لأبي داودَ (٢) من روايةٍ عبد الله بن داودَ، عن الأعمشِ: فأكفأ الإناءَ على يده اليمنى فغسلَها مرَّتين أو ثلاثًا، ثم صبَّ على فرجه فغسلَ فرجَه بشماله . وهذه الروايةُ توهمُ أَنه صبَّ من الإناءِ على يده اليمنى فقط، وهذه الرواية التي خرَّجها البخاريُّ في هذا البابِ فيها: («فصبَّ على يدِه فغسلَها مرَّتينِ أو ثلاثا))، وهي توهمُ أنَّه صبَّ على اليمنى فقط ولم يغسلِ اليسرى حتى غسلَ فرجَه بها، ثم دَلَكها بالترابِ، ثم غسلها. وقد سبق من حديث عمر (٣) نحو ذلك - أيضا. وحديثُ عائشة صريحٌ فِي أَنَّه ◌َلّ غسل يديه جميعًا قبلَ إدخالِ يدهِ اليمنى في الإناء، ثُمَّ أدخَلها فأفَرِغ بها على شمالِه، ثم غسل فرجه . وقد قَالَ الإمامُ أحمدُ(٤): الغسلُ من الجنابة على حديث عائشةَ ونقل حنبل عنه أنه يبدأُ فيفيضُ الإناءَ على يده اليمنى فيصبّ منه ثلاث(٥) مراتٍ، ثم يغمسُ يَده في الإناءِ فيصبَّ على يدِه اليسرى فيغسلُهما جميعًا، ثُمَّ يغسلُ فرجَه فينقيه، ثم يتوضأ ونقل عنه مرةً أخرى أنه قال: (١) (الفتح: ٢٥٩). (٣) أخرجه النسائي (٢٠٥/١). (٥) في («ط)): ثلاثا» كذا. (٢) (٢٤٥). (٤) ((مسائل عبد الله)) (ص/ ٣٢ - ٣٣). ٢٩٥ الحديث : ٢٦٦ كتاب الغسل يبدأ فيغسل (١٥ - ب/ط) كَفَّيه ثلاثاً، وهذا يوافق روايةَ الأكثرينَ عنه. فهذا كلُّه في غسلِ اليدين وفي غسلِ الفرج. فَأَمَّا بقيةُ الغسل: فإنَّ غسلَ أعضاء الوضوء فيه كغسلها فى الوضوء من الحدثِ الأصغرِ على ما سبقَ فى موضعه. وأما غسلُ الرأسِ: فإنَّه یحثي علیه ثلاث حثيات باليدين جميعا (١) وقد جاءَ التَّصريحُ بذلك في رواياتٍ متعددة سبقَ ذكرها(٢). وأمَّا صبُّ الماءِ على بقيةِ الجسدِ، ففي بعضِ ألفاظِ حديث عائشةَ ما يدلُّ على أنَّه بالكفَّينِ معا، وقد سبقَ ذكره - أيضا. وأما محلَّ الإناء من المتوضئِ والمغتسلِ: فقال طائفةٌ من الفُقهاء من أصحابنا والشافعية - وغيرهم. إن كانَ واسعًا يمكن الاغترافُ منه كانَ من جهة اليمين، ويغرفُ منه باليمين، وإن كان ضيِّقًا لا يمكنُ الاغترافُ منه وإنما يصبَّ به صبًا وضع 193 من جهةِ الشِّمالِ . وخرَّجَ الطبرانيُّ(٣) بإسنادٍ فيه جهالة، عن أنس أنه أراهم الوضوءَ، فأخذ ركوة فوضعها عن يساره وصبَّ على يده اليمنى منها ثلاثًا، وذكر بقية الوضوء، ثم قالَ: هكذا رأيتُ رسولَ الله ◌َ له يتوضَّأُ . (١) كتب في هامش ((ط)): ((خ - معًا))، أي في نسخة: ((معًا)). (٢) انظر (٢٥٤، ٢٥٥). (٣) في ((الأوسط)) (٢٩٠٦). ٢٩٦ ٠. الحديث : ٢٦٧ ١٢ - بَابٌ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَوَدَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ خرّجَ فيه حدیثین. أحدهما: من رواية : ٢٦٧ - شُعْبَةَ، عَنْ إِبراهيم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ الله أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ وَهِ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّيُصبحُ مُخْرِمًا بَنْضَحُ طِبًا. الذي ذُكِرَ لعائشةَ هو أَنَّ ابنَ عمرَ كَرِهَ الطّيبَ عند الإحرامِ، فردَّتْ مقالته بهذه الروايةِ . قال الإسماعيليّ في ((صحيحه)): قولُ عائشةَ ((يطوفُ على نسائه)) يُنْظَرُ هل أرادتْ به الجماعَ أو تجديدَ العهدِ بهنَّ للخروج؟ وذلك أنَّه لو كان معنى الطَّوافِ عليهن للوقاعِ لاحتاجَ إلى الغسل، ولا يكادُ الطِّيب يبقى بعد إنقاءِ الغسلِ، لا سيَّمَا وهي تقولُ: ((ينضح طيبًا)) بالحاء أو بالخاء، وهو بالخاء معجمة أشبه؛ لأنَّه أخفُّ من النَّضح كأنَّه يتساقطُ منه الشَّيءُ بعدَ الشّيءِ من الطيبِ. انتهى ما ذكره. وماذكره من احتمالِ طوافِه عليهنَّ للتَّوديعِ فبعيدٌ جدّاً، أو غيرُ صحيح؛ فإنَّ (١٦ - أ/ ط) عائشة إنما أخبرتْ عن حَجَّة الوداعِ، وقد جَاءَ مُصَرَّحًا عنها في رواية خرَّجها مسلم (١) أنَّها طَّبْه في حَجَّةِ الوداعِ، (١) (٣٥/١١٨٩). ٢٩٧ الحديث : ٢٦٨ كتاب الغسل وحجة الوداع كان أزواجُهُ كلَّهنَّ معه فيها فلم يكن يحتاجُ إلى وَدَاعهنّ. ووجهُ استدلالِ البخاريِّ بالحديثِ علىَ أنَّ تكرارَ الجماعِ بغسلٍ واحد: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ لو اغتسلَ من كلِّ واحدة من نِسَائِه لكانَ قَد اغتَسْلَ تسعَ مرَّات، فيبعدُ - حينئذ - أن يبقى للطّيب أثَرٌ، فَلمّا أخبرتْ أَنَّه أصبحَ ينضحُ طيبًا اسْتُدلَّ بذلكَ على أنَّه اكتفى بغُسْلِ وَاحدٍ . واستبعادُ الإسماعيليِّ بقاءَ أثرِ الطيب بعدَ الغسلِ الواحد ليسَ بشيءٍ، فقد أخبرتْ (١) عائشةُ أنها نظرتْ إلى الطيب في مفرقِ رسولِ الله وَسـ وهو محرمٌ بعد ثلاثٍ، وفي روايةٍ عنها: في رأسه ولحيته . وقد كَانَ وَلّ يتوضَّأُ في هذه المدة، بل كانت عادتُه الوضوء لكلِّ صلاة، ومع هذا لم يذهبْ أثرهُ من شعره، وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ طيبًا كثيرًا له جرمٌ يبقى مدةً. الحديث الثاني: من رواية: ٢٦٨ - هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ [قال](٢): قُلْتُ لأَنَس: أَوَكَانَ يُطِيقُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحدَّثُ أَنَّه أُعْطِيَ قُوَّةَ ثلاثین. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَسَا حَدََّهُمْ: تَسْعُ نِسْوَةٍ. ووجهُ الاستدلال من هذا الحديث: أَنَّ أنسًا ذكرَ أَنَ النَّبِيَّ وَّ كَانَ يدورُ على إحدى عشرةَ امرأةً في سَاعةٍ واحدةٍ من الليلِ والنّهار، وهذا : (١) (٢٧١). (٢) زيادة من ((اليونينية)) وليست في ((ط)). ٢٩٨ ١٢ - باب إذا جامع ثم عاود ومن دار على نسائه الحديث : ٢٦٨ يدلُّ على أنَّه لم يغتسلْ عندَ كلِّ واحدة؛ فإنَّ الساعةَ الواحدةَ لا تتسعُ للوطءِ إحدى عشرةَ مرةً مع غسلٍ إحدى عشرةَ مرةً. وقد ذكر البخاريّ اختلاف هشامٍ وسعيد بن أبي عروبةً على قتادةَ في عدد النسوة، فذكر هشامٌ أَنَّهنَّ إحدى عشرةَ، وذكر سعيدٌ أنهن تسعٌ وحديثُ سعيد قد خرجه البخاري(١) - فيما بعد - وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالی. وقد رَوَى هذا الحديثَ معمرٌ، عن قتادة، وذكر فيه أَنَّ ذلك كان بغسل واحد. ء خرَّجه الإمامُ أحمد، والنسائيَّ، والترمذيَّ، وابنُ ماجه(٢) من رواية (١٦ - ب/ ط) سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ أن النَّبِيِّ وَخَِّ كان يطوفُ على نِسَائِه في غُسلٍ واحدٍ. وقال التِّرمذيَّ: حسنٌ صحيحٌ. وإنما لم يُخَرِّجِ البخاريُّ هذا لأنَّ روايةَ معمرٍ، عن قتادةَ ليست بالقوية . قال ابنُ أبي خيثمة: سمعتُ يحيى بنَ معين يقول: قال معمرٌ: جلستُ إلى قتادةَ وأنا صغيرٌ فلم أحفظ عنه الأسانيد. قال الدارقطنيُّ في ((العلل)): معمرٌ سيِّيء الحفظِ لحديثِ قتادةً(٣). وقد رَوَى هذا الحديثَ: ابنُ عيينةَ، عن معمر، عن ثابتٍ، عن (١) (٢٨٤) . (٢) الإمام أحمد (٢٩١/٣)، والنسائي (١٤٣/١، ١٤٤)، والترمذي (١٤٠) وابن ماجه (٥٨٨). وانظر ((العلل)) للحافظ الدار قطني (٤/ ق ٢٨ - أ). (٣) نقل المؤلف كلام ابن معين والدارقطني في ((شرح علل الترمذي)) (٦٩٨/٢) عند سرده لأصحاب قتادة . ٢٩٩ الحديث : ٢٦٨ كتاب الغسل أنسٍ؛ وهو وهم(١). ورواه مصعبُ بن المقدام، عن الثوريِّ عن معمرٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ خرَّجَه الطبرانيُّ، وهو وهمٌ(٢). ورواه ضمرةُ ، عن الثوريِّ، عن معمرٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ وأخطأً في قوله: ((عن حميد)) قَالَه أبو زرعةً(٣) . وقد تُوبِعَ عليه معمرٌ من وجوهِ غيرِ قويةٍ، فرويناه من طريقٍ سفيانَ، عن محمدٍ بن جحادةَ، عن قتادةَ، عن أنس(٤). ورواه مسلمةُ بن عليّ الخشنيّ - وهو ضعيفٌ - ، عن سعيد بن بشير، عن قتادةَ، عن أنسٍ قَالَ: رُبَّما طافَ النبيُّ نَّهَ في الليلةِ الواحدةِ على ثنتي عشرة امرأةٌ لا يمسُّ في ذلك شيئًا من الماءِ (٥). ورواه صالحُ بن أبي الأخضر، عن الزَّهريِّ، عن أنسٍ قَالَ: وضعتُ للنبيِّ وَّ غسلا فاغتسلَ من جميع نسائه في ليلةٍ . خرَّجهُ ابنُ ماجه (٦)، ونقل الترمذيُّ في كتابٍ ((العلل)»(٧) عن البخاريِّ أَنَّه ضعَّفه من أجلٍ صالح. وخرَّجَه أبو داودَ، والنسائيُّ (٨) من روايةِ إسماعيلَ بن علية: نا (١) انظر ((العلل)) للحافظ الدارقطني (٤ / ق ٢٨ - أ). (٢) ذكره الدار قطني في ((العلل)) وقال: ((ووهم - أي مصعب ـ في ذكر الثوري)). (٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٨/١). (٤) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٤٥٤/٤)، والخطيب في ((التاريخ)) (١٥٩/٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧/ ١٠٠) وقال عقبه: ((غريب من حديث محمد بن جحادة والثوري تفرد به يوسف)»، وذكره الدارقطني في ((العلل)). (٥) أورده ابن عدي في ترجمة مسلمة بن علي الخشني من ((الكامل)) (٣١٦/٦). (٧) (ص/ ٦٠). (٦) (٥٨٩). (٨) أبو داود (٢١٨)، والنسائي (١٤٣/١). ٣٠٠