النص المفهرس

صفحات 261-280

٤ - باب من أفاض على رأسه ثلاثا
الحديث: ٢٥٦،٢٥٥
لا يتابعُه عليه أحد، وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، ثم ذكره في
كتاب الضعفاء ونسبه إلى الكذبِ(١).
وصدقةُ بن سعيد: قال البخارىُّ: عنده عجائبُ، وقال أبو حاتمٍ:
شيخٌ، وقال الساجيَّ: ليسَ بشيءٍ، وذكره ابنُ حبان في ((الثقات))(٢). وقد
تابعَه العلاءُ بن صالح، فرواه عن جميعٍ ولكنَّه قال: جميعُ بن كثير عن
عائشةَ، فوقفَه ولم يَرْفعه. خَّرِجِه عنه أبو نعيمٍ: الفضل بن دكين في
كتاب ((الصلاة))، وقال الدار قطنيَّ(٣): المرفوعُ أشبه .
وقد رُويَ ما يخالف هذا وأَنَّ المرأةَ تُفرغُ على رأسها ثلاثًا من غيرِ
زيادة؛ ففي ((صحيح مسلم)) (٤)، عن أمِّ سلمةَ قالت: قلتُ: يارسولَ الله،
إِنِّي امرأةٌ أشدَّ ضفرَ رأسي أفأنقضُه لغسل الجنابة؟ فقال: ((لا، إنَّما يكفيك
أَنْ تحثي على رأسِك ثلاثَ حثياتٍ ثُمَّ تفيضينَ عليك الماءَ فَتَطْهرين)).
وفيه (٥) - أيضًا -، عن أبي الزُّبِيرِ، عن عُبيدٍ بن عُمير قال: بلغَ عائشةَ أن
عبد الله بن عمرو بن العاص يأمرُ النِّساءَ إذا اغتسلنَ أن ينقضنَ رءوسَهن،
فقالت: ياعجبًا لابن عَمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن
رءوسهن، أفلا يأمرُهن أن يحلقن رُءُوسهنَّ! لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ
الله وَّهُ من إناء واحد، وما أزيدُ على أن أفرغَ على رَأْسي ثلاثَ
(١) انظر ((التاريخ)) (٢٤٢/٢)، و((الجرح)) (٥٣٢/٢)، و («الكامل)) (١٦٧/٢)، والثقات (١١٥/٤)،
و((الضعفاء والمتروكين)) (٢١٨/١)(!).
(٢) قول البخاري نقله الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٣١٠)، وانظر ((الجرح)) (٤٣٠/٤)، و((الثقات))
(٤٦٦/٦) .
(٣) ونصه في ((العلل)) (٢٥/ ق ٧٥ - ب): ((وحديث صدقة بن سعيد أشبه بالصواب)) والحديث
أخرجه الدارقطنى - أيضا - فى ((الأفراد)) (٦٠٢٢ - أطرافه) بتحقيقنا.
(٤) (٣٣٠).
(٥) (٣٣١).
٢٦١

الحديث: ٢٥٦،٢٥٥
كتاب الغسل
إفراغات.
وخرّجه النسائي، وعنده: فأفيضُ على رأسي ثلاثَ إفراغات ولا
أنقضُ لي شعرا.
وفي ((سنن أبي داود))(١)، عن ثوبان أَنَّهم استفتوا النَّبِيَّ وَّهِ عن الغسلِ
من الجنابة، فقال: ((أَمَّا الرجلُ فلينشر رأسَه فَلْيغسْله حتَّى يبلغَ أصولَ.
الشعر، وأما المرأةُ فلا عليها أن لا تنفضه، لتغرفْ على رأسها ثلاثَ
غَرفات بكفيها. وأكثر العلماء على أن المرأة لا تنقضُ رأسهَا لغسلها من
الجنابة .
ورُويَ عن طائفة يسيرة أنَّها تنقضُه، منهم عبدُ الله بن عمرو بن
العاص، والنخعيَّ، وأبو بكر بنُ أبي شيبةً(٢).
وهذا إذا وصلَ الماءُ إلى بواطن الشَّعرِ. فإن لم يصل إلى دواخله بدون
النقض، ففي وجوبِ نقضه لغسلِ باطن الشعرِ قولان: أحدهما: (٨ -
ب/ ط) أَنَّه واجبٌ، وهو قولُ حماد، ومالك، والشَّافعيِّ، وأكثرِ أصحابِنا،
وهو رواية عن أبي حنيفةَ ورُوِيَ عن ابن عباس قَالَ : لو اغتسلَ إنسانٌ من
جنابة فبقيتْ شعرةٌ لم يصبها الماءُ لم يزلْ جنبًا حَتَّى يصيبَها الماءُ.
خرّجَه أبو نعيمٍ: الفضل: ثنا مندلٌ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن
سعيد بن جبير، عنه. ومندل فيه ضعفٌ.
والثّاني: لا يجبُ. وحُكِيَ عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والخرقيِّ من
أصحابنا، ورجّحه صاحبُ(المغني))(٣) منهم. وهؤلاء جعلوا الشعرَ كالمنفصلِ
(١) النسائي: (٢٤١) بمعناه، وأبو داود (٢٥٥).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٣٢/٢ - ١٣٤).
٢٦٢
(٣) (٣٠٠/١).

٤ - باب من أفاض على رأسه ثلاثا
الحديث : ٢٥٦،٢٥٥
عن البدنِ، ولم يوجبوا سوى إيصالِ الماءِ إلى بشرةِ الرأسِ خاصةً .
وفرقتْ طائفةٌ بينَ الرجال والنساء؛ فأوجبوا النقضَ على الرجلِ دون
المرأةِ؛ لحديثِ ثوبان. حكاه القرطبيُّ، وغيرُهُ، وهذا هو الصَّحيحُ من
مذهبٍ أبي حنيفةً، وأن الرجلَ يجبُ عليه نقضُ شعرِه بخلافِ المرأةِ؛
لكن قالوا: إن كانَ شعرُ المرأة غيرَ مضفورٍ وجبَ غسلُه كما يجب غسلُ
شعرِ لحيةِ الرجلِ .
ونقلَ مهنا، عن أحمدَ أَنَّ المرأةَ في غسلِ الجنابةِ كالرّجلِ .
وظاهرُ هذا يدلُّ على أنَّ حكمَها (١) في نقضِ الشّعرِ سواء، وفي عددِ
حثياتِ المرأةِ على رأسِها كالرجالِ سواء لا تزيدُ على ثلاثٍ .
-
(١) كذا في ((ط))، والجادة: ((حكمهما)).
٢٦٣

الحديث: ٢٥٧
كتاب الغسل
٥ - بَابُ
الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
٢٥٧ - نا مُوسَى بْنُ إِسْماعيلَ:َنَا عَبْدُ الوَاحدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
سَالمِ بنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالتْ مَيَّمُونَةُ:
وَضَعْتُ لِلنَّبِّ ◌َ مَاءً للغُسْلِ فَفِّسَلَ يَّدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى
شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَه، ثُمَّ مَسَحَ [يَدَهُ](١) بَالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ
وَأَسْتَشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيِّهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ
فَغَسَلَ قَدَمَيه .
مرادُه بهذا الحديث في هذا الباب: أَنَّ ميمونةَ حَكَتْ غسلَ النبيِّ
وَّر، ولمْ تذْكُرْ في غسلِ شيءٍ من أعضائِه عددا إلا في غسلٍ يديه في
ابتداءِ الغُسلِ مع شكِّ الرَّاوي هل كان غسلُهما مرّتين أو ثلاثا؟، وهذا
الشَّكُّ هو من الأعمشِ كما سيأتي بيانهُ في رواية أخرى إن شاءَ الله
تعالى . وأطلقت الغسلَ في الباقي فظاهرُهُ أَنَّه لم يكرر غسلَ شيءٍ من
جسدِه بعد ذلك لافي الوضوءِ ولا في الغسلِ بعد .
ولكن قد خَرَّج البخاريُّ (٢) هذا الحديثَ - فيما بعد - عن محمدٍ بن
محبوب، عن عبد الواحد، عن الأعمشِ، به، وقال فيه بعد غسل وجهه
مے
ويديه: ثم غسلَ رأسَه ثلاثا، ثم أفرغَ على جسدِه.
(١) سقطت من ((ط))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٢) (٢٥٩، ٢٦٥، ٢٦٦) .
٢٦٤

٥ - باب الغسل مرة واحدة
الحديث : ٢٥٧
وخرّجه في مواضعَ أخر من طرق أخرى، عن الأعمشِ، وذكر فيها
غسلَ رأسه، ولم يذكرْ عددا، وقد تقدَّمَ(١) أَنَّ وكيعًا رواه عن الأعمشِ
وذكر (٩ - أ/ ط) فيه غسل وجهه ويديه ثلاثا وأفاضَ على رأسه ثلاثا.
وخرَّجه عنه الإمامُ أحمدُ (١).
وقد روى مسلمٌ في ((صحيحه))(٢) من حديث عيسى بن يونسَ، عن
الأعمشِ في هذا الحديثِ أنَّه أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حفنات ملء كَفِّه .
وعلى هذه الروايات إنَّما ينبغي أن يدخلَ هذا الحديث في البابِ
الماضي .
وقد اختلفَ العلماءُ في استحبابِ غسلِ البدن كُلِّه في الغسلِ من
الجنابةِ ثلاثا، فمنهم من استحبَّه، وهو قولُ إسحاق بن راهويه، وکثیرِ
من أصحابنا، وأصحابِ الشَّافعيِّ، وأبي حنيفةً، وروى وكيع(٣) في كتابه
عن أبي مكين، عن أبي صالح مولى أُمِّ هانئ، عن أُمِّ هانئ قالت: إذا
اغتسلتَ من الجنابةِ فاغسلْ كلَّ عضوٍ (٤) ثلاثا. أبو صالح هو باذان(٥)،
وهو ضعيفٌ جدا .
ورواه سمويه الحافظُ(٦): نا أحمدُ بن يحيى بن زيد بن كيسانَ: نا
يزيدُ ابن زريع، عن أبي مكين، عن أبي صَالِحٍ: حدَّثْتَنِي أمُّ هانئٍ قالت:
قال رسول الله وَ له: ((إذا اغْتسلَ أَحَدُكُم فليَغْسل كُلَّ عضو منه ثلاثَ
(١) (ص٢٤٢) تحت شرحه لحديث (٢٤٩)، وانظر ((المسند)) (٣٢٩/٦). (٢) (٣١٧).
(٤) في ((ط)): ((عضوا)) كذا
(٣) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٦٥/١).
(٥) ويقال باذام - بالميم - انظره فى ((تهذيب الكمال)) (٦/٤) مع الحاشية.
(٦) هو إسماعيل بن عبد الله بن مسعود. ترجمه الذهبي في (السير)) (١٣/ ١٠-١٢)، والحديث
أخرجه أبو نعيم من طريقه في «أخبار أصبهان» (٧٩/١).
٢٦٥
:

الحديث: ٢٥٧
كتاب الغسل
مرات)) - يعني: الجنابة .
وروايةُ وكيع الموقوفةُ أُصحُّ .
وروى الفضلُ بن مرزوق، عن عطيةَ، عن أبي سعيد أَنَّ رجلا سألَه
عن الغسلِ من الجنابةِ؟ فقال: ثلاثا، فقال الرجلُ: إِنَّ شعري كثيرٌ،
فقال: رسولُ الله ◌َِّ كان أكثرَ شعرًا منك وأطيبَ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه(١) .
وعطيةُ هو العوفيُّ فيه ضعفٌ مشهورٌ . ولعلَّه أرادَ الثلاثَ في غسلٍ
الرأسِ، ولهذا قالَ له السَّائِلُ: إِنَّ شعري كثيرٌ .
وقد خرَّجه أبو نعيمٍ: الفضل بن دكين في كتاب ((الصلاة)) له، عن
فضيل بن مرزوق، عن عطيةَ قال: سألَ رجلٌ أبا سعيد الخدري: كم يكفي
لغسلٍ رأسِهِ؟ قال: ثلاث حنفاتٍ، وجمع يدَيه، وذكر بقيةَ الحديث(٢).
وممّا يستدلُّ(٣) به على تكرارِ غسلِ الجسدِ في غُسْلِ الْجَنَابةِ: ماخرَّجه
أبو داودً(٤) من رواية حمادٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ في صفةٍ
غسلِ النبيِّ وَّ قالتْ: وأفرغَ على رأسه ثلاثا، فإذا فضلتْ فضلةٌ صبَّها
عليه، والمرادُ: بعد الفراغ من غسلِ بقية جسدِه، وإلا لم يكن لقولها
((فإذا فضلتْ فضلة)) معنى .
وَرَوَى وهبٌ هذا الحديثَ عن هشامٍ، وقال فيه: ثُمَّ أفاضَ الماءَ على
جسده، فإن بَقِيَ في الإناءِ شيءٌ أفرغَه عليه .
(١) أحمد (٥٤/٣)، وابن ماجه (٥٧٦)، وانظر ((المصنف)) لابن أبى شيبة (٦٥/١) عنه.
(٢) (المصنف)) لابن أبي شيبة (٦٥/١).
(٣) فى ((ط)): ((ايستدل)) كذا .
٢٦٦
(٤) (٢٤٢) .

٥ - باب الغسل مرة واحدة
الحديث : ٢٥٧
ورَواه - أيضًا - مباركُ بن فضالةَ، عن هشامٍ بنحوه.
و
خَرَّجها ابنُ جرير الطبريُّ (١).
وقالت طائفةٌ: لا يستحبُّ تكرارُ غسلِ الجسدِ في غسلِ الجنابة . وهو ظاهر
و
كلامِ أحمدَ، والخرقي، وصرَّحَ به الماورديِّ من الشافعيةِ، وأصحاب مالكٍ.
وحَكَّى الإمامُ أحمدُ أَنَّ ابنَ عَّاسٍ كان يغتسلُ من الجنابةِ بسبعِ مرار،
وقال: هو من حديث شعبةً(٢) - يعني: مولى ابن عباس -، مشهور عنه.
قال: وأَمَّا حديثُ النَّبِيِّ وَّةِ (٩ - ب/ط) فإنه كان [ ..... ](٣) على
رأسه ثلاثا .
وهذا الحديثُ خرَّجه أبو داود(٤) من (٥) رواية ابن أبي ذئب، عن
شعبةَ - وهو مولى ابن عباس -، أَنَّ ابنَ عباس كان إذا اغتسلَ من الجنابة
يفرغُ بيدِه اليمنى على يدِهِ اليسرى سبعَ مراتٍ ثم يغسلُ فرجَه، فنسي مرةً
كم أفرغ؟ فسألني، فقلتُ: لا أدري، قال: لا أُمَّ لكَ، ومايمنعُك أن
تدري؟! ثم يتوضأُ وضوءَه الصَّلاة، ثم يفيضُ على جلده الماءَ ويقول:
هكذا كَانَ رسولُ اللهِ وَلِّ يتطهرُ .
وليسَ في هذه الروايةِ التَّسبيعُ في سوى غسلِ يدهِ اليسرى قبل
الاستنجاء، ويحتملُ أَنَّ المرادَ به: التسبيعُ في غسل الفرج خاصةً، وهو
الأظهرُ .
(١) انظر (ص٢٣٤) بداية شرح المؤلف على حديث (٢٤٨).
(٢) عند أبي داود كما سيأتي .
(٣) كلمة غير واضحة في ((ط))، ولعلها: ((يحثو)) والله أعلم.
(٤) (٢٤٦) بمعناه، وانظر ((التمهيد)) (٩٤/٢٢ - ٩٥).
(٥) في ((ط)): (بن)) خطأ .
٢٦٧

الحديث: ٢٥٧
كتاب الغسل
وشعبةُ مولى ابن عباس: قال مالكٌ: ليس بثقة، وقال مَرَّةً: لايشبه
القراء. وقال أحمدُ، ويحيى: لابأسَ به. وقال يحيى مَرَّةً: لايكتب
حديثه. وقال النسائيُّ، والجوزجانيُّ: ليس بالقويِّ في الحديثِ. وقال ابنُ
عديٍّ: لم أَرَ له حديثا منكرًا جدا فأحكم له بالضّعف، وأرجو أنه لا بأسَ
به .
ونقل حربٌ، عن إسحاقَ أَنَّه قَالَ في غسلِ الجنابةِ: يغسلُ فرجَه
ثلاثا، وإن احتاجَ إلى الاستنجاء غسلَ مقعدتَه ثلاثا إلى السَّبع ولا يزيدُ
على ذلك إلا أن لا ينقي .
وظاهرُ هذه الأحاديثِ: يدلُّ علىَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ اكْتَفى بإفاضةِ المَاء
على جَسدِهِ من غيرِ دَلْكِ .
وجمهورُ العلماءِ على أَنَّ التَّدلكَ في الطَّهارةِ غيرُ واجبٍ؛ خلافا
لمالك في المشهورِ عنه .
٢٦٨

الحديث: ٢٥٨
٦ - بَابُ
مَنْ بَدَأَ بِالْحِلابِ أَوِ الطِّيبِ عِندَ الْغُسْلِ
٢٥٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: نَا(١) أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ
القَاسمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ﴿ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ
نحو الحِلاَبِ فَأَخَذَ بِكَفَّيهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِماً
عَلَى وَسط رأسه .
حنظلةُ هو ابنُ أبي سفيانَ .
وظاهرُ تبويبِ البخاريِّ على هذا الحديثِ يدلُّ على أَنَّهُ فَهِمَ منه أَنَّ
الحلابَ نوعٌ من الطِّيبِ، وأَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يستعملُ شيئًا من الطِّيبِ في
رأسِهِ في غسل الجنابةِ .
وقد أنكرَ العلماءُ ذلك على البخاريِّ - رحمه الله -، ونَسبوه فيه إلى
الوهْمٍ، منهم: الخطابيُّ(٢) والإسماعيليُّ وغيرُ واحد، وقالوا: إِنَّما الحلابُ
إناءٌ يُحلبُ فيه ويقال له: المحلبُ - أيضًا - . والمرادُ أَنَّه كان يغتسلُ من
نحو (٣) الإناء الذي يحلبُ فيه اللبنُ من المواشي، وهو معنى الحديث
الآخر أنَّه نحو الصاع. ويشهدُ لذلك أنَّه رُوِيَ في بعضِ طرق هذا
الحديث أَنَّ القاسمَ سُئِلَ: كم يكفي من غسل الجنابةِ؟ فحدَّثَ بهذا
(١) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا)).
(٢) في ((أعلام الحديث)) (١/ ٣٠٢).
(٣) كتب فوقها في ((ط)): ((مد))، ولعل صواب العبارة: ((أنه كان يغتسل من مدٍّ، نحو
الإناء ... )) والله أعلم .
٢٦٩

الحديث: ٢٥٨
كتاب الغسل
الحديث، وإنَّما كان السؤالُ عن قدرِ ماء الغسلِ، لا عن الطَّيبِ عند
الغسل .
ذكره (١٠ - أ/ ط) الإسماعيليّ في ((صحيحه))، وذكرَ - أيضًا -
حديثَ ابن عباسٍ أَنَّ النّبِيَّ نَّهِ قُرِّبَ إليه حلابٌ فيه لبنٌ فشربَ منه -
يعني : يوم عرفة .
وزعمَ بعضُهم أنَّه الجلابُ - بالجيم -، وأَنَّ المرادَ به ماءُ الورد، وهو -
أيضًا - تصحيفٌ وخطأٌ(١) مِمَّنْ لا يعرفُ الحديثَ .
وزعم آخرونَ أَنَّ الحلابَ - بالحاء - وعاءٌ للطيب، ولا أصلَ لذلك.
وخرّج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه في كتابٍ ((الشافي)) في
هذا الحديث من طريقِ أبي عاصمٍ الضحاك بن مخلد، عن حنظلةَ، عن
القاسمِ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلّ كان يغتسلُ في حلابِ قدر
هذا - وأَرانا أبو عاصم قدرَ الحلابِ بيده، فإذا هو كقدرِ كوز يسعُ ثمانيةَ
أرطال - ثُمَّ يصبَّ على شقِّ رأسه الأيسر، ثُمَّ يأخذُ بكفَيه فيصبُّ وسطَ
رأسه(٢).
(١) في (ط)): ((خطاء)) كذا .
(٢) وأخرجه البيهقي - أيضًا - في ((السنن الكبرى)) (١٨٤/١) من طريق: محمد بن المثنى:
ثنا الضحاك بن مخلد به . .
٢٧٠

الحديث : ٢٥٩
٧ - بَابُ
الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْص [بن غياث](١).ثنا أبي: حَدَّثَنِي
الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ثنا(٢) مَيْمُونَةٌ
قَالَتْ: صَبِّتُ لِلنَّبِيِّوَ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بَّمِينِهَ عَلَى يُّسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ
غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ فَمَسَحَهَا بالتُّرابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ
مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهَ وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ
قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُنِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ بَنَّغُضِ بِهَا .
المضمضةُ والاستنشاقُ في غسلِ الجنابة مذكورٌ في حديثٍ ميمونةَ وفي
حديث عائشةً(٣) - أيضا - كما سبقَ - أَنَّه مضمضَ ثلاثا واستنشقَ ثلاثا.
وقد أشرنا - فيما تقدَّمَ (٤) - إلى الاختلافِ في وجُوبِ المضمضةِ
والاستنشاقِ في غُسلِ الجنابةِ، فمَنْ أوجَبها في الوضوءِ أو أوجبَ
الاستنشاقَ وحدَه في الوضوء فإيجابُه له في غسل الجنابةِ أوْلَى، إلا روايةً
رُوِيتْ عن الإمام أحمد أنَّها في الوضوء أوكدُ [ ..... ] (٥) الأمر
بالاستنشاقِ في الوضوءِ دونَ الغسلِ (٦).
(١) من ((اليونينية)).
(٢) في ((اليونينية)): ((حدثتنا)).
(٣) حديث ميمونة تقدم (ص٢٥٧)، وحديث عائشة تقدم (٢٤٨) مع شرحه عليه .
(٤) (ص٢٤٦) في نهاية شرحه لحديث (٢٤٩) .
(٥) كلمة غير واضحة في ((ط)) ولعلها تقرأ: ((إذا صح)) والله أعلم.
(٦) راجع ((مسائل)) صالح (٦٥/٣).
٢٧١

الحديث: ٢٥٩
كتاب الغسل
وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ الغسلَ يجبُ في غسلِ مواضع الوضوء وزيادة، فما
وجبَ في الوضوءِ فهو واجبٌ في الغسلِ بطريقِ الأولى .
وأَمَّا من لم يوجبِ المضمضةَ والاستنشاقَ في الوضوءِ، فاختلفوا(١)
93
في إيجابِهما في غسل الجنابةِ، فأوجبهما الكوفيون، منهم، الشّعبيّ،
والنَّخعيَّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه، وسفيانُ .
وقال مالكٌ، والشافعيَّ: هما مسنونانِ في الوضوءِ والغسلِ سواء .
واستدلَّ من أوجبهما في الغسلِ بأنَّ غسلَ الجنابة يجب إيصالُ الماء
فيه إلى ماتحتَ الشعرِ الكثيفِ مع استتارِهِ بالشعرِ فإيجابُ إيصال الماء
(١٠ - ب/ط) فيه إلى باطنِ الفم والأنفِ مع ظهورِه أولى بالوجوبِ .
وروى وكيعٌ، عن أبي حنيفةً، عن عثمانَ بن راشد، عن عائشةَ بنت
عجرد قالتْ: سألتُ ابنَ عباس عن الجنبِ يغتسلُ فينسى المضمضة
والاستنشاقَ حَتَّى يُصَلِّي قال: يتمضمضُ ويستنشقُ ويعيدُ الصَّلاةَ .
وخرَّجَهَ الدار قطنيُّ(٢) من طريقِ سفيانَ، عن عثمانَ، عن عائشةً، عن
ابنِ عباس قال(٣) : يعيدُ في الجنابةِ، ولا يعيد في الوضوءٍ.
وعائشة بنت عجرد قيلَ: إِنَّها غيرُ معروفةٍ(٤).
(١) في ((ط)): ((افاختلفوا)) كذا .
(٢) ((السنن)) (١١٥/١)، وعنه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٩/١) وقال الدارقطني
عقبه: ((ليس لعائشة بنت عجرد إلا هذا الحديث، وعائشة بنت عجرد لا تقوم بها حجة)).
(٣) في ((ط)): (قالت)) خطأ، وانظر ((سنن الدار قطني)).
(٤) قال الشافعي: ((أثره الذي يعتمد عليه - أي أبو حنيفة - عثمان بن راشد، عن عائشة بنت
عجرد، عن ابن عباس، وزعم أن هذا الأثر ثابت يترك له القياس وهو يعيب علينا أن
نأخذ بحديث بسرة بنت صفوان عن النبي والإوعثمان وعائشة غير معروفين ببلدهما وكيف
يجوز لأحد أن يثبت ضعيفا مجهولاويوهن قويا معروفًا)» ا. هـ((السنن الكبرى)) (١٧٩/١).
٢٧٢

٧ - باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة
الحديث : ٢٥٩
وأنكرَ الشَّافعيُّ وأحمدُ، وغيرهما من الأئمةِ التَّفرقةَ بين الغسلِ
والوضوءِ في المضمضةِ والاستنشاقِ، وقالوا: ماوجبَ غسلُه من الوجهِ
في الوضوءِ وجبَ في الغسلِ، وما لا فلا. وفَرَّقوا بين باطنِ الفمِ
والأنفِ وما تحت الشعور بأنَّ ما تحت الشعورِ سترُهُ طارئ(١) بخلافِ باطنِ
الفم والأنفِ فإنَّ سترَهما بأصلِ الخلقةِ .
وأمَّا غسلُ باطنِ العينِ في الجنابةِ، فكانَ ابنُ عمرَ يفعله(٢).
وفي وجوبِه عن أحمدَ روايتان، وأصحهما: لا يجبُ لمشقته وخوفٍ
الضَّررِ منه .
(١) في ((ط)) هكذا ((طار)) ولعل الصواب ((طارئ)) والله أعلم.
(٢) (الموطأ)) (ص/ ٥٣)، و((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٥٩/١)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي
(١٧٧/١) وقال عقبه: ((وقد روى مرفوعًا ولا يصح سنده)) ا. هـ.
٢٧٣

الحديث: ٢٦٠
كتاب الغسل
٨ - بَابُ
مَسْحِ الْيَدِ بِالْتُرَابِ (١) لِيَكُونَ أَنْقَى
٢٦٠ - ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيرِ الْحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
سَالِمٍ بِنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنٍ عَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَِّيَّ ◌ِه
اغْتَسَلَ من الجَنَابةِ، فَغَسَلَ فَرْجُهَ بَيْدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَه على الحائطِ (٢)، ثُمَّ
غَسَلَهَ، ثُمَّتَوضَّا وُضُوءَه الصَّلاةِ، فَلَمَّا فَرِغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ .
هذا الحديثُ قد سبقَ بألفاظ أخر(٣)، وقد خرّجه في البابِ الماضي،
ولفظه: ثم غسلَ فرجَه ثم قال بيدهِ على الأرضِ فمسحَها بالتَّرابِ .
وقد خرَّجه - فيما بعد - من حديث أبي عوانة(٤)، عن الأعمش،
وقال في حديثه: ثُمَّ دلكَ يدَه بالأرض أو بالحائط . وخرّجه - أيضًا - من
رواية الفضل بن موسى(٥)، عن الأعمشِ، وفي حديثه: ثم ضربَ يدَه
بالأرضِ أو الحائط مرَّتين أو ثلاثا .
وخرَّجه مسلمٌ (٦) من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمشِ،
وعنده: ثم ضرب بشماله الأرض فدلگها دلكا شديدا .
فقد تضمَّنَ هذا الحديثُ أَنَّ المستنجيَ يدلكُ يدَه بالتُّرابِ ثم يغسلُها.
(١) في ((ط)): ((بالترات)) كذا بالتاء .
(٢) هكذا فى ((ط))، وفي ((اليونينية)): ((ثم دلك بها الحائط)).
(٣) (الفتح: ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩).
(٥) (الفتح: ٢٧٤).
(٤) (الفتح: ٢٦٦) .
(٦) (٣١٧) .
٢٧٤

٨ - باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى
الحديث: ٢٦٠
وقد وردَ مثلُ هذا في حديث عائشةَ - أيضًا. خَرَّجه أبو داودَ (١) من
حديثِ الأسودِ، عنها. وخرَّج - أيضا - من رواية الشَّعبيِّ (٢) قال: قالت
عائشةُ: لئنْ شِئْتُم لأُرينكم أثَرِ يدِ رسول الله بَّه في الحائطِ حيثُ كانَ
يغتسلُ من الجنابةِ. وفى رواية للنسائيِّ من (٣) حديث عطاء بن السَّائب،
عن أبي سلمةَ، عن عائشة أَن النبيَّ نَِّ غسلَ يدَهُ اليسرى بعدَ غسلٍ
فرجه ثلاثا لكن شكَّ راويها فيها.
وقد رُوِيَ نحو ذلك في الاستنجاء قبلَ الوضوءِ في غيرِ غسلِ الجنابة
- أيضًا - وأنَّ النبيَّ ◌َ لَهاستنجى بالماءِ، ثمَّ دلكَ يَده بالأرض (١١ - أ - ط).
وقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجه (٤) من
حديثِ إبراهيم بن جريرٍ البجليِّ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرةَ.
وخرجه ابن ماجه - أيضاً -، والنسائيّ من حدیث إبراهيم بن جرير،
عن أبيه، عن النَّبِيِ بَّهِ. وقال النَّسائيُّ: هو أشبهُ بالصواب(٥).
وإبراهيمُ بن جرير لم يَسْمَعْ من أبيه شيئًا، قاله ابنُ معين(٦)، وغيرُه.
وهذا السِّياقُ الذي خرَّجه البخاريّ في هذا البابِ مختصرًا والسياق
الذي خَّرَجَه في البابِ الذي قبله أتم منه وفيه: أَنَّه رَّ غسل يديه ثم
(١) (٢٤٣)، (٢٤٤)، وعنه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٣/١).
(٢) الشعبي، عن عائشة مرسل، قاله ابن معين، انظر ((المراسيل) لابن أبي حاتم (ص/ ١٥٩).
(٣)(١٣٢/١ - ١٣٣).
(٤) ((المسند)) (٣١١/٢)، وأبو داود (٤٥) بزيادة: ((المغيرة)) بين ((إبراهيم))، و((أبي زرعة)) في الإسناد
والنسائي (٤٥/١)، وابن ماجه (٣٥٨)، (٣٥٩).
(٥) لكلام النسائي تتمةٌ وهي: (( من حديث شريك والله سبحانه وتعالى أعلم)) اهـ .
(٦) («تاريخ الدُّوري)) (٦٩/٤)، وانظر ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص/ ١١).
٢٧٥

الحديث: ٢٦٠
كتاب الغسل
غسلَ فرجَهَ ثُم مَسحَ يَدَه بالتَّرابِ ثم غسلَها، فاقتضى ذلك استحبابَ
غسل اليدينِ قبلَ الاستنجاء، ثم غسل اليد اليسرى بعده.
وقال الثَّوريُّ، وإسحاقُ: إذا اغتسلَ من الجنابة غسلَ كَفَّيه ثلاثا، ثم
غسلَ فرجَه، ثم دلكَ يده بالأرضِ، ثم يغسلُ يديه ثلاثًا، ثم يتوضأ.
وليسَ هذا في حديثِ ميمونةَ، ولا في حديث عائشةَ إلا في روايةٍ
الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشةَ، وعن
عَمرو (١) بن سعدٍ، عن نافع، عن عمرَ، وقد سبقَ لفظُها(٢)، وهي مرويةٌ
بالمعنى كما تقدَّمَ.
ورُوِيَ عن ابن عِمر مِن قولهِ في صفة غسلِ الجنابةِ أَنَّه يغسلُ يديه
ثلاثا، ثم يغسلُ فرجَه، ثم يضربُ بيدهِ على الحائطِ، ثم يغسلُها، ثم
يتوضَّأُ خرَّجه إبراهيمُ بن مسلمٍ في كتاب ((الطهور)).
ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أَنَّ المستنجيَ يغسلُ يديه قبلَ الاستنجاءِ، ثم
إذا استنجى فإنَّه يُغسلُ يَدَيْه ويتوضأ .
ولعلَّ هذا مِمَّا يُحْتَاجُ إليه قبلَ الاستنجاءِ إذا كان يريدُ أن يدخلَ يديه
في الإناءِ لِيصُبَّ على فرجِه منه، فإذا كان الماءُ في مثل الإداوةِ ونحوها
يصبّ منه على فرجِه فلا حاجةَ له إلى غسل يديه قبل الاستنجاء.
ونَصُّ أحمدَ في إعادةٍ غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستنجاءِ إِنَّما هو في
الوضوء من غيرِ الجنابة؛ فإنَّ الوضوءَ من الحدثِ الأصغرِ ينتقضُ بمسٌّ
الفرجِ، فلذلك لاينبني فيه على غسل اليدين قبله. وأما غسل الجنابةِ فإذا
(١) في ((ط)): ((عمر)) خطأ، قد مر على الصواب.
(٢) (ص٢٣٦) في ثنايا شرحه على الحديث رقم (٢٤٨).
٢٧٦

٨ - باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى
الحديث : ٢٦٠
غسَل كفَّيِه ثلاثا، ثم غسلَ فرجَه لم يحتج إلى إعادةِ غسلٍ يديه بعده؛
لأَنَّ مسَّ الفرجِ لا يؤثرُ في غسلِ الجنابة؛ فإنَّه من حينَ نوى وسمَّى
وغسلَ كفيه ثلاثا قد بدأ في غسل الجنابةِ ولذلك لا يحتاجُ إلى إعادةٍ
غسلٍ فرجه عند غسلٍ جسده؛ بل يكتفي بغسلهِ أولا .
وقد نقل جعفر بن محمد عن أحمدَ في الجنبِ يتوضَّأ قبل أن ينامَ،
ثم يقوم فيغتسل ولا يتوضَّأ فرأى أن ذلكَ يجزئُه ولعلَّ مرادَه: يجزئه (١)
غسلُ أعضاء الوضوء أولا عن غسلِها في الجنابةِ ثانيا، ويحتملُ أَنَّ مرادَه
أَنَّ الغسلَ وحدَه يجزئُ بلا وضوءٍ، ويرتفعُ به الحدثانِ.
وقد رُويَ عن ابنِ سيرينَ في الجنبِ (٢) يحدثُ بين ظهراني غسلِه من
الجنابة قال: الغسلُ من الجنابةِ، والوضوءُ من الحدثِ وعن الحسنِ (٢) في
الجنب يغسلُ بعضَ جسدِه ثم يبول قال: يغسلُ مابقي من جسده.
خَرَّجَه الخلالُ في ((الجامع)) من طريقِ حنبل، قال حنبل: سمعت أبا
عبد الله يقول: يبدأُ فيتوضأ وضوءَه (١١ - ب /ط) للصَّلاة، ثم يغتسلُ؟
لأنَّ الغسلَ يأتي على طهارةِ الوضوءِ، وهذا حدثٌ يوجبُ الوضوءَ.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ، وابن سيرينَ أَنَّه يعيدُ الوضوءَ والغسلَ ليأتي
بسنّةِ الغسلِ بكمالِها وتقديم الوضوءِ على الغسلِ وليسَ ذلك على
الوجوب.
ورُوِيَ - أيضاً -، عن ابن عمرَ بإسناد فيه ضعفٌ أنه يعيدُ الغسلَ.
خرَّجَهَ ابنُ أبي شيبة (٣) .
(١) في ((ط)): ((تجرئه)) بالتاء، كذا.
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١١٢/٢).
(٣) في ((المصنف)) (١/ ١٤٠).
٢٧٧

الحديث: ٢٦٠
كتاب الغسل
وأما الحسنُ: فمرادُهُ: أَنَّ مامضى من الغسلِ لم يبطلْ بالبول، وأَنَّه
إذا أكملَه فقد ارتفعَ حدثُ الجنابةِ؛ ولكن لايُصلِّي حتى يتوضَّاً. وكذا قال
سفيانُ الثَّوريُّ: يتم غسلَه، ثم يعيدُ الوضوءَ وحكى ابنُ المنذِرِ (١) مثلَ هذا
عن عطاء، وعمرو بن دينار. قال: وهو يشبهُ مذهبَ الشَّافعيِّ، وحُكِيَ
عن الحسنِ أَنَّه يستأنفُ الغسلَ وهذا خلافُ ما رواه الخلالُ بإسنادِه عنه.
وماذكره أنَّه يشبه مذهبَ الشَّافِعِيِّ قد قِيلَ: إِنَّ الشَّافعيَّ نصَّ عليه في
((الأم)).
ولا ينبغي أن يكونَ في هذا خلافٌ، وإنَّما أمرَ من أمَر بإعادةِ الغسلِ
استحبابا؛ ليقعَ الوضوءُ قبلَ الغسلِ، كما استحبَّ أحمد للحائضِ إذا
اغتسلتْ بالماءِ وحدَه ثم وجدتِ السِّدرَ أن تُعيدَ الغسلَ بماء وسدرٍ؛ لتأتي
بالغسلِ على الوجهِ الكاملِ .
فإن قيلَ: هذا يلزمُ منه استحبابُ تجديدِ الغسلِ، قلنا: إنما أُعِيدَ
النقصٍ وقَع في الأولِ، فاسْتُحبَّ إعادتُه على وجهِ الكمال.
قال أصحابنا: وإذا غسلَ بعضَ جسدهِ ناويًا به رفعَ الحدثين ارتفعَ
حدثهُما، فإذا انتقضَ وضوءُه وأعادَه لزمه الترتيبُ والموالاةُ فيما ارتفعَ عنه
حدثُ الجنابةِ خاصةً، مالم يرتفعْ عنه حدثُ الجنابة من أعضاءِ الوضوءِ
لا يلزمُ فيه ترتيبٌ ولا موالاةٌ؛ بل يرتفعُ حدثُه تبعًا لحدثِ الجنابةِ .
(١) في ((الأوسط)) (١١٢/٢).
٢٧٨

٩ - بَابٌ
هَلْ يُدخِلُ الْجُنْبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ
قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ .
وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الظَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلْهَا، ثُمَّ
تَوضاً.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَّةِ.
أشارَ البخاريُّ هاهنا إلى مسألتين.
إحديهما(١): أَنَّ الْجُنُبَ إذا أدخلَ يَده في الماءِ قبل غسلها وليسَ على
يده نجاسةٌ، فإنَّه لا يُنجِّسُ الماءَ؛ فإنَّ المؤمنَ لا ينجِّسُ.
وقد ذُكِرَ عن ابن عمرَ، والبراء بن عازبَ أَنَّهما أدخلا أيديَهما في
الطَّهورِ من غيرِ غسلٍ ثمَ توضاً.
وهذا في الوضوءِ، وقد سبق ذكرهُ في الكلامِ على حديثٍ عثمانَ بن
عفان في صفة الوضوء، وعلى الكلام على حديث ((إذا استيقظَ أحدُكم
من النَّومِ فلا يُدْخلْ (١٢ - أ/ ط) يده في الإناءِ حَتَّى يغسلَها)).
وروى وكيعٌ عن الأعمش، عن إسماعيلَ بن رجاء، عن أبيه قَالَ:
رأيتُ البراءَ بن عازب بَالَ، فأدخلَ يده في مطهرة المسجدِ - يعني: قبل
أن يغسلَها (٢). وعن سفيان، عن جابر الجعفيِّ، عن الشَّعْبيّ قال: كانَ
(١) كذا في ((ط)).
(٢) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٨٩/١، ١٨٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٨٥/١).
٢٧٩

كتاب الغسل
الرجالُ على عهد رسول الله وَلَه يدخلونَ أيديهم في الإناء وهم جنبٌ،
والنساءُ وهنَّ حيضٌ، لا يرونَ بذلك بأسًا (١).
ورخَّصَ فيه ابنُ المسيّبِ، وغيرُه(٢).
واختلفَ كلامُ أحمد فى ذلك، فقال مرةً - في الجنبِ والحائضِ يغمسُ
يدهَ في الإناءِ -: إذا كانَا نظيفينِ فلا بأسَ به. ونقلَ عنه ابنُه عبد الله (٣) -
في الجنبِ يدخلُ يَدَه في الإناءِ ولمَ يَمسِّها أذى ولم يَنَمْ - قال: إن لم ينم
فأرجو أن لا يكونَ به بأسٌّ، وإن نَامَ غَسَلَها - يشيرُ إلى أَنَّه إن كان قائما
من النَّومِ فإنه لايرخَّصُ له في تركِ غسلِها، فجعلَ القائمَ من النَّومِ أشدَّ
من الجنب. ونُقلَ عنه كراهة ذلك، نقلَ عنه صالحٌ(٤)، وابن منصور -
في الجنبِ والحائض يغمسُ يدَه في الإناءِ - قال: كنتُ لا أرى به بأسًا،
ثم حُدِّثْتُ عن شعبةَ، عن محاربِ بن دثار، عن ابنِ عمرَ (٥) فكأني
تَهِيَّبته ونقلَ عنه صالح - أيضا (٤). في جُنُبٍ أدخلَ يدهَ في ماءٍ ينظرُ حرَّه
من بردِه -: إن كان أصبعًا رجوتُ أن لا يكون به بأسٌ، وإن كان اليدُ
أجمع فكأنَّه كَرِهَه. ونقل عنه صالح - أيضا - في جنبٍ يدخلُ الحمامَ
ليس معه أحدٌ ولاماء يصبُّ به على يده - ترى له أن يأخذَ بفمه؟ قال:
لا؛ یدُه وفمُه واحدٌ.
وروى بقيةُ، عن الزبيديِّ، عن علي بن أبي طلحةً في الجنبِ يدخلُ
يده في الإناءِ قبل أن يغسلَها قال: يهريقُ أعلاه. وخرَّج أبو عبيدة(٦)
(١) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٨٢/١).
(٣) ((مسائل عبد الله)) (ص١٢١).
(٢) نفس المصدر السابق.
(٤) ((مسائل صالح)) (١٢/٢).
(٥) انظره في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٨٢/١).
(٦) هكذا في ((ط).
٢٨٠