النص المفهرس
صفحات 1-20
قَتَعُ النَّارِو شرحٌ صَحِْح البخاري لحافِظُ زَيِّن الدّين أبي الفَجْ ابْن رَجَبُ الحَنبَلِىِ ٧٣٦ - ٧٩٥ «وَشْعُ قطَعَة مِنَ البُخَارِيُّ إِلى كِتَابٌٍ الجنائِ، وَهِيَ مِن عجائب الدّهر وَلوكمَل كان مِنَ الجَائِبْ» إِبِّ عَبْدُالهادي تحقيق محمود بن شعبان من عبد المقصود إبراهيم بن اسماعيل القاضى محمّد بن عَوض المنقوشُ علاء بن مصطفى بن همام مُجُدّي بِنَّ عَبْدُ الخالقِ الشافعيِّ السَّيِّرِبِنْ عَزْت الحُرْسِيْ صَلاَح بتْ سالم المصراتي صَبِّي بنِ عبد الخالق الشافعي الجزء الَوَّلْ النّاشِرْ مُكْتَبُهُ العَرَاءِ الْأَشْرِنَّ فَتَُّ النَّارِيُ شَرْع صَحِيْح البُخَاري ١ كافة الحقوق محفوظَة (((مكتب تحقيق دار الحرمَيْن)) ٧٢- شارع مصر والسودان - حدائق القبّة - القاهِرة ت : ٤٨٢٠٣٩٢ الْطَّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م حدش النّاشِرُ مكتَبة الغرباء الأثريّة المدينة المنوّرة هاتف: ٤٤-٨٢٤٣ - فت: ٨٢٦٤١٠٦ ص.ب: ١٤٤٩ - المدينة النّبويّة المملكة العَربيّة السّعوديّة ١ - فصل(١) قَالَ الْبُخَارِيُّ: الإِمَانُ قَوْلٌ وَفِعْلٌ. قالَ زينُ الدينِ ابنُ رجبٍ رحمه اللهُ. وأكثرُ العلماءِ قالوا: هو قولٌ وعملٌ. وهذا كله إجماعٌ من السلفِ وعلماءِ أهلِ الحديثِ. وقد حكى الشافعيّ إجماعَ الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثورِ الإجماعَ عليه - أيضًا. وقال الأوزاعيّ: كانَ من مضى ممن سلفَ لا يفرقونَ بينَ الإيمان والعملِ، وحكاه غيرُ واحدٍ من سلفِ العلماء عن أهلِ السنةِ والجماعةِ . وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيلُ بنُ عياضٍ، ووكيع ٩ ابنُ الجراحِ. وممن رُوِيَ عنه أن الإيمانَ قولٌ وعملٌ: الحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعُمر بنُ عبدِ العزيزِ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، والشعبيُّ، والنخعيُّ، والزهريُّ، وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وابن المباركِ، ومالك، والشافعيِّ، وأحمد (٢)، وإسحاقَ، وأبي عبيد، (١) اعتاد ابن رجب - رحمه الله تعالى - في ((كتاب الإيمان)) أن يضع كلمة ((فصل)) بدلا من (باب)) وأحيانًا يذكر ((فصل)) ولا يذكر اسم ((الترجمة))، مثال ذلك: باب (٤) ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، وباب (٦) (إطعام الطعام من الإيمان)) وباب (٧) ((من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، وغير ذلك من الأمثلة، وأحيانًا يذكر كلمة (فصل)) ويعقبها بكلمة ((باب)) ويذكر الترجمة كاملة مثل باب (١٣)، وأحيانًا يذكر الترجمة داخل الشرح راجع باب (١٥)، لذلك وجب التنبيه. (٢) راجع جُلّ هذه الأقوال في ((الشريعة)) للآجري (ص: ١٢٠ - ١٣٢). ٥ كتاب الإيمان وأبي ثورٍ، وغيرهم حتى قال كثير منهم: إن الرقبةَ المؤمنةَ لا تجزىء في الكفارة حتى يؤخذ منها الإقرارُ وهو الصلاةُ والصيامُ، منهم: الشعبيُّ، والنخعيُّ، وأحمدُ في روايةٍ. وخالفَ في ذلك طوائفُ من علماءِ أهلِ الكوفة والبصرةِ وغيرهم، وأخرجوا الأعمالَ من الإيمانِ وقالوا: الإيمانُ: المعرفةُ مع القولِ. وحدث بعدهم من يقولُ: الإيمانُ: المعرفةُ خاصةً، ومن يقول: الإيمانُ: القولُ خاصةً. والبخاريّ عبّر عنه بأنه: قول وفعلٌ. والفعل: من الناسِ من يقول: هو مرادفٌ للعملِ. ومنهم من يقول: هو أعمّ من العملِ. فمن هؤلاء من قالَ: الفعلُ يدخلُ فيه القولُ وعملُ الجوارحِ، والعملُ لا يدخلُ فيه القولُ عند الإطلاقِ. ويشهدُ لهذا: قولُ عُبيد بن عُميرٍ: ليس الإيمانُ بالتمني؛ ولكن الإيمانَ قولُ يفعل، وعملٌ يعمل. خرجه الخلالُ(١). ومنهم من قالَ: العملُ: ما يحتاجُ إلى علاجٍ ومشقةٍ ، والفعلُ: أعمُّ من ذلك. ومنهم من قالَ: العملُ: ما يحصلُ منه تأثيرٌ في المعمولِ كعملِ الطين آجُرًا، والفعلُ أعمُّ من ذلكَ. (١) في ((السنة)) (١٢١٢) وفيه ابن لهيعة . ٦ ١ - باب قول النبي : ((بني الإسلام على خمس)) ومنهم من قالَ: العملُ أشرفُ من الفعلِ، فلا يطلقُ العملُ إلا على ما فيه شرفٌ ورفعةٌ بخلاف الفعلِ؛ فإن مقلوب عمل: لمع، ومعناه: ظهرَ وأشرفَ. وهذا فيه نظرٌ؛ فإن عملَ السيئات يسمَّى أعمالا كما قالَ تعالَى ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقال ﴿مَنْ عَمَلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مثلها﴾ [غافر: ٤٠] ولو قيل عكسُ هذا لكان متوجها؛ فإن اللهَ تعالى إنما (١٧٧ - أ / ف) يضيفُ إلى نفسه الفعلَ كقوله تعالَى ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]، ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادِ﴾ [الفجر: ٦]، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبَّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وإنما أضافَ العملَ إلى يديه كما قالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] وليسَ المرادُ هنا الصفةَ الذاتيةَ - بغيرِ إشكال - وإلا استوى خلقُ الأنعام وخلقُ أدمَ عليه السلام. واشتقَّ سبحانه لنفسه أسماءَ من الفعلِ دونَ العملِ، قال تعالى ﴿إِنَّ ربكَ فَعَّالٌ لَّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ: وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدَى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، ٧ كتاب الإيمان وقوله عزَّ وجلَّ ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذه إيمانًا فَأَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقولُه ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقولُه: ﴿وَمَا زَادَهُم إلا إيمَانًا وتَسْليمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. زيادة الإيمان ونقصانُهُ قولُ جمهورِ العلماءِ. وقد رُويَ هذا الكلامُ عن طائفةٍ من الصحابةِ كأبي الدرداءِ وأبي هريرةَ، وابنِ عباسٍ (١) وغيرهم من الصحابةِ. ورُويَ معناه عن عليٍّ، وابن مسعودٍ - أيضا -، وعن مجاهد، وغيرِه من التابعينَ. وتوقفَ بعضُهُمْ في نقصِهِ، فقالَ: يزيدُ ولا يقالُ: ينقصُ (٢). ورُويَ ذلك عن مالك، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ(٣). وعن ابنِ المباركِ قال: الإيمانُ يتفاضلُ(٤)، وهو معنى الزيادة والنقصِ. وقد تلا البخاريّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادة الإيمان، وقد استدلَّ بها على زيادة الإيمانِ أئمةُ السلفِ قديمًا، منهم: عطاءُ بنُ أبي رباحٍ فمن بعده . وتلا البخاريّ - أيضًا - الآيات التي ذكرَ فيها زيادةَ الهدَى؛ فإن المرادَ بالهُدَى هنا: فعلُ الطاعات كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمانِ (١) ((الشريعة)) (ص: ١١١). (٢) انظر ((السنة)) للخلال: (٩٧٦ - ٩٧٩). (٣) ((السنة)) للخلال (١٠١٤)، و((الشريعة)) (ص: ١١٨). (٤) ((السنة)) للخلال (١٠١٨). ٨ ١ - باب قول النبي : ((بني الإسلام على خمس)) بالغيبِ وإقام الصلاةِ والإنفاقِ مما رزقهم وبالإيمان بما أنزلَ إلى محمد وإلى مَن قبله وباليقينِ بالآخرةِ، ثم قالَ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبَّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، فَسَمَّى ذلك كلَّه هدى، فمن زادت طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ. ولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلبِ والقولُ والعملُ كلُّه كانت: زيادتُهُ بزيادة الأعمال ونقصانُهُ بنقصانها . وقد صرحَ بذلك كثيرٌ من السلفِ فقالوا: يزيدُ بالطاعةِ وينقصُ بالمعصية . فأما زيادةُ الإيمان بزيادة القولِ ونقصانُهُ بِنقصانِهِ: فهو كالعملِ بالجوارحِ - أيضًا -؛ فإن من زادَ ذكرُهُ لله وتلاوتُه لكتابه زادَ إيمانُهُ، ومن تركَ الذكرَ الواجبَ بلسانه نقصَ إيمانُهُ. وأما المعرفةُ بالقلبِ: فهل تزيدُ وتنقصُ؟ على قولين: أحدُهُمَا: أنها لا تزيدُ ولا تنقصُ. قال يعقوبُ بنُ بُخْتَانَ (١): سألتُ أبا عبدِ اللهِ - يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ - عنِ المعرفةِ والقول: يزيدُ وينقصُ؟ قالَ: لا، قد جئنا بالقولِ والمعرفةِ وبقي العملُ. ذكرهُ أبو بكرِ الخلالَّ في كتابِ ((السنةِ))(٢). ومرادُهُ بالقول: التلفظُ بالشهادتينِ خاصةً. وهذا قولُ طوائفَ من الفقهاء والمتكلمينَ. (١) هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان. له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) (٤١٥/١). (٢) (١٠٠٧). ٩ كتاب الإيمان والقولُ الثاني: أن المعرفةَ تزيدُ وتنقصُ. قالَ المروذيُّ: قلت لأحمدَ في معرفةِ اللهِ بالقلبِ تتفاضلُ فيه؟ قال: نعم، قلتُ: ويزيدُ؟ قال: نعم. ذكره الخلالُ عنه (١)، وأبو بكرٍ عبدُ العزيزِ في كتابِ ((السنةِ)) - أيضا -، عنه، وهو الذي ذكرَهُ القاضي أبو يعلَى من أصحابنا في كتابٍ ((الإيمان))، وکذلك ذکرهُ أبو عبد الله بن حامد. وحكَى القاضي - في ((المعتمدِ)) - وابنُ عقيلِ في المسألةِ روايتان(٢) عن أحمدَ، وتأوَّلا روايةَ أنه لا يزيدُ ولا ينقصُ. وتفسرُ زيادةُ المعرفةِ بمعنيينِ : أحدُهُما: زيادةُ المعرفةِ بتفاصيلِ أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ وأفعاله وأسماء الملائكة والنبيينَ وصفاتهم والكتبِ المنزلةِ عليهم وتفاصيلِ اليومِ الآخرِ. وهذا ظاهرٌ لا يقبلُ نزاعًا . والثاني: زيادةُ المعرفةِ بالوحدانيةِ بزيادة معرفة أدلتها (١٧٧ - ب / ف)؛ فإنَّ أدلتها لا تحصرُ؛ إذ كلُّ ذرة من الكون فيها دلالةٌ على وجود ء الخالقِ ووحدانيته، فمن كثرت معرفتُهُ بهذه الأدلة زادت معرفتُهُ على من لیس کذلكَ. وكذلك المعرفةُ بالنبواتِ واليومِ الآخرِ والقدرِ وغيرِ ذلك من الغيبِ الذي يجبُ الإيمانُ به، ومن هنا فرقَ النبيّ وَّ بين مقامِ الإِيمانِ ومقامٍ (٢) كذا، والجادة ((روايتين)). (١) فى ((السنة))، (١٠٠٤). ١٠ ١ - باب قول النبي قال: ((بني الإسلام على خمس)» الإحسان، وجعلَ مقامَ الإحسان أن يَعْبُدَ العبدُ ربَّهُ كأنه يراه، والمرادُ: أن ينورَ قلبَهُ بنورِ الإيمانِ حتى يصيرَ الغيبُ عنده مشهودًا بقلبه كالعيان(١). وقد ذكرَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ في («كتابه)) أن التصديقَ يتفاوتُ، وحكاه عنِ الحسنٍ، والعلماء(٢)، وهذا يشعرُ بأنه إجماعٌ عنده. ومما يدلُّ على ذلك - أيضا -: ما رَوى ابنُ وهبٍ: أنا عبدُ الرحمنِ ابنُ ميسرةَ، عن أبي هانىءٍ الخولانيِّ، عن أبي عبد الرحمنِ الحُبليِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، عنِ النبيِّ نَّهِ قالَ: ((إن الإيمانَ ليَخلق في جوفِ أحدكُمْ كما يخلقُ الثوبُ الخلقُ، فسلوا اللهَ أن يجددَ الإيمانَ في قلوبكم)). خرَّجهُ الحاكمُ (٣)، وقالَ: صحيحُ الإسناد(٤). ثُم قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَالْحُبُّ فِي الله وَالْبُغْضُ فِ اللهِ مِنَ الإِيمَانِ. وهذا يدلُّ عليه: قولُ النبيِّ ◌َّهِ: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمان))(٥) وذكر منهن: ((أن يُحبَّ المرءَ لا يُحبَّهُ إلا لله)). وإذا كانَ الحبَّ في اللهِ والبغضُ في اللّهِ من الإيمانِ زادَ الإيمان بزيادةِ ذلكَ ونقصَ بنقصانِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْن عَدِيٍّ: إِنَّ لِلإِمَانِ فَرَائِضَ (١) وسيحيل المصنف - رحمه الله تعالى - على هذا الموضع (ص: ٩٠، ١٧٢) عند شرحه للحديث رقم: (٢٠)، (٤٤). (٢) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢ /٧٦٠ - ٧٦١). (٣) ((المستدرك)) (٤/١). (٤) عبارة الحاكم عقب الحديث: ((هذا حديث لم يخرج فى الصحيحين ورواته مصريون ثقات ... )). (٥) سيأتي (١٦). ١١ كتاب الإيمان وَشَرَائِعَ(١) وَحُدُودًا وَسُنَنَا، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمَلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيُّهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْتَكُمْ بِحَرِيصٌٍ . هذا الأثرُ: خرجه أبو بكرِ الخلالُ في كتابِ ((السنةِ))(٢) من روايةٍ جريرِ ابنِ حازمٍ: حدثني عيسَى بنُ عاصمٍ، عَنْ عديِّ بنِ عديّ - وهو يومئذ أميرٌ (٣) على أرمينيةَ - قالَ: كتبَ إليَّ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: سلامٌ عليكَ أما بعد، فإن للإيمان شرائعَ وحدودًا وسنًا، من استكملها استكملَ الإيمانَ، فإن أعش فيكم أبينُهَا لكم حتى تعملوا بها - أو قالَ: به - إن شاءَ اللهُ، وإن أمت فوالله ما أنا علَى صحبتِكُمْ بحريصٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ(٤): ﴿وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبٍِ﴾. وقد فسرَهَا سعيدُ بنُ جبيرِ بالازدياد منَ الإيمان؛ فإنه قالَ له: ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَطلبَ زيادةً في إيمانه، فإنه طلبَ أن ينتقلَ من درجةِ علم اليقينِ إلى درجةِ عينِ اليقينِ وهي أعلى وأكملُ. وفي (المسندِ)) (٥) عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّمنَلَّ قَالَ: ((ليس الخبرُ (١)وضع في ((ف)) علامتي لحق بعد كلمتي ((شرائع))، و: ((حدودًا)»، وفي الهامش: ((وسننًا، والموافق لـ ((اليونينية)) وضعها بعد «حدودًا)) كما أثبتناه . (٢) (١١٦٢)، وكذا (١٥٥٣)، وانظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٤٨/١١ - ٤٩). (٣) طُمِسَ حرف الألف من كلمة ((أمير)) في ((ف)). (٤) في رواية الأصيلي كما في فرع ((اليونينية)): (َّ)). قاله القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٥) ((المسند)) (٢٧١/١). (١ / ٨٨). ١٢ 1 ١ - باب قول النبي : ((بني الإسلام على خمس)» کالمعاینة)) . قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. هذا الأثرُ: رواه سفيانُ الثوريُّ والأعمشُ ومسعرٌ - كلهم -، عن جامعِ بنِ شدادٍ، عن الأسودِ بنِ هلالِ قالَ: قالَ معاذُ بنُ جبلٍ لرجلٍ : اجلس نؤمن ساعةً - يعني نذكر الله (١). وقد رُويَ مثله عن طائفةٍ منَ الصحابةِ، فروى زُبيدٌ، عن زِدِّ بنِ حُبيشٍ قال: كان عمرُ بنُ الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيمانًا، فيذكرونَ اللهَ. وروى أبو جعفرِ الخطميَّ، عن أبيه، عن جدّهُ عُميرِ بنِ حبيبِ بنِ حماسةً(٢) - وهوَ من الصحابة - أنه قالَ: إن الإيمانَ يزيدُ وينقصُ، قالوا: (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١١ /٢٥ -٢٦)، من طريق الأعمش، عن جامع، به، وأبو عبيد في كتابه ((الإيمان)) (رقم / ٢٠) من طريق سفيان، عن جامع، به،، والخلال في ((السنة)) (١١٢١) من طريق الأعمش، ومسعر، عن جامع به . (٢) كذا في ((ف)) بالحاء المهملة، ولم يعجم السين ولم يضع عليها علامة الإهمال فلعله أراد ((حماشة)) وفي كلا الحالتين خطأ وصوابه: ((خُماشة)) بضم الخاء المعجمة، كذا قال ابن ماكولا في ((إكماله))(٣ / ١٩٢) وقال: ((ومن قال فيه: حماشة- بحاء مهملة - فقد غلط))، وذكره بالمعجمة: الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) (٢ / ٩٢٢)، وذكره مرة بالمهملة والباء الموحدة في باب ((جويبر)) (١ /٥١٨)، وجاء في ((التاريخ الكبير)) (٦ / ٥٣١) بالمعجمة، وفي ((الجرح)) (٦ / ٣٧٥) بالمهملة، وقال: ويقال: ((ابن خباشة)) (كذا)، وذكر الخلاف في اسمه: ذهبي العصر الشيخ المعلمي في تعليقه على ((الإكمال))(٦ /٢٨٤ - ٢٨٥)، ثم قال: (( .. هذا والمراجع مختلفة في حباشة وخماشة ولا أرى داعيًا لبيان ذلك)). ووقع في ((الإكمال)) في ضبط ((خماشة)) قال: بضم الخاء والميم. ١٣ كتاب الإيمان وما زيادتُهُ ونقصانُهُ؟ قال: إذا ذكرنا اللهَ وخشيناه فذلكَ زيادتُهُ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانُهُ (١). فزيادةُ الإيمانِ بالذكرِ من وجهينِ : أحدُهُمَا: أنه يجددُ من الإيمان والتصديق (١٧٨ - أ / ف) في القلبِ ما درسَ منه بالغفلة كما قالَ ابنُ مسعود: الذكرُ ينبتُ الإيمانَ في القلبِ كما ينبتُ الماءُ الزرعَ. وفي ((المسند))(٢) عن أبي هريرةَ أن النبيَّ ◌َ جلَّ قالَ: ((جددوا إيمانَكُمْ) قالوا: كيفَ نجددُ إيماننا ؟ قالَ: ((قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ)). والثاني: أن الذكرَ نفسَهُ من خصال الإيمان، فيزدادُ الإيمانُ بكثرة الذكرِ؛ فإن جمهورَ أهلِ السنةِ على أن الطاعات كلَّهَا من الإيمان فرضَهَا ونفلَهَا؛ وإنما أخرجَ النوافلَ من الإيمانِ قليلٌ منهم. قَالَ البُخَارِيُّ : وَقَالَ ابْنُ مَسْعُود: الْيَقِينُ: الإِيمَانُ كُلُّهُ. ے هذا الأثرُ: رواه الأعمشُ، عن أبي ظِبيانَ، عن عَلقمةَ، عن ابنِ مسعود(٣). (١) ابن أبى شيبة فى ((مصنفه)) (١١ / ١٣)، وابن سعد (٤ / ٣٨١) وذكر الاختلاف فى اسمه . (٢) (٣٥٩/٢). (٣) أخرجه البيهقي في ((الزهد)) (ص / ٣٦١) مرفوعاً، ثم أورد الموقوف: وقال: ((هذا هو = ١٤ ١ - باب قول النبي: ((بني الإسلام على خمس)» واليقين: هو العلمُ الحاصلُ للقلبِ بعدَ النظرِ والاستدلال، فيوجبٌ قوةَ التصديقِ حتى ينفي الريبَ ويوجبُ طمأنينةَ القلبِ بالإيمان وسكونَهُ وارتياحَهُ به، وقد جعلَهُ ابنُ مسعود الإيمانَ كله. وكذا قالَ الشعبي - أيضًا. وهذا مما يتعلقُ به من يقولُ: إن الإيمانَ هو مجردُ التصديق(١)؛ حيثُ جعلَ اليقينَ: الإيمان كله، فحصَرَهُ في اليقينِ؛ ولكن لم يرد ابن مسعودٍ أن ينفي الأعمالَ منَ الإيمانِ؛ إنما مراده: أن اليقينَ هو أصلُ الإيمانِ كلِّه، فإذا أيقنَ القلبُ بالله وملائكته وكتبه ورسلِهِ واليومِ الآخرِ انبعثتِ الجوارحُ a كلُّها للاستعدادِ للقاءِ اللهِ تعالى بالأعمالِ الصالحةِ فنشأ ذلك كلُّه عن اليقين. قالَ الحسنُ البصريُّ: ما طُلِبَتِ الجنةُ إلا باليقينِ ولا هُرِبَ من النارِ إلا باليقينٍ، ولا أُدِّيَتِ الفرائضُ إلا باليقينٍ، ولا صُبِرَ على الحقِّ إلا باليقينِ(٢) . وقال سفيانُ الثوريَّ: لو أن اليقينَ وقعَ فى القلبِ كما ينبغي لطارتِ القلوبُ اشتياقا إلى الجنةِ وخوفا من النار(٣). = الصواب موقوف)) وأخرجه الخطيب مرفوعًا في ((التاريخ)) (٢٢٦/١٣)، وأشار في ((الحلية)) في ((الحلية)) (٣٤/٥) إلى إعلاله ورجح الحافظ وقفه في ((التغليق)) (٢١/٢ -٢٢). (١) أشار إلى هذا الموضع وما قبله (ص٩٤) عند شرحه للحديث رقم: (٢٢). (٢) ((اليقين)) لابن أبي الدنيا (ص: ١٠٢). (٣) ((لحلية)) (١٧/٧). ١٥ كتاب الإيمان ويذكرُ عن لقمان قالَ: العملُ لا يستطاع إلا باليقينٍ، ومن يضعفُ يقينه يضعفُ عمله(١) . قالَ عبدُ الله بنُ عُكَيم: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ في دعائه: اللهمّ زدنا إيمانًا ويقينًا وفهمًا. قَالَ البُخَارِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ النَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْر. قَالَ زَيْنُ الدِّينِ ابْنُ رجبٍ : ٣(٢)، وقد هذا الأثرُ لم أقفْ عليه إلى الآن في غيرِ كتابِ البخاري (٢ رُويَ معناه مرفوعًا . وموقوفًا على أبي الدرداءِ. فخرَّجَ الترمذيُّ، وابنُ ماجه من حديثِ عطيةَ السعديِّ، عنِ النبيِّ وَجَّ قالَ: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مِمَّ به بأسٌ)(٣). وفي إسنادِهِ بعضُ مقالٍ. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ منقطعٍ، عن أبي الدرداءِ قالَ: تمامُ التقوى: أن يَتَقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرةٍ، وحتى يتركَ ما يرى أنه حلال خشيةَ أن يكونَ حرامًا؛ حجابًا بينه وبينَ الحرامِ(٤) . وإنما ذكرَ البخاريَّ هذا الأثرَ في هذا البابِ؛ لأن خصالَ التقوى هي (١) ((اليقين)) لابن أبي الدنيا (ص: ١١٦). (٢) وكذا قال الحافظ في ((تغليق التعليق)) (٢٤/٢). (٣) الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥). (٤) انظره في ((الزهد)) لابن المبارك (ص: ١٩) من زوائد نعيم، وراجع ((توضيح المشتبه)) (٤٤٢/٣) . ١٦ ١ - باب قول النبي : ((بني الإسلام على خمس)» خصالُ الإيمان، وقد صحَّ عن مجاهد أن أبا ذرِّ سألَ النبيِّ وَلِّ عن الإيمانِ فقرأ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية . وهذا مرسل. وقد رُويَ من وجهِ آخر، وفيه انقطاعٌ - أيضًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ﴾: أَوْصَيْنَاكَ وَإِيَّهُ يَا مُحَمَّدُ (١) دينًا واحدًا (٢). روى ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِهِ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] قال: وصاكَ به وأنبياءه كلهم دينًا واحدًا(٣). ومعنى ذلكَ: أن دينَ الأنبياءِ كلهم دينٌ واحدٌ وهو الإسلامُ العامُ المشتملُ على الإيمانِ باللهِ وملائكتِهِ وكتبه ورسله واليومِ الآخرِ وعلى (١) في ((اليونينية)): ((يا محمد وإياه)). (٢) نقل ابن حجر في ((الفتح)) (٤٨/٢) عن شيخه البلقيني أنه قال: ((وقع في أصل ((الصحيح)) في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قَلَّ من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: وقال مجاهد: شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينًا واحدًا. والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه. كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في (تفاسیرهم))، وبه یستقیم الكلام)) ا. هـ. ورد على هذا الزعم القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٨٩/١) فراجعه. وراجع رد العينى - كعادته - على الحافظ في ((العمدة)) (١٣٢/١). واخيراً ((انتقاض الاعتراض)) للحافظ (٢٠/١ - ٢١). (٣) أخرجه الطبري في «تفسيره)) (١٠/٢٥). ١٧ كتاب الإيمان توحيد الله وإخلاصِ الدينِ له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قالَ تعالَى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ (١٧٨ - ب/ فَ) الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيَّةُ ومَا أُمُرُوا إلا لَيَعْبُدُوا الله مُخْلصينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٤، ٥]. والدينُ: هو الإسلامُ - كما صرحَ به في مواضعَ أُخر -، وإذا أُطلقَ الإسلامُ دخلَ فيه الإيمانُ وبالعكسِ. وقد استدلَّ على أن الأعمالَ تدخلُ في الإيمانِ بهذه الآيةِ، وهي قولُهُ: ﴿وَذَلِكَ دينُ الْقَيِّمةِ﴾ طوائفُ من الأئمةِ، منهم: الشافعي، ءِ وأحمدُ(١)، والحميديُّ(٢)، وقالَ الشافعيُّ: ليسَ عليهم أحجُّ من هذه الآيةِ(٣) . واستدلَّ الأوزاعيُّ(٤) بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقَالَ: الدينُ: الإيمانُ والعملُ، واستدلَّ بقوله تعالى ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُاُ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. وقد ذكرَ الخلالُ في كتابِ (السنةِ)) أقوالَ هؤلاءِ الأئمةِ بألفاظهم بالأسانيدِ إلیھم. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلا وَسْنَّةً. (١) ((السنة)) للخلال (١٠٣٦). (٣) ((السنة)) للخلال (١٠٣٨). (٢) ((السنة)) للخلال (١٠٢٧). (٤) ((السنة)) للخلال (١٠٢٥). ١٨ د ١ - باب قول النبي : ((بني الإسلام على خمس)» وهذا من رواية أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابنِ عباسٍ قال: شرعةً ومنهاجًا: سبيلا وسنةٌ (١). ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ: أن المنهاجَ هو السنةُ، وهو الطريقُ الواسعةُ المسلوكةُ المُدَاوَمُ عليها، والشرعةُ: هي السبيلُ والطريقُ الموصلُ إليها؛ فهي كالمدخلِ إليها كمشرعةِ الماءِ وهي المكانُ الذي يُورَدُ الماءُ منه، ويقال: شرَعَ فلانٌ في كذا إذا ابتدأَ فيه، وأنهجَ البلاءُ في الثوبِ إذا اتسعَ فيه. وبذلكَ فرقَ طائفةُ من المفسرينَ وأهلِ اللغةِ بين الشريعةِ والمنهاجِ، منهم الزجاجُ وغيرُهُ. (١) أخرجه عبد الرزاق فى ((تفسيره)) (١٨٧/١)، والطبري فى ((تفسيره)) (١٧٥/٦) - من طريق سفيان وغيره عن أبي إسحاق . ١٩ كتاب الإيمان ٢ - فَصْلٌ(١) قَالَ اللهُ تَعَالَى (٢) ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبَّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَمَعْنَى الدُّعَاءِ فِي اللُّغَةِ: الإِيمَانُ. اعلم أن أصلَ الدعاءِ في اللغة: الطلبُ؛ فهو استدعاءٌ لما يطلبه الداعِي ويُؤثر حصولَهُ، فتارةً يكونُ الدعاءُ بالسؤال منَ الله عزَّ وجلّ والابتهالِ إليه كقولِ الداعي: اللهم اغفر لِي، اللهمّ ارحمني، وتارةً يكونُ بالاتيانِ بالأسبابِ التي تقتضي حصولَ المطالبِ وهو الاشتغالُ بطاعةِ اللهِ وذكرِه وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقةُ الإيمان. وفي ((السننِ الأربعةِ)) عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عنِ النبيِّ وَُّلّ قالَ: ((إن الدعاءَ هو العبادةُ)(٣) ثم قرأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [غافر: ٦٠]. فَمَا اسْتَجِلَبَ العَبدُ من اللهِ مَا يُحبُّ واسْتَدْفَعَ مِنه ما يكرهُ بأعظمَ من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقةُ الإيمان؛ فإن اللهَ يدفعُ عن الذين آمنوا. (١) باب ((دعاؤكم إيمانكم)). (٢) في ((اليونينية)): ((لقوله عز وجل)). (٣) أبو داود (١٤٧٩)، والنسائي في ((الكبرى (٦ / ٤٥٠)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧، ٣٣٧٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨) من طريق ذر، عن يُسيع، عن النعمان به، وقد تفرد به ذر كما نص عليه الترمذي وغيره، واستشكل البخاري سماع يُسيع من النعمان في ((التاريخ)) (٤٢٥/٨). ٢٠