النص المفهرس
صفحات 61-80
٩ - باب حلاوة الإيمان الحديث : ١٦ الأعظم، فهو مختارٌ له من وجه دونَ وجه، وهذا بخلافِ فعلِ المؤمنِ الطاعات خوفًا من الله؛ فإنه ليسَ فعلُه كفعلِ (١٨٦ - أ/ف) المُكْرَه؛ لأن المؤمنَ يجبُ عليه أن يأتيَ بالطاعةِ خوفًا من عقابِ اللهِ ورجاءً لثوابهِ وحُبّا له؛ فبذلكَ يفارقُ حالَ المكرهِ. ومن هنا تظهرُ المسألةُ التي تَفرُّ منها الفقهاءُ وهي: إذا قالَ رجلٌ لامرأتِهِ: إن كنتِ تحبيني(١) أن يعذبكِ اللهُ بالنارِ فأنت طالقٌ، فقالت: أنا أحبُّهُ، فقالَ كثيرٌ منهم من أصحابنا وغيرِهم: إنها تطلقُ لأنها قد تختارُ ذلكَ وتحبه افتداءً به من معاشرةِ زوجِها لشدةِ بغضِهَا له وجهلا منها بتصورِ عذاب جهنمَ فتكون صادقةً فيما أخبرت به. ومن هذا: الحديثُ الذي فيه أن الكافرَ يقولُ من شدة ما يجدُ في الموقفِ يومَ القيامةِ: ربِّ أرحني ولو إلى النارِ. فظهرَ بهذا: أن من خُيِّرَ بين مكروهين فاختارَ أخفهما دفعًا لأعظمهمَا أنه یکون محبًا لما اختاره مختارًا له من وجه دونَ وجه. وأما ما يقتضيه لفظُ الحديثِ من كونِهِ محبّاً للآخرِ: فهذا - أولاً - غيرُ لازمٍ على قولِ الكوفيين الذين لا يرونَ أَنَّ ((أفعلَ)) التفضيلِ يلزمُ منه المشاركةُ مطلقًا، فيجوزُ عندهم أن يقالَ: الثلجُ أبردُ من النارِ، وأما على قولِ البصريين فإنه قد وردَ في كثيرٍ من نصوصِ الكتابِ والسنةِ ما تمتنعُ فيه المشاركةُ وتأولوا فيه ((أفعلَ)) بـ ((فاعل)) فكذلكَ تتأولُ هاهنا. ومما بقيَ مما يتعلقُ بلفظ هذا الحديث: أن قوله وَه: ((أن يكونَ اللهُ (١) كذا، والصواب الموافق للسياق ((تحبي)). ٦١ الحديث: ١٦ كتاب الإيمان ورسولُهُ أحبَّ إليهِ مَّا سواهما)) يدلُّ على أنهُ يجوزُ الجمعُ بينَ اسمِ اللهِ واسمٍ غيرِهِ من المخلوقينَ في كلمةٍ واحدةٍ. وفي ((سنن أبي داودَ)) عن ابنِ مسعودٍ أن النبيَّ ◌ِّ كانَ يقولُ في خطبته: ((من يطعِ اللّهَ ورسولَه فقد رشدَ، ومن يعصهما فإنه لا يضرّ إلا نفسَهُ ولا يضرُّ اللهَ شيئًا))(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ - لما قضَى في بِرْوَعٍ(٢) -: إن يكنْ صوابًا فمنَ الله، وإن يكنْ خطأ فمني ومنَ الشيطانِ، واللهُ ورسولُهُ بريئانِ من الخطاِ. وقد اختلفَ الناسُ في جوازِ مثلِ هذا التركيبِ في الكلامِ على أقوال: أحدها: أنه يجوزُ. والثاني: أنه لا يجوزُ إلا في كلام الله عزَّ وجلَّ دونَ غيره. والثالثُ: أنه ممتنعٌ مطلقًا. واحتجوا بحديثِ عديٍّ بنِ حاتمٍ أن رجلا خطبَ عندَ النبيِّ نَّهِ فقالَ: ومن يعصهمَا فقد غوَى، فقالَ النبيّ ◌َّه: ((بئسَ الخطيبُ أنتَ، قُلْ: ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ)). خرَّجَهُ مسلمٌ . وقد قيلَ: إن قولَهُ: ((قل: ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ)) مدرجةٌ في (١) أبو داود (١٠٩٧). (٢) بروع بنت واشق: مترجمة في («أسد الغابة» (٣٧/٧) وغيره. وذكرها الأمير - بحق - ابن ماكولا في «إكماله)) (٢٤٣/١) غير أنه لم يجودها - على غير عادته . وقال الهندي في ((المغني)) (ص: ٣٦): ((بكسر موحدة عند أهل الحديث، وفتحها عند أهل اللغة، وسكون راء، وفتح واو، وإهمال عين)) ا. هـ. وراجع ((لسان العرب))، و((المنتخب من علل الخلال)) لابن قدامة (٢٢٠). ٦٢ ٩ - باب حلاوة الإيمان الحديث : ١٦ الحديث(١)؛ وإنما أنكرّ عليه وقفَهُ على قوله: ((ومن يعصهمَا)). وقد ذكرَ هذا الاختلافَ ابن عطيةَ في ((تفسيرِهِ)) وغيره. وفيه قولٌ آخرُ: أنه يمتنعُ في واوِ الجمعِ أو ألفِ التثنيةِ المتصلين بالأفعال نحوَ: يفعلونَ، وتفعلان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهذا هُوَ الذي ذكره القاضي أبو يعلَى في كتابه ((أحكامِ القرآنِ» (٢). ومن منعَ ذلكَ: أجابَ بأن في الكلامِ حذفًا تقديرُهُ: إن اللهَ يصلِّي وملائكتَهُ يصلونَ، واللهُ تعالى أعلمُ. (١) مسلم (٨٧٠) من طريق وكيع، عن سفيان. وخالفه القطان عند أبي داود (٤٩٨١)، وابن مهدي عند أحمد (٣٧٩/٤)، وغيرهما، عن سفيان، فلم يذكروا: ((قل: ومن يعص الله ورسوله)) في آخر الحديث. ولم يختلفوا في تقديم القطان في سفيان. ويقول أحمد: ((وكيع أكثر خطأ من عبد الرحمن))، راجع ((شرح العلل)) للمصنف (٧٢٢/٢). (٢) ذكره ابن أبي يعلى في ترجمة أبي يعلى من ((طبقات الحنابلة)) (٢٠٥/٢). ٦٣ الحديث: ١٧ كتاب الإيمان ١٠ - فَصْلٌ (١) خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٢) مِنْ حَدِيثِ: ١٧ - أَنَس، عَنِ النَّبِيِّنَ قَالَ: (آيَةُ الإِيمَانِ: حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاق: بُغْضُ الأَنْصَار)). هذا المعنى يرجعُ إلى ما تقدمَ من أن حبَّ المرءِ لا يحبه إلا اللهِ (٣) من علامات وجود حلاوة الإيمانِ وأن الحبّ في الله من أوثقِ عَرَى الإيمان، وأنه أفضلُ (١٨٦ - ب/ف) الإيمان؛ فالأنصارُ نصروا اللهَ ورسولَهُ فمحبتهم من تمامٍ حبِّ اللهِ ورسولِهِ. وخرجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ، عن النبيِّ نَِّ قالَ: - ((لا يؤمنُ باللهِ من لا يؤمنُ بي، ولا يؤمنُ بي من لا يحبُّ الأنصار)(٤). وخرجَ الطبرانيُّ وغيرُهُ من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((من أحبّ الأنصارَ فبحبي أحبهم، ومن أبغضَ الأنصارَ فببغضي أبغضهم))(٥) . وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلَّه (١) باب («علامة الإيمان حب الأنصار)). (٢) (٧٦). (٣) في ((ف)): ((الله)). (٤) («المسند» (٣٨٢/٦)، وهو في ((المسند)» ليس في مسند سعيد بن زيد؛ بل في مسند جدة رياح بن عبد الرحمن واسمها ((أسماء))، وهي بنت سعيد بن زيد، وروت هذا الحديث عنه، فلينتبه لذلك. (٥) الطبراني في «الأوسط)) (٩٩٩). ٦٤ ١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار الحديث : ١٧ قالَ: ((لا يبغضُ الأنصارَ رجلٌ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ)) (١). وِ إيمانٌ وبغضهم نفاقٌ)(٢). وفي ((المسند)) عن أبي سعيد، عن النبيِّ وَّلَّ قالَ: ((حبّ الأنصار وكذلك حبَّ المهاجرينَ - الذين هم أفضلُ منَ الأنصارِ - من الإيمان. وفي ((صحيح مسلمٍ))، عن عليٍّ قالَ: إنه لعهدُ النبيِّ وَلَه إليّ: لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (٣). وفي ((المسندِ)) والترمذيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مغفلٍ، عن النبيِّ ◌َّ قال: (اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذُوهم غرضًا بعدِي، فَمَنْ أحبهم فبحبي ، و أحبَّهُم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضَهُمْ)) (٤). وفي بعضِ نسخٍ كتابِ الترمذيِّ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ صَلىالله وَسَم قالَ: ((أحبوا اللهَ لما يغدوكم به مِن نعمهِ، وأحبوني لحبّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبِّي))(٥). وفي ((المسندِ)) وكتابِ النسائيِّ، وابنِ ماجه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ أنه قالَ في الحسن والحسين: ((من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهُمَا فقد أبغضني)) (٦) . (١) مسلم عن أبي سعيد (٧٧)، وعن أبي هريرة (٧٦). (٢) ((المسند)) (٣/ ٧٠). (٣) مسلم (٧٨). (٤) ((المسند)) (٥ /٥٤، ٥٥، ٥٧). (٥) الترمذي في ((جامعه)» (٣٧٨٩). (٦) ((المسند)) (٢ /٢٨٨، ٤٤٠، ٥٣١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥ / ٤٩)، وابن ماجه (١٤٣). ٦٥ الحديث: ١٧ ٠ ٤٠٠ كتاب الإيمان فمحبةُ أولياء الله وأحبابِهِ عمومًا منَ الإيمانِ، وهيَ من أعلَى مراتبه، وبغضُهُم محرمٌ فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما لا يتظاهرُ به غالبًا، ومن تظاهرَ به فقد تظاهرَ بنفاقه فهو شرٌّ ممن كتمَهُ وأخفاهُ. ومن كانَ له مزيةٌ في الدينِ لصحبتِهِ النبيِّ وَِّ أو لقرابتِهِ أو نصرتِهِ فله مزيدُ خصوصيةٍ في محبتِهِ وبغضه . ومن كانَ من أهلِ السوابقِ في الإسلامِ كالمهاجرينَ الأولينَ فهو أعظمُ حقّا مثل عليٍّ رضي الله عنه. وقد رُويَ أن المنافقينَ إنما كانوا يُعرفونَ ببغضٍ عليٍّ رضي الله عنه، ومنَ هوَ أفضل من عليٍّ كأبي بكرٍ وعمرَ، فهو (١) أولى بذلك؛ ولذلك قيلَ: إن حبهما من فرائضِ الدينِ، وقيل: إنه يُرجَى على حبهما ما يُرْجَى على التوحيدِ من الأجرِ. (١) كذا في ((ف))، والصواب: ((فهما)): يعنى: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ٦٦ الحديث : ١٨ ١١ - فَصْلٌ (١) قَالَ الْبُخَارِيّ: ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِذْرِيسَ عَائِذُ الله بْنُ عَبّد الله أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامت(٢) - وَكَانَ شَهِدَ بَدَّرًا، وَهُوَ أَحَدُ النَّقَبَاء لَيْلَةَ الْعَقَبة - أَنَّ رَسُولَ اللهِلَ قَالَّ - وَحولَهُ عصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِه -: (بَايِعونِي عَلَى أَنَ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَلا تَسْرِقُوا وَلا تَزَنَوا ولا تَقَتَلوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِيُهْتَانَ تَفْتَرُونَهَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلا تَعْصُوا في مَعْرُوف، فَمَنْ وَفَّىَ مِنكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَّابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِب [بِهِ] (٣) في الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ الله فَهُوَ إِلَى اللهُ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ() فَبَايَغْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. هذا الحديثُ سمعه أبو إدريسَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، عن عبادةَ؛ وزيادةُ عقبةَ في إسناده: وَهْمٌ. وقد خرجَ البخاريّ الحديثَ في ((ذكرِ بيعة العقبةِ)) (٤) وفي ((تفسيرِ سورة الممتحنة))(٥) من كتابه هذا، وفيه التصريحُ بأن أبا إدريسَ أخبره به ءَ عبادة وسمعه منه (١٨٧ - أ / ف). (١) وهو بدون ترجمة، وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) (٦٤/١). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٣) ما بين المعقوفين ليس في ((اليونينية)). وقال القسطلاني إثر كلمة: ((فعوقب)): ((أي: به - کما رواه أحمد - أي: بسببه)) ا. هـ. (٤) (فتح: ٣٨٩٢). (٥) (فتح: ٤٨٩٤). ٦٧ الحديث : ١٨ كتاب الإيمان وكانَ عبادةُ قد شهدَ بدرًا وهو أحدُ النقباء ليلةَ العقبة حيث بايعتِ الأنصارُ النبيَّ ◌َِّهِ قبل الهجرةِ؛ لكن هل هذه البيعةُ المذكورةُ في هذاَ الحديث كانت ليلةَ العقبةِ أم لا؟ هذا وقعَ فيه ترددٌ؛ فرواه ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ وذكرَ في روايته أن هذه البيعةَ كانت ليلةَ العقبةِ . وروى ابنُ إسحاقَ - أيضًا -، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ مرئدِ بنِ عبدِ اللهِ، عن الصنابحيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ قال: كنت و فيمن حضرَ العقبةَ الأولى وكنا اثنيْ عشرَ رجلا، فبايعنا رسول الله وَل على بيعة النساءِ وذلك قبلَ أن تُفرضَ الحربُ على أن لا نشركَ بالله شيئًا، ولا نسرقَ، ولا نزني، الحديث(١). خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ من روايةِ ابنِ إسحاقَ هكذا(٢). وكذا رواه الواقديَّ، عن یزیدَ بنِ أبي حبيبٍ . وُ وخرجاه في ((الصحيحينِ)) من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن الصنابحيِّ، عن عبادةَ قالَ: إني من النقباء الذين بايعوا رسولَ الله وَل﴾، بايعنا على أن لا نشركَ بالله شيئًا، فذكرَ الحديث(٣). وليسَ هذا بالصريح في أن هذه البيعةَ كانت ليلةَ العقبة. (١) ابن هشام (٢ / ٤١) وذكر إسناد ابن إسحاق، ووقع في الإسناد هناك: ((عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبد الله)) خطأ . (٢) في ((المسند)) (٥/ ٣٢٣). (٣) (فتح: ٣٨٩٣)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤٤). ٦٨ ١١ - باب الحديث: ١٨ ولفظ مسلمٍ بهذه الرواية (١): عن عبادةَ بنِ الصامتِ قالَ: إني من النقباء الذين بايعوا رسولَ اللهِ وَّله وقالَ: بايعناه على أن لا نشركَ، الحدیث. وهذا اللفظُ قد يُشعرُ بأن هذه البيعةَ غير(٢) بيعةِ النقباءِ. وخرجه مسلمٌ، من وجه آخرَ من رواية أبي قلابةَ، عن أبي الأشعث، عن عبادةَ قالَ: أخذَ علينا رسولُ اللهِ وَّ كما أخذَ على النساءِ أن لا نشركَ بالله شيئًا (٣). وهذا قد يُشعرُ بتقدمٍ أخذه على النساءِ على أخذه عليهم. وخرجَ مسلمٌ حديثَ عبادةَ من رواية أبي إدريسٍ، عنه وقالَ في حديثه: فَتَلا علينا آية النساء أن لا نشركَ بالله شيئًا، الآيةَ (٤). وخرَّجهُ البخاريّ في ((تفسيرِ سورة الممتحنةِ)) من روايةِ ابنِ عيينةً، عن الزهريِّ وقالَ فيه: وقرأَ آيةَ النساء، وأكثر لفظ سفيان: وقرأَ الآيةَ، ثم قالَ: تَابَعهُ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ في الآية(٥). وكذا خرجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وعندهما: فقرأً عليهم الآية، زادَ الإمامُ أحمدُ: التي أُخذت على النساءِ ﴿إذا جاءَكَ المؤمناتُ﴾(٦) [الممتحنة: ١٢]. وهذا تصريحٌ بأن هذه البيعةَ كانت بالمدينة؛ لأن آيةَ بيعة النساء مدنيةٌ. (١) مسلم (١٧٠٩ / ٤٤) وراجع ((علل)) ابن عمار الشهيد (ص / ١٠٢). (٢) في ((ف)): ((عن)) والصواب ما أثبتناه . (٣) مسلم (١٧٠٩ / ٤٣). (٤) مسلم (١٧٠٩ / ٤٢). (٦) أحمد (٥ /٣١٤)، والترمذي (١٤٣٩). (٥) (فتح: ٤٨٩٤). ٦٩ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان وروَى هذا الحديثَ سفيانُ بنُ حسينٍ، عنِ الزهريِّ، وقالَ في حديثِهِ: إن النبيِّ نَّ قالَ لهم: ((أيكم يبايعنِي على هؤلاءِ الآياتِ الثلاث؟)) ثم تلا هذه الآية ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَثْلُ مَا حَرَّمَ ربَّكم عليكم أن لا تُشْرِكُوا به شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] حتى فرغَ من الثلاث آياتٍ. خرجه الهيثمُ بنُ كليبٍ في ((مسنده)) . وسفيانُ بنُ حسينٍ ليسَ بقويِّ؛ خصوصًا في حديث الزهريِّ، وقد خالفَ سائرَ الثقاتِ مِن أصحابه في هذا(١) . وقد روَى عبادةُ بنُ الصامتِ أنهم بايعوا النبيََِّّ على السمع والطاعةِ في المنشطِ والمكرهِ وأن لا ينازعوا الأمرَ أهلَهُ وأن يقولوا بالحقِّ (٢). فهذه صفةٌ أخرِى غيرُ صفةِ البيعةِ المذكورةِ في الأحاديثِ المتقدمةِ . وهذه البيعةُ الثانيةُ مخرجةٌ في ((الصحيحينِ)) من غيرِ وجهٍ عن عبادةَ. وقد خرجها الإمامُ أحمدُ(٣) من روايةِ ابنِ إسحاقَ: حدثني عبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عبادةَ بنِ الصامتِ، عن أبيه، عن جدِّه عبادةَ - وكان أحدَ النقباء - قالَ: بايعنا رسول الله وَّه بيعةَ الحرب. وكان عبادةُ من الاثني عشرَ (١٨٧ - ب / ف) نقيبًا الذينَ بايعوا النبيّ وَّجُلّ في العقبةِ الأولَى على بيعةِ النساءِ على السمع والطاعةِ في عسرِنَا ويسرِنَا، وذكرَ الحديثَ. وهذه الروايةُ تدلُّ على أن هذه البيعةَ هي بيعةُ الحربِ وأن بيعةَ النساء (١) راجع ((شرح العلل)) للمصنف (٨٠٨/٢) و((التمهيد)) (٣١١/٣) فقد ذكر نحوه. (٢) البخاري (فتح: ٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١)، وراجع ((أطراف الغرائب)) (٤١٨١) بتحقیقنا . (٣) ((المسند)) (٥/ ٣٢٣). ٧٠ ١١ - باب الحديث:١٨ كانت في العقبةِ الأولَى قبلَ أن يُفرضَ (١) الحربُ، فهذا قد يشعرُ بأن هذه البيعةَ كانت بالمدينةِ بعد فرضِ الحربِ. وفي هذا نظرٌ. وقد خرجهُ الهيثمُ بنُ كليبٍ في ((مسندِهِ)) من روايةِ ابنِ إدريسَ، عن ابنِ إسحاقَ ويحيى بنِ سعيدٍ وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ أن أباه حدثه، عن جدِّ قالَ: بايعنا رسول اللهِ وَّلّ في العقبةِ الآخرةِ على السمع والطاعةِ، فذكره. وخرجه ابنُ سعدٍ من وجهِ آخرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ مرسلا(٢). وخرج الإمامُ أحمدُ من وجهٍ آخرَ، عن عبادةَ أنهم بايعوا النبيِّ ◌ِّه هذه البيعةَ على السمع والطاعة، الحديث وقال فيه: وعلى أن ننصرَ النبيّ ﴿َّ إذا قدمَ علينا يثربَ، فنمنعه مما نمنعُ منه أنفسنا(٣). وهذا يدلُّ على أن هذه البيعةَ كانت قبلَ الهجرةِ وذلك ليلةَ العقبةِ . وخرجَ - أيضا (٤) - هذا المعنى من حديث جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أن هذه البيعةَ كانت للسبعينَ بشعبِ العقبةِ وهي البيعةُ الثانيةُ، وتكون سميت هذه البيعةُ الثانيةُ: بيعةَ الحرب؛ لأن فيها البيعةَ على منع النبيِّ بَّه وذلك يقتضي القتالَ دونه، فهذا هوَ المرادُ بالحرب وقد شهدَ عبادةُ البيعتينِ معًا. ويحتملُ أن النبيِّ وَ لِّ كانَ يبايعُ أصحابَهُ على بيعةِ النساءِ قبلَ نزولٍ آية مبايعتهن، ثم نزلت الآيةُ بموافقة ذلك. (١) كذا فى ((ف)) والصواب بالفوقية . (٢) ابن سعد في ((طبقاته)) (١ / ٢٢١). (٤) ((المسند)) (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، ٣٣٩ - ٣٤٠). (٣) («المسند» (٣٢٥/٥). ٧١ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان وفي «المسندِ))(١) عن أمِّ عطيةَ أن النبيَّ ◌َّ لما قدمَ المدينةَ جمعَ النساءَ فبايعهن على هذه الآيةِ إلى قوله ﴿وَلا يعصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وهذا قبلَ نزول سورة الممتحنة؛ فإنها إنما نزلت قبلَ الفتحِ بيسيرٍ، واللهُ أعلمُ بحقيقة ذلكَ كله. وأمَّا ما بايعهم عليه: فقد اتفقت رواياتُ حديث عبادةَ من طرقه الثلاثة عنه أنهم بايعوه على أن لا يشركُوا بالله ولا يسرقُوا ولا يزنُوا ولا يقتلُوا. وفي بعضِ الرواياتِ: لا يقتلوا أولادَهُم - كما في لفظِ الآيةِ -، وفي بعضها: لا يقتلوا النفس التي حرمَ اللهُ. وهذه روايةُ الصنابحيِّ، عن عبادةَ. ثم إن منَ الرواةٍ من اقتصرَ على هذه الأربع ولم يزد عليها. ومنهم من ذكرَ في روايةِ المبايعةِ على بقيةِ ما ذُكرَ في الآيةِ - كما في رواية البخاريِّ المذكورةِ هاهنا. ومنهم من ذكرَ خصلةً خامسةً بعدَ الأربع؛ ولكن لم يذكرها باللفظ الذي في الآيةِ، ثم اختلفوا في لفظِها: فمنهم من قالَ: ((ولا ننتهب)) - وهي روايةُ الصنابحيِّ، عن عبادةَ المخرجةُ في ((الصحيحين)) . ومنهم من قالَ: ((ولا يعضه - بعضنا بعضا)) - وهي روايةُ أبي الأشعثِ عن عبادةَ -، خرجها مسلم. (١) (٥ /٨٥)، (٤٠٨/٦ - ٤٠٩). ٧٢ ١١ - باب الحديث: ١٨ ومنهم من قالَ: ((ولا يغتب بعضنا بعضًا)) - وهي روايةُ الإمامِ أحمد (١). وأما الخصلةُ السادسةُ: فمنهم من لم يذكرها بالكليةِ - وهي روايةُ أبي الأشعثِ التي خرجها مسلم. ومنهم من ذكرها وسماها المعصيةَ فقالَ: ((ولا نعصي)) - كما في روايةِ الصنابحيِّ - وفي رواية أبي إدريسَ: (ولا تعصوا في معروفٍ)). فأما الشركُ والسرقةُ(٢) والزنا والقتلُ: فواضحٌ؛ وتخصيصُ قتلٍ الأولادِ بالذكرِ في بعضِ الرواياتِ موافق لما وردَ في القرآنِ في مواضعَ (١٨٨ - أ / ف) وليس لهُ مفهومٌ؛ وإنما خصصَ بالذكرِ للحاجة إليه؛ فإن ذلكَ كانَ معتادًا بينَ أهلِ الجاهليةِ . وأما الإتيانُ ببهتان يفترونه بينَ أيديهم وأرجلِهِم - على ما جاءَ في رواية البخاريِّ -: فهذا يدلُّ على أن هذا البهتانَ ليسَ مما يختص به النساءُ . وقد اختلفَ المفسرونَ في البهتانِ المذكورِ في آيةِ بيعةِ النساءِ: فأكثرهم فسروه بإلحاقِ المرأةِ بزوجِها ولدًا من غيرِهِ، رواه عليّ بنُ أبي طلحة(٣)، عن ابنِ عباسٍ، وقالَه مقاتلُ بنُ حيانَ(٤) وغيره. (١) سبق تخريج كل هذه الروايات تحت نفس الحديث. (٢) في ((ف)) تشتبه بـ ((فالسرقة)). (٣) في ((صحيفته)) عن ابن عباس (٤٨٨). وسيأتي الكلام على هذه الصحيفة فيما بعد. (٤) ذكره ابن كثير في تفسيره)) (٨ /١٢٦). ٧٣ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان واختلفوا في معنى قولِه: ((بينَ أيديهن وأرجلهنَّ): فقيل: لأنَ الولدَ إذا ولدته أمه سقطَ بين يَدَيْها ورجلَيْهَا . وقيلَ: بل أرادَ بما تفتريه بين يديها: أن تأخذَ لقيطًا فتلحقه بزوجها، وبما تفتريه بينَ رجلَيْهَا: أن تلده من زِنَا ثم تلحقه بزوجِها. ومن المفسرينَ من فسرَ البهتانَ المفترى بالسحرِ، ومنهم من فسرَهُ بالمشي بالنميمةِ والسعي في الفسادِ، ومنهم من فسرَهُ بالقذفِ والرمي بالباطلِ. وقيل: البهتانُ المفترى يشملُ ذلكَ كله وما كان في معناه، ورجحَهُ ابنُ عطيةَ (١) وغيره. وهو الأظهرُ؛ فيدخلُ فيه كذبُ المرأة فيما اؤتمنت عليه من حملٍ وحيضٍ وغيرِ ذلكَ. ومن هؤلاءِ من قالَ: أرادَ بما بينَ يديها: حفظَ لسانها وفمها ووجهها عما لا يحلُّ لها، وبما بينَ رجليها: حفظَ فرجها، فيحرم عليها الافتراءُ ببهتان في ذلك كله. ولو قيل: إن من الافتراء بيهتان بينَ يديها: خيانةَ الزوجِ فِي مالِهِ الذي في بيتها لم يبعد ذلك. وقد دلَّ مبايعةُ النبيِّ نَّ الرجالَ على أن لا يأتوا ببهتانِ يفترونَهُ بينَ أيديهم وأرجلهم: أن ذلكَ لا يختصُّ بالنساء، وجميعُ ما فُسِّرَ به البهتانُ في حقِّ النساء يدخلُ فيه الرجالُ - أيضًا -؛ فيدخل فيه استلحاقُ الرجلِ ولدَ غيره سواءً كانَ لاحقًا غيرَهُ أو غيرَ لاحق كولد الزِّنَا، ويدخلُ فيه (١) في تفسيره ((المحرر الوجيز)) (١٥ / ٤٩٧). ٧٤ ١١ - باب الحديث: ١٨ الكذبُ والغيبةُ، وقد قالَ النبيُّ بَّهِ: ((إن كانَ في أخيكَ ما تقولُ فقد اغتبتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقولُ فقد بهتَّهُ). خرجه مسلم(١). " (١) وكذلك القذفُ، وقد سمَّى اللهُ قذفَ عائشةَ بهتانًا عظيمًا. وكذلك النميمةُ من البهتانِ. وفي رواية أبي الأشعث، عن عبادةَ: ((ولا يعضهُ بعضكم بعضًا))(٢)، فالعضيهةُ: النميمةُ. وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: ((ألا أنبئكم ما العَضيهةِ(٣)؟ هي النميمةُ القالةُ بينَ الناسِ»(٤). وروى إبراهيمُ الهجريَّ، عن أبي الأحوصِ، عن ابن مسعودٍ قالَ: كُنَّا نسمِّي العضيهةَ: السحرَ ، وهو اليومَ: قيلَ وقالَ. وفسرَ إسحاقُ بنُ راهويه العضيهة في حديث عبادةَ بنِ الصامتِ قالَ: ((لا يبهتْ بعضكم بعضًا))، نقله عنه محمد بنُ نصرِ (٥). وذكرَ أهلُ اللغة أن العضيهةَ: الشتيمةُ، والعضيهةَ: البهتانُ، والعاضهةَ، والمستعضهةَ: الساحرةَ المستسحرةُ (٦). (١) مسلم (٢٥٨٩). (٢) مسلم (١٧٠٩ / ٤٣). (٤) مسلم (٢٦٠٦). (٣) في الرواية ((العضه)). (٥) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ / ٦١٣). (٦) انظر ((غريب أبي عبيد)) (٣ /١٨١)، ((الفائق)) (٢ /٤٤٥)، و((غريب ابن الجوزي)) (٢ / ١٠٤) . ٧٥ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان وفي رواية الصنابحيِّ: ((ولا ننتهب))، والنهبةُ من البهتان؛ فإن المنتهبَ يبهتُ الناسَ بانتهابه منه ما يرفعونَ إليه أبصارَهُم فيه. فكلُّ ما بهتَ صاحبَهُ وحَيَّره وأدهشَهُ من قولٍ أو فعلٍ لم يكن في حسابه فهو بهتانٌ؛ فأخذُ المال بالنهبَى أو بالدعاوَى الكاذبة: بهتانٌ، وقد قالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتيتمْ إِحْدَاهنَّ قِنطَارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونَهُ بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾ [النساء: ٢٠]. وفي ((المسندِ))، والترمذيِّ (١٨٨ - ب /ف)، والنسائيِّ، عن صفوانَ ابنِ عسالٍ أن اليهودَ سأَلُوا النبيَّ وَِّ عن التسعِ آياتِ البيناتِ التي أُوتِيهَا موسَى فقالَ: ((لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنُوا ولا تقتُلُوا النفسَ التي حرمَ اللهُ إلا بالحقِّ ولا تسرقُوا ولا تسحرُوا ولا تمشوا ببريءٍ إلى سلطان فيقتلَهُ ولا تأكلُوا الربا ولا تقذفُوا محصنةً ولا تفروا من الزحفِ، وعليكم اليهود خاصةً أن لا تعدُوا في السبتِ))(١). فلم يذكر في هذا الحديثِ البهتانَ المفترَى بلفظه؛ ولكن ذكرَ مما فسرَ به البهتانَ المذكورَ في القرآن عدةَ خصال: السحرَ، والمشيَ ببريءٍ إلى ٠٠ السلطانِ، وقذفَ المحصناتِ. وهذا يشعرُ بدخولِ ذلكَ كلِّهِ في اسمِ البهتانِ . وكذلك الأحاديثُ التي ذكرَ فيها عد الكبائرِ ذكرَ في بعضها القذفَ، وفي بعضها قولَ الزورِ أو شهادةَ الزورِ، وفي بعضها اليمينَ الغموسَ والسحرَ، وهذا كله من البهتان المفترَى. (١) ((المسند)) (٢٣٩/٤)، والترمذي (٢٧٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٠٦/٢). ٧٦ ١١ - باب الحديث: ١٨ وأما الخصلةُ السادسةُ: فهي المعصيةُ، وتشملُ جميعَ أنواعِ المعاصِي، فهو من بابِ ذكرِ العامِّ بعدَ الخاصِّ، وهو قريبٌ من معنى قوله تعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ لعلَّكُمْ تُرْحَمَوْن﴾ [النور: ٥٦]، وقوله تعالَى ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وفي بعضِ ألفاظِ حديث عبادةَ: ((ولا تعصوا في معروفٍ))، وفي بعضها: ((ولا تعصوني في معروفٍ))، وقد خرجها البخاريّ في موضعٍ ◌ُ آخر (١). وكلُّ هذا إشارةٌ إلى أن الطاعةَ لا تكونُ إلا في معروفٍ، فلا يُطاعُ مخلوقٌ إلا في معروفٍ ولا يُطاعُ في معصيةِ الخالقِ . وقد استنبطَ هذا المعنى من هذه الآيةِ طائفةٌ من السلف، فلو كانَ لأحد من البشرِ أن يُطاعَ بكلِّ حال لكان ذلكَ للرسولِ وَلَهِ، فلمَّا خُصَّتْ طاعتُهُ بالمعروفِ - مع أنه لا يأمرُ إلا بما هو معروفٌ - دلَّ على أن الطاعةَ في الأصلِ اللهِ وحدَهُ، والرسولُ مُبَلِّغُ عنه وواسطةٌ بينه وبين عبادِهِ، ولهذا قال تعالى: ﴿من يطعِ الرسولَ فقد أطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]. فدخلَ في هذه الخصلةِ السادسةِ الانتهاءُ عن جميعِ المعاصِي. ويدخلُ فيها - أيضًا - القيامُ بجميع الطاعاتِ على رأي من يرَى أن النهيَ عن شيءٍ أَمرٌ بضدِّهِ. فلما تمت هذه البيعةُ على هذه الخصال ذكرَ لهم النبيّ وَلّ حكمَ من (١) وقد سبق هذا كله في أول شرحه على الحديث. ٧٧ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان وفَّى بها وحُكمَ من لم يفِ بها عندَ اللهِ عزَّ وجل. فأمَّا من وفَّى بها فأخبرَ أن أجرَهُ على اللهِ - كذا في روايةِ أبي إدريسَ وأبي الأشعثِ، عن عبادةَ، وفي روايةِ الصنابحيِّ، عنه: فالجنةُ إن فعلنا ذلكَ. وقد قالَ اللهُ تعالَى ﴿إِنَّ الذينَ يبايعونكَ إنما يبايعونَ اللهَ يدُ الله فوقَ أيديهم فمن نكثَ فإنما ينكثُ على نفسه ومن أوفَى بما عَاهَدَ عليه اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيما﴾ [الفتح: ١٠]. وفُسِّرَ الأجرُ العظيمُ بالجنةِ، كذا قالَهُ قُتادةٌ(١) وغيرُهُ من السلفِ . ولا ريبَ أن من اجتنبَ الشركَ والكبائرَ والمعاصي كلها فله الجنةُ، وعلى ذلكَ وقعت هذه البيعةُ، وإن اختصرَ ذلكَ بعضُ الرواة فأسقطَ بعض هذه الخصالِ . وأما من لم يوفِ بها؛ بل نكثَ بعضَ ما التزمَ بالبيعة تركه لله عزّ وجلَّ. والمرادُ: ما عدا الشرك منَ الكبائرِ، فقسمه إلى قسمين: أحدُهُمَا: أن يُعاقبَ به في الدنيا، فأخبرَ (١٨٩ - أ / ف) أن ذلكَ كفارةٌ له، وفي روايةٍ: ((فهو طهورٌ له))، وفي رواية: ((طهورٌ له أو كفارةٌ)) ء - بالشكِّ -، ورواه بعضهم: ((طهورٌ وكفارةٌ)) - بالجمعِ. وقد خرَّجَهَا البخاريُّ في موضعٍ آخر في ((صحيحِهِ) (٢). (١) انظر ((تفسير الطبري)) (٢٦ /٤٨). (٢) (٦٨٠١، ٧٤٦٨ - فتح). ٧٨ ١١ - باب الحديث:١٨ وروَى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ حديثَ أبي إدريسَ، عن عبادةَ وقالَ فيه: ((فأقيمَ عليه الحدُّ فهو كفارةٌ له))(١). وفي روايةِ أبي الأشعثِ، عن عبادةَ: ((ومن أتى منكم حدّا فأقيم عليه فهو كفارةً». (٢) خرجه مسلم (٢) . وهذا صريحٌ في أن إقامةَ الحدود كفاراتٌ لأهلها . وقد صرحَ بذلك سفيانُ الثوريُّ، ونصَّ على ذلكَ أحمدُ في روايةٍ عبدوسِ بنِ مالك العطار، عنه(٣). وقالَ الشافعيّ: لم أسمع في هذا البابِ أن الحدَّ كفارةٌ أحسنَ من حديث عبادةً (٤). وإنما قالَ هذا؛ لأنه قد رُويَ هذا المعنى عنِ النبيِّ نَِّ من وجوهِ متعددة، عن عليٍّ، وجريرٍ، وخزيمةَ بنِ ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرو، وغيرهم، وفي أسانيدِهَا كلِّهَا مقالٌ، وحديثُ عبادةَ صحيحٌ ثابتٌ. وقد روَى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((ما أدرِي الحدودَ طهارة لأهلِهَا أم لاَ؟»، وذكرَ كلامًا آخرَ. خرجه الحاكمُ. وخرجَ أبو داودَ بعضَ الحديثِ(٥). (١) مسلم (١٧٠٩ / ٤١). (٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٤٥/١) . (٥) الحاكم (١ /٣٦)، وأبو داود (٤٦٧٤). (٢) (١٧٠٩ / ٤٣). (٤) ((الأم)) (١٣٨/٦). ٧٩ الحديث: ١٨ كتاب الإيمان وقد رواهُ هشامُ بنُ يوسفَ، عن معمر، عن الزهريِّ مرسلا. قالَ البخاريُّ في («تاريخِهِ)): المرسلُ أصحُّ، قالَ: ولا يثبتُ هذا عن النبيِّ وَّ، وقد ثبتَ عنه أن الحدودَ كفارةٌ (١). انتهى. وقد خرجهُ البيهقيُّ من روايةِ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا - أيضًا (٢). وخرجهُ البزارُ من وجه آخرَ فيه ضعفٌ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا - أيضًا(٣). وعلى تقديرٍ صحتِهِ، فيحتملُ أن يكونَ النبيُّ نَِّ قالَ ذلكَ قبلَ أن يعلمه ثم عِلِمَهُ فأخبرَ به جزمًا. فإن كانَ الأمرُ كذلكَ، فحديثُ عبادةَ إذن - لم يكن ليلةَ العقبةِ بلا ترددِ؛ لأن حديثَ أبي هريرةً متأخرٌ عن الهجرةِ، ولم يكن النبيّ وَّلَّ علم - حينئذ - أن الحدودَ كفارةٌ، فلا يجوزُ أن يكونَ قد أخبرَ قبلَ الهجرة بخلاف ذلك. وقد اختلفَ العلماءُ: هل إقامةُ الحدِّ بمجرده كفارةٌ للذنبِ من غيرِ توبةٍ أم لا؟ على قولينِ: أحدهما: أن إقامةَ الحدِّ كفارةٌ للذنب بمجرده كفارة(٤). وهو مرويٌّ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، وابنهِ الحسنٍ، وعن مجاهدٍ، (١) ((التاريخ الكبير)) (١٥٣/١) وقال المصنف في ((جامع العلوم)) (٤٤٨/١): أعله البخاري وقال: لايثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري - وهي ضعيفة - وغلط عبد الرازق فوصله)) وانظر ((أطراف الغرائب)) (٥٢٠٤) - بتحقيقنا. (٢) ((السنن الكبرى)) (٣٢٩/٨). (٣) البزار (كشف: ٢١٢/٢ - ٢١٣). (٤) كأن كلمة («كفارة» الثانية زائدة، والجملة بغيرها مستقيمة، ويظهر ذلك من السياق بعده ولعله انتقال نظر . ٨٠