النص المفهرس

صفحات 441-460

الحديث: ١٢٢٩
٥ - بَابُ
[مَنْ](١) يُكبِّرُ فِي سَجْدَيِ السَّهْوِ
فيه حديثان :
الأولُ:
١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةٍ(٢) قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ إِحْدَىَ صَلاَتَِّ الَعَشِيَّ - قَالَ مُحَمَّدٌ:
وَأَكْثَرُ (٣) ظَنِّي الْعَصْرُ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَة في مُقَدَّمٍ
الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَّهُ عَلَيْهَا، وفِيَهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ(٤) فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ،
وخَرَجَ سَرَ عَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: قَصُرَّت (٥) الصَّلاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ◌َُّ
ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: (لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ)) قَالَ: بَلَى
قَدْ نَسيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ(٦) مِثْلَ سُجُوده أوْ
أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ
(١) زيادة من ((اليونينية)) وسقطت من عند أبي ذر الهروي وابن عساكر والأصيلي وأبي
الوقت، وقال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ((ولغير الأربعة: باب من يكبر)) ا. هـ.
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضى الله عنه)) وكذا القسطلاني.
(٣) وهي بالمثلثة والموحدة وكذا قاله القسطلاني.
(٤) زاد في ((اليونينية)) ((رضي الله عنهما))، وكذا القسطلاني.
(٥) في ((اليونينية)) ((أقَصُرت)) وقال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٢/ ٣٦٧) بهمزة الاستفهام
وضم الصاد مبنيًّا للمفعول وفتحها على صيغة المعلوم، وفي رواية ابن عون بحذف همزة
الاستفهام)» ا. هـ.
(٦) في ((اليونينية)) ((فسجد)) وكذا في "إرشاد الساري)).
٤٤١

الحديث: ١٢٢٩
كتاب السهو
أَوْ أَطْوَلَ، ثُم رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبْرَ (١).
صلاتا العشيِّ (٢٥٧ - ب/ ك٢) هما الظُّهرُ والعصرُ؛ لأنَّهما بعد
زوالِ الشَّمسِ وذلك زمنُ العشيِّ، وأكثرُ ظنِّ ابنِ سيرينَ أنَّها العصرُ،
وفي روايةِ ابنِ عونٍ عنه أنَّه قالَ: سمَّاها أبو هريرةَ ونسيتُها أنا .
ورُوِيَ مجزومًا بذلك.
خرَّجِه الإمامُ أحمدُ (٢) .
وفي هذه الرواية أنَّه قامَ من مكانه الذي صلَّى فيه إلى مقدمِ المسجدِ
ووضعَ يدَه على الخشبةِ.
وفي روايةِ ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ أَنَّه شبكَ أصابعَه، وقد خرَّجها
البخاري فيما مضى(٣)
وأما هيبةُ أبي بكر وعمرَ أن يكلِّماه مع قربهما منه واختصاصهما به
فلشدة معرفتها بعظمته وحقوقه، وقوةُ المعرفة توجبُ(٤) الهيبةَ كما أنَّ
أشدَّ النَّاسِ معرفةً بالله أشدُّهم له خشيةً وهيبةً وإجلالا كما كانَ النبيّ
داخله كذلك.
وسيلة
وسَرَعانُ الناس: هم الذين أسرعوا الخروجَ من المسجدِ فظنُّوا أنَّ
الصَّلاةَ قصرتْ فتحدَّثْوا بذلك، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يخفَ ذلك على
(١) في ((اليونينية)): ((وكبر) وكذا القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ولم ينبه على خلاف ذلك.
(٢) في ((المسند)) (٢٣٤/٢).
(٣) (فتح: ٤٨٢).
(٤) في ((ك٢)) بالمثناة التحتية والموافق للسياق ما أثبتناه.
٤٤٢

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٢٩
عامة من كان في المسجدِ أو كلِّهم.
وفي روايةِ ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ أنَّ النبيَّ وَِّ قامَ إلى خشبة
فانَّكأَ عليها وشبكَ بين أصابعه ووضعَ خدَّ على ظهرِ كفهِ كأنَّه غضبانُ.
والظَّاهرُ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان في حالِ الصَّلاةِ مشغولَ البالِ بأمرٍ
ء
أوجبَ له ذلك الغضبَ وهو الذي حمله على أن صلَّى ركعتين وسلَّمَ
ولم يشعر بذلك.
وقوله: ((ورجلٌ يدعوه النبيِّ يَّهَ ذا اليدينِ)): فيه دليلٌ على أنَّه يجوزُ
دعاءُ الإنسان بغير اسمه ولا سيَّما إذا كانَ ليسَ من الألقابِ المكروهةِ،
وربما كان يُدْعَى بذلكَ من بابِ الفكاهةِ والمزاحِ كما قال النبي
وَسِلكم
صَھَلىالله
عَليـ
الرجلٍ: ((يا ذا الأذنين))(١).
وقوله: ((لم أنسَ ولم تقصر)) وهكذا في روايةِ ابنِ عونٍ - أيضًا -،
عن ابنِ سيرينَ.
وزعم بعضُهم أنَّ مرادَه نفيُ مجموعِ الأمرين يعني: لم يجتمعِ القصر
و
والنسيانُ، ولم يُردّ نفيَ أحدِهما بانفرادِه، وهذا ليس بشيءٍ فإنه لو كانَ
(١) أخرجه أحمد فى ((المسند)) (١١٧/٣، ١٢٧، ٢٤٢، ٢٦٠)، وأبو داود (٥٠٠٢) - ومن
طريقه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٨/١٠) -، والترمذي (١٩٩٢)، وأبو يعلى في
(مسنده)) (٧/ ٩١) - ومن طريقه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) رقم (٤٢٠)-، كلهم
من طريق شريك عن عاصم الأحول عن أنس مرفوعًا ووقع خطأ في ((عمل اليوم والليلة))
وهو تحريف إسحاق بن أبي إسرائيل إلى أبي إسحاق ابن أبي ليلى وأشار المحقق إلى أن
في نسخة على الصواب، ومدار الحديث على شريك بن عبد الله القاضي وهو متكلم
فيه، وانظر ((العلل)) للدارقطني (٤/ق١٩ - ب: ٢٠ - أ)، وأخرجه الخطيب في ((تاريخه))
(٤٦/١٣) من طريق موسى بن حيان عن حفص بن عمر الحوضي حدثنا شعبة عن
عاصم الأحول عن أنس به مرفوعًا، وانظر ((أطراف الغرائب والأفراد)) (٩٥٧) بتحقيقنا.
٤٤٣

الحديث: ١٢٢٩
كتاب السهو
كذلك لكان ذاكرًا لنسيانه حينئذ مثبتًا له، فإنَّ القصرَ منتف قطعًا فيكون
ء
مثبتًا لنسيانه حينئذٍ، ولو كانَ حينئذٍ ذاكراً لنسيانه(١) لم يحتجْ إلى قولِ
ذي اليدينِ له ولا لاستشهادِهِ بالنَّاسِ على صِدْقَه؛ فإنَّ في روايةِ ابنِ
عونٍ: فقال: ((أكما يقولُ ذو اليدين؟)) قالوا: نعم.
ولو (٢٥٨ - أ/ ٢٥) كان ذاكراً لنسيانه حينئذ لما تكلمَ (٢) فإنَّه كان
يكونُ متكلمًا وهو عالمٌ بأنَّه في صلاة أو حكمها .
وإنَّما قالَ وَّةِ: ((لم أنسَ ولم تقصرْ)) باعتبارِ ما كان في اعتقاده بأنَّه
أتمَّ صلاتَه ولم ينس منها شيئًا؛ فإنَّه إنَّما سلَّمَ من ركعتين لاعتقاده أنَّه
أثَّها، فقولُه: ((لم أنسَ) إخبارٌ عن حالِه التي كان عليها في الصَّلاةِ وهي
مستمرةٌ إلى حينٍ تكلَّمَ بهذا.
وقد صحَّ عنه أَنَّه قال: ((إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون(٣)، فإذا نسيتُ
فذكِّروني)) (٤)، ولعلَّهم امتنعوا من تذكيرِه في هذه الصَّلاةِ بالتَّسبيحِ لأَنَّهم
كانوا على رجاء منه أن يقومَ من التَّشهدِ إلى الركعتينِ الباقيتينِ، وإنَّما
تيقَنُوا تركَه لهما بسلامه وكانوا حينئذٍ غيرَ متيقنين لسهوه، فإنَّه كان
يحتملُ عندهم أن تكون الصَّلاةُ قد قصرَتْ، فلذلك لم يسبحوا(٥) به عند
سلامه .
وقولُ ذي اليدين ((قد نسيتَ)) إنَّما جزمَ به لنفى النَّبِيِّ بَةِ قصرَ
(١) في ((ك٢)) ((ذاكرا لنسيا)) وما أثبتناه هو الصواب والموافق للسياق.
(٢) في ((ك٢)) بالمثناة التحتية والصواب ما أثبتناه.
(٣) فى ((ك٢)) بالمثناة التحتية والرواية بالفوقية.
(٤) متفق عليه من حديث ابن مسعود.
(٥) في ((ك٢)) ((يسبحبو)) والموافق للسياق ما أثبتناه.
٤٤٤

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
الصَّلاةِ مع علمِ النَّاسِ بأَنَّه إنما صلَّى ركعتين فقط فتعيَّنَ أن يكونَ تَرَكَ
الركعتينِ نسيانًا .
والمقصودُ من هذا البابِ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ لَّا سجدَ سجدتي السَّهوِ كَبَّرَ
فيها أربعَ تكبيراتٍ كَبَّرَ في كلِّ سجدةٍ تكبيرة للسَّهو وتكبيرةً للرَّفْعِ منه.
الحديثُ الثاني :
١٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١): ثَنَا اللَّيْثُ(٢)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطْلِبِ أَنَّ رَسُولَ اللهَِ
قَامَ في صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُوسٌ. فَلَمَّا أَنَّمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ
فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا
كَانَ(٣) نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ.
تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِرِ.
هذا الحديثُ خرَّجهُ مسلمٌ (٤)، عن قتيبةَ - كما خرَّجِه البخاريّ -
وخرجه النَّسائيُّ(٥) من طريقِ ابنِ وهبٍ: أخبرني عمرُو، ويونسُ والليثُ،
عن ابنِ شهابٍ، فذكرَه بهذا اللفظ - أيضا .
(١) زاد في ((اليونينية)): (ابن سعيد)) وكذا في ((إرشاد الساري)).
(٢) وهي للأصيلي وابن عساكر والباقي (ليث)) أفاده القسطلاني.
(٣) لفظة ((كان)) ليست في ((اليونينية)) ولا في ((إرشاد الساري))، ولم ينبه القسطلاني على
شيء من ذلك .
(٤) (٨٦/٣٨٩).
(٥) في ((المجتبى)) (٣٤/٣).
٤٤٥

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
ورواه مالكٌ، عن ابن شهابٍ، وقال في حديثِه: ((فكبّرَ ثم سجدَ
سجدتين))، وهو مخَّرجٌ في (الصحيحينِ)) من طريقِ مالكٍ، وخرَّجه
البخاريّ من طريقِ شعيبٍ، عن الزَّهريِّ - أيضًا - كذلك(١).
وأمَّا متابعةُ ابنِ جريجٍ لليثِ بنِ سعدٍ في ذكرِ التَّكبيرِ .
فخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، عن محمدِ بنِ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ: أخبرني
ابنُ شهابٍ، فذكر الحديثَ (٢٥٨ - ب/ ٢٥) وفيه: فلمَّ صلَّى الركعتينِ
الأخرتينِ وانتظرَ النَّاسُ أن يسلّم كَبَّرَ فسجدَ، ثم كَبَّرَ فسجدَ، ثم سلَّمَ(٢).
وخرّجه عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ، عن ابنِ جريجٍ - أيضًا -، وعنده: يكبرُ
في كلِّ سجدةٍ(٣).
ورواه الأوزاعيّ، عن الزَّهريِّ، فذكرَ في حديثِه أربعَ تكبيراتٍ؛ لكلِّ
سجدة تكبيرتين: تكبيرةٌ للسّجودِ، وتكبيرةُ للرفع، كما في حديث أبي
هريرةَ المتقدمِ.
والعملُ على هذا عند أهلِ العلمِ أنَّه يكبِّرُ في كلِّ سجدة تكبيرةً
للسُّجودِ وتكبيرةً للرفع منه .
وبه قالَ عطاءٌ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وغيرُهم، ولا فرق في ذلك بين
السُّجودِ قبلَ السَّلَامِ وبعدَه .
ومن الشَّفعيةِ من قال في السُّجودِ بعدَ السَّلامِ: يكبِّرُ تكبيرة الإحرامِ،
ثم يكبرُ للسّجودِ، كقولهم في سجدة التلاوة كما سبق.
ءِ
(١) (فتح: ٨٢٩).
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٤٥/٥ - ٣٤٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٠٠/٢).
٤٤٦

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
وقد دلَّ حديثُ ابنِ بُحَينةَ على السُّجودِ قبلَ السَّلامِ، وحديثُ أبي
هريرةَ على السُّجودِ بعد السَّلامِ، وكذلك حديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ،
وحديثُ معاويةَ بنِ حُدِيجٍ(١)، وقد سبقَ ذكرُهما.
وقد اختلف العلماءُ في محلِّ سجودِ السَّهوِ على ستةِ أقوالٍ .
أحدُها: أنه كلُّه بعد السَّلامِ.
قال ابنُ المنذر(١): رُويَ ذلك عن عليٍّ، وسعدِ بنِ أبي وقاصٍ، وابنٍ
مسعودٍ، وعمارٍ، وأنسٍ، وابنِ الزّبيرِ، وابنِ عباسٍ .
وبه قال الحسنُ، والنَّخعيَّ، وابنُ أبي ليلى، والثَّوريَّ، والحسنُ بنُ
صالحٍ، وأصحابُ الرأي - يعني: أبا حنيفةً وأصحابه. قال: ويجزىءُ
عندهم أن يسجدَهما قبلَ السَّلامِ(٢).
قلت: وَمَّنْ قال: يسجدُ بعد السَّلامِ: قتادةُ، ورُويَ عن عمرانَ بنِ
حصينٍ - أيضًا .
والقولُ الثَّاني: أنَّه كلَّه قبلَ السَّلامِ.
قال ابنُ المنذرِ(٣): رُوِيَ عن أبي هريرةَ، وبه قال مكحولٌ، والزهريُّ،
ويحيى الأنصاريُّ، وربيعةُ، والأوزاعيُّ، والليثُ، والشَّافعيُّ. انتهى.
وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ، وقيل: إنَّه لم يوجدْ بها نصٌ عنه.
(١) في ((ك٢)) بالخاء المعجمة خطأ.
(٢) فى ((الأوسط)) (٣٠٩/٣ - ٣١٠) وانظر ((جامع الترمذي)) عقب حديث (٣٩١).
(٣) في («الأوسط)) (٣٠٨/٣) وانظر ((جامع الترمذي)) عقب حديث (٣٩١).
٤٤٧

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
وقد ذكرَ القاضي في كتابِ ((شرحِ المذهبِ)): إنْ سلّمَ من نقصِ ركعةٍ
ء
تامة فأكثرَ فإنَّه يسجدُ له بعد السّلامِ روايةً واحدة، ولم نجدْ عن أحمدَ فيه
خلافًا .
وأسندَه التِّرمذيُّ في كتابِهِ(١) عن أبي هريرةَ وعبدِ اللهِ بنِ السائبِ
القارىء(٢) .
وذكر الشَّافعيُّ أنَّ آخرَ فعلِ النبيِّ نَّهِ السُّجودُ قبلَ السَّلامِ، وأنَّه
ناسخُ لما عداه(٣) .
ورُوِيَ عن مطرفٍ بنِ مازنٍ، عن (٢٥٩ - أ/ ٢٥) معمر، عن الزُّهريِّ
قال: سجدَ رسولُ اللهِ وَّ سجدتي السَّهوِ قبل السَّلامِ وبعده، وآخرُ
الأمرين: قبلَ السَّلامِ (٤).
ومطرفٌ هذا ضعيفٌ(٥)، وغايةُ هذا أنَّه من مراسيلِ الزُّهريِّ، وهي
من أوهى المراسيلٍ(٦).
(١) في ((الجامع)) عقب حديث (٣٩١).
(٢) في ((ك٢)) ((عن أبى هريرة السائب الغادي)) وهو خطأ والصواب ما أثبتناه وراجع كلام
الشيخ أحمد شاكر في حاشية ((جامع الترمذي)» عقب حديث (٣٩١).
(٣) انظر ((جامع الترمذي)) عقب حديث (٣٩١) فقد ذكر قول الشافعى الذي ذكره المصنف
هنا.
(٤) انظر ((معرفة السنن والآثار)) (٢٨٠/٣)، وكذلك ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد))
(٣٢/٥) باختصار.
(٥) انظر ترجمته في ((ميزان الاعتدال)) (١٢٥/٤ - ١٢٦).
(٦) راجع كلام المصنف في ((شرح العلل)) (١/ ٥٣٥) في كلامه على مراسيل الزهري ونقل
هناك قول يحيى بن معين: ((مراسيل الزهري ليس بشيءٍ)) ا. هـ.
٤٤٨

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
وسجودُ النبيِّ مَّ قِبلَ السَّلامِ وبعدَه إن كان في صورتينِ أمكنَ
العملُ بهما معًا، وإن كان في صورةٍ واحدةٍ دلَّ على جوازِ الأمرينِ
والعملِ بهما (١) جميعًا، والنَّسخُ لا يُصَارُ إليه مع إمكانِ الجمعِ ولو
توجه .
وادَّعى جماعةٌ منهم أنَّ سجودَ النبيِّ وَِّ بعد السَّلامِ في حديثٍ أبي
هريرةَ كان سهوًا حيث كانت تلكَ القصةُ تضمَّنتْ أنواعًا من السّهوِ.
وهذا قولٌ ساقطٌ جدّا؛ فإنَّ السَّهوَ كان قبلَ إعلامِ النبيِّ وَّ بِالحالِ،
فأما بعدَ إعلامِه فلو تطرقَ السَّهوُ إلى فعلِه لم يُحتجَّ به كلِّه، وقد
اجتمعت الأمةُ على الاحتجاجِ به، كيف وقد رواه عمرانُ بنُ حصين،
ومعاويةُ بنُ حُديجٍ وغيرُ واحد، وقد قِيلَ: إنَّها وقائعُ متعددةٌ - كما
سبقَ.
والقولُ الثَّالثُ: إن كان السَّهوُ من نقصانِ من الصَّلاة فإنَّ سجودَه
قبل السّلامِ، وإن كان من زيادة فيها فإنَّ سجودَه بعد السَّلام؛ لئلا يجتمعَ
في الصَّلاة زيادتان.
وهو قولُ مالك، والشَّافعيِّ في القديمِ، وأبي ثورٍ، وهو روايةٌ عن
أحمدَ، والشَّكَّ على هذه الرواية عنده كالنقصِ يسجدُ له قبلَ السَّلام.
و
نصَّ عليه أحمدُ (٢).
(١) في ((ك٢)) (بها)) والموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٣١١/٣)، و((اختلاف العلماء)) للمروزي (ص / ٥٣) و((جامع
الترمذي)» عقب حديث (٣٩١).
٤٤٩

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
ونقل حربٌ عن إسحاقَ (١) مثلَ هذا القول، إلا أنَّه قال في الشكِّ:
يسجدُ له بعدَ السّلامِ، ويبني على اليقينِ. وهو قولُ مالك.
ورُوِيَ هذا المعنى عن ابنِ مسعودٍ، رواه إسحاقُ بنُ راهويه، عن
عتابِ بنِ بشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن أبي عبيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ قال: كلّ
93
شيءٍ في الصّلاةِ من نقصانٍ من ركوعٍ أو سجودٍ أو غير ذلك فسجدتا
السّهوِ قبل التّسليمٍ، وما كان من زيادة سجدَها بعدَ التَّسليمِ.
وعتابٌ هذا مختلفٌ فيه(٢)، وقد رواه غيرُه عن خصيف بغيرِ هذا
اللفظ .
روى الطبرانيّ(٣) في هذا المعنى حديثينِ مرفوعينٍ (٤) من حديثٍ
عائشةَ، في إسناده عيسى(٥) بنُ ميمونَ وهو متروك الحديث(٦).
(١) انظر ((جامع الترمذي)) عقب حديث (٣٩١) و((الأوسط)) لابن المنذر (٣١١/٣) و((اختلاف
العلماء)» للمروزي (ص/ ٥٣).
(٢) قال عثمان الدارمي: ((سمعت علي بن المديني يقول: ((ضربنا على حديث عتاب بن
بشير)) ا. هـ. ((تاريخه)) رقم (٥٤٠).
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ((سمعت أحمد بن حنبل يقول أحاديث عتاب عن
خصيف منكرة)) ا. هـ. ((الجرح)) (١٣/٧)، و((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٤٦/١ - ٢٤٧).
(٣) في ((الأوسط)) (٧٥٩٣) وقال عقبه ((لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة - بهذا اللفظ
- إلا عيسى بن ميمون تفرد به: حاتم)).
(٤) في ((ك٢)): ((حديثان مرفوعان)) وهو خطأ بين والصواب ما أثبتناه.
(٥) في ((ك٢)): ((علي)) وهو خطأ والتصويب من الرواية وهو يروي عن هشام بن عمار ويروي
عنه حاتم بن عبيد الله النمري.
(٦) قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث. راجع ترجمته من
((تهذيب الكمال)) (٤٨/٢٣ - ٥٢).
٤٥٠

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
وأهلُ هذه المقالة جمعوا بهذا بينَ حديثي ابنِ بُحَينةَ وحديثِ أبي
هريرةَ وما في معناه(١)؛ فإنَّ في حديث أبي هريرةَ وما في (٢٥٩ - ب/ك٢)
معناهِ كان قد وقعَ في تلك الصَّلاة زيادةٌ كبيرةٌ سهوًا من سلامٍ وكلامِ
وعملٍ فلذلك سجدَ بعد السَّلامِ، وحديثُ ابنِ بحينةَ فيه أنَّه سجدَ قبل
السَّلامِ لتركِ النَّشْهِدِ الأول، فيلحقُ بالأولِ كلُّ زيادةٍ، وبالثّاني كلُّ نقصٍ.
ويشهدُ لذلكَ أنَّ النبيَّ نَّهِ صلَّى الظُّهرَ خمسًا فسجدَ له بعد السَّلامِ
كما في حديثِ ابنِ مسعود - وقد سبق -؛ لكن قد ذكرنا - فيما تقدم -
أنَّه لا دلالةَ فيه؛ فإنَّ النبيَّ وََّ إنَّما علم بسهوِه بعد أن سلَّمَ فكان
سجودُه بعد السَّلامِ ضرورةً، لا عن قصد .
القولُ الرابعُ: أنَّ سجودَ السَّهِ كلَّه قبلَ السَّلامِ إلا في موضعين:
أحدُهما: من سلَّمَ من نقصِ ركعةٍ تامةٍ فأكثر من صلاته سهوا، فإنَّه
يأتي بما فاته ويسجدُ بعد السَّلامِ كما في حديث أبي هريرةَ، وعمرانَ بنِ
حصينِ وغيرِهما. والثّاني: إذا شكَّ في عددِ الركعاتِ وعمل بالتَّحري
فإنَّه يسجدُ له بعد السّلامِ كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ - ويأتي ذكرُه إن
شاء اللهُ - وما عدا هذين الموضعينِ فإنَّه يسجدُ له كلّه قبل السَّلامِ إلا أن
لا يذكرَ سهوَهَ إلا بعد أن سلَّمَ فإنَّه يسجدُ له بعد السَّلامِ ضرورةً كما في
حديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدمِ .
وهذا هو ظاهرُ مذهب الإمامِ أحمدَ، وعليه عامةُ أصحابه، ووافقه
عليه طائفةٌ من أهل الحديث منهم: سليمانُ بنُ داودَ الهاشميّ، وأبو
وِ
(١) كذا العبارة في (٢٥)).
٤٥١

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
خيثمةَ، وابنُ المنذرِ(١).
وفي هذا عملٌ بجميعِ الأحاديثِ كلِّها على وجهها، غير أنَّ تركَ
التَّشهدِ الأولِ قد رُوِيَ عن المغيرةِ، عن النبيِ نَّ أَنَّه سجدَ له بعد
السَّلامِ؛ ولكن حديثَ ابنِ بحينةَ أصحُّ منه، فأخذَ أحمدُ بأصحّ الحديثينِ
فيما اختلفتِ الروايةُ فيه بعينه.
وقد قال طائفةٌ من أصحابنا: إنَّ القياسَ أن يكونَ السُّجودُ كلُّه قبل
السَّلام لأنَّه تتمةُ الصَّلاةِ، كما في حديث عثمانَ بنِ عفانَ، عنِ النبيِّ
وَُّ قال: ((إياي وأن يتلعبَ بكم الشَّيطانُ في صلاتِكم، من صلَّى منكم
فلم يدرِ كم: أشفعٌ أم وترٌ؟ فليسجدْ سجدتين؛ فإنها من تمامٍ صلاتِه)).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢) .
وإذا كانت السَّجدتانِ من تمامِ الصَّلاةِ فيكون قبلها؛ لكن إنَّما تركَ
ذلك في تلكَ الصَّورتينِ. لورودِ النصُّ فيهما، فما عداهما باق على
الأصل .
وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا المعنى بعينه في روايةِ ابنِ بدينا (٣).
ومن المتأخِّرِينَ من قال: بل القياسُ يقتضي التَّفريقَ بين هاتين
الصُّورتينِ وغيرِهما، فإنَّ من سلَّمَ من نقصٍ فقد زادَ في صلاتِه زيادةً لو
(١) في ((الأوسط)) (٣١٣/٣).
(٢) في ((مسنده)) (٦٣/١).
(٣) هو: محمد بن الحسن بن هارون بن بَدينا، ترجمه ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة))
(٢٨٨/١ - ٢٩٠).
٤٥٢

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
تعمَّدها لبطلتْ صلاتُه فيكون السجودُ بعد السَّلام لئلا يجتمعَ في الصّلاة
زيادتان ويكونُ السُّجودُ هنا بمنزلة صلاة مستقلة جبرَ بها النَّقصَ الدَّاخلَ
في صلاتِه وهو إرغامُ الشَّيطانِ (٢٦٠ - أ/ ك٢).
وأما من شكَّ وتحرّى وبنى على غالب ظنِّه، فإنَّه قد أتمَّ صلاتَه
ظاهرًا فيسجدُ بعد السّلامِ سجدتينِ زائدتينِ على صلاته كما سمَّاهما
النَّبِيُّ وَّهِ: إرغامًا للشَّيطان؛ فُإِنَّه قصدَ تنقيصَ صلاته فأتَّها وزاد عليها
زيادةً أخرى.
وأما إذا بنى على اليقين، فإنَّه يحتملُ الزيادةَ في صلاة احتمالا
ظاهرًا، والزيادةُ هنا من جنسِ الصَّلاةِ بخلافِ الزيادةِ في صورةِ السَّلامِ
من النَّقصِ، فكانت السجدتانِ كركعةٍ تشفعُ له صلاتَه لئلا تكونَ صلاتُهُ
وترًا فيسجد قبلَ السَّلامِ.
وهذا كلُّه قد أشارَ إليه النَّبِيُّ وَلَهَ في كلامِهِ وتعليله كما سيأتي لفظُ
الأحاديث فيه .
ومن هنا ينبني أنَّ من صلَّى خمسًا ساهيًا وذكر قبلَ سلامه: أَن لا
يسجدَ حينئذ قبلَه حتى لا يسلِّمَ عن وترٍ .
لكن يقال: فلو ذكرَ أنَّه صلَّى ركعتين زائدتين كان الحكم كذلك مع
أنَّه لم يسلّمْ عن وترٍ .
القولُ الخامسُ كالقولِ الرابعِ: أنَّ ما فيه نصٌّ عن النبيِّ بَّهِ فَإِنَّه يتبعُ
نصَّه، وما ليس فيه فإن كانَ نقصًا في الصَّلاةِ فسجودُهُ قبل السَّلامِ، وإن
كان زيادةً فسجوده بعده .
٤٥٣

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
وهذا روايةُ ابنِ منصورٍ عن إسحاقَ بنِ راهويهِ .
والقولُ السَّدسُ: إنَّ ورودَ بعضِ النُّصوصِ بالسُّجودِ قبلَ السَّلامِ
وبعضها بالسّجود بعده يدلّ على جواز كلا الأمرينِ من غيرِ كراهةٍ فيعمل
/
بهما في الجوازِ .
وأهلُ هذه المقالةِ لهم قولانِ:
أحدُهما: أنَّهما سواءٌ في الفضلِ .
وحُكِيَ ذلك قولا للشَّافعيِّ - كما سيأتي ذكره.
والقولُ الثَّاني: أنَّهما سواءٌ في الجوازِ، وإن كان بعضُها أفضلَ من
بعضٍ .
وقد حكَى ابنُ المنذرِ عن أهلِ الرأي أنَّهم يرونَ السُّجودَ قبلَ السلامِ
جائزًا والسجودَ بعده أفضلَ(١).
وكذلك حكَى ابنُ عبد البرِّ(٢) اختلاف العلماء في محلِّ السّجودِ، ثم
قال: كلُّ هؤلاءِ يقولون: لو سجدَ بعد السَّلامِ فيما فيه السُّجودُ قبله لم
يضرّه، ولذلك لو سجدَ قبله فيما فيه السّجودُ بعده لم يضرّه، ولم يكن
(٣)
عليه شيءٌ (٣).
وقال الماورديَّ من الشَّافعيةِ في كتابه ((الحاوي)): لا خلافَ بين الفقهاء -
يعني: جميعَ العلماءِ - أنَّ سجودَ السَّهو جائزٌ قبل السّلام (٢٦٠ - ب/ ٢٥)
(١) ابن المنذر فى ((الأوسط)) (٣/ ٣١٠ - ٣١١).
(٢) فى ((التمهيد)) (٢٩/٥ -٣٣).
(٣) انظر («التمهيد)) (٣٣/٥) بتصرف بسيط في العبارة لا يخل بالمعنى.
٤٥٤

٥ - باب من يكبر في سجدتي السهو
الحديث: ١٢٣٠
وبعدَه وأنَّهم (١) اختلفوا في المسنونِ والأَولى هل هو قبلَ السَّلامِ أو (٢)
بعدَه؟ ثم ذكرَ اختلافَ العلماءِ في ذلك.
وكذلك صرَّح بهذا طوائفُ من الحنفية والمالكية والشَّافعية، ومن
أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطابِ في خلافيهما وغيرهما من
و
بعدُ.
وفي ((تهذيب المدونة))(٣) للمالكية: ومن وجبَ عليه سجودُ سهوٍ بعد
السَّلامِ فسجدَه قبلَ السَّلَامِ يجوزُ أن يجزئَه.
وأنكر ذلك طوائفُ آخرونَ من أصحابنا والشَّافعية وقالوا: إنَّما
الاختلافُ في محلِ السّجودِ في وجوبِه عند من يراه واجبًا، وفي
الاعتدادِ به وحصولِ السّنةِ عند من يراه سنَّةً.
٠
وهذا ظاهرٌ على قواعدِ أحمدَ وأصحابِه، لأنهم يفرِّقونَ في بطلانِ
الصَّلاة بترك سجود السَّهو عمدًا بين ما محلُّه قبلَ السَّلام وما محلُّه
بعدَه، فيبطلونَ الصَّلاةَ بترك السُّجودِ الذي محلُّه قبلَ السَّلامِ دون الذي
محلُّه بعدَه ولو كانَ ذلك على الأولويةِ لم يكنْ له أثرٌ في إبطالِ الصَّلاةِ.
وقال القاضي أبو يعلى الصغيرُ من أصحابنا: لو كان عليه سجودٌ
بعدَ السَّلامِ فسجدَه قبله هل يجزتُهُ ويعتدُ به؟ على وجهينٍ، ولم يذكر
حكمَ ما لو سجدَ بعدَ السَّلامِ لما قبله .
(١) في ((ك)): ((أنهما)) والموافق للسياق ما أثبتناه.
(٢) في ((٢٤)): (و))، وما أثبتناه أولى.
(٣) في ((المدونة)) (١ /١٣٠) ((سأل ابن القاسم إن وجب على رجل سجود السهو بعد السلام
فسجدهما قبل السلام قال: لا أحفظ من مالك فيه شيئًا وأرجو أن يجزىء عنه على
٤٥٥

الحديث: ١٢٣٠
كتاب السهو
وظاهرُ كلامه أنه لا يجزئُه بغير خلاف. وهذه - أيضًا - طريقةُ أبي
المعالي الجوينيِّ من الشَّافعيةِ ومن اتَّبعه؛ فَإِنَّه حكى في المسألةِ طريقين
لأصحابه :
أحدُهما: أنَّ في المسألة ثلاثةَ أقوال - يعني الشَّافعية - الصّحيحُ فيها:
أنَّه قبلَ السَّلامِ، فإن أخّر لم يعتدَّ به .
الثَّاني: إن كانَ السَّهوُ زيادةً فمحلُّه بعد السَّلام، وإن كان نقصًا
فقبلَه، ولا يُعتدُّ به بعدَه.
والثَّالثُ: إن شاءَ قدَّمه وإن شاءَ أخرَّه.
والطريقُ الثَّاني: يجزئُ التَّقديمُ والتَّأخيرُ.
وإنما الأقوالُ في بيانِ الأفضلِ، ففي قولٍ: التَّقديمُ أفضلُ، وفي قولٍ:
التَّقديمُ والتَّأخيرُ سواءٌ في الفضيلةِ، وفي قولٍ: إن كان زيادةً فالتَّأْخِيرُ
و
أفضلُ، وإلا فالتقدیم.
قال: ووجهُ هذه الطريقة صحةُ الأخبارِ في التَّقديمِ والتَّأخيرِ.
قال: والطريقةُ المشهورةُ الأولى، ويُجْعَلُ الخلافُ في الأجرِ أو الجوازِ
كما سبقَ.
٤٥٦

الحديث: ١٢٣١
٦ - بَابٌ
إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى: ثَلاَنَا أَوْ أَرْبَعًا؟ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ
١٢٣١ - ثَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَ ثَنَا هِشَامُ [بنُ أبي عَبْدِ اللهِ](١) الدَّسْتَوَائِيُّ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(٢) قَالَ: قالَ (٢٦١
- أ/ ٣٥) رَسُولُ اللهِ(٣) ◌َ: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانَ وَلَهُ ضُرَاطٌ
حَتَّى(٤) لا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا تُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإذَا
قُضِيَ اللَّْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ(٥) بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا
- مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ - حَتَّى يَظَلَّ(٦) الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى. فَإِذَا لَمْ يَدْرِ
أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى - ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا - فَلَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ).
يخطرُ بضمَّ الطاءِ عند الأكثرِ، والمرادُ: أَنَّه يمرُّ فيحولُ بينَ المرءِ وما
يريدُ من نفسِه من إقباله على صلاته، ورُوِيَ ((يخطر)) بكسر الطَّاءِ يعني:
(١) زيادة من ((اليونينية)) ولم يشر القسطلاني إلى خلاف ذلك.
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)) وكذا في ((إرشاد الساري)).
(٣) لفظ الجلالة ليس في ((ك٢)) وأثبتناه من ((اليونينية)).
(٤) في ((ك٢)) ((حسين)) والمثبت من ((اليونينية)) وكذا في ((إرشاد الساري)) ولم يحك القسطلاني
خلافًا .
(٥) قال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢٣٤/١): ((بكسر الطاء، كذا ضبطناه عن
متقنيهم وسمعناه من أكثرهم ((يخطر)) بالضم، والكسر هو الوجه عند بعضهم في هذا -
يعني: يوسوس)) ا. هـ.
(٦) في ((ك٢)) ((بطل)) بالمهملة وما أثبتناه من ((اليونينية)) وكذا ((إرشاد الساري)).
٤٥٧

الحديث: ١٢٣١
كتاب السهو
تحركَ، فكون المعنى حركتُه بالوسوسة.
وقوله: ((حتى يظلَّ الرجلُ)) هكذا الروايةُ المشهورةُ بالظاء القائمة
المفتوحة، والمراد: يصيرُ كما في قوله تعالى ﴿ظَلَّ وَجْهُه مُسْودًا﴾
[النحل: ٥٨] وروى بعضُهم ((يضِلّ)) بالضَّادِ المكسورةِ من الضَّلالِ، يعني
أَنَّه ينسى ويتحيرُ. وقولُه: ((أن يدري)) بفتحِ الهمزةِ.
حكاه ابنُ عبد البرّ(١) عن الأكثرين وقال: معناه: لا يدري.
وقال القرطبيّ: ليست هذه الروايةُ بشيءٍ إلا مع روايةِ الضَّاد، فيكون
((أن)) معَ الفعلِ بتأويلِ المصدرِ مفعول ((ضل أن)) بإسقاط حرف الجرِّ أي:
يضل عن درايته، وينسى عددَ ركعاته. قال: وفيه بُعدٌ. ورجَّحَ أنَّ الروايةَ
إن بكسر (٢) الهمزة يعني: ما يدري(٣).
قلتُ: أما وقوعُ: ((إِنْ)) المكسورة نافيةً فظاهرٌ، وأمَّا ((أنْ)) المفتوحةُ
فقد (٤) ذكرَ بعضُهم أنَّها تأتي نافيةٌ أيضًا، وأنكره آخرونَ، فعلى قولٍ من
أثبتَه لا فرقَ بين أن تكونَ الروايةُ هاهنا بالفتحِ أو بالكسرِ .
وقوله ((فإذا لم يدرِ كمْ صلَّى - ثلاثا أو أربعا - فليسجدْ سجدتين))،
ليسَ في هذا الحديثِ سوى الأمرِ بسجودِ السّهوِ عند الشكِّ من غيرِ أمرٍ
بعملٍ ؛ بيقينٍ أو تحرِّ.
(١) في ((التمهيد)) (٣١٩/١٨).
(٢) في ((ك٢)) ((يكسر)) بالمثناة التحتية والصواب بالموحدة كما أثبتناه.
(٣) هذا الكلام هو كلام القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٤١/١ - ٤٢) وكان الأولى
عزو الكلام إليه والله أعلم.
(٤) في ((ك٢)): ((فقط)) ولا تستقيم مع السياق، والصواب ما أثبتناه.
٤٥٨

٦ - باب إذا لم يدر كم صلى: ثلاثا أو أربعا؟
الحديث: ١٢٣١
ورُوِيَ عن أبي هريرةَ أنَّه أفتى بذلك، قال عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ،
عن همَّامِ بنِ منبهِ: سألتُ أبا هريرةَ فقلتُ: شككتُ في صلاتي، قالَّ:
يقولون: تسجدُ سجدتين وأنتَ جالسٌ(١).
وهذا كلُّه ليسَ فيه بيانُ أنَّه يتحرَّى أو يبني على اليقينِ، ولابدَّ من
العملِ بأحدِ الأمرينِ .
وكلاهما قد وردَ في أحاديثَ أخرَ يقضي (٢) على هذا الحديث
المجملِ .
وقد رُوِيَ من حديث أبي هريرةَ التَّحري بالشكِّ (٢٦١ - ب/ ك٢)
في رفعِهِ ووقفِه؛ فروى شعبةُ، عن ابنِ إدريس الأوديِّ(٣)، عن أبيه، عن
أبي هريرةَ - قال شعبةُ: قلتُ: عن النبيِّ ◌ِِّ، قال: أحسبُه أكبرَ علمي -
أنَّه قالَ: عن النبيِّ وَّرِ أَنَّه قالَ: ((لا يُصلِّي أحدُكم وبه شيءٌ من
الخبث))(٤)، وقال: ((في الوهمِ يتحرَّى)).
ورُوِيَ في حديث أبي هريرةَ ذكرُ السُّجودِ قبل السَّلامِ في هذا من
روايةِ ابنِ إسحاقَ: حدَّثْني الزهريُّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال:
قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّ الشَّيطانَ يأتي أحدَكم في صلاته فيدخلُ بينَه
وبين نفسه حتّى لا يدري زادَ أو نقصَ، فإذا كانَ ذلك فليسجدْ سجدتين
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٠٩/٢).
(٢) كذا في ((ك٢))، ولعل الصواب: ((تقضي)) بالفوقية.
(٣) في الرواية: ((إدريس الأودي)) والذى يروي عن أبيه هو عبد الله بن يزيد الأودي فالله
أعلم .
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧٢/٣)، وقال عقبه: ((أسنده جماعة عن شعبة،
ورواه آدم بن أبي أياس عن شعبة فوقفه)) ا. هـ.
٤٥٩

الحديث: ١٢٣١
كتاب السهو
قبل أن يسلّم ثم يسلم)) .
خرَّجَه أبو داودَ، وابنُ ماجه(١).
وخرَّجه ابنُ ماجه (٢) - أيضًا - من رواية ابن إسحاقَ - أيضًا -:
أخبرني سلمةُ بنُ صفوانَ بنِ سلمةَ [عن أبي سلمةَ](٣)، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ بَّه بنحوِهِ، وقالَ: ((فليسجدْ سجدتينِ قبلَ أن يسلِّمَ)).
وخرّجه أبو داودَ من طريقِ ابنِ أخي الزَّهريِّ، عن الزُّهريِّ بهذا
الإسناد، ولفظُه: ((فليسجدْ سجدتينِ وهو جالسٌ قبل التَّسليم)) (٤).
وخرَّجه الدار قطنيُّ من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ، عن يحيى بنِ أبي
كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَلَهِ، فذكرَه وقال بعد
قولِه ((فليسجدْ سجدتين)): ((وهو جالسٌ ثم يسلّمُ)) (٥).
وذكر في ((العلل)) أنَّ شيبانَ، وعليَّ بنَ المبارك، وهشامًا،
والأوزاعيّ، وغيرَهم رَوَوَه عن يحيى، ولم يذكروا فيه التَّسليمَ قبلُ ولا
بعدُ.
قال: وكذلك قال الزَّهريَّ، عن أبي سلمةَ.
ولم يذكر روايةَ ابنِ إسحاقَ، وابنِ أخي الزهريِّ، عن الزهريِّ،
وذكر روايةَ ابن إسحاقَ، عن سلمةَ بنِ صفوانَ بن سلمةَ كما رواه عكرمةُ
(١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١٠٣٢)، وابن ماجه (١٢١٦).
(٢) برقم (١٢١٧).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من ((ك٢)) والمثبت من الرواية.
(٤) أخرجه أبو داود (١٠٣١).
(٥) أخرجه الدار قطني في ((سننه)) (٣٧٤/١).
٤٦٠