النص المفهرس

صفحات 81-100

١١ - باب
الحديث: ١٨
وزيدِ بنِ أسلمَ، وهو قول الثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ، واختيار ابنِ جريرٍ
وغيره من المفسرين (١).
والثاني: أنه ليسَ بكفارة بمجردِهِ، فلابدَّ من توبةٍ .
وهو مرويٌّ عن صفوانَ بنِ سليمٍ وغيرِهِ، ورجحه ابنُ حزم(٢)،
وطائفةٌ من متأخرِي المفسرينَ كالبغويِّ وأبي عبدِ اللهِ بنِ تيميةَ وغيرهما.
واستدلُّوا بقولِهِ تعالَى في المحاربينَ: ﴿ذَلِكَ لهم خِزْيٌّ في الدُّنْيَا وَلَهِمْ فِي
الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلا الذينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٣].
وقد يجابُ عن هذا: بأن ذكرَ عقوبة الدنيا والآخرةِ لا يلزمُ
اجتماعهما؛ فقد دلَّ الدليلُ على أن عقوبةَ الدنيا تُسقطُ عقوبةَ الآخرةِ.
وأما استثناءُ الذينَ تابوا فإنما استئناهُم مِنْ عقوبةِ الدُّنْيا خاصةً؛ ولهذا
خصهم بما قبلَ القدرةِ، وعقوبةُ الآخرةِ تندفعُ بالتوبةِ قبلَ القدرةِ وبعدها .
ويدلُّ على أن الحدَّ يُطَهِّرُ الذنبَ: قول ماعزِ للنبيِّ نَّهَ: إني أصبتُ
حدّاً فطهرني. وكذلكَ قالت له الغامديةُ(٣) ولم ينكر عليهما النبيّ
صَلَ اللّه
93
عالي
وسام
ذلكَ؛ فدلَّ على أن الحدَّ طهارةٌ لصاحبه.
ويدخلُ (١٨٩ - ب / ف) في قولِ النبيِّ وَّ: ((من أصابَ شيئًا من
ذلكَ فعوقبَ به في الدنيا فهو كفارتُهُ)): العقوباتُ القدريةُ من الأمراضِ
والأسقامِ.
والأحاديثُ في تكفيرِ الذنوبِ بالمصائب كثيرةٌ جدّاً.
(١) ابن جرير فى ((تفسيره)) (١٦٩/٦ - ١٧٠).
(٢) راجع ((المحلى)) (١١ / ١٢٤).
(٣) انظر (الفتح: ٦٨٢٤)، ومسلم (١٦٩٥).
٨١

الحديث: ١٨
كتاب الإيمان
وهذه المصائبُ يحصلُ بها للنفوسِ من الألمٍ نظيرُ الألمِ الحاصلِ
بإقامة الحدِّ وربما زادَ على ذلك كثيرًا.
وقد يقالُ في دخولِ هذه العقوباتِ القدريةِ في لفظِ حديث عبادةَ
نظرٌ؛ لأنه قابلَ من عوقبَ في الدنيا سترُ اللهُ عليه، وهذه المصائبُ لا
تنافي السترَ، واللهُ أعلمُ.
والقسمُ الثاني: أن لا يُعَاقبَ في الدنيا بذنبِهِ؛ بل سُتِرَ عليه ذئبُهُ
ويعافى من عقوبتِهِ .
فهذا أمرُه إلى الله في الآخرة إن شاءَ عذبَهُ وإن شاءَ عفا عنه؛ وهذا
موافقٌ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿إِنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يشركَ به ويغفرُ ما دُونَ
ذَلَكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وفي ذلكَ ردُّ على الخوارجِ والمعتزلةِ في
قوله: إنَّ اللهَ يخلده في النارِ إذا لم يتب.
وهذا المستورُ في الدنيا له حالتان:
إحداهما: أن يموتَ غيرَ تائبٍ، فهذا في مشيئة الله - كما ذكرنا.
والثانيةُ: أن يتوبَ من ذنبِهِ .
فقال طائفةٌ: إنه تحت المشيئة - أيضًا -، واستدلّوا بالآية المذكورة
م
وحديث عبادةً.
والأكثرونَ على أن التائبَ من الذنب مغفورٌ له وأنه كمنْ لا ذنبَ لهُ
كما قالَ تعالَى ﴿إلا من تَابَ وَآمَنَ وعَمَلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يبدِّل اللهُ
سَيِّئَاتهم حسناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغفرةٌ من
٨٢

١ ١ - باب
الحديث: ١٨
ربهم وجنات تجري من تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خالدينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٣٦].
فيكون التائبُ - حينئذ - ممن شاءَ اللهُ أن يغفرَ له.
واستدلَّ بعضهم - وهو ابنُ حزمٍ(١) - بحديثٍ عبادةَ هذا: على أن من
أذنبَ ذنبًا فإن الأفضلَ له أن يأتيَ الإمامَ فيعترفَ عنده ليقيمَ عليه الحدَّ
حتى يكفِّرَ عنه ولا يبقى تحت المشيئة في الخطرِ، وهذا مبنيًّ على قوله:
إن التائبَ في المشيئةِ. والصحيحُ: أن التائبَ توبةً نصوحًا مغفورٌ له
جزمًا؛ لكن المؤمنَ يتهم توبتَهُ ولا يجزِمُ بصحتِهَا ولا بقبولِهَا، فلا يزالُ
خائفًا من ذنبِهِ وَجِلا.
ثُمَّ إن هذا القائلَ لا يرى أن الحدَّ بمجردِه كفارةٌ، وإنما الكفارةُ التوبةُ،
فكيف لا يقتصرُ على الكفارة؟ بل يكشفُ سترَ الله عليه ليقامَ عليه ما لا
یکفرُ عنه.
وجمهورُ العلماء على أن من تابَ من ذنبٍ فالأفضلُ أن يسترَ على
نفسه ولا يقرَّ به عندَ أحد؛ بل يتوبُ منه فيما بينَه وبينَ الله عزَّ وجلَّ.
رُويَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وابنِ مسعودٍ، وغيرهم، ونصَّ عليه
ـ(٢) .
الشافعي
ومن أصحابه وأصحابنا من قالَ: إن كانَ غيرَ معروفٍ بينَ الناسِ
بالفجور فكذلكَ، وإن كانَ معلنًا بالفجورِ مشتهرًا به فالأَوْلَى أن يقرِّ
بذنبِهِ عندَ الإمامِ ليطهرَهُ منه .
(١) ((المحلى)) (١١ / ١٤٩ - ١٥١).
(٢) ((الأم)) (١٣٨/٦) ...
٨٣

الحديث: ١٨
كتاب الإيمان
وقد رُويَ عنِ النبيِّ نَ لِ أنه قالَ لمعاذ: ((إذا أحدثتَ ذنبًا فأحدث عنده
توبةً إن سرّاً فسرّاً وإن علانيةً فعلانيةً))(١).
وفي إسنادِهِ مقالٌ.
وهو إنما يدلّ(٢) على إظهار التوبة، وذلكَ لا يلزمُ منه طلبُ إقامة
الحدِّ.
وقد وردت أحاديثُ تدلُّ على أن من سترَ اللهُ عليه في الدنيا فإنَّ اللهَ
يسترُ عليه في الآخرةِ، كحديثِ ابنِ عمرَ في النجوَى، وقد خرَّجهُ
البخاريّ في ((التفسيرِ))(٣).
وخرجَ الترمذيُّ، وابنُ ماجه عن عليٍّ مرفوعًا: ((من أذنبَ ذنبًا في
الدنيا فسترَهُ اللهُ عليه فاللهُ أكرمُ (١٩٠ - أ / ف) أن يعودَ في شيءٍ قد عفَا
عنْهُ)(٤).
وفي ((المسند))(٥) عن عائشةَ مرفوعًا: ((لا يسترُ اللهُ على عبد ذنبًا في
الدنيا إلا سترَهُ عليهِ في الآخرةِ)».
ورُويَ مثلُهُ عن عليَّ، وابنٍ مسعودٍ من قولهما.
وقد يُحملُ ذلكَ كلُّه على التائب من ذنبهِ جمعًا بينَ هذه النصوص
وبينَ حديث عبادةَ هذا.
وأصحّ هذه الأحاديث المذكورةِ هاهنا: حديثُ ابنِ عمرَ في النجوَى؛
(١) يراجع ((الكنز)) (٤ /٢٢٠).
(٣) (فتح: ٤٦٨٥).
(٥) (٦ / ١٤٥، ١٦٠).
(٢) في ((ف)) بالمثناة الفوقية والصواب ما أثبتناه.
(٤) الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤).
٨٤
:

١١ - باب
الحديث: ١٨
وليسَ فيه تصريحٌ بأن ذلكَ عامٌّ لكلٍّ من سترَ عليه ذنبه، واللهُ تعالى
أعلم.
وقد قيلَ: إن البيعةَ سُمَِّتْ بيعةً لأن صاحبَها باعَ نفسَهُ للهِ.
والتحقيقُ: أن البيعَ والمبايعةَ مأخوذانِ من مد الباعِ؛ لأن المتابيعينِ(١)
للسلعةِ كل منهما يَمدُّ باعَهُ للآخرِ ويُعَاقِدُهُ عليها، وكذلكَ من بايعَ الإمامَ
ونحوه فإنه يمدّ باعَهُ إليه ويعاهدُهُ ويعاقِدُّهُ على ما يبايعُهُ عليه .
وكانَ النبيُّ وَّرِ يبايعُ أصحابَهُ عند دخولهم في الإسلامِ على التزامِ
أحكامه، وكانَ أحيانًا يبايعهم على ذلكَ بعدَ إسلامهم تجديدًا للعهد
وتذكيرًا بالمقام عليه .
وفي ((الصحيحينِ)) عن ابنِ عباسٍ أن النبيَّ ◌ِّ أتَى النساءَ في يومٍ
عيد وتَلا عليهن هذه الآيةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ إذا جاءكَ المؤمناتُ يبايعنك
على أن لا يشركنَ بالله شيئًا﴾ الآية [الممتحنة: ١٢] وقالَ: ((أنتن على
ذلكَ؟)) فقالت امرأةٌ منهن: نعمْ(٢).
وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن عوفِ بنِ مالكِ قالَ: كنا عندَ النبيِّ
وَسَّل
صَلى الله
تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً فقالَ: ((ألا تبايعونَ رسولَ الله وَّهِ؟)) - وكنا
حديثَ عهد ببيعة - فقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ الله، فقالَ: ((ألا تبايعونَ
رسولَ الله وَيَ؟)) قلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ الله، ثم قالَ: ((ألا تبايعونَ
رسولَ الله؟)) فبسطنَا أيديَنَا وقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ الله، فعلى ما
نبايعك؟ فقالَ: ((أن تعبدوا اللهَ لا تشركُوا به شيئًا والصلوات الخمس
(١) في ((ف)) ((المتبابعبن)) بالموحدة والصواب ما أثبتناه.
(٢) البخاري (٩٧٩)، ومسلم (٨٨٤).
٨٥

الحديث: ١٨
كتاب الإيمان
وتطيعُوا)) - وأسرَّ كلمةً خفيةً -: ((ولا تسألوا الناسَ شيئًا))(١).
وحديثُ عبادةَ المذكورُ هاهنا في البيعةِ: قد سبقَ أنه يحتملُ أنه كانَ
ليلةَ العقبةِ الأولَى فيكونُ بيعةً لهم على الإسلامِ والتزامِ أحكامِهِ
وشرائعه.
٠٠
وقد ذكرَ طائفةٌ منَ العلماءِ - منهم القاضي أبو يعلَى في كتابٍ
((أحكامِ القرآنِ)) من أصحابِنَا - أن البيعةَ على الإسلامِ كانت من خصائصِ
النبيُّ وَّ، واستدلوا بأن الأمرَ بالبيعةِ في القرآنِ يخصُّ الرسولَ بالخطابِ
بها وحده كما قالَ تعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ إذا جاءكَ المؤمناتُ يبايعنكَ على
أن لا يشركنَ بالله شيئًا﴾ [الممتحنة: ١٢].
ولما كانَ الامتحانُ وَجَّهَ الخطابَ إلى المؤمنينَ عمومًا فقالَ: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]
فدل على أنه يعمُّ المؤمنينَ، وكذلك قولُهُ تعالَى ﴿إن الذينَ يبايعونكَ إنما
يبايعونَ اللهَ يدُ الله فوْقَ أَيْدِيهم﴾ [الفتح: ١٠]، وهذا أمرٌ يختصّ به
وو
الرسولُ وَّولا يشركه فيه غيره.
ولكن قد رُويَ عن عثمانَ أنه كان يبايعُ على الإسلامِ.
قالَ الإمامُ أحمدُ: حدثنا مسكينُ بنُ بكيرِ قالَ: ثنا ثابتُ بنُ عجلانَ،
عن سليمٍ أبي(٢) عامرٍ أن وفدَ الحمراء أتوا عثمانَ بنَ عفانَ يبايعونه على
الإسلامِ وعلى مَنْ ورائهم فبايعهُمْ على أن لا يشركوا بالله شيئًا وأن
يقيموا الصلاةَ ويؤتوا الزكاةَ ويصوموا رمضانَ ويَدَعُوا عيد المجوسِ فلما
(١) مسلم (١٠٤٣).
(٢) كذا في ((ف))، والصواب: ((سليم بن عامر)) من رجال التهذيب.
٨٦

١١ - باب
الحديث: ١٨
قالوا بايعهم.
وقد بايعَ عبدُ اللهِ بنُ حنظلةَ الناسَ يومَ الحَرَّةِ (١٩٠ - ب /ف) على
الموت، فذُكِرَ ذَلكَ لعبد الله بن زيد الأنصاريِّ فقالَ: لا أبايعُ على هذا
أحدًا بعد رسول الله
صَلىالله
وسكم .
خرَّجهُ البخاريّ في ((الجهاد))(١).
وإنما أنكرَ البيعةَ على الموتِ لا أصلَ المبايعةِ .
وقالَ أبو إسحاقَ الفزاريُّ: قلتُ للأوزاعيِّ: لو أن إمامًا أتاه عدوّ
كثيرٌ فخافَ على من معَهُ فقالَ لأصحابه: تعالوا نتبايعُ على أن لا نفرًّ،
فبايعوا على ذلكَ؟.
قال: ما أحسنَ هذا.
قلتُ: فلو أن قومًا فعلوا ذلكَ بينهم دونَ الإمامِ؟
قال: لو فعلوا ذلكَ بينهم شبه العقدِ في غيرِ بيعة (٢).
(١) (فتح: ٢٩٥٩).
(٢) ((السير)) للفزاري (ص١٩٩).
٨٧

كتاب الإيمان
فَصْلٌ
قَالَ الْبُخَارِيُّ:
١٣ - بَابٌ(١)
قَوْلِ النَّبِّ ◌َ: ((أَنَا أَعْلَمُكُمْ بالله))، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوله تَعَالَى
﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا حَسَبّتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
مَرَادُهُ بهذا التبويبِ: أن المعرفةَ بالقلبِ التي هي أصلُ الإيمانِ فعلٌ
للعبد وكسبٌ له، واستدلَّ بقوله تعالى ﴿بِمَا كَسَبَتْ قلوبُكُمْ﴾ [البقرة:
٢٢٥] فجعلَ للقلوبِ كسبًا كما جعلَ للجوارحِ الظاهرةِ(٢) كسبًا.
والمعرفةُ هي مركبةٌ من تصورٍ وتصديقٍ، فهي تتضمنُ علمًاً وعملاً
وهو تصديقُ القلب؛ فإن التصورَ قد يشتركُ فيه المؤمنُ والكافرُ،
والتصديقُ يختصُّ به المؤمنُ؛ فهو عملُ قلبه وکسبُهُ.
وأصل هذا:
أن المعرفةَ مكتسبةٌ تُدرَكُ بالأدلة، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ السنةِ من
أصحابنا وغيرهم ورجَّحَهُ ابنُ جريرِ الطبريُّ، وروَى بإسنادِهِ عن الفضيلِ
ابنِ عياضٍ أنه قالَ: أهلُ السنةِ يقولون: الإيمانُ: المعرفةُ والقولُ والعملُ.
وقالت طائفةٌ: إنها اضطراريةٌ لا كسبَ فيها. وهو قولُ بعضٍ
أصحابنا وطوائفَ من المتكلمينَ والصوفيةِ وغيرهم.
وخرجَ البخاريُّ في هذا البابِ: حديثَ:
(١) سقط من الترتيب باب (١٢) وسيأتي بعد باب (١٦).
(٢) في ((ف)): ((الطاهرة)) بالمهملة وما أثبتناه هو الموافق للسياق.
٨٨

١٣ - باب قول النبي : ((أنا أعلمكم بالله))
الحديث: ٢٠
٢٠ - هشَام، عَن أَبِيه، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَمَرَهُمْ
أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقونَ قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَكَ يَاَ رَسُولَ الله؛ إنَّ
اللهَ قد غَفََّ لكَ مَا تَقَّدَّمَ مِنَ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ
فِي وَجْهِهِ ثُمَّيَقُولُ: ((إِنَّ أَنْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا)).
كانَ النبيُّ وَّهِ يأمرُ أصحابَهُ بما يطيقونَ من الأعمالِ، وكانوا لشدةٍ
حرصهم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فربما اعتذروا عن
أمرِ النبيِّ ◌َّ ◌ِله بالرفقِ واستعماله له في نفسِهِ أنه غيرُ محتاجٍ إلى العملِ
بضمانِ المغفرةِ له وهم غيرُ مضمون لهم المغفرةُ، فهم محتاجونَ إلى
الاجتهادِ ما لا يحتاجُ هو إلى ذلكَ، فكانَ نَّهِ يغضبُ من ذلكَ
ویخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به .
فكونه أتقاهم لله يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ في خصالِ التقوَى وهوَ
العملُ، وكوُنُه أعلمهم بهِ يتضمنُ أن علمَهُ باللهِ أفضلُ من علمهم باللهِ؛
وإنما زادَ علمه باللهِ لمعنيينِ:
أحدهما: زيادةُ معرفتِهِ بتفاصيلِ أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه
وعظمته وكبريائه وما يستحقه من الجلالِ والإكرامِ والإِجلالِ والإعظامِ.
٠٠
والثاني: أن علمه بالله مستندٌ إلى عين اليقين؛ فإنه رآه إما بعينِ
بصرِهِ أو بعين بصيرتِهِ، كما قالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرهما: رآه
بفؤادِهِ مرتينٍ، وعلمهم به مستندٌ إلى علمٍ يقينٍ، وبينَ المرتبتينِ [تباين](١)؛
ولهذا سألَ إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أن يرقيه من مرتبةِ علم اليقينِ إلى
مرتبة عينِ اليقينِ بالنسبةِ إلى رؤيةِ إحياء الموتى - وقد سبقَ التنبيهُ على
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((ف)) بمقدار كلمة ولم يظهر منها سوى ((ين))، ولعل الصواب
ما أثبتناه .
٨٩

الحديث: ٢٠
كتاب الإيمان
ذلك والكلام في تفاصيلِ المعرفةِ التامةِ بالقلب (١) - فلما زادت معرفةٌ
الرسول (١٩١ - أ / ف) بربه زادت خشيتُهُ له وتقواه؛ فإن العلمَ التامّ
يستلزمُ الخشيةَ كما قالَ تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ من عبادِهِ العُلَمَاءُ﴾
[فاطر: ٢٨] فمن كانَ بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلمَ كانَ
له أخشَى وأتقَى؛ وإنما تنقُصَ الخشبَةً والتقوَىَ بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللهِ.
وقد خرجَ البخاريّ في آخرِ ((صحيحِهِ)) عن مسروق قالَ: قالت
عائشةُ: صنعَ النبيُّ بِّهِ شيئًا ترخصَ فيه وتنزه عنه قومٌ، فبلغَ ذلكَ النبي
وَّ فحمدَ اللهَ ثمّ قالَ: ((ما بالُ أقوامٍ يتنزهونَ عن الشيءِ أصنعه؟! فوالله
إني لأعلمهم باللهِ وأشدهم له خشيةً))(٢).
وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)) عن عائشةَ أن رجلا قالَ لرسول الله وَله: يا
رسولَ اللهِ! إني أصبحُ جنبًا وأنا أريدُ الصيامَ، فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((وأنا
أصبحُ جنبًا وأنا أريدُ الصيامَ فأغتسلُ وأصومُ)) فقالَ الرجلُ: يا رسولَ
الله! إنك لستَ مثلنا؛ قد غُفْرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخرَ، فغضبَ
رسولُ اللهِ وَه وقالَ: ((إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ وأعلمكم بما
أتقي))(٣).
وفي حديث أنسٍ أن ثلاثةَ رهطٍ جاءُوا إلى بيوتِ أزواج النبيِّ وَله
يسألونَ عن عبادةِ رسولِ اللهِ وَله فلما أُخبروا بها كأنهم تَقَالَّوها، فقالوا:
وأينَ نحنُ من النبيِّ بَّهِ؟ قد غفرَ اللهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخرَ،
فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلِّي الليلَ أبدًا، وقال آخر: أصومُ الدهرَ ولا
(١) عند شرحه تحت ترجمة هذا الباب. وراجع تفصيله عند شرحه لترجمة الباب الأول من
((كتاب الإيمان)) (ص ١٠ - ١١) عند شرحه لقول البخاري: ((ويزيد وينقص)).
(٢) (فتح: (٦١٠١).
(٣) مسلم (١١١٠).
٩٠

١٣ - باب قول النبي ول#: «أنا أعلمكم بالله))
الحديث: ٢٠
أفطرُ، وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوجُ أبدًا، فجاءَ النبيّ
صَلى له
وَسِعم
إليهم فقالَ: ((أنتم الذينَ قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم للهِ
وأتقاكم له؛ لكن أصومُ وأفطرُ وأصلِّي وأرقدُ وأتزوجُ النساءَ، فمن
رَغبَ عن سنتي فليسَ مني)).
وقد خرجاه في ((الصحيحين)) بمعناه(١).
ففي هذه الأحاديث كلها الإنكارُ على من نسبَ إليه التقصيرَ في
العملِ للاتكال على المغفرة؛ فإنه كانَ يجتهدُ في الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ
فإذا عُوتِبَ على ذلكَ وذُكرت له المغفرةُ أخبر أنه يفعلُ ذلك شكرًا؛ كما
في (الصحيحين)) عن المغيرةِ أن النبيِّ نَّهِ كان يقومُ حتى تتفطر قدماهُ
فيقالُ له: تفعل هذا وقد غُفُرَ لك ما تقدم من ذنبكَ وما تأخر؟ فيقولُ:
((أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟!))(٢) .
وقد كانَ يواصلُ في الصيامِ وينهاهم ويقولُ: ((إني لستُ كهيئتكم؛
إني أظلَّ عند ربِّي يطعمني ويسقيني))(٣)، فنسبةُ التقصيرِ إليه في العملِ
لاتكاله على المغفرة خطأ فاحشٌ؛ لأنه يقتضي أن هديَهُ ليسَ هو أكملَ
الهدىِ وأفضلَه، وهذا خطأٌ عظيمٌ؛ ولهذا كانَ بَّهِ يقولُ في خطبِهِ:
((خيرُ الهدى هدى محمد))(٤). ويقتضي - أيضًا - هذا الخطأ: أن الاقتداءَ
بهديه في العملِ ليسَ هو أفضلُ؛ بل الأفضلُ الزيادةُ على هديه في
ذلك، وهذا خطأٌ عظيمٌ جدّا؛ فإن اللهَ تعالَى قد أمرَ بمتابعته وحثٌ
عليها، قالَ تعالَى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفرْ
(١) (فتح: ٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
(٢) (فتح: ١١٣٠)، ومسلم (٢٨٢٠).
(٣) (فتح: ١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥) عن عائشة. (٤) أخرجه مسلم (٨٦٧).
٩١

الحديث: ٢٠
كتاب الإيمان
لَكُمْ ذُنُوبَكُم﴾ [آل عمران: ٣١].
فلهذا كانَ وَِّ يغضبُ من ذلكَ غضبًا شديدًا لما في هذا الظنِّ من
القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: ((والله إني لأعلمكم باللهِ وأتقاكم له
قلبًا))(١).
وقوله في الرواية التي خرجها البخاريّ في هذا الباب ((إنَّ أتقاكُم
وأعلمكم باللهِ أنا)) فيه الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ معَ تَأْتِّي الإتيان بالضميرِ
المتصلِ، وهو ممنوعٌ عند أكثرِ النحاةِ (١٩١ - ب / ف) إلا للضرورةِ كقولٍ
الشاعرِ: ((ضمنت إياهم الأرضُ في دهرِ الدهاريرِ)).
وإنما يجوزُ اختيارًا إذا لم يَتَأت(٢) الإتيانُ بالمتصلِ مثل أن يُبتدأَ
بالضميرِ قبل عامله نحو: إياكَ نعبدُ؛ فإنه لا يبتدأُ بضميرٍ متصلٍ أو يقع
بعدَ نحو إلا إياه. فأما قولُ الشاعرِ: ((أن لا يجاوزنا إلاك))، فشاذٌ .
وأما قوله: ((وإنما يدافعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي))، فهو عندهم متأولٌ
على أن فيه معنى الاستثناء، كأنه قالَ: ما يدافعُ عن أحسابهم إلا أنا.
ولكن هذا الذي وقعَ في هذا الحديثِ يشهدُ لجوازِهِ من غيرِ ضرورةٍ،
ويكونُ حينئذ قوله: ((إنما يدافعُ عن أحسابهم أنا»: شاهدًا له غير محتاج
إلى تأويلٍ، واللهُ أعلمُ.
(١) ((المسند)) (٦ /٦١).
(٢) فى ((ف)): ((بتأت)) بالموحدة، والموافق للسياق ما أثبتناه.
٩٢

١٤ - فَصْلُ(١)
تقدمَ عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلَهِ: ((ثلاثٌ من كن فيه وجدَ حلاوةَ
الإيمان)).
وقد تقدمَ من روايةٍ أبي قلابةَ، عن أنس، وزادَ في روايةِ قتادةً:
((ومن كرهَ أن يعودَ في الكفرِ بعدَ إذ أنقذه اللهُ منه)).
وقوله ((بعد إذ أنقذَهُ اللهُ منه)) لا يستلزمُ أنه كانَ واقعًا فيه؛ فإن كلّ
من أدخلَ اللهُ الإسلامَ في قلبهِ فقد أنقذَهُ اللهُ من الكفرِ وإن لم يكن قد
وقعَ في الكفرِ قبلَ ذلكَ؛ وهذا كما قالَ شعيبٌ عليه السلامُ ﴿قد افترينا
على الله كذبًا إن عُدْنَا في ملتكم بعدَ إذ نجانَا اللهُ منها﴾ [الأعراف: ٨٩]
وقالَ تعالَى ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل
عمران: ١٠٣] وقال تعالى ﴿اللهُ وَلَيَّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمات
إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمرادُ: أنه ينجيهم منَ الشركِ ويدخلهم في الإيمانِ؛ وكثير منهم لم
يكن داخلا في الشركِ قطُّ .
(١) وهو: باب ((من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان))
وتقدم الكلام على هذا الباب تحت باب: (٩) حديث: (١٦) ((وهي عادة البخاري في
التبويب على ما يستفاد من المتن مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس)) قاله ابن حجر (الفتح:
٧٢/١) تحت حديث (٢١).
٩٣

الحديث: ٢٢
كتاب الإيمان
١٥ - فَصْلٌ (١)
(١)
خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ:
٢٢ - عَمْرُو بْنِ يَحْيَى الْمَازنيِّ، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبي سَعيد(٣)، عَن النّبيُّ
ء
وَلِّ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةُ الْجَنَّةَ وَأَهْلُّ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولَ اللهُ عَزْ وَجَلَّ:
أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَانِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا
قَدْ أَسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَا أَوْ اَلْحَيَاةِ - شَكَّ:َ مَالكٌ - فَيَنْبُونَ كَمَا
تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلَ (٤) السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)).
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَ(٥) قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: ((الحَيَاة)، وَقَالَ: ((خَرْدَل
مِنْ خَيْرِ)).
قد قيلَ: إن الروايةَ الصحيحةَ: ((الحيا)) بالقصر، والحيا: هو: المطرُ،
قاله الخطابيُ(٦) وغيره(٧) .
هذا الحديثُ نصٌّ في أن الإيمانَ الذي في القلوبِ يتفاضلُ، فإن أريدَ
به مجردُ التصديقِ ففي تفاضله خلافٌ سبقَ ذكرُهُ(٨)، إن أريدَ به ما في
القلوبِ من أعمالِ الإيمانَ كالخشيةِ والرجاء والحبِّ والتوكلِ ، ونحو ذلك
فهو متفاضلٌ بغير نزاعٍ .
(١) باب ((تفاضل أهل الإيمان في الأعمال)).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((الخدري رضي الله عنه)).
(٤) في ((اليونينية)): ((جانب))، وراجع ((عمدة القاري)) (١٩٤/١).
(٥) ((قال البخاري و)) ليس في ((اليونينية)).
(٦) في ((أعلام الحديث)) (١ / ١٥٦).
(٨) (ص١٥) عند شرحه لترجمة الباب الأول .
(٢) برقم (١٨٤).
(٧) الزمخشري في ((الفائق)) (١ / ٢١١).
٩٤

١٥- باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
الحديث: ٢٢
وقد بوبَ البخاريُّ على هذا الحديث: ((باب تفاوتٍ (١) أهلِ الإيمانِ
في الأعمال)) فقد يكون مرادُهُ الأعمالَ القائمةَ بالقلب كما بوبَ على أن
المعرفةَ فعلُ القلب. وقد يكونُ مراده أن أعمال الجوارحِ تتفاوتُ بحسبٍ
تفاوتٍ إيمانِ القلوبِ فإنهما متلازمان.
وقد ذكرَ البخاريَّ أن وهيبًا خالفَ مالكًا في هذا الحديث وقالَ:
(«مثقالُ حبة(٢) من خيرٍ)).
وفي البابِ - أيضًا - من حديث أنسٍ بمعنى حديث أبي سعيدٍ، وفي
لفظه اختلافٌ كالاختلاف في حديث أبي سعيدٍ. وقد خرّجه البخاريّ في
موضعٍ آخرَ وفيه زيادةُ: ((من قالَ لا إلهَ إلا اللّهُ)) (٣).
وهذا يستدلُّ به على أن الإيمانَ يفوقُ معنى(٤) كلمة التوحيد والإيمان
القلبيِّ وهو التصديقُ لا تَقتسمُهُ (٥) الغرماءُ بمظالمهم؛ بل يبقى (١٩٢ -
أ/ ف) على صاحبه؛ لأن الغرماءَ لو اقتسموا ذلكَ لخلدَ بعضُ أهلِ
التوحيدِ وصارَ مسلوبًا ما في قلبِهِ منَ التصديقِ وما قاله بلسانِه من
الشهادة، وإنما يخرج عصاةُ الموحدينَ من النارِ بهذين الشيئين، فدلَّ على
بقائهما على جميعٍ من دخلَ النارَ منهم وأن الغرماءَ إنما يقتسمونَ الإيمانَ
العمليّ بالجوارحِ، وقد قالَ ابنُ عيينةَ وغيره: إن الصومَ خاصةً من أعمال
الجوارحِ لا تقتسمه الغرماءُ - أيضًا.
وأما الحبَّة بكسر الحاء فهي أصولُ النباتِ والعشب وقد قيلَ: إنها
(١) في ((اليونينية)): ((تفاضل)).
(٢) في رواية وهيب: ((خردل)).
(٣) (فتح: ٧٤٣٧). (٤) قوله: ((يفوق معنى)) عسر علينا قراءتها في ((ف)) ولعلها هكذا.
(٥) غير واضحة في ((ف)) ولعلها هكذا لما سيأتي بعد.
٩٥

الحديث: ٢٢
كتاب الإيمان
تنزلُ مع المطرِ من السماءِ، كذا قاله كعبٌ غيرُهُ.
وقد ذكره ابنُ أبي الدنيا في كتابِ ((المطرِ))، وذكرَ فيه آثارًا عن
الأعرابِ.
وحميلُ السيلِ: محمولُهُ؛ فإن السيلَ يحملُ من الغثاءِ ونحوه ما
ينبتُ منه العشبُ، وشبَّه نباتَ الخارجينَ من النارِ إذا ألقوا في نهرِ الحيا -
أو الحياة - بنباتِ هذه الحبةِ لمعنيينِ:
أحدُهُمَا : سرعةُ نباتها .
والثاني: أنها تنبتُ صفراءَ ملتويةً ثم تستوي وتحسنُ، فكذلك ينبتُ
من يخرجُ من النارِ بهذا الماءِ نباتًا ضعيفًا ثم يقوَى ويكملُ نباتُهُ ويحسنُ
خلقه .
وقد جعلَ اللهُ نباتَ أجسادَ بِنِي آدَمَ كنباتِ الأرضِ، قالَ الله تعالى
﴿واللهُ أنْبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَّبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، وحياتهم من الماء،
فنشأتهم الأولَى في بطون أمهاتهم من ماءٍ دافقٍ يخرجُ من بينِ الصلبِ
والترائبٍ، ونشأتهم الثانيةُ من قبورهم (١) من الماءِ الذي ينزلُ من تحتِ
العرشِ، فينبتونَ فيه كنباتِ البقلِ حتى تتكاملَ أجسادُهُم، ونباتُ من
يدخلُ النارَ ثم يخرجُ منها من ماءِ نهرِ الحياةِ - أو الحيا.
وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((أما أهلُ
النارِ الذينَ هم أهلها فلا يموتونَ فيها ولا يحيونَ؛ ولكن أناسٌ أصابتهم
النارُ بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم -، فأماتهم اللهُ إماتةً حتى إذا كانوا
(١) في ((ف)): ((قيورهم)) - بالمثناة التحتانية، والمثبت هو الصواب .
٩٦

١٥- باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
الحديث: ٢٣
فحمًا أذنَ في الشفاعةِ فجيءَ بهم ضبائرَ ضبائرَ فبئوا على أنهارِ الجنةِ ثم
قيلَ: يا أهلَ الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتونَ نباتَ الحبةِ في حميلٍ
السيلٍ)»(١) .
وظاهرُ هذا: أنهم يموتونَ بمفارقةِ أرواحهم لأجسادِهِم [و](٢) يحيونَ
بإعادتها، ويكونُ ذلكَ قبلَ ذبحِ الموتِ .
ويشهدُ له: ما خرجهُ البزارُ في ((مسندِهِ)) من حديث أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَِّ قالَ: ((إن أدنَى أهلِ الجنة منزلةً أو نصيبًا: قومٌ يخرجهم اللهُ من
النارِ فيرتاحُ لهم الربُّ عزَّ وجلَّ أنهم كانوا لا يشركونَ باللهِ شيئًا فينبذونَ
بالعراءِ فينبتونَ كما ينبتُ البقلُ، حتى إذا دخلتِ الأرواحُ في أجسادهم
قالوا: ربنا! فالذي(٣) أخرجتنا من النارِ ورجعت الأرواحَ إلى أجسادنا
فاصرفْ وجوهَنَا عن النارِ ، فتصرفُ وجوههم عنِ النارِ)) (٤).
ثُمَّ خرجَ البخاريُّ حديثَ:
٢٣ - أبي سعيد، عَنِ النَّبِيِّ(٥) ◌َِّ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ
يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُّصَّ، فَمِنْهَا (٦) مَا يَبْلُغُ النُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغَ(٧)
(١) مسلم (٣٠٧/١٨٥).
(٢) ساقط من ((ف)) والسياق يقتضيه فأثبتناه.
(٣) في الرواية: ((كالذي)).
(٤) (البحر الزخار)) في مسند أبي هريرة، عنه أبو أمامة بن سهل من المخطوط، و((كشف
الأستار)» (٢١١/٤).
(٥) في ((اليونينية)): ((عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول
الله)).
(٦) في ((اليونينية)): ((منها)).
(٧) كلمة ((يبلغ)) ليست في ((اليونينية)).
٩٧

الحديث: ٢٣
كتاب الإيمان
دُونَ ذَلَكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) قَالُوا: فَمَا
أَولْتَ ذَلِكَ يَا رَّسُولَ الله؟ قَالَ: ((الدِّينَ).
وهذا الحديثُ نصٌّ في أن الدين يتفاضلُ؛ وقد استدلَّ عليه بقوله
تعالى ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلتُ لكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأشارَ البخاريُّ إلى ذلك
في موضعٍ آخرَ.
ويدلُّ عليه - أيضًا - قولُ النبيِّ نَّهِ للنساءِ: ((ما رأيتُ من ناقصات
عقلٍ ودينٍ أذهبَ للبُّ الرجلِ الحازمِ (١٩٢ - ب/ف) من إحداكُنَّ) (١).
وفسرَ نقصانَ دينها بتركها الصومَ والصلاةَ أيامَ حيضها؛ فدلَّ على
دخولِ الصومِ والصلاةِ في اسمِ الدينِ.
وقد صرحَ بدخولِ الأعمالِ في الدينِ طوائفُ من العلماء والمتكلمين
من أصحابنا وغيرهم.
فمن قالَ: الإسلامُ والإيمانُ واحدٌ فالدينُ عنده مرادفٌ لهما، وهو
اختيارُ البخاريِّ ومحمدِ بنِ نصرِ المروزيِّ(٢) وغيرهما من أهلِ الحديثِ.
ومن فرَّقَ بينهما، فاختلفوا في ذلكَ؛ فمنهم من قالَ: إن الدينَ أعمّ
منهما، فإنه يشملُ الإيمانَ والإسلامَ والإحسانَ، كما دلَّ عليه حديثُ
جبريلَ، وقد أشارَ البخاريُّ إلى هذا - فيما بعد -؛ لكنه ممن لا يفرقُ بينَ
الإسلامِ والإيمانِ.
ومن قالَ: الإيمانُ: التصديقُ، والإسلامُ: الأعمالُ، فأكثرهم جعلَ
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢/ ٥٣١).
٩٨

١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
الحديث: ٢٣
الدينَ هو الإسلامَ وأدخلَ فيه الأعمالَ.
وإنما أخرجَ الأعمالَ من مسمَّى الدينِ: بعضُ المرجئة.
ومن قالَ: الإسلامُ: الشهادتان، والإيمانُ: العملُ - كالزهريِّ،
وأحمدَ في روايةٍ وهي التي نصرها القاضي أبو يعلَى - جعلَ الدينَ هو
الإيمانَ بعينه، وأجابَ عن قولِه تعالى ﴿إن الدينَ عِندَ اللهِ الإسلام﴾ [آل
عمران: ١٩] أن بعضَ الدينِ الإسلامُ. وهذا بعيدٌ.
وأما من قالَ: إن كلا من الإسلامِ والإيمانِ إذا أُطلقَ مجردًا دخلَ
الآخرُ فيه، وإنما يفرقُ بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهرُ؛ فالدينُ هو
مسمَّى كلِّ واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخرِ: فالدينُ
أخص باسمِ الإسلامِ؛ لأنَّ الإسلام هو الاستسلامُ والخضوعُ والانقيادُ،
وكذلك الدينُ يقالُ: دانه يدينه إذا قهرَهُ، ودانَ لهُ إذا استسلمَ له وخضعَ
وانقادَ؛ ولهذا سمَّى اللهُ الإسلامَ دينًا فقالَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ﴾
[آل عمران: ١٩]، وقالَ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فلن يُقْبَلَ منه﴾
[آل عمران: ٨٥]، وقالَ: ﴿وَرَضِيتُ لكمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإنما فسرَ القمص في المنامِ: الدينِ؛ لأن الدينَ والإسلامَ والتقوى كلّ
هذه توصف بأنها لباسٌ، قال تَعالى ﴿وَلَبَاسُ التَّقْوَى ذَلكَ خيرٌ﴾
[الأعراف: ٢٦]، وقالَ أبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ يلبسُهُ الإنسانُ تارةً
وينزعُهُ أخرَى، وفي الحديثِ: ((لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ
يُنزِعُ منه سربالُ الإيمانِ))(١).
(١) سبق (ص٤٥)، وهو متفق عليه دون قوله: ((ينزع منه سربال الإيمان)). وانظر ((تعظيم قدر
الصلاة)) (١ / ٤٩٢، ٤٩٦).
٩٩

الحديث: ٢٣
كتاب الإيمان
وقالَ النابغةُ:
حتَّى اكتسیتُ منَ الإسلامِ سربالا
الحمدُ لله الذي لم يأتني أجلِي
وقالَ أبو العتاهيةِ :
تَقَلَّبَ عُريانًا وَإِنْ كَانَ كَاسيًا
إِذَا الْمَرْءُ لم يلبس ثيابًا منَ النُّقَى
فهذه كلُّها كسوةُ الباطنِ وهو الروحُ وهو زينةٌ لها، كما في حديثٍ
عمار: ((اللهمَّ زينًا بزينة الإيمان))(١).
كما أن الرياش زينةٌ للجسد وكسوةٌ له، قالَ تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قد
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِبِشَا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرُ﴾
[الأعراف: ٢٦].
ومن هنا قالَ مجاهدٌ والشعبىُّ وقتادةُ والضحاكُ والنخعيُّ والزهريّ
وغيرهم في قوله تعالَى ﴿وثيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: إن المعنى: طهرّ
نفسكَ منَ الذنوبِ .
وقال سعيدُ بنُ جبير: وقلبكَ ونيتك(٢) فطهِّرْ. وقريبٌ منه: قولُ من
قالَ: وعملكَ فأصلحٌ (٣) .
رُويَ عن مجاهدٍ وأبي روقٍ والضحاكِ.
وعن الحسن والقُرَظيِّ (٤)قالا: خُلُقك حسِّنْه.
(١) ((المسند)) (٢٦٤/٤)، والنسائي في ((المجتبى)) (٥٤/٣ - ٥٥).
(٢) في ((ف)) بدون نقط تمامًا والمثبت أولى وهو الموافق لما في ((تفسير ابن كثير)) (٢٨٩/٨).
(٣) راجع ((الدر المنثور)) (٢٨١/٦) فقد أتى بمعظم هذه التفسيرات.
(٤) في ((ف)) بدون نقط، والصواب ما أثبتناه، وهو: محمد بن كعب بن سُليم، وقال
الذهبي في ((السير)) (٦٧/٥) ((كان من أئمة التفسير)).
١٠٠