النص المفهرس

صفحات 101-120

١٥- باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
الحديث: ٢٣
فكنى بالثياب عن الأعمال (١٩٣ - أ/ ف) وهي (١) الدينُ والتقوى
والإيمانُ والإسلامُ، وتطهيرُهُ: إصلاحُهُ وتخليصُهُ من المفسدات له،
وبذلكَ تحصلُ طهارةُ النفسِ والقلبِ والنيةِ، وبه يحصلُ حسنُ الخلق؛
لأن الدينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادةً ودَيْدْنَا وخُلُقًا، قال تعالى ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وفسره ابنُ عباسٍ بالدينِ(٢).
(١) كلمة ((هي)) مكررة في ((ف)).
(٢) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١٢/٢٩)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. قاله
السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٥١/٦).
١٠١

الحديث: ٢٤
كتاب الإيمان
١٦ - فَصْلٌ (١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ:
٢٤ - ابْن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوََّ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ (٢) وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي
الْحَيَاءِ فَقَالَ(٤): ((دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَّ مِنَ الإِيمَانِ)».
هذا المعنَى مرويٌّ عنِ النبيِّ وَّهُ من وجوهٍ كثيرةٍ، وقد سبقَ حديثُ
أبي هريرةَ: ((الحياءُ شعبةُ من الإيمانِ))(٥).
والحياءُ نوعان:
أحدُهما: غريزيٌّ، وهو خُلُقٌ يمنحُهُ اللهُ العبدَ ويجبلُهُ عليه فَيَكُفَّهُ عن
ارتكابِ القبائحِ والرذائلِ، ويحثّهُ على فعلِ الجميلِ وهُو مِن أَعلى مواهبٍ
الله للعبد، فهذا مِنَ الإيمانِ باعتبارِ أَنْه يُؤْثِّر مَا يُؤثرهُ الإيمانُ مِن فعلٍ
الجَميل والكفِّ عن القبيحِ، وربما ارتقَى صاحبُهُ بعده إلى درجةِ الإيمانِ،
فهو وسيلةٌ إليه كما قالَ عمرُ: مَن استحيَى اختفَى، ومَن اختفَى اتقَى،
ومَن اتقى وُقِيَ .
وقالَ بعضُ التابعينَ: تركتُ الذنوبَ حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني
الورعُ.
(١) باب ((الحياء من الإيمان)).
(٢) مسلم (٣٦).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((من الأنصار)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((رسول الله وَلَا)).
(٥) حديث رقم (٩)، باب (٣) ((أمور الإيمان)).
١٠٢

١٦ - باب الحياء من الإيمان
الحديث: ٢٤
وقالَ ابنُ سَمْعُونَ (١): رأيتُ المعاصيَ نذالةً؛ فتركتُها مروءةً؛
فاستحالتْ دیانةٌ(٢).
والنوعُ الثاني: أن يكونَ مكتسبًا، إما من مقامِ الإيمانِ كحياءِ العبدِ من
مقامِهِ بينَ يدي اللهِ يومَ القيامةِ فيوجبُ له ذلك الاستعدادَ للقائِهِ، أو مِن
مقامِ الإحسانِ، كحياءِ العبدِ من اطّلاعِ اللهِ عليه وقربهِ منه، فهذا من
أعلَى خِصالِ الإيمانِ.
وفي حديثٍ مرسلٍ: ((استحيي منَ اللهِ كما تستحيي من رجلينٍ من
صالحي عشيرتكَ لا يفارقانك))، ورُويَ موصولا(٣).
وَاخِلّه عن كشف العورة خاليًا، فقالَ: ((اللهُ أحقُّ أن
يُسْتحيىَ منه))(٤).
وسُئِلَ النبيّ
وفي حديثِ ابنِ مسعودِ المرفوعِ: ((الاستحياءُ من الله: أن تحفظ(٥)
الرأسَ وما وعَى والبطنَ وما حوَى وأن تذكُرَ (٦) الموتَ والبلَى، ومن أرادَ
(١) هو: محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي وسمعون: هو لقب جده
إسماعيل. راجع ((طبقات الحنابلة))، (١٥٥/٢ - ١٦٢)، و((تاريخ بغداد)) (٢٧٤/١ -
٢٧٧)، و((السير)) (١٦/ ٥٠٥ - ٥١١).
(٢) ((طبقات الحنابلة)): (١٥٦/٢)، ذُكر هذا القولُ.
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٢٩/٨)، من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد
الألهاني، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا. وقال ابن معين: علي بن يزيد، عن
القاسم، عن أبي أمامة: هي ضعاف كلها. وانظر «جامع العلوم)) (١/ ١٠٦).
(٤) علقه البخاري في كتاب ((الغسل)) باب (٢٠) ((من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة)) قبل
حديث (٢٧٨)، وأخرجه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤)، وأحمد (٤/٥)،
والحاكم في ((مستدركه)) (١٧٩/٤).
(٥) في ((ف)) بنقط الفاء فقط، وما أثبتناه من الرواية.
(٦) في الرواية: ((ولتذكر)).
١٠٣

الحديث: ٢٤
كتاب الإيمان
الآخرةَ تركَ زينةَ الدنيا، فمن فعلَ ذلك فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء)).
خرَّجهُ الترمذيُّ وغیرُه(١)
وخرَّجَ البخاريُّ في ((تفسيرِهِ»(٢) عن ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى ﴿أَلا
إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٥] أنها نزلت في قومٍ كانوا
يجامعونَ نساءَهُم ويتخلونَ فيستحيونَ من اللهِ فنزلت الآيةُ.
وكان الصديقُ يقول: استحيوا مِنَ اللهِ؛ فإني أذهبُ إلى الغائط فأظل
متقنِّعًا بثوبي حياءً من ربِّي عزَّ وجلَّ (٣).
وكان أبو موسى إذا اغتسلَ في بيتِ مظلمٍ لا يقيمُ صلبَهُ حياءً من الله
=(٤)
عزَّ وجلَّ (٤
٠
قالَ بعضُ السلف: خَف اللهَ على قدرِ قُدرتِه عليكَ، واستحيي منه
على قدرٍ قربه منكَ.
وقد يتولدُ الحياءُ من اللهِ من مطالعةِ النعمِ فيستحيي العبدُ من اللهِ أن
يستعينَ بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلَى خصالِ الإيمانِ.
(١) الترمذي (٢٤٥٨)، وأحمد (٣٨٧/١) من طريق الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني،
عن ابن مسعود .
والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث، وصوبوا وقفه على ابن مسعود وانظر
((جامع العلوم)) (٢٨٨/١).
(٢) (فتح: ٤٦٨١).
(٣) ((الزهد)) لابن المبارك (ص: ١٠٧) وانظره في ((علل الدارقطني)) (١٨٦/١).
(٤) أخرجه أحمد في ((الزهد)) (ص: ٢٤٧)، ومن طريقه أبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ٢٦٠).
١٠٤

ســـ
الحديث: ١٩
فَصْلٌ
قَال البخاريُّ :
١٢ - باب (١٣)
مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ
عَبْدِ الله بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةً،َ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٌ
الْخُدْرَيِّ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ وَّ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُوَنَّ خَيْرَ مَالَ الْمُسَّلِمَ
غَمُ تْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَقَعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِبِهِ مِنَ الْفِتَنِ)»(٣).
بوَّبَ البخاريُّ على أن الفرارَ (١٩٣ - ب/ف) من الفتنِ من الدينِ؛
وليسَ في الحديثِ إلا الإشعارُ بفضلٍ من يفرّ بدينه منَ الفتنِ؛ لكن لما
جعلَ الغنمَ خيرَ مالِ المسلمِ في هذه الحالِ دلَّ على أن هذا الفعلَ من
خصالِ الإسلامِ والإسلامُ هو الدينُ.
وأصرحُ من دلالة هذا الحديث الذي خرَّجه هنا: الحديثُ الذي خرَّجه
في أولِ ((الجهاد)) من رواية الزهريِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبي سعيد
قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَّه:
(١) هذا الباب لم يأت في ترتيبه فجاء بين الباب (١٦) والباب (١٨) وعليه فيكون سقط من
الترتيب والنسخة ((ف)): الباب (١٧) وحديثه رقم (٢٥).
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((أنَّه)) قبل كلمة ((قال).
(٣) أشار المصنف - رحمه الله - (٥/ ٢٢٠) عند شرحه للحديث رقم (٦٠٩) أنه استوفى الكلام
فيما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم: عند شرحه لحديث هذا الباب.
١٠٥

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
((مؤمنٌ يجاهدُ في سبيلِ اللهِ بنفسِهِ ومالِهِ)) قالوا: ثم مَنْ؟ قال: ((مؤمنٌ
في شِعْبٍ مِن الشِّعابِ يتقي اللهَ ويدعُ النَّاسِ مَن شرِّهِ))(١). وليسَ في هذا
الحديث ذكرُ الفتنِ.
وَلٌ: أيُّ المؤمنينَ أكملُ
و
وخرَّجهُ أبو داودَ(٢)، وعنده: سُئلَ النبيّ
إيمانًا؟، فَذَكره.
وهذا فيه دلالةٌ على أن الاعتزالَ عن الشرِّ من الإيمانِ.
وفي ((المسندِ)) و((جامعِ الترمذيِ)، عن طاوسٍ، عن أمِّ مالكِ البهزيةِ
قالت: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((خيرُ النَّاسِ في الفتنةِ: رجلٌ معتزلٌ في
ماله، يعبدُ ربَّهُ ويؤدِّي حقَّهُ، ورجلٌ آخذٌ بعنانِ فرسِه في سبيلِ اللهِ))(٣).
ورُوِيَ عن طاوسٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َّهِ.
خرَّجُهُ الحاكمُ (٤).
ورُوِيَ عن طاوسٍ مرسلا.
وخرَّجَ الحاكمُ - أيضًا - من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: ((أظلتْكُم فتنٌ
كقطعِ الليلِ المظلمِ أنجَى النَّاسِ منها: صاحبُ شاهقةٍ يأكلُ من رِسْلِ
غنمها، ورجلٌ من وراء الدروبِ آخذٌ بعنانِ فرسِهِ يأكلُ من فيءِ
سيفه))(٥) .
٠٠
ءُ
وقد وقَفَه بعضهم .
(١) (فتح: ٢٧٨٦).
(٣) ((المسند)) (٤١٩/٦)، والترمذي (٢١٧٧).
(٤) (٤ / ٤٤٦، ٤٦٤).
(٢) (٢٤٨٥).
(٥) الحاكم (٢/ ٩٣).
١٠٦

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
فهذه الرواياتُ المقيدةُ بالفتنِ تقضي على الرواياتِ المطلقةِ.
وحديثُ أبي سعيد الذي خرَّجهُ البخاريّ هنا لم يخرجه مسلمٌ.
وقد رُويَ عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عبد الرحمنِ، عن أبي
سعید؛ وهو وهم.
ورُويَ عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي صعصعةَ، عن
نهار العبديِّ، عن أبي سعيدٍ؛ وذِكرُ (نهارٍ)) في إسنادِهِ: وهمٌ. قاله
"(١)
الدار قطنيُّ(١) .
فقوله وَُّ ((يوشكُ)) تقريبٌ منه للفتنةِ، وقد وقعَ ذلك في زمنِ
عثمانَ كما أخبرَ بِهِ وَُّلّ وهذا من جملةِ أعلامِ نبوتِهِ وَه .
وإنما كانتِ الغنمُ خيرَ مالِ المسلمِ - حينئذ -؛ لأن المعتزلَ عن الناسِ
بالغنمِ يأكلُ من لحومِها ونتاجِها ويشربُ مِن ألبانِها ويستمتعُ بأصوافِها
باللبسِ وغيرِهِ، وهي ترعَى الكلأَ في الجبالِ وتَرِدُ المياهَ؛ وهذه المنافعُ
والمرافقُ لا توجدُ في غيرِ الغنمٍ؛ ولهذا قالَ: ((يتبعُ بها شعفَ الجبال))
وهي رءوسُهَا وأعاليها؛ فإنها تعصمُ مَنْ لجأ إليها من عدوٍّ.
و((مواقعَ القطرِ)) لأنه يجدُ فيها الكلأَ والماءَ فيشربُ منها ويسقِي غنمَه
وترعى غنمُه من الكلأ.
وفي ((مسندِ البزارِ))، عن مخولِ البهزيِّ سمعَ النبيَّ،وَلِّ يقولُ:
((سيأتي على الناس زمانٌ خيرُ المال فيه غنمٌ بينَ السَّجِدَتَين(٢) تأكلُ من
(١) في ((علله))، (٤ / ق٢ - ب٠. ٣ - أ).
(٢) رسمها في ((ف)) بدون نقط ولعلها هكذا، وفي ((مسند أبي يعلى)) (١٣٨/٣):
((المسجدین)).
١٠٧

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
الشجر وتردُ الماءَ، يأكلُ صاحبُها من رِسْلِهَا ويشربُ من ألبانِهَا ويلبسُ من
أشعارِهَا - أو قال: من أصوافِهَا -، والفتنُ ترتكسُ بين جراثيمِ العربِ))(١).
١
ورُويَ هذا المعنى عن عبادَة بنِ الصامتِ من قوله.
وواحدُ الجراثيمِ: جرثومةٌ؛ وهي أصلُ الشيءٍ.
وفي هذا دلالةٌ على أنَّ من خرجَ من الأمصارِ فإنه يخرجُ معه بزادٍ
وما يقتاتُ منه.
وقوله: (١٩٤ - أ/ف) ((يفرُّ بدينهِ من الفتنِ)) يعني: يهربُ خشيةً
على دينه من الوقوعِ في الفتنِ؛ فإن من خالطَ الفتنَ وأهلَ القتالِ على
الملكِ لم يسلمْ دينُهُ من الإثمِ إما بقتلِ معصومٍ أو أخذِ مال معصومٍ أو
المساعدةِ على ذلك بقولٍ ونحوِهِ وكذلك لو غلبَ على الناسِ من يدعوهم
إلى الدخولِ في كفرٍ أو معصيةٍ حَسُنَ الفرار منهُ.
وقد مدحَ اللهُ من فرَّ بدينه خشيةَ الفتنة عليه فقالَ - حكايةً عن
أصحابِ الكهفِ - ﴿وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى
الْكَهْف﴾ الآية [الكهف: ١٦].
وروَى عروةُ، عن كُرزِ الخزاعيِّ قالَ: سألَ رسولَ اللهِ وَّهِ أعرابيّ:
هل لهذا الإسلامِ من منتهى؟ قالَ: ((من يرد الله به خيرًا من عرب أو
عجم أدخله عليه)) قالَ: ثم ماذا؟ قال: ((تقعُ فتنٌ كالظُّلَلِ)) قالَ: كلا يا
(١) (كشف: (١٣٥٨) مختصراً وليس فيه محل الشاهد، وفي إسناده محمد بن سليمان بن
مسمول، قال فيه أبو حاتم: ((ليس بالقوي ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه
((الجرح)) (٢٦٧/٧)، وقد أخرجه مطولاً بمحل الشاهد: أبو يعلى (١٣٧/٣) بنفس
الإسناد، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٥٤٢) وفيه سليمان الشاذكوني، قال ابن
معين في رواية ابن الجنيد: ((يكذب ويضع الحديث)) ا. هـ .
١٠٨

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
نبيَّ الله، قال: ((بلى، والذي نفسي بيده لتعودونَّ فيها أساودَ صُبّا يضربُ
بعضُكُمْ رِقَابَ بعضٍ، وخيرُ الناسِ يومئذٍ: رجلُ يتقِي ربَّهُ ويدعُ الناسَ
من شرِّ))(١).
الأساودُ: جمعُ أَسْوَدَ، وهو أخبثُ الحياتِ وأعظمُهَا.
والصُّبُّ: جمع صُّبُوب، على أن أصلَهُ: صُبْبٌ كرسولِ ورُسُلٍ، ثم
خفف كرسلٍ؛ وذلك أن الأسودَ إذا أرادَ أن ينهشَ ارتفعَ ثم انصبّ على
الملدوغِ، ويروى ((صبى)) على وزنِ ((حبلَى)) .
وفي (الصحيحين)) عن حذيفةً أن النبيَّ وَّهِ ذكَر له الفتنَ فقال له:
فما تأمرني يا رسولَ اللهِ إن أدركني ذلك؟ قالَ: «تلزمُ جماعةَ المسلمينَ
وإمامهم)) قال: فإن لم يكن جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قالَ: ((فاعتزل تلكَ الفرقَ
كلها، ولو أن تعضّ بأصلِ شجرةٍ حتى يدرككَ الموتُ وأنت على
ذلك))(٢).
وقد اعتزلَ جماعةٌ من الصحابةِ في الفتنِ في البوادي.
وقال الإمامُ أحمدُ: إذا كانت الفتنةُ فلا بأسَ أن يعتزلَ الرجلُ حيثُ
شاءَ، فأما إذا لم يكن فتنةٌ فالأمصارُ خيرٌ.
فأما سكنَى البوادي على وجهِ العبادةِ وطلبِ السياحةِ والعزلةِ فمنهي
عنه، كما في الترمذيِّ و((صحيحِ الحاكم))، عن أبي هريرةَ قالَ: مرَّ رجلٌ
من أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَّ بشعبِ فيه عيينةٌ من ماء عذبٍ فأعجبه طِيبُهُ
(١) أحمد (٤٧٧/٣)، وابن حبان (الإحسان: ٢٨٧/١٣).
(٢) (فتح: ٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧).
١٠٩

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
وحسنُهُ فقالَ: لو اعتزلتُ الناسَ وأقمتُ في هذا الشعب ولا أفعلُ حتى
أستأمرَ رسولَ اللهِ وَّهِ، فاستأمرَه فقال: ((لا تفعلْ؛ فإن مقامَ أحدكم في
سبيلِ اللهِ أفضلُ من صلاتِهِ في أهلِهِ ستينَ عامًا))(١).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ نحوه من حديث أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَله
وفيه: أن النبيَّ وَّهِ قالَ: ((لم أُبْعثْ باليهوديَّة ولا بالنصرانيَّةِ؛ ولكني
بعثتُ بالحنيفيَّةِ السَّمحةِ))(٢) وذكرَ باقيه بمعناه.
وخرَّجَ أبو داودَ من حديث أبي أمامةَ أن رجلا قالَ: يا رسولَ الله!
ايذن لي بالسياحةِ، فقالَ النبيِّ وَّ: ((إن سياحةَ أمتي: الجهادُ في سبيلِ
الله))(٣) .
وفي ((المسندِ)) عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَلّ قال: ((عليكَ بالجهاد؛
فإنه رهبانيةُ الإسلامِ» (٤).
وفي مراسيلٍ طاوس، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا رهبانيةَ في الإسلامِ
ولا سياحةَ».
وفي المعنى مراسيلُ أخرُ متعددة.
قال الإمامُ أحمدُ: ليست السياحةُ من الإسلامِ في شيءٍ ولا من فعلٍ
النَّبيِينَ ولا الصالحِينَ.
والسياحةُ على هذا الوجه قد (١٩٤ - ب/ف) فعلَهَا طوائفُ ممن
ينسبُ إلى عبادةٍ واجتهادٍ بغيرِ علمٍ، ومنهم من رجعَ لَّا عرفَ ذلكَ. وقد
كانَ في زمنِ ابنِ مسعودٍ جماعةٌ من المتعبدينَ خرجُوا إلى ظاهرِ الكوفةِ
(١) الترمذي (١٦٥٠)، والحاكم (٦٨/٢)، وقال الترمذي: ((حديث حسن)).
(٢) أحمد (٢٦٦/٥).
(٤) ((المسند)» (٣/ ٨٢).
(٣) أبو داود (٢٤٨٦).
١١٠

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
٩
وبنوا مسجدًا يتعبدونَ فيه، منهم: عَمْرو بْنُ عُتْبَةَ، ومفضل العجليّ،
فخرجَ إليهم ابنُ مسعودٍ وردَّهُم إلى الكوفةِ وهدَمَ مسجدَهم وقالَ: إما أن
تكونوا أهدَى من أصحابِ محمدٍ أو تكونوا متمسكينَ بذَنَبِ الضلالةِ.
وإسنادُ هذا صحيحٌ عن الشعبيِّ أنه حكى ذلك.
وقد رأَى عبدُ اللهِ بْنُ غَالبِ الحدانيَّ رجلا في فلاة يأتيه رزقُهُ لا
يدري من أين يأتيه فقالَ له: إن هذه الأمةَ لم تؤمر بهذا؛ إنما أمرت
بالجمعة والجماعةِ وعيادة المرضَى وتشييعِ الجنائزِ، فقَبِلَ منه وانتقلَ من
ساعتِهِ إلى قريةٍ فيها هذا كلُّه.
خرَّجَ حكايتَه ابنُ أبي الدنيا.
ورُويَ نحوُ هذه الحكاية - أيضًا -، عن أبي غالبِ صاحبِ أبي أمامةَ
وره .
الباهليِّ. خرجها حميدُ بنُ زَنْجُويَه.
وكذلكَ سكنَى البوادِي لتنميةِ المواشي والأموالِ - كما جرَى لثعلبةَ
في مالهِ - فمذمومٌ - أيضًا.
وفي ((سننِ ابنِ ماجه))، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: ((ألا هلْ عسَى
أحدُكم أن يتخذَ الصَّبَّةَ من الغنمِ على رأسِ ميلٍ أو ميلينِ فيتعذرُ عليه
الكلأُ فيرتفعُ ثم تجيءُ الْجُمُعَةُ فلا يشهدها وتجىء الجمعةُ فلا يشهدها(١)
حتى يُطْبَعَ على قلبِهِ»(٢) .
وخرَّجهُ الخَلالُ من حديث جابرٍ بمعناه (٣) - أيضًا.
(١) ((وتجيء الجمعة فلا يشهدها)) في ((السنن)) كررها ثلاثا.
(٢) ابن ماجه (١١٢٧) وسيأتي كلام المصنف على هذا الحديث عند شرحه لترجمة الحديث
رقم (٩٠٢).
(٣) وسيأتي ذكر المصنف له بلفظه والكلام عليه عند شرحه لترجمة الحديث رقم: (٩٠٢)
من («كتاب الجمعة)) الباب: (١٥).
١١١

الحديث : ١٩
كتاب الإيمان
وخرَّجَ حميدُ بنُ زَنْجويه من رواية ابنٍ لَهِيْعَةَ: ثنا عمر (١) مولَى غفرةَ
أنه سمعَ ثعلبةَ بنَ أبي مالكِ الأنصاريَّ يقولُ: قالَ حارثةُ بنُ النُّعْمان:
قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((يخرجُ الرجلُ في حاشيةِ القريةِ في غنيمةٍ يشهدُ
الصلواتِ ويَؤُبُ إلى أهلِهِ حتى إذا أكلَ ما حولَه وتعذرت عليه الأرضُ
قالَ: لو ارتفعت إلى رَدعةِ هي أعفى كلا من هذه، فيرتفعُ حتى لا يشهدَ
من الصلواتِ إلا الجمعةَ حتى إذا أكلَ ما حولَهُ وتعذرت عليه الأرضُ
قالَ: لو ارتفعت إلى رَدعةٍ هي أعفى كلا من هذه فيرتفعُ حتى لا يشهدَ
جمعةً ولا يدري متى الجمعةُ حتى يطبعَ اللهُ على قلبِهِ)).
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ بمعناه(٢) .
وفي ((سنن أبي داودَ)) والترمذيِّ وغيرِهما، عن أبي هريرةَ (٣)، عنِ
النبيِّ وَّهِ قالَ: (مَنْ سكنَ الباديةَ جفَا)).
(١) هكذا في ((ف)): ((عمر))، وهو الصواب، وأقحم فوق الراء ما يشتبه بحرف الواو، أو
الضمة، والأخيرة ليست من عادته.
(٢) ((المسند)» (٤٣٣/٥ - ٤٣٤).
(٣) أبو داود (٢٨٦٠)، وقال بمعنى حديث مسدد - يعني حديث ابن عباس الذي قبله - وزاد
فيه التنفير من لزوم السلطان وقال المزي في «التحفة)) (١٠٣/١١): ((هذا الحديث في
رواية أبي الحسن بن العبد، وأبي بكر بن داسة، عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم)).
ولم يعزُ المزي هذا الحديث للترمذي من مسند أبي هريرة، واقتصر على أبي داود، وعزاه
للترمذي وأبي داود من مسند ابن عباس.
وقال الترمذي عقب حديث ابن عباس (٢٢٥٦): ((وفي الباب عن أبي هريرة)) ولم
يخرجه، فإن لم يكن في بعض نسخ الترمذي - وما أكثرها - فهو وهمٌ.
وعزاه المصنف في جزء: ((شرح حديث ماذئبان جائعان)) (ص: ٤١) بتحقيقنا إلى أبي داود
وأحمد فحسب، ولم يذكر الترمذي، ولعله الصواب.
=
١١٢

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
وقالَ ابنُ مسعود في الذي يعودُ أعرابيا بعد هجرته: إنه ملعونٌ على
لسان محمد ێ.
وفي ((الصحيحين)) (١) أن سلمةَ بنَ الأكوعِ قالَ: أذنَ لي رسولُ الله
و وي
نَّ فِي البُدُوِّ.
وفي روايةٍ للبخاريِّ: أن سلمةً لما قُتِلَ عثمانُ خرجَ إلى الربذةِ فلم
يزل بها حتى قبلَ أن يموتَ بليالٍ نزلَ المدينةَ(٢).
وفي ((المسندِ)) أن سلمةَ قدمَ المدينةَ فقيل له: ارتددت عن هجرتِكَ یا
سلمةُ؟ فقالَ: معاذَ اللهِ إني في إذن من رسولِ اللهِ وَّةِ؛ إني سمعتُ
رسولَ اللهِ وَلَيهِ يقولُ: ((ابدوا يا أسلم، فَتَنَسَّمُوا الرِّاحَ واسْكُنُوا الشِّعَابَ))
فقالوا: يا رسولَ الله! إنا نخافُ أن يضرنا ذلكَ في هجرتنا، قالَ: ((أنتم
مهاجرونَ حيثُ ما كنتم))(٣).
وفي الطبرانيًّ، عنِ ابنِ عمَر أنه قيلَ له: يا أبا عبد الرحمنِ! قد
= وحديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، وذكره البخاري في
((الكنى)) (ص: ٧٠) - في ترجمة أبي موسى - وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٢/٤) وقال
الترمذي عقبة - كما في ((التحفة))(٢٦٦/٥) و ((تفسير ابن كثير)) (١٤٠/٤): ((حسن
غريب))، والذي في المطبوع: ((حسن صحيح غريب)).
وأبو موسى راوي الحديث قال ابن القطان مجهول، ونبه الحافظ في ((التهذيب)) (٢٦١/١) و
(١٢/ ٢٥٢) على أنه غير أبي موسى إسرائيل بن موسى، وقال: فرق بينهما غير واحد.
وحديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٢٨٦٠)، وأحمد (٣٧١/٢، ٤٤٠) وغيرهما. وفيه
اختلاف على أبي هريرة ذكرناه في ((أطراف الغرائب)) (١٤٢٢) بتحقيقنا .
(١) (فتح: ٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢).
(٣) («المسند» (٥٥/٤).
(٢) (فتح: ٨٠٨٧).
١١٣

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
أعشبت القفارُ فلو ابتعتَ أعنزًا فتنزهتَ تَصحّ، فقالَ: لم يؤذن لأحد منا
في البداءِ غير أسلمَ)(١) .
وأسلمُ : هي : قبيلةُ سلمةَ بنِ الأكْوَعِ.
وقد ترخصَ كثيرٌ منَ الصحابةِ من المهاجرينَ وغيرهم في سكنَى
البادية، كسعد بن أبي وقاصٍ وسعيدِ بنِ زيدٍ؛ فإنهما لزما منزلهما
بالعقيقِ فلم يكونا يأتيانِ المدينةَ (١٩٥ - أ/ف) في جمعة ولا غيرها حتى
لحقًا باللهِ عزَّ وجلَّ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا في كتابِ (العَزْلِ).
وكان أبو هريرةَ ينزلُ بالشجرةِ، وهي ذو الحُلَيْفَةَ.
وفي ((صحيحِ البخاريِّ)، عن عطاء قالَ: ذهبتُ معَ عبيدِ بنِ عميرٍ
إلى عائشةَ وهي مجاورة بِشَبِيرِ فقالت لنا: انقطعت الهجرةُ منذٌ(٢) فتحَ اللهُ
على نبيِّهِ وَ ظله مكةً(٣).
وفي رواية له: قالَ: فسألناها عن الهجرة، فقالت: لا هجرةَ اليومَ،
كانَ المؤمنون يفرَّ أحدُهم بدينِهِ إلى اللهِ وإلى رسولِهِ مخافةً أن يفتنَ عليه،
فأما اليومَ فقد أظهرَ اللهُ الإسلامَ، والمؤمنُ يعبدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ؛ ولكن
جهادٌ ونیةُ(٤).
وهذا يُشعرُ بأنها إنما كانت تبدُو؛ لاعتقادِهَا انقطاعَ الهجرةِ بالفتحِ.
(١) ((الأوسط)) (٧٥٣٣)، وتفرد به أبو مريم عبد الغفار بن القاسم، قال فيه ابن معين في
رواية الدوري (٣٦٦/٣): ((ليس بشيء))، ومسلم بن جرهد الراوي عن ابن عمر لم نجد
من ترجمه، ولم يرو عن ابن عمر حديثًا غير هذا كما نص عليه الطبراني .
(٢) في الرواية: ((مذ)).
(٤) (فتح: ٣٩٠٠).
(٣) (فتح: ٣٠٨٠).
١١٤

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
وكانَ أنسُ بنُ مالك يسكنُ بقصرِهِ بالزاويةِ خارجَ البصرةِ، وكان ربما
شهدَ الجمعةَ وربما لم يشهدها.
وقد نصَّ أحمدُ على كراهةِ المقامِ بقريةٍ لا يُقامُ فيها الجمعةُ وإن
أقيمت فيها الجماعةُ.
وقد يحملُ ذلكَ على من كانَ بمصرِ جامع يجمع فيه، ثم تركه وأقامَ
بمكان لا جمعةً فیه.
وفي كلامه إيماءٌ إليه - أيضًا.
وقد يُحملُ كلامُهُ على كراهةِ التنزيةِ دُونَ التحريمِ .
فأما المقامُ بقرية لا جمعةَ فيها ولا جماعة فمكروهٌ.
وقد قالَ أبو الدرداءِ لَمَعْدَان بنِ أبي طَلحةَ: أين تنزلُ؟ فقال: بقرية
دونَ حمصٍ، فقالَ له: إن رسولَ اللهِ وَلَيهِ قالَ: ((ما من ثلاثةِ في قريةٍ
ولا بدوٍ لا يؤذنُ ولا يقامُ فيهم الصلاةُ إلا استحوذَ عليهمُ الشيطانُ،
فعليكَ بالجماعةِ؛ فإن الذئبَ يأكلُ القاصيَةَ)).
خرَّجه النسائيُ(١) وغيرُه.
وخرَّجه أحمدُ وأبو داودَ مختصرًا (٢).
وفي روايةٍ لأحمدَ: ((فعليكَ بالمدائنِ ويحكَ يا مَعْدَانُ)(٣).
وفي ((المسندِ)) - أيضًا -، عن معاذٍ، عنِ النبيِّ نَ له قالَ: ((إن الشيطانَ
(١) في ((المجتبى)) (١٠٦/٢ - ١٠٧).
(٢) أحمد (١٩٦/٥)، (٤٤٦/٦) وأبو داود (٥٤٧).
(٣) ((المسند)» (٤٤٥/٦ - ٤٤٦).
١١٥

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
ذئبُ الإنسان كذئبِ الغنم، يأخذُ الشاةَ القاصيَةَ والناحيةَ؛ فإيَّاكم
والشِّعابَ وعليكم بالجماعةِ والعامةِ والمساجدِ))(١).
فنهى عن سُكْنَى الشِّعابِ - وهي البوادي - وأمرَ بسُكْنَى الأماكنِ التي
ـو و
فيها عامةُ النَّاسِ ومساجدُهُم وجماعتهم.
وقد رُويَ عن قتادة أنه فسرَ الشِّعابَ في هذا الحديثِ بشِعابِ الأهواءِ
المضلةِ المخالفةِ لطريقِ الهدي المستقيمِ.
خرَّجهُ أبو موسَى المديني عنه بإسناده.
وفي هذا بُعدٌّ؛ وإنما فُسِّرَ بهذا المعنى قولُ النبيِّ نَّهِ: ((مَنْ فارقَ
الجماعةَ قَيَدَ شِيرٍ فقد خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنُقِهِ))(٢)؛ فإن الأوزاعيّ
فسره بالبدعةِ يخرجُ إليها الرجلُ من الجماعةِ.
فأما الخروجُ إلى الباديةِ أحيانًا للتََّرُّهِ ونحوه في أوقاتِ الربيعِ وما
أشبهه: فقد وردَ فيه رخصةٌ:
ففي ((سنن أبي داودَ))، عن الْمِقْدَامِ بْنِ شريحٍ، عن أبيه أنه سألَ
عائشةَ: هل كانَ النبيُّ بِّه يبدُو؟ فقالت: نعم إلى هذه التِّلاعِ، ولقد بدا
مرةً فأُتِيَ بناقةٍ مُخَرَّمة فقالَ: ((اركبيها يا عائشةُ وارفقي؛ فإن الرفقَ ما كانَ
في شيءٍ إلا زَانَه ولا نُزِعَ منه إلا شانَهُ»(٣).
وخرَّج مسلمٌ آخرَ الحديثِ دونَ أوله(٤).
(١) ((المسند)) (٢٣٢/٥ - ٢٣٣، ٢٤٣).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود (٤٧٥٨).
(٣) أبو داود (٢٤٧٨، ٤٨٠٨).
(٤) مسلم (٢٥٩٤).
١١٦

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
ووردَ النَّهيُ عنه؛ ففي ((المسندِ))، عن عقبةَ بْنِ عَامٍ، عنِ النبيِّ وَّ.
قالَ: ((هلاكُ أمتي في اللبن)) قيلَ: يا رسولَ الله! ما اللبنُ؟ قال: ((تحبونَ
اللبنَ وتدعون الجماعاتِ والْجُمُعَ وتبدونَ)(١).
وفي إسنادِهِ: ابنُ لهيعةً.
وإن صحَّ فُيُحْملُ على إطالةِ المقامِ بالباديةِ مدةَ أيامٍ كثرةِ اللبنِ كلها
وهي مدةٌ طويلةٌ يدعون فيها الجُمُعَ والجماعاتِ .
وعن أبي عبدِ اللهِ الجدليِّ قالَ: فضلُ أهلِ الأمصارِ على (١٩٥ -
ب/ ف) أهلٍ (٢) القرى كفضلِ الرجالِ على النساءِ، وفضلُ أهلِ القرى
على أهلِ الكفورِ (٣) كفضلِ الأحياءِ على الأموات، وسكانُ الكفور كسكان
القبورِ، وإن اللبنَ والعشبَ ليأكلان إيمانَ العبد كما تأكلُ النارُ الحطبَ.
خرَّجَهَ حُميدُ بنُ زَنْجويه، وروَى بإسنادِهِ عن مَكْحُولٍ معنى أولِهِ.
ونصَّ أحمدُ - في روايةٍ مهنَّا - على كراهيةِ الخروجِ إلى الباديةِ لشربٍ
اللبنِ ونحوه تنزهًا لِمَا به مِنْ تركِ الجماعةِ؛ إلا أن يخرجَ لِعلةٍ، يعني:
إنه إذا خرجَ تداويًا لعلةٍ به جازَ، كما أذنَ النبيُّ ◌َّ للعرنيين لما اجْتَووا
المدينةَ أن يخرجُوا إلى الباديةِ ليشربُوا من ألبانِ الإبلِ وأبوالها (٤).
قال أبو بكر الأثرمُ: النَّهيُ عن التبدِّي محمولٌ على سكنَى الباديةِ
(١) ((المسند)) (١٥٥/٤) بلفظ ((هلاك أمتي بالكتاب واللبن)).
(٢) كلمة ((أهل)) مكررة في ((ف)).
(٣) كتب فوقها في ((ف)): ((الكفور جمع كفر وهو ما بَعُدَ من الأرض عن الناس ولا يَمر به
أحد».
(٤) إشارة إلى حديث البخاري (فتح: ٤١٩٢).
١١٧

الحديث: ١٩
كتاب الإيمان
والإقامة بها، فأما التبدِّي ساعةً أو يومًا ونحوه فجائزٌ. انتهى.
وقد كانَ السلفُ كثيرٌ منهم يخرجُ إلى الباديةِ أيامَ الثمارِ واللبنِ .
قال الجريريُّ: كانَ الناسُ يبدونَ هاهنا في الثمارِ - ثمار البصرةِ -،
وذكرَ منهم عبدَ اللهِ بنَ شقيقٍ وغیرَه.
وكانَ علقمةُ يتبدَّا إلى ظهرِ النجفِ(١).
وقالَ النخعيُّ: كانت البداوةُ إلى أرضِ السوادِ أحبَ إليهم من البداوةِ
إلى أرضِ الباديةِ .
يعني أنَّ الخروجَ إلى القرَى أهونُ من الخروجِ إلى البوادِي.
وكان بعضُهُم يمتنعَ من ذلكَ لشهودِ الجماعةِ .
فروى أبو نعيمٍ بإسنادِهِ، عن أبي حرملةَ قالَ: اشتكى سعيدُ بنُ
المسيّبِ عينَهُ فقيلَ له: يا أبا محمد! لو خرجتَ إلى العقيقِ فنظرتَ إلى
الخضرةِ ووجدتَ ريحَ البريةِ لنفعَ ذلك بصرَكَ، فقالَ سعيدٌ: وكيفَ أصنعُ
بشهودِ العشاء والعتمة(٢)؟
وما ذكره الأثرمُ من التفريقِ بينَ قصرِ المدةِ وطولها حسنٌ؛ لكنه حَدَّ
القلیل بالیومِ ونحوه؛ وفيه نظر.
وفي ((مراسيلٍ أبي داودً)) من روايةٍ معمرٍ، عن موسى بنِ شيبةَ قالَ:
قالَ رسولُ اللهِ وَّ: (مَنْ بدا أكثرَ من شهرينِ فهي أعرابيةٌ)(٣).
(١) ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٣٥/١٢).
(٢) ((الحلية)) (١٦٢/٢).
(٣) ((مراسيل أبي داود)) (ص/ ٢٣٥).
١١٨

١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
الحديث: ١٩
وروى حُمَيْدُ بْنُ زَنْجويه بإسناده، عن خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عن أبي
هاشمٍ قالَ: بلغني أن من نزلَ السَّوادَ أربعينَ ليلةً كُتُبَ عليه الجفًا.
وعن معاويةَ بن قرةَ قالَ: البداوةُ شهران فما زادَ فهو تَعرُّبٌ (١).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٣٦)، وفيه كلمة ((حرب)) مكان كلمة ((تعرب)).
١١٩

الحديث: ٢٦
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
٩
قال البخاري :
١٨ - بأبٌ(١)
مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ؛ لِقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَتَلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي
أُورِثْتُمُوهَا بِمَاَ كُنْتُمَّ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخَرِفَ: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
فِي قَوْلِهَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[الحجْر: ٩٢]: عَنْ قَوْل لا إلَهَ إلا اللهُ.
وَقَالَ ﴿لِمِثِلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصَّافَات: ٦١].
ثُمَّ خرَّج حدیثَ:
٢٦ - أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ (٢) ◌ََّ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ
بالله وَرَسُولَه)) قِيْلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الَجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) قَيِلَ: ثُمَّ مَّاذَا؟
قَالَّ: ((حَجُّ مَّبْرُؤَّرٌ)).
مَقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: أن الإيمان كلَّه عملٌ؛ مناقضةً لقول مَنْ
قال: إِنَّ الإيمانَ ليس فيه عملٌ بالكليةِ؛ فإِنَّ الإيمانَ أَصْلُه تصديقٌ
بالقلب، وقد سبق ما قرره البخاريَّ أَنَّ تصديقَ القلب كسبٌ له وعملٌ،
ويَتْبع هذا التصديقَ قولُ اللِّسانِ.
ومقصودُ البخاريِّ هَاهُنا: أَنْ يُسمَّى عملا - أيضًا -، وأمَّا أعمالُ
الجوارحِ فلا ريبَ في دخولِها في اسمِ العملِ، ولا حاجةَ إلى تقريرِ
(٢) في ((اليونينية)): ((رسول الله)).
(١) سقط من ((ف)) الباب (١٧).
١٢٠