النص المفهرس
صفحات 201-220
٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله الحديث: ٤٨ النار. وهذا هو القولُ الباطلُ الذي تفردوا به في ذلك. ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين: أحدهما: حدیثُ: ٤٨ - شُعْبَةَ، عَنْ زُبَيْدِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ:((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقَتَلُهُ كُفْرٌ) . فهذا الحديثُ ردَّ بِه أبو وائلٍ على المرجئةِ الذين لا يدخلونَ الأعمالَ في الإيمان؛ فإن الحديث يدل على أن بعضَّ الأعمال يسمَّى كُفرًا وهو قتال المسلمين، فدل على أن بعض الأعمال يُسمى كفرًا وبعضَها يُسمى إيمانًا . وقد اتهم بعضُ فقهاءِ الْمُرْجِئَةِ أبا وائل في رواية هذا الحديث. وأما أبو وائل فليس بمتهم؛ بل هو الثقةُ العدلُ المأمونُ، وقد رواه معه عن ابن مسعود - أيضا -: أبوعمرو الشَّيباني، وأبو الأخْوَص (١) وعبدُالرَّحمُن بنُ عبد الله بن مسعود(٢)؛ لكن فيهم من وَقَفَهُ. ورواه - أيضا - عن النبي ◌َّل: سعدُ بنُ أبي وقاص(٣)، وغيرُه. ومثل هذا الحديث: قول النبي وَلّ: ((لا ترجعوا بَعْدِي كُفارًا يضربُ (١) ذكره الدارقطي في ((علله)) من طريق أبي الأحوص، عن عبدالله (٣٢٤/٥ - ٣٢٥) وقال: ((والموقوف عن أبي الأحوص أصح)) ومن طريق أبي عمرو الشيباني سعد بن إياس، عنه (٣٣٥/٥) وقال: ( ورفعه صحیح)). (٢) الترمذي (٢٦٣٤)، والنسائي (١٢١/٧)، ورواية عبد الرحمن، عن أبيه تكلموا في اتصالها . (٣) النسائي في ((المجتبى))، (١٢١/٧) وفى إسناده اختلاف. انظره مع ترجيح الصواب فيه عند البخاري في ((التاريخ)) (٨٨/١_٨٩)، والدار قطني في ((العلل)) (٣٥٨٣٥٧/٤) وراجع ((التحفة)) (٣٠٦/٣) مع ((النكت الظراف)). ٢٠١ الحديث: ٤٨ كتاب الإيمان بعضكم رقابَ بعضٍ))(١). وقد سبق القولُ في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفَّى في مواضع. قال أبو الفرجِ زينُ الدينِ بنُ رجبٍ . وقد ظهر لي في القرآن شاهدٌ لتسمية الْقتَال كُفْرًا، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مَنْكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ(٢) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٣ -٨٥] والمعنى: إن اللّهَ حرَّم على أهلِ الكتابِ أن يقتل بعضُهم بعضًا أو يُخْرِجَ بعضُهم بعضًا مِنْ دارِهِ، وكان اليهودُ حُلفاءَ الأوسِ والخزرجٍ بالمدينةِ، فكان إذا وقَع بين الأوسِ أو الخزرجِ وبين اليهودِ قتالٌ ساعدَ كلّ فريقٍ من اليهودِ بحِلافِهِ من الأوسِ والخزرجِ على أعدائِهِم فقتلُوهُم معهم وأخرجوهم معهم مِن ديارِهم بعد أن حُرِّم عليهم ذلك في كتابِهم وأقروا به وشهدوا به، ثمّ بعد أن يوسر أولئك اليهودُ يَفْدُوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم، فسمى اللهُ عز وجل فعْلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتابِ وسمَّى قتلَهم وإخراجَهم من ديارهم كُفْرًا بالكتاب؛ فدلت هذه الآيةُ على أن القتالَ والإخراجَ من الديارِ إذا كان مُحرَّمًا يُسَمَّى كفرًا، وعلى أن فعل بعض (١) أخرجه البخاري (فتح: ١٢١)، ومسلم (٦٥). (٢) كذا، وهي قراءة، وعند حفص وغيره: ((تفادوهم)). ٢٠٢ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله الحديث: ٤٩ الطاعات يسمى إيمانًا؛ لأنه سمَّى افتداءَهم للأسارى إيمانًا؛ وهذا حسنٌ جدّاً، ولم أرَ أحدًا من المفسرينَ تعرض له، ولله الحمدُ والمنةُ. الحديثُ الثاني: حديثُ : ٤٩ - عُبَادَةَ بْنِ الصَّمتِ أَنَّ النَّبِيَّ(١) وَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلانٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ((إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ (٢٠٩ - ب/ ف) فَرُفُعَتْ فَعَسَى (٢) أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوْهَا فِي السَّعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ». إنما خرَّج البخاريَّ هذا الحديثَ في هذا الباب لذكر التلاحي. والتلاحي: قد فُسر بالسِّبَابِ، وفُسر بالاخْتصامِ والمماراةِ من دون سباب. ويؤيد هذا: أنه جاء في رواية في ((صحيح مسلم)): ((فجاء رجلان يحتقان))(٣) - أي: يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ويُخَاصمه في ذلك. فمن فسَّرَه بالسِّبَاب احتمل عنده إدخالُ البخاريِّ للحديث في هذا الباب أن السِّبَابَ تُعجَّل عقوبتُه حتى يُحْرَمَ المسلمون بسببه معرفةَ بعض ما يحتاجون إليه من مصالحٍ دینھِم. وإنما رَجَا النبيُّ نَّ أن يكون ذلك خيرًا؛ لأن إبْهَام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله، أو أَوْتَاره في طلبها، فيكون سببًا لشدة الاجتهاد وكَثْرَته. (١) في ((اليونينية)): ((رسول الله)). (٣) مسلم (١١٦٧ / ٢١٧). (٢) فى ((اليونينية)): ((وعسى)). ٢٠٣ الحديث: ٤٩ كتاب الإيمان ولكنْ بيانُ الليلةِ ومعرفتهم إياها بعَينها له مزية على إبهامها، فرُفعَ ذلكَ بسبب التَّلاحي؛ فدل هذا الحديث على أن الذنوبَ قد تكون سببًا خفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدین. وقال ابن سيرين: ما اختلف في الأهل(١) حتى قُتل عثمان. فكلَّما أحدثَ الناسُ ذنوبًا أوجب ذلك خفاءَ بعض أمورِ دِينهم عليهم، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه، إذ لو عَلِمه ثم ارتكبه لاسْتحقَّ العقوبةَ. ومن فسَّر التلاحي بالاختصامِ قال: مراد البخاريِّ بإدخاله هذا الحديثَ في هذا البابِ: أن التَّلاحِي من غير سِبَابٍ ليس بفسوقٍ ولا يترتبُ عليه حكمُ الفسوقِ؛ لأنه كان سببًا لما هو خيرٌ للمسلمينَ. وهذا هو الذي أشار إليه الإسْمَاعِيليُّ؛ وفيه نظرٌ، والله أعلم. ويحتمل أن يكون مرادُ البخاريِّ: أن السِّبَابَ ليس بمخرجٍ عن الإسلامِ مع كونه فُسوقًا؛ ولهذا قال في الحديث: ((فتَلاحَى رجلانٍ مِنَ الْمسلمين))، فسماهما مسلمين مع تلاحيهما. وفي ((مُسند البزار)) من حديث معاذٍ، عن النبيِّنَلِ أنه قال: ((إنَّ أولَ شيءٍ نَهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثانِ: شربَ الخمر، ومُلاحَاةَ الرِّجالِ))(٢). وفي إسناده عمرُو بْنُ وَاقِدِ الشَّامِيُّ وهو ضعيفٌ جدّاً. (١) كذا، ولعله ((الأهلة)). (٢) ((كشف)) (٣٥١/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٣/٢٠). ٢٠٤ ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله الحديث: ٤٩ وإنَّما حُرِّمَتِ الخمرُ بعد الهجرةِ بمدةٍ. ولكن رواه الأوزاعيَّ، عن عروةَ بْنِ رويم مُرسلا. خرَّجه أبو داودَ في ((مراسيله))(١). (١) (ص: ٣٤٤). ٢٠٥ كتاب الإيمان فَصْلٌُ(١) قال البخاريّ : ٣٧ - بَابُ سُؤَال جِبْرِيلَ النّبِيِّبَّهَ عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَان وَعَلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَِّّكَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((جَاءَ جِبْرِيلُ (١٢)يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)، فَجَعَلَ ذَلِكَ كَلَّهُ دِينًا، وَمَا بَّنَ النِّيُّ ◌ََّ لِوَقْدِ عَبّدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ. وَقَوْل الله تَعَلَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ تبويبُ البخاريِّ هاهنا واستدلالُه وتقريرُهُ يدلُّ على أنَّه يرى أنَّ مسمى الإيمانِ والإسلامِ واحدٌ؛ فإنَّه قرَّر أنَّ النبيَّ نَّهِ أجاب جبريلَ عن سؤالِهِ عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ وعلمِ الساعةِ، ثمَّ قال: ((هذا جبريلُ جاء يُعلِّمُكم دينكمْ)) فجعله كلَّه دينًا، والدينُ هو الإسلامُ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وكذلك قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وأكَّدَ ذلك بأنَّ في حديثٍ وفدِ عبدِ القيسِ أَنَّهم سألوا النبيَّ نَّهِ عن الإيمانِ فأجابهم بما أجابَ به جبريلَ عن سؤالهِ عن الإسلامِ(٣)؛ فدلَّ على أنَّ الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ. (١) كتب فى ((ف)) كلمة ((فصل)) واتبعها: ((قال البخاري)): ((باب)). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((عليه السلام))، وكذا القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ولم ينبه على سقوطها في إحدى النسخ. (٣) (فتح: ٥٣). ٢٠٦ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي # وهذا قولُ محمد بنِ نصرِ المروَزي(١) (٢١٠ - أ/ف) وابنِ عبدِ البرِّ وغيرهما. وأما مَنْ فَرَّقَ بينَ الإسلامِ والإيمانِ - وهم أكثرُ العلماءِ من السلف ومَنْ بعدهم - حتَّى قيلَ: إنَّه لا يُعلمُ عن السلفِ في ذلك خلافٌ فأظهرُ الأجوبةِ عما ذكرهُ البخاريُّ: أنَّ الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهُ بالإفرادِ والاقتران؛ فإنْ أُفردَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، فلذلك فسَّرَ النبيّ صَلَى اللّه وَسَّلكم الإيمانَ المسئولَ عنه مفردًا في حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ بما فسَّر به الإسلامَ في حديثٍ جبريلَ الذي قرنَ فيه الإسلامَ بالإيمانِ. وإن اقْترنا كان هذا له معنَى وهذا له معنّی. وبكلِّ حالٍ: فالأعمالُ داخلةٌ في مسمَّى الإيمانِ، لا يختلفون في ذلك. وثمّن ذكرَ هذا التفصيلَ: الخطابيُّ(٢)، وأبو بكرِ الإسماعيليُّ، وحكاه ءُ الإسماعيليّ عن كثيرٍ من أهلِ السّنّةِ والجماعةِ، وحكى أبو بكرِ ابنُ السمعانيَّ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ التفريقَ بينَ الإسلامِ والإيمانِ. وثمّن رُوِيَ عنه التفريقُ بينهما من السلفِ: الحسنُ، وابنُ سيرينَ، وقتادةُ، وداودُ بنُ أبي هندٍ، وأبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ، والزهريَّ، وحمادُ بنُ زيد، وشريكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ، وابنُ مهديٍّ، وأحمدُ، وأبوخيثمةَ، ويحيى بنُ معينٍ، وغيرُهم - على اختلافٍ بينهم في صِفَةِ التفريقِ. (١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٥٣١/٢). (٢) راجع ((أعلام الحديث)) (١/ ١٤٢ - ١٤٥). ٢٠٧ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان ورُويَ التسويةُ بينهما عن الثوريِّ من وجه فيه نظرٌ. وقد تقدمَ الكلامُ على هذه المسألة مستوفّى بما فيه كفايةٌ، والله أعلم. ثم خرَّج البخاريُّ حديث (١): ٥٠ - أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: كَانَ يَوْمًا بَارزًا (٢) للنَّاسِ فَأَنَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله وَمَلاَئِكَتْه وَبَلْقَائَ وَرُسُلُه وَتُؤْمِنَ بَالْبَعْثِ)) قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الإسْلَامُ أَنْ تَّعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ به، وَتُقيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَغْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ) قَالَ: مَ الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فإِنْ لُمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عنْهَا(٣) بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلَ، وَسَأُخْرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إذَا وَلَدَت الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَّاوَلَ رُعَّةُ الإِلِ الْبُهْمُ فِيْ الْبُنْيَانِ فِيْ خَمَّسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا الله) ثُمَّتَلاَ النَّبِيَّ ◌َلِ ﴿إِنَّ اللّهَ عَندَهُ عَلَمُ السَّاعَّةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِيْ الأَرْحَامِ﴾(٤) الآية [لقمان: ٣٤]، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: ((رُدُّوهُ) فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ: ((هَذَا جَبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)). قالَ البخَارِيُ(٥): جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. فمرادُه بهذا الكلامِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ سمَّى جميعَ ما ذكرَه في هذا (١) الحديث الآتي أشار إليه المصنف تحت ترجمة الباب: (٢٩) الحديث (١٠٣٩). (٢) في ((اليونينية)): ((قال: كان النبي ◌َّ بارزًا يومًا». (٣) في ((ف)): ((منها))، والمثبت من ((اليونينية)). (٤) قوله: ((الغيث ويعلم مافي الأرحام)) ليس في ((اليونينية))، و((ينزل)) عند الأصلي وحده. وانظر شرح هذه الكلمة (ص٢١٥) . (٥) في ((اليونينية)): ((أبو عبد الله)). ٢٠٨ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ملج الحديث ٥٠ السؤال دينًا، والدِّينُ هو الإسلامُ، كما أخبرَ اللهُ بذلكَ. وقد أجابَ وفدَ عبد القيسِ عن سؤالهِم عن الإيمانِ بما أجابَ به جبريلَ عن سؤاله عن الإسلامِ؛ فدلَّ على أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ وأنَّه يدخلُ في مسماه ما يدخلُ في مسمَّى الإسلامِ. هذا تقريرُ ما ذكره البخاريّ هاهنا. وأما المفرِّقون بين الإسلام والإيمان: فقد تقدَّم أنّ المختارَ عندهم في ذلك: أنَّ الإسلامَ والإيمانَ إذا قُرن بينهما كان لكلٍّ منهما معنًى، فإذا أُفرد أحدُهما دخلَ فيه ما يدخلُ في الآخرِ . والتحقيقُ في التفريقِ بينهما عند اقترانهما: ما دلَّ عليه هذا الحديثُ المذكورُ هاهنا؛ وهو أنَّ الإيمانَ هو الاعتقاداتُ القائمةُ بالقلوب، وأصلُه: الإيمانُ بالأصولِ الخمسةِ التي ذكرَها اللهُ في قولهِ تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ (٢١٠ - ب/ ف) بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبُه وَرُسُلُه لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فذكرَ اللهُ في هذه الآيةِ الإيمانَ باللهِ وملائكته وكتبه ورسلهِ والمصيرَ إليه - وهو اليومُ الآخرُ - وهو الذي ذكره صَلىالله النبي 193 لجبريل عليه السلامُ في سؤالهِ عن الإيمانِ المقرونِ بالإسلامِ، وَسِيَّة وفي بعضِ ألفاطهِ زيادةٌ ونقصٌ. وفي رواية البخاريِّ هذه ذكرُ الإيمان بلقاء الله والإيمانِ بالبعثِ . ٢٠٩ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان فأمَّا الإيمانُ بالبعث: فهو الإيمانُ بأنَّ اللهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ . والإيمانُ بلقاء الله معناه: الإيمانُ بوقوف العباد بين يدي الله عزّ وجلّ للمحاسبةِ بأعمالهم والجزاءِ بها . وخرَّجه مسلمٌ من حديث عمرَ بنِ الخطابِ ولفظُهُ: ((أنْ تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ الآخرِ، وتؤمن بالقدرِ خيرِه وشرهِ)) (١). وخرَّجه ابنُ حبانَ، وزادَ فيه: ((وتؤمنَ بالجنةِ والنارِ والميزانِ»(٢). وأما الإسلامُ المقرونُ بالإيمان: ففسَّرَه بالأعمالِ الظاهرةِ من الأقوالِ ءَ والأعمالِ وهي: الشهادتانِ، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصيام رمضانَ . وزادَ مسلمٌ في روايةٍ من حديث عمرَ: ((وتحجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلا))(١). وزادَ ابنُ حِبَّن: ((وتحجَّ وتعْتمرَ وتغْتسلَ من الجنابَةِ وتُثُمَّ الوضوء)(٢). وفي رواية البخاريِّ هذه: ((أنْ تعبدَ اللهَ ولا تشركَ به)). والمرادُ: الإقرارُ بتوحيده باللسان. وقد يُرادُ به مع ذلك: فعلُ جميع أنواعِ العباداتِ بالجوارحِ. (١) مسلم (٨). (٢) ((الإحسان)) (٣٩٧/١). ٢١٠ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي دل الحديث ٥٠ وأما الإحسانُ: ففسرَه بنفوذِ (١) البصائرِ في الملكوتِ حتَّى يصيرَ الخبرُ للبصيرة كالعيانِ، فهذه أعلى درجاتِ الإيمانِ ومراتبه. ويتفاوتُ المؤمنون والمحسنون في تحقيقِ هذا المقامِ تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم في قوةِ الإيمانِ والإحسانِ، وقد أشارَ النبيّ وَلَهَّ إلى ذلكَ هاهنا بقوله: ((أنْ تعبدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكنْ تراه فإنَّه يراكَ)). قيلَ: المرادُ: أنَّ نهايةَ مقامِ الإحسانِ: أن يعبدَ المؤمنُ ربَّه كأنَّه يراه بقلبه فيكونُ مستحضرًا ببصيرتهِ وفكرتهِ لهذا المقام فإنْ عجزَ عنه وشقَّ عليه انتقلَ إلى مقامٍ آخرَ وهو أنْ يعبدَ اللهَ على أنَّ اللهَ يراهُ ويطَّلعُ على سرِّ وعلانيته ولا يخفى عليه شيءٌ من أمرِهِ. وقد وصَّى النبيُّ بِّهِ طائفةً من أصحابهِ أن يعبدوا اللهَ كأَنَّهم يرونَه، منهم: ابنُ عمرَ، وأبو ذرٍ، ووصَّى معاذًا أنْ يستحييَ من اللهِ كما يستحيي من رجلٍ ذي هيبةٍ من أهلِهِ (٢) . قالَ بعضُ السلف: مَنْ عملَ الله على المشاهدة فهو عارفٌ، ومَنْ عملَ على مشاهدةِ اللهِ إياه فهو مخلصٌ. فهذان مقامان: أحدهما: مقامُ المراقبة، وهو أنْ يستحضرَ العبدُ قربَ الله منه واطلاعَه عليه فيتخايلَ أنَّه لا يزالُ بينَ يدي اللهِ فيراقبَه في حركاتهِ وسكناته وسرِّه وعلانيته، فهذا مقامُ المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقامِ الإحسانِ. (١) في ((ف)) بالدال المهملة والصواب ما أثبتناه. (٢) وانظر (ص١٠٣) تحت الحديث (٢٤). ٢١١ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان والثاني: أنْ يشهدَ العبدُ بقلبه ذلكَ شهادةً فيصيرَ كأنَّه يرى اللهَ ويشاهدُه، وهذا نهايةُ مقامِ الإحسانِ، وهو مقامُ العارفينَ. وحديثُ حارثةَ هو من هذا المعنى؛ فإنَّه قال: كأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارزًا، وكأنّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها وإلى أهلِ النارِ يتعاون فيها، فقالَ النبيُّ وَّهِ: ((عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّر اللهُ الإيمانَ في قلبه)). وهو حديثٌ مرسلٌ، وقد رُوي مسندًا (٢١١ - أ/ ف) بإسناد ضعيف(١). وكذلك قولُ ابن عمر لعروةً لما خطبَ إليه ابنتَه في الطوافِ فلم يردَّ عليه ثمَّ لقيَهُ فاعتذرَ إليه وقالَ: كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ اللهَ بينَ أعيننا. ومنه الأثرُ الذي ذكرَه الفضيلُ بنُ عياضٍ: يقولُ الله: ما أنا مطلعٌ على (١) قال المصنف في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) (١٠٥/١ - ١٠٦) - طبعتنا - على هذا الحديث: ((قد رُوِيَ من وجوه مرسلة، ورُويَ متصلا، والمرسل أصح)). أ. هـ وأخرج هذا الحديث موصولا: الطبراني في ((الكبير)) (٢٦٦/٣)، والبيهقي في ((الشعب)): (٢٦٣/٧). وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد)» (ص: ١٠٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٦٣/٧) من طريق جعفر بن بُرقان، وابن المبارك من طريق صالح بن مسمار وقال عنه ابن حبان في ((الثقات)) (٤٦٥/٦): ((يروي المراسيل)) - كلاهما - عن النبيمرَّل، وقال البيهقي: ((هذا منقطع)) وقال ابن المبارك عقيب هذا الحديث: ((ولا أعلم صالح بن مسمار أسند إلا حديثًا واحدًا)) ورواه ابن حبان في ((المجروحين)) (١ / ١٥٠) موصولا؛ ولا يصح ورُوِيّ نحوه من حديث أنس، تفرد به: يوسف بن عطية الصفار، أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٦٢/٧)، والعقيلى في ((الضعفاء)) (٤٥٥/٤) وقال بعده: ((ليس لهذا الحديث إسناد يثبت)» ا. هـ.، والبزار (كشف: ٢٦/١)، وقال بعده: ((تفرد به: يوسف، وهو ليِّنُ الحديث)) ا. هـ، وراجع ((أطراف الغرائب)) (٧١٤، ٧٦٤، ٨٥٧) بتحقيقنا. ٢١٢ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي الحديث ٥٠ أحبابي إذا جنّهم الليلُ جُعلَتْ أبصارُهم في قلوبهم، ومَثَلَتْ نفسى بينَ أعينهم فخاطَبوني على المشاهدِةِ وكلَّمُوني على حُضُوري. وبهذا فُسِّر المثلُ الأعلى المذكورُ في قولهِ تعالى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] ومثلُه قولُه تعالى ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ توقد (١) مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْفِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ثُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، قالَ أَبَيُّ بْنُ كعبٍ وغيرُهُ مِنَ السَّلْفِ: مثلُ نورِهِ في قلبِ المؤمنِ . فمَنْ وصلَ إلى هذا المقامِ فقد وصلَ إلى نهايةِ الإحسانِ وصارَ الإيمانُ لقلبهِ بمنزلةِ العيانِ فعرفَ ربَّهُ وأنسَ به في خلوتهِ وتنعَّم بذكرِه ومناجاته ودعائه حتّى ربما استوحشَ من خلقه، كما قالَ بعضُهم: عَجِبْتُ للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواكَ؟! بل عَجِبْتُ للخليفةِ كيفَ استَنارتْ قلوبُها بذكر سواكَ. وقيل لآخرَ: أَمَا تستوحشُ؟ قالَ: كيفَ أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ مَنْ ذکرَنِي(٢)؟ . (١) كذا بالمثناة الفوقية، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن: بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال ـ أي: الزجاجة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى: (تُوقد)) - بضم التاء - أي: الزجاجة، وقرأ عاصم: ((يوقد)). ا. هـ من ((المحرر الوجيز)) لابن عطية (٣٠٦/١١). (٢) هو قول محمد بن النضر، أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٨/١). ٢١٣ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان وقيلَ لآخرَ: أمَّا تستوحشُ وحدكَ؟ قالَ: ويستوحشُ مع اللهِ أحدٌ؟! وكانَ حبيبٌ أبو محمدٍ يخلو في بيتِه ويقولُ: مَنْ لم تقرَّ عينُهُ بكَ فلا قرَّتْ عينُه، ومَنْ لم يأنسْ بكَ فلا أَنَسَ. وقالَ الفضيلُ: طُوبِى لَمنِ اسْتوحشَ من الناسِ وكانَ اللهُ جليسَهِ(١). وقالَ معروفٌ لرجلٍ: توكل على الله حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ(٢). وقالَ ذو النون: علامةُ المحبينَ لله: أنْ لا يأنَسُوا بسواهُ ولا يَسْتوحشوا معه، ثم قالَ: إذا سكنَ القلبَ حبُّ الله أنسَ بالله؛ لأنَّ اللهَ أجلّ في صدورِ العارفينَ أن يحبوا غيرَهُ. وقولُهُ وَلَّهِ ((اعبد اللهَ كأنَّك تراهُ)) إشارةٌ إلى أنَّ العابدَ يتخيلُ ذلك في عبادته، لا أنَّه يراهُ حقيقةً لا ببصرِه ولا بقلبِهِ. وأما مَنْ زعمَ أنَّ القلوبَ تصلُ في الدنيا إلى رؤيةِ اللهِ عيانًا كما تراهُ الأبصارُ في الآخرةِ - كما يزعمُ ذلكَ مَنْ يزعمُهُ مِنَ الصُّوْفِيَّةِ - فهو زعمٌ باطلٌ؛ فإنَّ هذا المقامَ هو الذي قالَ مَنْ قالَ مِنَ الصحابةِ كأبي ذَرِّ وابنٍ عباسٍ وغيرهما، ورُويَ عن عائشةَ - أيضًا - أنَّه حصلَ للنبيِّ وَِّ مرتينِ. ورُويَ في ذلكَ أحاديثُ مرفوعةٌ - أيضًا. وكذا قالَ جماعةٌ مِنَ التابعينَ: إنَّه رآهُ بقلبهِ، منهم: الحسنُ، وأبو العالية، ومجاهدٌ، وعبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بنِ نوفلٍ، وإبراهيم التيميّ وغیرُهم . (١) ((الحلية (١٠٨/٨). (٢) («الحلية (٣٦٠/٨). ٢١٤ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي (# الحديث ٥٠ فلو كانَ هؤلاءِ لا يعتقدونَ أنَّ رؤيةَ القلبِ مشتركةٌ بينَ الأنبياءِ وغيرِهم لم يكن في تخصيصِ النبيِّ وَِّ بذلكَ مزيةٌ له لا سيَّما وإنَّما قالوا: إنها حصلتْ له مرتين؛ فإنَّ هؤلاء الصوفيةَ يزعمونَ أنَّ رؤيةً القلب تصيرُ حالا ومقامًا دائمًا أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأُ تفضيلُ الأولياءِ على الأنبياءِ، ويتفرعُ على ذلك أنواعٌ من الضلالاتِ والمحالاتِ والجهالات، واللهُ يهدي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ. فهذه المقاماتُ الثلاثُ: الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ يشملُها اسمُ الدينِ، فمنِ اسْتقامَ على الإسلامِ إلى موتِه عصمَه الإسلامُ من الخلودِ في النارِ وإِنْ دخلَها بذنوبِهِ، ومَنِ استقامَ (٢١١ - ب/ ف) على الإحسان إلى الموتِ وصلَ إلى الله عزَّ وجلَّ، قال تعالى ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقد فسَّرَ النبيُّمَّ الزيادةَ بالنظرِ إلى وجهِ اللهِ. خرَّجهُ مسلمُ من حديثٍ صهيبٍ (١). وأمَّا قولُ جبريلَ: ((أَخْبرني عنِ الساعةِ)) فقالَ: ((ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ السائلِ)) فمعناهُ: إنَّ الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ، وكلَّهم غير عالمينَ به على الحقيقةِ؛ ولهذا قالَ: ((في خمس لا يعلمهنَّ إلا اللهُ)) ثم تلا ﴿إِنَّ اللهَ عندَهُ علْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيةُ [لقمان: ٣٤] وهذه مفاتيح و الغيبِ الذي لا يعلمُها إلا اللهُ. وقد جاءَ عنِ ابنِ مسعودٍ أنَّ نبينَا أُوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ سوى هذه (١) مسلم (١٨١)، وانظر ((الكامل)) (٢ / ٢٦٠) لابن عدي، و((التتبع)) (ص: ٢١٠) للدار قطني، وراجع ((جامع العلوم والحكم)) (١ / ١٠٣ - ١٠٤) طبعتنا. ٢١٥ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان الخمسٍ(١). ورُويَ ذلك مرفوعًا من حديث ابنِ عمرَ (٢)، وكلاهما في ((مسند الإمامِ أحمدَ». وذُكرَ عِندَ عمرو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهوره فأنكرَه بعضُ من حضَرَه فقالَ عمرُو: إنما الغيبُ خمسٌ، ثم تلا هذه الآيةَ قالَ: وما سوى ذلكَ يعلمُهُ قومٌ ويجهلُه قومٌ. خرَّجه حميدُ بنُ زَنْجُويَهِ . وقد زعمَ بعضُهم - كالقرطبي(٣) - أنَّ هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوق إلى علمٍ بها قاطعٍ، وأما الظنَّ بشيءٍ منها بأمارة قد يخطىءُ ويصيبُ فليسَ ذلك بممتنعٍ ولا نفيُه مرادٌ من هذه النصوصِ. وقولُه: ((وسأخبرك عن أشراطها)) لما كانَ العلمُ بوقتِ الساعة المسئول عنه غيرَ ممكنِ انتقلَ منه إلى ذكرِ أشراطِها وهي علامتُها الدالةُ على اقترانها، وهذا كما سألَه الأعرابيّ: متى الساعةُ؟ فقالَ: ((ما أعددتَ لها؟)» فأعرضَ عن الجوابِ عن الساعةِ إلى ذكرِ الاستعداد لها؛ لأنَّه هو المأمورُ به وهو الذي يَعْني السائلَ وغيرَهَ ويَنْبغي الاهتمامُ به. وأما جبريلُ: فالظاهرُ - واللهُ أعلمُ - أَنَّه أرادَ بسؤالِهِ عنِ الساعةِ إظهارَ انفراد الله بعلمها دونَ خلقه حتَّى ينقطعَ السؤالُ عنها، فقد كان النبيِّ وَّهِ كثيرًا يُسألُ عنها حتَّى نزلتْ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَاهَا (١) ((المسند)) (٣٨٦/١). (٢) («المسند» (٢ /٨٥ - ٨٦). (٣) راجع ((التفسير)) (٤ / ٢٤٣٨). ٢١٦ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي * الحديث ٥٠ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] ونزلتْ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَاهَا قُلْ إنَّمَا عِلْمُها عندَ رَبِّي لا يُجلِّيهَا لوَقْتُهَا إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وفي روايةٍ عمر بنِ الخطابِ لهذا الحديث: إنَّ جبريلَ قَالَ للنبيِّ وَّه : ((أَخْبرني عن أمارتِها))، وقد ذكرَ لها النبيَّ وَّهِ في هذا الحديثِ علامتينِ: إحداهما: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّها، والمرادُ بالربِّ: السيِّدُ. واختُلفَ في ◌ِ معنى ذلكَ، فقيلَ: المرادُ أنْ يكثُرَ فتوحُ بلادِ الكفرِ والسبيُّ فيكثرُ السراريّ فتلدُ الإماءُ الأولادَ من سادتهنَّ، وولدُ السيدِ بمنزلةِ السيد فتصيرُ الأمةُ ولدتْ ربَّها بهذا الاعتبارِ . ومِنْ هؤلاءِ مَنْ قالَ: أريدَ أنَّ الملوكَ يتخذونَ السراريَّ فتلدُ الإماءُ الملوكَ وهم كالأربابِ للناسِ. ومنهم مَنْ قالَ: إن العَجَمَ تلدُ العربَ، والعرب كالأربابِ للعجمِ. قالَه وکیعُ بنُ الجراحِ. وعلى هذا القولِ قد استدلَّ بالحديثِ مَنْ يرى بيعَ أمهاتِ الأولادِ ومَنْ يمنعُه: أما مَنْ يرى بيعَهنَّ: فاستدلَّ بقوله: ((تلدُ الأمةُ ربَّها)) على أنَّ ولدَ أمِّ الولد ربٌّ لها، فيدلُّ على أنَّ أمَّه رقيقةٌ تنتقلُ إلى ملكِه بوفاةٍ أبيهِ فيرثُها فتعتقُ عليه فيكونُ حينئذ ربَّها حقيقةٌ وتكونُ قبلَ انتقالها إلى ولدها رقيقةً حكمُها كأحكام الفيءٍ(١) من البيعِ وغيرِه، ولولا ذلكَ لم تورَّثْ. (١) في ((ف)) ((تشبه)) بـ (الغبن)) والله أعلم. ٢١٧ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان ومَنْ منعَ بيعَهنَّ: قالَ: قد جُعلَ ولدُ الأمة ربَّها، وهذا يدل على أنَّه ربُّها (٢١٢ - أ / ف) بكلِّ حال سواءٌ ماتَ الأبُ أو كانَ حيّا، فيدلُّ على أنَّ عتقَها مضافٌ إلى الولدِ فكانَ الولدُ هو الذي أعتقَ أمَّه حيثُ كانَ هو سببَ عتقِها، كما رُويَ أن النبيَّ ◌َِِّ قال في ماريةَ لما ولدتْ إبراهيمَ: ((أعتقَها ولدُها))(١). وَمَّن استدلَّ بهذا على منعٍ بيعهِنَّ: الإمامُ أحمدُ. وقيلَ: المرادُ بقولِه ((تلدُ الأمةُ ربَّها)) كثرةُ الفتوحِ في بلادِ الكفارِ، وجلبُ الرقيق حتَّى تُجلبَ المرأةُ من بلدِ الكفرِ صغيرةً فتعتقَ في بلدٍ الإسلامِ، ثم تُجلبَ أمُّها بعدَها فتشتريها البنتُ وتستخدمَها جاهلةً بكونها أمَّها، وقد وقعَ ذلكَ في الإسلامِ . وهذا القولُ مثلُ الذي قبلَه في أنَّ من أشراطِ الساعةِ كثرةَ الفتوح وجلبَ الرقيقِ من بلادِ الكفرِ . وقيلَ: المرادُ بقوله ((أنْ تلدَ الأمةُ ربَّها)) أنْ يكثرَ العقوقُ من الأولاد حتَّى يعاملَ الولدُ أمَّه معاملةَ أمته بالسبِّ والإهانة، ويشهدُ لهذا: أنَّه جاءً (١) هذا الحديث: أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦)، من طريق: الحسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعًا . وأورد البخاري هذا الحديث في ترجمة الحسين من ((التاريخ)) (٣٨٨/٢) وقال: ((ولم يصح)) وأعقبه بأن فُتيا ابن عباس على خلاف هذا. واستنكره ابن عدي - أيضًا - بإيراده هذا الحديث في ترجمة الحسين من ((الكامل)) (٣٥٠/٢). وضعف ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٣٨/٣) الأحاديث في هذا المعنى. وأعلَّ البيهقي في ((السنن)) (٣٤٦/١٠) حديث ابن عباس، وجعل الصواب فيه من قول عمر . وانظر ((أطراف الغرائب)) (٢٥٨٠) بتحقيقنا . ٢١٨ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي الخ الحديث ٥٠ في رواية ((أنْ تلدَ المرأةُ ربَّها)) فلم يخصَّه بالأمة . وقيلَ: المرادُ بقوله ((أنْ تلدَ الأمةُ ربَّها)) أنْ يكثرَ الجهلُ ويقلَّ العلمُ حتَّى تباعَ أمهاتُ الأولاد ولهنَّ أولادٌ فربما تداولُها أيدي الملاك وتطاولتٍ المددُ حتَّى يشتريَها بعضُ أولادِها ويستخدمَها جاهلا بأنَّها أمُّه. وفي هذا القولِ نظرٌ وَبُعْدٌ. وعلى هذا القولِ والذي قبلَه: فالذي مِنْ أشراطِ الساعةِ هو كثرةُ الجهلِ وقلَّةُ العلمِ وفسادُ الأعمالِ بظهورِ العقوقِ والاستهانةِ ببيعِ ما لا و يجوز بيعه . وقيل: بل أرادَ بولادةِ الأمةِ رَبَّها أنَّه يكثرُ عدولُ الناسِ عند النكاحِ إلى التسرِّي فقط، واللهُ أعلمُ. والعلامةُ الثانيةُ: أنْ يتطاولَ رعاةُ الإبلِ البُهُمُ في البنيانِ . والبُهْمُ هنا بضمِ الباءِ، وهو جمعُ بهيمٍ، ثمَّ قيلَ: إنَّ المرادَ به المجهولُ الذي لا يُعْرفُ. قالَه الخطابيُّ(١). فعلى هذا تكونُ الروايةُ ((البُهْمُ)) - بضم الميمٍ - صفةً للرعاةِ. وقيلَ: بل المرادُ به: الذي لا شيءَ لهم، كما قالَ: ((يُحشرُ الناسُ يومَ القيامة حفاةً بُهمًا)). وقيلَ: إنَّ (البُهمِ)) - بكسرِ الميم - صفةٌ للإبلِ، وأنَّ الإبلَ هي السُّدُ. وتطاولُهم في البنيانِ: هو بمصيرِهم ملوكًا ذا ثروةٍ وأموال. (١) ((أعلام الحديث)) (١ / ١٨٢). ٢١٩ الحديث: ٥٠ كتاب الإيمان وفي روايةٍ أنَّ النبيَّ ◌ََّ سُئُلَ عنهم فقالَ: ((هم العريبُ))(١). وهذا وقعَ في زمنٍ بني أميةَ حيثُ كانوا يستعملونَ الأعرابَ الحفاةَ على الناسِ ويستعينونَ بهم على أعمالِهم، ثم لما انتقلَ الملكُ عن العرب إلى غيرِهِم انتقلَ إلى مَنْ كانَ ببلادِهِ كذلكَ. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ من أشراط الساعةِ فسادَ ولاةِ الأمورِ بجهلِهِم وجفائهم، ويشهدُ لهذا: الحديثُ الآخرُ: ((إذا وكلَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظر الساعةَ))(٢). والتطاولُ في البنيانِ من أشراطِ الساعة - أيضًا. وقد خرَّج البخاريُّ(٣) ومسلمٌ من رواية أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّهِ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يتطاولَ الناسُ في البنيان))، وقد كان بناءُ النبيِّ نَّ للمساجدِ والبيوتِ قصيرًا. وَّةُ المسجدَ قال: ((ابنوه ءُ وقد رُويَ عن الحسنِ قال: لما بنى النبي عريشًا كعريشٍ موسى)) قيلَ للحسنِ: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رفعَ يدَه بلغَ العريشَ - يعني: السقف (٤). وعن الحسنِ قال: كنتُ أدخلُ بيوتَ أزواج النبيِّ في خلافة عثمانَ (١) أخرجه محمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١ / ٣٧٥). وعنده: ((العرب)» بدلا من ((العريب)). (٢) أخرجه البخاري (فتح: ٥٩، ٦٤٩٦) من حديث أبي هريرة. (٣) (فتح: ٧١٢١)، وليس عند مسلم، لذلك أشار إليه في ((جامع العلوم والحكم)) (١٢١/١) - طبعتنا - أنه في البخاري فقط. (٤) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢ / ٥٤١، ٥٤٢)، ومن طريقه ابن كثير في ((البداية)) (٢١٥/٣)، وقال: ((هذا مرسل)). ٢٢٠