النص المفهرس

صفحات 401-420

الحديث: ١٢٢٧
٣- بَابٌ
إِذَا سَلَّمَ فِي الرَّكْعَيْنِ (١) أو (٢) فِي ثَلاثِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ مِثْلَ سُجُودِ
الصَّلاَة أَوْ أَطُوُلَ
١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣) قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَةِ الظُّهْرَ - أَو الْعَصْرَ -
فَسَلَّمَ (٤)، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ نَقَصَتْ(٥)؟ فَقَالَ النَّبِيُّ
(نَّه لأصْحَابِه: ((أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ (٦)،
ثُمَّ سَجَدَ سَجَّدَتَيْنِ.
قَالَ سَعْدٌ(٧): وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنٍ،
(١) كذا في ((ك٢))، والذي في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)) وغيرهما: ((ركعتين)) بدون ((ال))،
ولم يشيرا إلى ورودها معرّفَة .
(٢) حرف الواو سقط من ((ك٢)) واستدركناه من ((اليونينية)) إذا لم يشر إلى سقوطه في بعض
النسخ .
(٣) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٤) كلمة: ((فسلم)) سقطت من ((ك))) فاستدركناها من ((اليونينية)) ولم يشر إلى اختلاف النسخ
فى هذا.
(٥) كذا في ((ك٢)»، والذي في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)): ((أنقصت)) بزياد ألف الاستفهام،
ولم يشيرا إلى عدم ورودها في بعض النسخ، لكن قال العيني في ((عمدة القاري)):
(ويروى: ((نقصت)) بدون همزة الاستفهام)).
(٦) كذا في ((ك٢))، والذي في ((اليونينية)) و(إرشاد الساري)) و((عمدة القاري)) و((الفتح)) لابن
حجر: ((أخريين)) وأشاروا إلى ورودها بلفظ: ((أخراوين)).
(٧) في (٢٥): (سعيد)) والتصويب من ((اليونينية)) وغيرها.
٤٠١

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
فَسَلَّمَ وَتَكلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ
بوَّبَ البخاريُّ هذا البابَ على أنَّ من سلَّمَ من نقصِ ركعتينٍ أو ركعةٍ
من صلاته فإنَّه يأتي بما بقي عليه ويسجدُ سجدتينِ مثلَ سجودِ الصَّلاة أو
أطولَ وتجزئُه صلاتُه، ولم يخرِّجِ الحديثَ من الروايةِ التي فيها: وسجدَ
سجدتین مثل سجوده(١) أو أطولَ، وإنَّما خرّجھا - فيما بعدُ - من حدیث
ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةً(٢).
وهذه الرِّوايةُ المخرجةُ في هذا البابِ؛ من أهلِ المدينة رواها: سَعْدُ
ابنُ إبراهيمَ الزهريُّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِ﴾(٣) .
و(٤) عن عروةَ، عن النبيِّ وَّةَ(٥).
ولعلَّ البخاريَّ إنَّما صدَّرَ طرقَ حديث أبي هريرةَ بروايةِ المدنيينَ؛ لأنَّ
هذه الروايةَ فيها متابعةٌ لروايةِ البصريينَ في ذلك السُّجودِ للسَّهوِ، وإن
وِ
كانتْ روايةُ البصريينَ فيها زيادةُ ذكرِ طولِ السّجودِ.
وقد ذكرَ النَّسائيُّ أَنَّه لا يعلمُ أحدًا ذكرَ عن أبي سَلَمَةَ في هذا
الحديثِ ((ثم سجدَ سجدتين)) غيرَ سَعْد (٢٤٩ - ب / ك٢) بنِ إِبراهيم(١).
(١) في ((٢٥)): ((بحوده)) بغير إعجام، والسياق يقتضي ما أثبتناه.
(٢) (فتح: ١٢٢٨).
(٣) ((مصنف)) ابن أبي شيبة)) (٣٧/٢) من طريق غندر، عن شعبة، عنه.
(٤) حرف الواو سقط من ((ك٢))، والسياق يقتضي وجوده.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)» (٣٨/٢ - ٣٩) بسند الذي قبله.
(٦) ((الكبرى)) للنسائي (١٩٩/١ - ٢٠٠).
٤٠٢

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
ثم خرَّجه من طريق عمرانَ بنِ أبي أنسٍ، ويحيى بنِ أبي كثيرٍ،
والزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكر فيه سوى قضاء
.. (١)
الركعتين
وخرَّجه مسلمٌ من طريقِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، ولم
يتمَّ لفظَ الحديثِ؛ بل اختصرَه(٢) .
وقال أبو داودَ: رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ، و(٣) عمرانُ بنُ أبي أنسٍ،
عن أبي سلمةَ، والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، ولم
يذكروا أَنَّه سجدَ السَّجدتين(٤).
ورواه ابنُ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ، وقال فيه: ولم
يسجدْ للسَّهو (٥).
قلتُ: قد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، عن حجاجٍ، عن ابن أبي ذئبٍ،
فذكر الحديثَ وقال في آخرِه (٦): قال ابنُ أبي ذئبٍ: قال الزهريّ: سألتُ
أهلَ العلمِ بالمدينةِ، فما أخبرني أحدٌ أنَّ النبيَّ وَّهَ صلاهما - يعني:
سجدتي السهو(٧) .
فرجعتْ روايةُ نفي السُّجود (٨) إلى الزُّهريِّ؛ وروايةُ الزُّهريِّ بذلك
(١) ((الكبرى)) للنسائى (١/ ٢٠٠).
(٢) مسلم (١٠٠/٥٧٣).
(٣) حرف الواو سقط من ((ك٢))، واستدركناه من ((السنن)) لأبي داود، والسياق يقتضي
(٤) أبو داود (١٠١٣).
وجوده .
(٥) أبو داود (١٠١٥).
(٦) فى ((ك٢)): ((أجره)) بالجيم.
(٧) في ((٢٥)): ((السهوي))، والحديث لم نجده في ((المسند)) وانظر في ((شرح معاني الآثار))
(٤٥٣/١).
(٨) في ((ك٢)): ((السجهود)).
٤٠٣

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
غيرُ معروفة، مشهورةٌ(١)، وقد روى الزَّهريّ هذا الحديثَ، عن سعيد،
وأبي سلمةَ، وعبيدِ الله بنِ عبدِ اللهِ، عن أبي هريرةَ.
خرَّجه أبو داودَ من طريقِ الأوزاعيِّ، عنه بهذا الإسنادِ، وفي حديثه:
ولم يسجد سجدتي السَّهوِ حتى يقَّنه الله ذلك(٢) .
وخرَّجه أبو داودَ، والنسائيُّ من روايةِ صالحِ بنِ كيسانَ، عن
الزهريِّ، عن أبي بكر بنِ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ مرسلا.
قال الزهريّ: وأخبرني سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، وأبو
سلمة، وأبو بكر بنُ الحارث(٣) بنِ هشام، وعبيد الله بنُ عبد الله(٤).
وخرَّجِه الإمامُ أحمدُ، وابنُ حبانَ في ((صحيحِه)) من طريقِ مَعْمَرٍ،
عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، وأبي بكرِ بنِ سليمانَ، عن أبي هريرةً(٥).
وخرج النسائيّ(٦) من طريقِ الليثِ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن
سعيد، وأبي سلمةَ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وابنِ أبي حثمةَ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّ أَنَّه لم يسجدْ يومئذٍ قبلَ التَّسليمٍ ولا بعده.
(١) كذا العبارة في ((ك))، وهي ((غير معروفة)) أي: من جهة المعنى إذ أن الزهري قد وهم
فيها - كما أخبر بذلك الإمام مسلم في ((التمييز)) وغيره - ، ثم لمخالفتها ظاهر الأحاديث
التي قضت بسجوده بَّه يوم ذي اليدين، وهي ((مشهورة)) أي: عن الزهري حيث رواها
عنه عدد لا بأس به، ذكر المصنف منهم خمسة، والله أعلم.
(٢) ((أبو داود)) (١٠١٢).
(٣) في ((ك٢)): ((الحرب))، والتصويب من ((تحفة الأشراف)) (٢٧/١٠) ومن المطبوع من (سنن
أبي داود)» وكتب الرجال .
(٤) أبو داود (١٠١٣)، والنسائي (٢٤/٣ - ٢٥).
(٥) («المسند)) (٢٧١/٢)، و(«الإحسان)) (٤٠٢/٦).
(٦) النسائي (٢٥/٣).
٤٠٤

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
وخرَّجه مالكٌ في ((الموطأ)) عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، وأبي سلمةَ،
وأبي بكرِ بنِ أبي حثمة مرسلا(١).
واختُلفَ على الأوزاعيِّ في وصله عن الزَّهريِّ وإرساله.
وقد أَنْكرَ هذا على الزهريِّ غيرُ واحدٍ من الأئمة، وعَدّه مسلمُ بنُ
الحجاج (٢٥٠ - أ/ ك٢) في كتاب ((التمييزِ)) من أوهامِ الزّهريِّ لصحة
الرواياتِ بخلافِ روايته، وأنَّ النبيَّ وَّ سجدَ للسَّهوِ يومئذٍ(٢).
قلت: الذي يظهرُ - واللهُ أعلم - أنَّ الزَّهريَّ روى هذا الحديثَ، عن
سعيدِ، وأبي سلمةَ، وغيرِهما من غيرِ ذكرِ سجودِ السّهوِ بنفي ولا إثبات
وأنَّ الزهريَّ أتبع ذلك بقولِه من عنده: ((لم يسجدِ النبيَّ ◌َّ يومئذ
للسهو)) فهذا مما أرسلَه الزهريَّ [وأدرجَه](٣) في الحديث، فمن اقتصرَ
على هذا القدرِ من حديثِ الزهريِّ ووصلَه فقد وهم؛ لأنَّه أسندَ المدرجَ
بانفرادِه، وقد ذكرَ الزَّهريُّ أنه لم يجز بالسجودِ(٤) أحدٌ من أهلِ العلمِ
بالمدينةِ، فكان ينفى السُّجودَ لهذا، وهذا بمجرده لا يبطلُ روايةَ الحفاظِ
الأثباتِ (٥) للسُّجودِ.
(١) (الموطأ)) (ص: ٨٠).
(٢) ((التمييز)) (ص: ١٨٣).
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٦٦/١): ((لا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المصنفين
فيه عوََّ على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين؛ لاضطرابه فيه؛ وأنه لم يتم له
إسنادًاً ولا متنًا؛ وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن؛ فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال
ليس لمخلوق .... )) ا. هـ.
(٣) ما بين المعقوفين بياض في الأصل قدر كلمة، ووضع لها الناسخ لحقًّا وكتب في الهامش
((لعله: وأدرجه)).
(٤) كذا في ((ك)))، ولعل الصواب: بدون الباء الموحدة في أوَّلها.
(٥) في ((ك٢)): ((الثبات)).
٤٠٥

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
وقد رُويَ عن الزهريِّ أَنَّه حملَ تركَ السُّجودِ للسَّهوِ في هذه القصةِ
على أحدٍ وجهين :
أحدُهما: أنَّه قالَ: كان هذا قبلَ أن يشرِعَ سجودُ السَّهوِ. فروى عنه
معمرٌ أَنَّه قال: كان هذا قبل بدرٍ، ثم استحكمتِ (١) الأمورُ(٢).
والثَّاني: أَنَّه كان(٣) يرى أنَّه لم يسجدْ يومئذٍ للسَّهوِ؛ لأنَّ النَّاسَ يقَّنوا
النَِّيَّ وَّ حَتَّى استيقنَ.
وكلا الوجهين ضعيفٌ:
أمَّا الأولُ: فلأنَّ أبا هريرةَ شهدَ هذه القصةَ وكان إسلامُه بعدَ بدرِ
بكثيرِ - وسيأتي بسطُ ذلك فيما بعد - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأما الثَّاني فمضمونُه: أنَّه إنَّما يسجدُ للسَّهوِ إذا استدامَ الشَّكُّ، فأما
إذا تيقنَ الأمرَ وعملَ عليه فإنَّه لا يسجدُ وإن كان قد زادَ في الصَّلاة.
وهذا مذهبٌ غريبٌ.
نعم لو شكَّ في شيءٍ من صلاتِه ثم زال شكُّه قبل السَّلام وتبينَ أنَّه
لم يزدْ في صلاتِه ولم ينقصْ فهنا يُستحبُّ السُّجودُ ولا يجبُ. نقله ابنُ
منصورٍ، عن أحمدَ، وإسحاقَ.
وقال أصحابنا: الصّحيحُ من مذهبنا، ومذهب الشَّافعيِّ: أنه لا
(١) في ((ك٢)): ((استحالت))، والصواب ما أثبتناه، وسيكرر المصنف هذه العبارة قريبًا، وهي
بتمامها في ((التمهيد)) (٣٥٢/١).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٩٦/٢ - ٢٩٧) وراجع ((التمهيد)) (٣٥٦/١) فقد ردَّها ابن عبد
البر.
(٣) في ((ك٢)) أشبه بـ ((قال)).
٤٠٦

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
يسجد إلا أن يكونَ قد فعل قبلَ زوال شكِّه ما يجوزُ أن يكونَ زائدًا فإنَّه
یسجدُ.
وفي المذهبين وجهٌ آخرُ: لا يسجدُ بحال؛ لأنَّ السجودَ إنما يشرعُ
زيادة(١) أو نقص أو تجويزهما؛ ولم يوجدْ شيءٌ من ذلك. وهذا قولُ
سفيانَ الثَّوريِّ.
وقد رُوِيَ، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ سجدَ للسَّهِ في هذه القصةِ
من وجوهِ أُخرَ؛ فروى ذلك مالكٌ، عن داودَ بنِ الْحُصَيْنِ، عن أبي
سُفيانَ مولى ابن أبي أحمدَ، عن (٢٥٠ - ب/ك٢) أبي هريرةَ، فذكر هذا
الحديثَ وقال فيه: فأتمَّ رسول الله وَلَ﴾ [ما](٢) بقي من الصّلاةِ، ثم
سجدَ سجدتين وهو جالسٌ بعد التَّسليم(٣).
وقد خرجه مسلمٌ من هذا الوجهِ(٤).
رواه - أيضًا - الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ،
عن ابنِ مالكٍ(٥)، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ وَلَهِ سجدَ يومَ ذي اليدين
سجدتينِ بعد السّلامِ.
خرَّجه النَّسائيُ(٦).
ورواه - أيضًا - عكرمةُ بنُ عمارٍ، عن ضَمْضَمِ بنِ جَوْسِ الهِفَّانِي(٧)
(١) كذا في ((ك٢)) ولعل الأليق: ((لزيادة)).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((ك)))، واستدركناه من ((الموطأ)).
(٣) («الموطأ)) (ص: ٧٩).
(٤) مسلم (٩٩/٥٧٣).
(٥) ابن مالك هو: عِرَاك، وانظر ((تحفة الأشراف)) (٢٥٥/١٠).
(٦) ((الكبرى)) للنسائي (٢٠٢/١).
(٧) في (ك٢)): ((لهعاني))، والتصويب من مصادر التخريج إلى جانب كتب الرجال.
٤٠٧

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
قال: حدَّثني أبو هريرةَ بهذا الحديثِ، وذكر فيه أنَّ النبيَّ مَّهِ: ثم سجدَ
سجدتي السَّهُوِ وهو جالسٌ، ثم سلَّمَ.
خرَّجه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ حبانَ في ((صحيحِه)(١).
ورَوَى السُّجودَ - أيضًا - في هذه القصةِ: عِمْرانُ بنُ حصينٍ، عن
النَّبِيِّ وَّةُ.
فروى خالدٌ الحذاءُ، عن أبي قلابةَ، عن أبي الُهَلَّبِ، عن عمرانَ بنِ
حصين قال: سلَّمَ رسولُ اللهِ بِ لّفي ثلاث ركعاتٍ من العصرِ، ثم قامَ
فدخلَ الحجرةَ، فقام رجلٌ بسيطُ اليدينِ فقال: أقصرتِ الصَّلاةُ رسولَ
الله؟ فخرجَ مغضبًا فصلَّى الركعةَ التي كان تركَ، ثم سلمَ [ثُمَّ](٢) سجدَ
سجدتي السهو ثم سلَّمَ.
خرجه مسلم (٣).
وفي روايةٍ له - أيضًا -: فخرجَ غضبان حتَّى انتهى إلى النَّاسِ،
فقال: ((أصدقَ هذا؟)) قالوا: نعم. فصلَّى ركعةً ثم سلَّمَ، ثم سجدَ
سجدتينٍ، ثم سلم(٤).
وهذه الروايةُ تدلُّ على أن الخروجَ(٥) من المسجدِ لا يمنعُ البناءَ على
(١) أبو داود (١٠١٦)، و((الكبرى)) للنسائي (٢٠١/١)، و(الإحسان)) (٤٠٤/٦).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥)) واستدركناه من ((صحيح مسلم))، ثم إن السياق يقتضي
وجوده .
(٣) مسلم (٥٧٤/ ١٠٢).
(٤) مسلم (١٠١/٥٧٤).
(٥) في ((ك٢)): ((الحر))، والصواب ما أثبتناه، وهذه المسألة قد تكلم عليها ابن المنذر في
(الأوسط)) (٣١٨/٣) وغيره.
٤٠٨

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
الصَّلاة لمن سلَّمَ من نقص في صلاته فلان لا سجود السهو بمجرده
أولا (١) .
وفي روايةٍ لمسلمٍ أنَّ الرجلَ الذي قالَ للنبيِّ بَِّ كان اسمُهُ الْخِرْبَاقِ،
وكان في يده طولٌ (٢).
فمن النَّاسِ من قال: هو ذو اليدينِ المذكورُ في حديثِ أبي هريرةَ.
وقال طائفةٌ: هما رجلان وواقعتان متعددتان، ونصّ على ذلك الإمامُ
أحمدُ (٣).
وقد دلَّ هذا الحديثُ من جميعِ طرقِه على أنَّ مَن سلَّمَ مِن نقصٍ
ركعة فأزيد (٤) من صلاته ناسيًا، ثم ذكر قريبًا أنَّه يبني على ما مضى من
صلاته ولا يلزمُهُ إعادتُها. وهو قولُ جمهورِ أهلِ العلم؛ فإنَّ هذا إنما زاد
في صلاته سلامًا ناسيًا، والسَّلامُ مشروعٌ في الصَّلاة؛ لكنَّه أتى به قبلَ
محلّه فلا تبطلُ به الصلاةُ كما لو زادَ سجدةً سهوًا.
ووافقَ على ذلك أكثرُ من يقولُ: إنَّ كلامَ السَّهي يبطل الصَّلاةَ كأبي
حنيفةَ، وأحمد في رواية (٥)، واختلف عن سفيان الثوري؛ فروي عنه
كذلك، وهو المشهور عنه؛ ورَوَى يَعْلَى بنُ عُبَيْد (٦)، عنه أنَّه (٢٥١ -
أ/ ك٢) إذا سلَّمَ ساهيا قطع صلاتَه؛ لأنَّه تكلم في صلاته(٧) ساهيا حكاه
(١) كذا العبارة في ((ك))))، وهذا السياق يُشعر بسقط فيها يتمثل في استنباط من المصنف والله
أعلم .
(٢) مسلم (١٠١/٥٧٤).
(٣) ((التمهيد)) (٣٦٣/١).
(٥) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٨/٣).
(٤) في (٢٥)): لم يعجم إلا الفاء.
(٦) في ((ك٢)): ((عبيده)) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو يعلى بن عُبيد الطنافسي.
(٧) في ((ك٢)): ((صلا))، خطأ بيّن.
٤٠٩

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
أصحابُه عنه في كتبهم(١)، وحكاه ابنُ عبدِ البرِّ(٢) عن بعضِ أصحابِ أبي
حنيفةَ - أيضا - وكذلك روى عبدٌ(٣) الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ،
ثم قال: إلا أن يكون النبيُّ رَُّ صنِعَ الذي يقولون - يعني: سلم - بنى
على صلاته. فتوقّفَ في ذلك؛ حيث لم يكنِ الحديثُ عنده(٤).
واختلفوا هل يشترطُ للبناءِ على ما مضى من الصَّلاةِ أن يذكرَ مع
قربِ الفصلِ أولا(٥) يشترط ذلك؛ بل يبني، ولو ذكرَ بعد طولِ الفصلِ؟
على قولين :
أحدُهما: لا يبني إلا مع قربِ الفصلِ، فإن طالَ الفصلُ بطلت
ھے
الصَّلاةُ واستأنفها وهذا [قول](٦) أبي حنيفةَ، ومالك، والشَّافعيِّ،
وأحمدَ، وأبي خيثمةَ، وسليمانَ بنِ أبي داودَ الهاشميِ (٧) .
ء
والثّاني: يبني ولو طالَ الفصلُ. وهو قولُ مكحولٍ، والأوزاعيِّ،
ويحيى الأنصاريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ(٨). ونقلَ صالحٌ وغيرُه عن أحمدَ ما
يدلُّ على ذلك - أيضًا.
(١) روى ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٣٨/٣) عن سعيد بن المسيب مثله.
(٢) ((التمهيد)) (٣٥١/١ - ٣٥٢).
(٣) في (٢٥)): ((عن)) وهو خطأ بيِّن.
(٤) ((المصنف)) (٣٣٠/٢).
(٥) في ((ك٢)): ((ولا)) وإضافة الألف في أول الكلمة يقتضيه السياق.
(٦) ما بين المعقوفين سقط من (٢٥))، والسياق يقتضي وجوده.
(٧) هو ((سليمان بن داود بن داود أبو أيوب الهاشمي)) مترجم في ((تهذيب الكمال))
(١١ / ٤١٠).
وانظر ((الأوسط)) (٣١٩/٢)، و((المغني)) (٤٠٥/٢)، و((مسائل صالح)) (١٦٣/٢)،
(١٩٢/٣).
(٨) ((الأوسط)) (٣١٩/٢).
٤١٠

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
وقال الليثُ: يبني ما لم ينتقض وضوءُه الذي صلَّى به تلك
الصَّلَاةَ(١).
وفي حديثِ عمرانَ بنِ حصينِ ما يدلُّ على البناءِ مع طولِ الفصلِ،
واللهُ أعلمُ(٢) .
واختلفوا - أيضًا - هل يَبْني مع عمله عملا كثيرًا ينافي(٣) الصلاةَ مثله
ولا يبني معه؟ وفيه خلافٌ عن السَّاهي ولقد (٤) سبقَ ذكرُه، وأنَّ العملَ (٥)
الكثيرَ مع السَّهوِ هل تبطلُ به الصَّلاةُ أم لا؟
وفي حديثِ أبي هريرةَ، وعمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ما يدلُّ على أنَّه يبني مع
ذلك كثرةُ العملِ في هذه الحالِ سهوا(٦).
واختلفوا: هل يبني وإن خرجَ من المسجدِ أو لا يبني إلا مع كونِه في
المسجد؟. وفيه خلافٌ سبقَ ذكرُه في تأخيرِ سجودِ السّهوِ نسيانًا.
واختلفوا: هل يبني مع تكلمِه في هذه الحالِ أم كلامُه يقطعُ البناءَ
ويستأنفُ(٧) معه الصَّلاةَ؟
فقالت طائفةٌ: إن تكلَّم بطلتْ صلاتُه واستأنفَها. وهو قولُ النَّخعيِّ،
والثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ، ورُوِيَ عن الحسنِ، وعطاء، وهو روايةٌ عن
(١) ((المغني)) (٤٠٥/٢).
(٢) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣/ ٣٢٠).
(٣) في ((ك٢)»: ((بنافي)) بموحدة في أول الكلمة.
(٤) في ((ك))): ((اقد)) ثم وصل الألف بالقاف فصارت: ((لقد)).
(٥) في (٢٥)): ((العل))
(٦) كذا العبارة في ((ك))، ولعل لفظة ((ذلك)) في السياق زائدة.
(٧) في ((٢٥)": (يستايف)).
٤١١

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
قتادةً(١)، وعن أحمدَ، اختارها كثيرٌ من أصحابه؛ لكن أحمد لم يقل:
إنَّ الكلامَ في الصَّلاةِ نُسِخَ، وإنَّما قالَه طائفةٌ من أصحابِه موافقةً
للكوفيينَ، واستدلوًّا بقولِ الزهريِّ: كان هذا - يعني: قصة ذي اليدين -
قبلَ بدرٍ، ثم استحكمتِ الأمورُ بعدُ (٢).
وقد ذكرَ الزهريّ في (٢٥١ - ب/ ك٢) روايته أن [الذي](٣) كلم النبي
﴿َّ هو ذو الشمالينِ بن عمرَ حليفُ بني زهرةً. كذا في ((مسند أحمدَ))،
و(صحيحِ ابنِ حبان) وكذا خرجَ النسائيُّ أَنَّه ذو الشمالين بنُ عمروٍ (٤).
وكذا سمَّاه عمرانُ بنُ أبي أنسٍ في روايته عن أبي سلمةَ، عن أبي
هريرةَ: ذا الشمالين(٥) .
وهذه متابعةٌ للزهريِّ. قالوا: ذو الشمالين قُتِلَ (٦) يومَ بدرٍ، وتحريمُ
الكلامِ وإنما (٧) شُرِعَ بعد ذلك.
وروى محمدُ بنُ أبي السَّري، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الصَّمْدِ
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٨/٣)، و((التمهيد)) (٣٥١/١).
(٢) ((التمهيد)) (٣٥٢/١). وسبق تضعيف هذا القول (ص٤٠٦).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥)) والسياق يقتضي وجوده.
(٤) ((المسند)) (٢٧١/٢، ٢٨٤)، و((الإحسان)) (٤٠١/٦ -٤٠٣)، و((المجتبى)) (٢٤/٣).
(٥) ((المجتبى)) (٢٤/٣).
(٦) في (ك))): ((قبل))، والتصويب من ((التمهيد)) (٣٦٤/١)، و((شرح معاني الآثار))
(٤٥٠/١) وغيرهما .
(٧) لعل تاواو زائدة، وهذا ردَّه ابن عبد البر بقوله: ((وأما قول الزهري في هذا الحديث أنه
ذو الشمالين؛ فلم يُتابع عليه، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر؛ وقد اضطُّرِبَ
على الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته
خاصة ... )) ا. هـ من ((التمهيد)) (٣٦٤/١) وللأهمية انظر ((التمهيد)) (٣٦٦/١).
٤١٢

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
الْعَمِّيِّ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، والحسنٍ، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ
وَّ سجدَ بعد السَّلامِ، والكلامُ قبلَ النسخِ، فَنُسِخَ وثبت السجدتان.
والمرادُ: أَنَّه نُسخَ السَّجودُ بعد الكلامِ وصار الكلامُ مبطلا تُعادُ معه
الصَّلاةُ.
ومحمدُ بنُ أبي السَّرِيِّ ليس بالحافظ (١)، ولعلَّ هذا من تصرفِ بعضِ
الرواة بالمعنى عنده. وكلَّ من قال هذا قال: إن كلامَ النَّاسِ يبطلُ
الصَّلاةَ.
وقال طائفةٌ أخرى: بل يبني وإن تكلَّمَ في هذه الحال إذا ظنَّ تمامَ
صلاته، فإنَّه إنَّما تكلَّمَ ناسيًا الصلاةَ. وهذا قولُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ في
رواية عنه، قالوا: إنَّ قصةَ السَّهو كانت بعد تحريمِ الكلامِ، فلم ينسخ؛
بل دلَّتْ على أنَّ كلامَ النَّاسِ مستثنَى من عمومِ الكلامِ المبطلِ للصّلاةِ كما
أنَّ الأكلَ في الصِّيَّامِ ناسيا معفوّ عنه لا يبطلُ به الصيامُ.
واستدلُّوا على تأخُّرٍ قصةٍ ذي اليدين بأنَّ أبا هريرةَ شهدها، وأبو
هريرةَ إنما أسلمَ عامَ خيبرَ (٢). وممنْ ذكرَ ذلك الشَّافعيُّ، وأحمدُ، وشهدَها
عمرانُ بنُ حصينِ وإنَّما أسلم بعدَ بدرٍ - فيما قِيلَ -، وشهدها مُعَاويةُ بنُ
حُدَيْجِ (٣) وحديثُهُ مخرجٌ في كتابِ النَّسائي، وغيرِه (٤)، ومعاويةُ بنُ
(١) قال أبو حاتم الرازي في ((الجرح)) (١٠٥/٨): ((لين الحديث))، وهو مترجم في ((تهذيب
الكمال)» (٣٥٥/٢٦).
(٢) ((التمهيد)) (٣٥٦/١).
(٣) في ((ك)))): ((من خديج)) بالخاء المعجمة، والصواب: ((بن حديج)) بالحاء المهملة - كما في
((الإكمال)) للأمير ابن ماكولا (٣٩٦/٢).
(٤) ((المجتبى)) (١٨/٢)، وأبو داود (١٠٢٣).
٤١٣

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
حُدَيْجِ ممن تأخَّرَ إسلامُه حتى قِيلَ: إنَّه أسلمَ قبلَ موتِ النبيِّ ◌َلِّ
بشهرین(١).
وهذا كلّه بعد تحريم الكلامِ في الصَّلاةِ؛ فإنه كان إمَّ بمكةً قبلَ
الهجرة أو عَقيبَ الهجرة قبل بدرِ كما دلَّ عليه حديثُ ابنِ مسعودٍ، وقد
سبقَ الكلامُ على ذلك(٢).
قالوا: وقولُ الزهريِّ ((إنَّ ذلك كان قبلَ بدرِ)) وهمٌ منه وكذلك قولُه
((إن [الذي] (٣) كَلَّم النبيَّ وَّ ذو الشِّمالين))؛ وإنَّما هو ذو اليدينِ (٤).
قالوا: وقد بقي ذو اليدينِ بعد النبيِّ وَّو (٢٥٢ - أ/ ك٢)، وأمَّا
المقتولُ ببدرِ فهو ذو الشِّمالينِ. وقد ذكرَ ذلك الشَّافعيُّ، وأحمدُ وإن
محر(٥) أحمد أن يكون ذو اليدين قُتِلَ بيدٍ (٦).
وذهبَ طائفةٌ إلى أنَّهما واحدٌ (٧)، وهؤلاء ذهبوا إلى أنَّ كلامَ(٨)
الناسي لا يبطلُ الصَّلاةَ. وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، ورُوِيَ عن
الزَبيرِ بنِ العوامِ بإسنادٍ منقطعٍ، وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وعروةَ، وعطاء،
والحسنِ، وقتادةَ في روايةٍ عنهم، وعمرو بنِ دينارِ، والشَّافعيِّ، وأحمَدَ
في روايةٍ، وإسحاقَ، وأبي خَيْثَمَةَ، وغيرِهم من فقهاءِ الحديث (٩).
(١) ((الإصابة)) (١٤٧/٦)، وانظر ((التمهيد)) (٣٦٤/١).
(٢) وراجع ((التمهيد)) (٣٥٢/١).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)) والسياق يقتضي وجوده.
(٤) وبهذا جزم ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١/ ٣٦٤، ٣٦٧).
(٦) ((التمهيد)) (١/ ٣٥٢، ٣٦٢).
(٥) كذا في ((٢٥)».
(٧) وفرق بينهما ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٦٦/١).
(٨) في ((ك(٢)): ((الكلام)).
(٩) ((الأوسط)) (٢٣٧/٣ - ٢٣٨)، و((المغني)) (٤٤٦/٢).
٤١٤

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
فعلى هذه المقالة إنَّما تكلم النبي
وَلَه بعد سلامه نسيانًا لظنِّه أنَّ
صلاتَه قد تمتْ(١).
وخرَّجَ الطبرانيُّ من روايةٍ مُعَلَّى(٢) بنِ مَهْدِيٍّ: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدِ،
عن أيوبَ، وابنِ عونٍ، وهشامٍ، وسلمةَ بنِ علقمةَ، عن محمدٍ، عن أبي
هريرةَ أنَّ النَّبِيَّ وَّةِ تَكلَّمَ في الصَّلاة ناسيا فبنى على ما صلَّى(٣).
وهذا مرويٌّ بالمعنى مختصرًا من قصةِ ذي اليدين .
واختلفت الروايةُ عن أحمدَ هل يختصُّ(٤) كلامُ السَّاهي بما كان من
مصلحة الصَّلاةِ الحالِ كلامِ النبيِّ وَّهِ وأصحابِه في قصةِ ذي اليدين أم
يعمُّ ما كان لمصلحةِ الصَّلاةِ وغيرِه؟
ورجَّح طائفةٌ من المتأخرينَ من أصحابنا اختصاصَه بما كان لمصلحة
الصَّلاة؛ لأنَّ الرخصةَ إنما وردتْ في (٥) ولأنه إذا كان لمصلحة الصَّلاة
وفعلَه ساهيًا فهو شبيهٌ بالسَّلامِ من الصلاة(٦) ساهيًا، وهو غيرُ مبطلٍ(٧)
عند جمهورِ العلماءِ كما تقدم.
واختلفَ أصحابنا، هل محلُّ الخلافِ (٨) إذا سلَّمَ من صلاته يظن أنَّها
(١) ((المغني)) (٤٤٦/٢).
(٢) في ((ك)٢)): ((يعلى)) وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، وهو مترجم في ((الجرح
والتعديل)) (٣٣٥/٨) وقد قال أبو حاتم فيه: ((شيخ موصلي؛ أدركته ولم أسمع منه؛
يحدث أحيانا بالحديث المنكر)» ا. هـ.
(٤) فى ((ك٢)): ((يختصر)) براء مهملة فى آخرها.
(٣) ((الأوسط)) (١٥٨٢).
(٥) كذا في (٢٥)) ولعل الأليق: ((فيه)) والله أعلم.
(٦) في ((ك))): ((الصلام)).
(٧) في (ك٢)) جاء على حرف الطاء المهملة في اللفظة حِبْرٌ زائد.
(٨) في ((ك)٢)): بالحاء المهملة: ((الحلاف)).
٤١٥

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
قد تمتْ، ثم تكلَّمَ حينئذٍ لا (١) هذه هي الصورة التي وردت(٢) فيها
ے
الرجعةُ وهي التي يَقعُ فيها كلامُ السَّاهي غالبًا أم يَعم ذلك وغيرَه لمن
تكلم في صلبٍ صلاتِه ساهيًا؟ وفيه طريقان للأصحاب؛ وأكثرُ الكلام (٣)
أحمد يدل على أول (٤).
وقد ذكرنا - فيما تقدمَ - أنَّ أحمدَ لم يقلْ: إنَّ حديثَ ذي اليدين
نُسخَ - كما يقولُه غيرُه -؛ وإنما اختلفت الروايةُ عنه هل كان ذلكَ خاصًا
النبي (٥) بِّ وبمن كلَّمه أم هو عامٌّ أم يختصُّ(٦) بعده بالإمام دون المأموم؟
فِرُويَ عنه أنَّه كانَ خاصًا بالنبيِّ نَّهِ ومن كلَّمه (٧). وهذه الروايةُ اختيارُ
أبي بكرِ الخلالِ وصاحبه .
فأمَّا النَّبِيُّ ◌َِّ فقد يقولُ: إنَّه كان مخصوصًا بجوازِ الكلامِ (٢٥٢ -
ب/ ك٢) في الصَّلاة لمصلحتها إمَّا سهوًا أو مطلقا.
وأما المجيبونَ له فقد صرَّحَ بأنَّ إجابتَهم للنبيِّ وَلَ كانت واجبةٌ (٨) فلا
تبطلُ صلاتُهم بذلك، وكلام ذي اليدين له بقولِه: ((قصَرتِ الصَّلاةُ أم
(١) كذا ولعل الصواب: ((لأن)).
(٢) في ((ك٢)): ((وردة)).
(٣) كذا في ((ك٢)) وعليها حبر زائد، وقد كتب الناسخ في الهامش: ((بيان: الكلام)) يريد
توضيحها .
(٤) في (ك(٢)) كتبها: (أولا)) ثم كشط الألف في آخر الكلمة ووضع نقطة على حرف اللام
فصارت اللفظة أشبه بـ: ((أوان))، وسياق العبارة غريب.
(٥) كذا فى ((ك٢)): ولعل الصواب: ((خاصًا بالنبى
(٦) في ((ك٢)): ((يحتصر)).
(٧) ((مسائل أبي داود)) (ص: ٥٣)، وابن هانىء (٧٦/١ - ٧٧).
(٨) بقوله: ((لم يكن لهم أن لا يُجيبوا رسول الله مََّ)) ا.هـ ((مسائل أبي داود)) (ص: ٥٣)
وغيره .
٤١٦

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
نسيتَ؟)) كان في وقت يجوزُ فيه قصرُ الصَّلاة، فكان - أيضًا - يظنُّ أنَّ
صلاتَهم ثَمَّتْ، وهذا لا يوجدُ بعدَهم(١).
وأما قولُ ذي اليدين بعد ذلك ((بل نَسِيتَ يا رسولَ اللهِ))، وفي
رواية: ((قد كان بعضُ ذلك)) فقد تكلَّمَ وهو عالمٌ أنَّ صلاتَهم لم تتم،
لكنه لم يعلمُ أنَّهم في الصَّلاةِ وأنَّ البناءَ يجوزُ لهم على ما مضى؛ بل قد
يكونُ ظنَّ أن ما مضى من الصلاةِ بطلَ ولغي وأنّهم الآنَ ليسوا في
صلاة، وربما كان تكلمُ غيرِ ذي اليدينِ من الصَّحابةِ لذلك؛ فإنَّ جوازَ
البناءِ إِنَّما عُلِمَ من فعلِ النبيِّ ◌َّه يومئذٍ، لا قبلَه؛ لكن هذا يقعُ للنَّاسِ.
كثيرًا، فهل حكمُ هذا حكمُ من تكلَّمَ يظنُّ أنَّه ليسَ في صَّلَاةٍ فهو
كالسَّاهي أم لا؟
الظَّاهرُ أنَّ هذا ملحقٌ بالجاهلِ بأنَّه في صلاةٍ يعذرُ في كلامِهِ،
بخلافِ الصَّائمِ إذا جهلَ الوقتَ فأكلَ يظنُّه ليلا فتبيَّنَ أَنَّه نهارًا.
وحكوا الخلافَ عن أحمدَ في كلِّ من تكلَّمَ وهو يعتقدُ (٢) أنَّه ليسَ
في صلاةٍ وأنه خرج فيها (٣) ويكون جاهلا بأنَّ عملَ كلامه يبطلُ الصلاةَ.
ولأصحابنا وجهان فيمن أكلَ في الصِّيامِ ما لا يعتقدُ أنَّه يفطرُه هل
(١) انظر هذه المسألة في ((مسائل أبى داود)) (ص٥٣)، وابن هانئ (٧٦/١ - ٧٧)،، «التمهيد))
(٣٤٨/١ - ٣٤٩).
(٢) في ((٢٥)) زاد كلمتين لا معنى لهما في هذا الموضع وإنما هو انتقال نظر منه من السطر
الذي يليه فزاد ((أنه يفطر)) بعد لفظة ((يعتقد)).
(٣) كذا في ((ك٢)»، ولعل الصواب: ((منها)).
٤١٧

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
يفطرُ به أم لا؟ وهو - أيضًا - جاهلٌ ولهم وجهان فيمن أكلَ ناسيًا فَظَنَّ(١)
أَنَّه أفطرَ وأَنَّه لا يلزمُه الإمساكُ ثم جامعَ هل عليه كفارةٌ بجماعِه أم لا؟
وحكى ابنُ المنذر أنَّه لا كفارةَ عليه عند جمهور العلماء؛ لأنَّه لم
يتعمدْ إفسادَ الصَّومِ، وللشَّافعيةِ فيه وجهان - أيضًا - وكلامُهم يدلُّ على
أنَّه يفطرُ بذلك؛ فإنَّ الجهلَ لا يعذرُ به في الصَّومِ ويُعْذَرُ به في الصَّلاةِ.
فإذا سلَّمَ من صلاتِه يظنُّ أنَّها تمتْ ثم علمَ أنَّها لم تتمْ وظنَّ أنَّ
صلاتَه بطلتْ فتكلَّمَ فهو كالجاهلِ، وكذا إذا سلَّمَ الإمامُ ناسيًا والمأمومُ
يعلمُ فتكلَّمَ ظانّا أنَّ صلاتَه بطلتْ بالسَّلام، فأحمدُ جعلَ هذا الحكمَ
خاصًا بالنبيِّ وَّ وأصحابِه في رواية عنه(٢)، وجعلَه في رواية أخرى عنه
عامًا للأمة في حقِّ كلٍّ من تكلَّمَ وهو يظنُّ أنَّ صلاتَه قد تَمَّتْ خاصةً كما
يقولُهُ الشَّافعيّ، وفرقَ في روايةٍ أخرى عنه بين الإمامِ (٣) والمأموم؛ لأنَّ
(٢٥٣ - أ/ ك٢) الإمامَ لا يَسألُ عن تامّ(٤) صلاته إلا وهو شاكٌّ، والمأمومَ
إنَّما يجيب وهو عالمٌ بأنَّ صلاتَه لم تتم بخلافِ حالِ الصَّحابةِ معَ النبيِّ
وَِّ فإنَّ بعضَهم تكلَّمَ وهو يظنُّ أنَّ الصَّلاةَ قد تمتْ لاحتمالِ قصرِها
عنده وبعضَهم تكلَّمَ مجيبًا للنبيِّ وَِّ، وكلا الأمرين لا يوجدُ في حقِّ
من بعدُهم؛ ولكن يوجدُ في حقٍّ مَن بعدهم من يظنُّ أنَّ صلاتَهم قد
ثَّتْ كالإمامِ ومن يظنُّ أنَّ صلاتَه تبطلُ بالسَّلامِ نسيانا فيتكلم حينئذٍ
جاهلا بأنَّه في صلاةٍ(٥).
(١) في (ك٢)) أشبه بـ ((فطر)).
(٢) ((مسائل أبي داود)) (ص: ٥٣)، وابن هانىء (١ / ٧٦ - ٧٧).
(٣) في (ك٢)) زاد لفظة ((أحمد)) بين كلمتي ((الإمام والمأموم)) ولا معنى لها.
(٤) كذا في ((ك٢)»، ولعل الصواب: تمام.
(٥) في ((ك٢)): ((صلات)).
٤١٨

٣ - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث
الحديث: ١٢٢٧
وخرَّجَ أبو داودَ من حديثِ حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ
سِيرِينَ، عن أبي هريرة قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَجَ﴿ إحدى صلاتي
العشي(١) فصلَّى ركعتين، ثم سلَّمَ. وذكرَ الحديثَ، وفيه فقالَ: ((أصدقَ
ذو اليدين؟)) فأومئوا: أي نعم (٢)، وذكرَ الحديثَ، وذكرَ أنَّ حمادَ بنَ زيد
تفرَّدَ بقوله ((فأومئوا)»(٣).
وقولٌ(٤) إسحاق بن راهويه في هذا كقولِ أحمدَ بالتَّفْرِيقِ بينَ الإمامِ
والمأمومين قالَ: إنَّما تكلَّمَ النبيُّ وَّ لأنَّه ظنَّ تمامَ صلاته، وذو اليدين
ظنَّ أنَّ الصَّلاةَ قصرتْ [دعت](٥) والصحابة أجابوا النَّبِيَّ وَِّ لأنَّ إجابتَه
بالكلامِ عليهم واجبةٌ لم تجد من ذلك بُدّا.
قال: وإن تكلَّمَ الإمامُ اليومَ وهو شاٌّ في تمامٍ صلاتِه واستثبتَ منَ
معه جازَ له ذلك ولو كانوا قد نَبَّهوه بالتَّسبيحِ، ولا يجوزُ لهم أن يتكلَّموا
إذا علموا أنَّ صلاتَهم لم تتمّ(٦) وتبطلُ به صلاتُهم. روى كذلك حَرْبٌ،
وابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ.
ونقل ابنُ قُرَّةَ الزَّبيديّ(٧) عن مالكِ أنَّ من تكلَّمَ في صلاتِه بعد النبيِّ
وَِّ أعادَ صلاتَه؛ لأنَّ الصحابةَ تكلَّموا وهم يظنُّونَ أنَّ الصلاةَ قد
(١) في ((ك٢): ((إحدى صلاة العشاء))، والتصويب من (تحفة الأشراف)) (٣٣١/١٠) وغيرها.
(٢) في (٢٥)): ((فاوماوا أبي نعم)) والتصويب من المطبوع من ((السنن)) لأبي داود وغيره.
(٤) في (ك٢)): ((وكقول)).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٠٠٨، ١٠٠٩).
(٥) ما بين المعقوفين مثبت في ((ك٢))، ولا ندري ما معناها.
(٦) في ((٢٤)): ((يتم)) بالمثناة التحتية .
(٧) مترجم في ((الديباج المذهب)) (٣٣٤/٢).
٤١٩

الحديث: ١٢٢٧
كتاب السهو
قصرتْ، فلا يجوزُ ذلك اليومَ .
وإلى هذه الروايةِ ذهبَ ابنُ كنانةً(١) من أصحابه، وذكر الحارثُ بنُ
مِسْكِينٍ وابنُ وَضَّاحِ(٢) أنَّ سائرَ أصحابِ مالكِ خالفوا ابنَ القاسمِ فيما
رواه عن مالك(٣).
وقالت طائفةٌ: حديثُ ذي اليدينِ فتخرج (٤) على أنَّ الكلامَ لمصلحة
الصَّلاة لا يبطلُها عمدًاً ولا(٥) سهوًا. وهو قولُ الأوزاعيِّ، وأيوبَ،
وحمادِ بنِ زيد، وربيعةَ، ومالكِ في المشهورِ عنه - نقله ابن القاسمِ عنه
-، وهو روايةٌ عن أحمد (٦)، ورُوِّيَ عنه اختصاصُهُ بالإمامِ .
ومذهبُ مالك: اختصاصُه بالإمامِ والمأمومِ (٢٥٣ - ب/ ك٢) دونَ
المنفرد (٧)، ورُوِيَ هذا المعنى عن ابنِ الزَّبيرِ، وغيرِه(٨) من المتقدمين،
ويستدلُّ له بأنَّ في حديثِ معاويةَ بنِ حُدَيْجِ الذي يأتي ذكرُهُ أنَّ النبيَّ ◌َِّ
أمرَ بلالا أن يقيمَ الصَّلاةَ.
وكذا رواه عُبَيْدُ بنُ عُمَيْر مرسلا.
وهذا يدلُّ على أنَّ إقامةَ الصَّلاة والأمرَ بها لا يبطل البناء على ما
مضى من الصَّلاة.
(١) هو عثمان بن عيسى بن كنانة؛ مترجم في ((ترتيب المدارك)) (٢٩٢/١).
(٢) في (ك٢)): ((وضاخ)) بالخاء المعجمة، والصواب بالمهملة وهو محمد بن وضاح؛ مترجم
في ((الديباج المذهب)) (١٧٩/٢).
(٣) ((التمهيد)) (٣٤٦/١).
(٤) كذا في ((٢٥))، ولعل الأليق: ((مُخَرَّجٌ)) .
(٥) في ((ك٢)): ((ولا ولا)).
(٦) («الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٦/٣ - ٢٣٧)، و((المغنى)) (٤٤٩/٢ - ٤٥٠).
(٧) ((التمهيد)) (٣٤٣/١ - ٣٤٤).
(٨) في ((ك٢)) (وغير)) بدون الهاء.
٤٢٠