النص المفهرس

صفحات 381-400

١٨ - باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة
الحديث: ١٢٢٣
وقد قال طائفةٌ قليلةٌ من متأخِّري أصحابنا، والشَّافعية: إنَّه إذا غلب
الفكرُ على المصلِّي في أكثر صلاته فعليه الإعادةُ؛ لفواتِ الخشوعِ فيها(١).
وكذا قال أبو زيدِ الْمَرْوَزِيُّ(٢) من الشَّفعيةِ في المصلِّي وهو يدافع
الأخبثين: إنَّه إذا أذهبَ ذلك خشوعَه فعليه الإعادةُ.
وقال ابنُ حامد من أصحابنا: متى كثرَ عملُ القلبِ وفكرُه في
الصَّلاةِ في أمورِ الدنيا أبطلَ الصَّلاةَ كما يبطلها عملُ الجسدِ إذا كثرَ.
والحديثُ حجةٌ على هذه الأقوالِ كلِّها. وقد استُدِلَّ لوجوبِ الخشوعِ
في الصَّلاةِ بحديثٍ مختلف في إسناده، وقد ذكرناه مع الإشارة إلى هذه
المسألةِ في ((بابِ الخشوعِ في الصّلاةِ))- فيما مضى (٣) .
الحديثُ الثَّالِثُ.
١٢٢٣ - نَامُحَمَّدُ بْنُ (٢٤٥ - ٢٥/٢) الْمُثَنَّي: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ:
أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئب، عَنْ سَعيد الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ(٤): يَقُولُ النَّاسُ:
أَكْثَرَ أَبُوَ هُرَيْرَةَ. فَلَقِيتُ رَجُلًا فَقُلَتُ: بِمَ (٥) قَرَأَ رَسُولُ اللهِلَّ الْبَارِحَةَ (٦)
فِي الْعَتَمَةِ؟ قَالَ (٧): لا أَدْرِي. فَقُلْتُ: لَمْ تَشْهَدْهَا؟ قَالَ: بَلَى. فَقُلَتُ(٨).
(١) ((المغني)) (٤٠٢/٢).
(٢) ترجمته فى ((طبقات الشافعية)) (٢٤٦/٢).
(٣) باب (٨٨) تحت الحديث (٧٤١، ٧٤٢). (٤) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٥) كذا في ((٢٥))، وهي في رواية أبي ذر كما ذكره القسطلاني، والذي في ((اليونينية)): ((بما))
وهو في رواية الأكثرين بإثبات الألف - وهو قليل - كذا ذكره العيني في ((عمدة القاري)).
(٦) في ((ك)): ((البازجه)) بزاي بعدها جيم، والتصويب من ((اليونينية)) وغيرها.
(٧) في ((اليونينية)): ((فقال))، ولم يُشر إلى وجود: ((قال)) في بعض النسخ، وكذا القسطلاني.
(٨) في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)): ((قلت)) بدون فاء في أول الكلمة .
٣٨١

الحديث: ١٢٢٣
أبواب العمل في الصلاة
لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةً كَذَا وَكَذَا.
مُرادُ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه: أن يبيّنَ للنَّاسِ امتيازَه عن غيرِه بضبط
أمورِ النبيِّ بَّه واعتنائه بها وحفظه لها، وإذا كان كذا لم يُسْتبعدْ أن
يكونَ قد حفظ ما لم يحفظْه غيرُه.
وهذه الواقعةُ كانت جرتْ له في حياة النبيِّ وَّةِ، فحفظَ قراءةَ النبيِّ
وَّ في صلاةِ العشاءِ ولم يحفظْها بعضُ من شهدَ العشاءَ معه مع رسولِ
اللّه ◌َله.
وظاهرُ السِّاقِ يقتضي أنَّه من حينئذٍ كان يقالُ: أكثرَ أبو هريرةَ.
وهو بعید.
والظاهرُ - والله أعلم - أنَّه إنما قيل ذلك بعد وفاة النبيِّ وَلَه حين أكثرَ
أبو هريرةَ من الرواية عنه فاستدلَّ أبو هريرةَ بحفظه ما لم يحفظْه غيرُهُ
هذه(١) القصة التي جرتْ له مع بعضِ الصَّحابةِ، حيثُ حفظ ما قرأ به
النبيُّ بِّهِ في صلاةِ العشاءِ ولم يحفظ ذلك غيرُهُ ممن صلَّى معه.
واعلم أنَّ عدمَ حفظِ المصلِّي لما قرأ به إمامُه لها حالتان(٢):
أحدهما(٣): أن يكونَ ذلك عقبَ انصرافه من الصَّلاة، فهذا إنما
يكون غالبًا من عدمِ حضورِ القلبِ في الصَّلاةِ وغلبةِ الفكرِ والوساوسِ
فيها، وقد ذكرنا في ((باب القراءة في الصلاة)) عن أحمدَ أنَّه قال - فيمن
(١) كذا في ((ك))، ولعل الأليق: ((بهذه)).
(٣) كذا فى ((٢٤))، والجادة: ((إحداهما)).
(٢) في ((ك)): ((حالثاب)).
٣٨٢

١٨ - باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة
الحديث: ١٢٢٣
صلَّى مع إمامٍ فلمَّا خرج من الصَّلاة قيل له: ما قرأَ الإمامُ؟ قال: لا
أدري - قال: يعيدُ الصَّلاةَ.
وأنَّ الأصحابَ اختلفوا في وجهها على ثلاثة طرقٍ لهم فيها. وقد
وردَ حديثٌ مرفوع يستدلُّ به على أن لا إعادةَ على من لم يحفظْ ذلك،
فروى البزارُ في ((مسنده))، عن عمرو بنِ علي: سمعتُ يحيى بنَ كثير (١)
قال: حدَّثَنا الْجُرَيْرِي(٢)، عن عَبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: صَلَّى
رسولُ الله ◌َّه يومًا بأصحابه فقال: ((كيف رأيتموني صلّيتُ؟)) قالوا: ما
أحسنَ ما صلَّيتَ. قال: ((لنسيت(٣) آية كيت وكيت؛ إنّ مِنْ حُسنِ صلاةٍ
المرء أن يحفظَ قراءةَ الإمامِ)) (٤).
الحالةُ الثانيةُ (٥): (٢٤٥ - ب/ ك٢) أن يكون ذلك بعد مضي مدةٍ من
الصَّلاة، فهذا يكونُ غالبًا من النِّسيانِ بعد الحفظِ، لا من سهوِ القلبِ في
الصَّلاة، وهذا هو الذي أرادَه أبو هريرةَ بحديثه هذا.
وحينئذٍ - ففي تخريجِه في الباب نظرٌ؛ لأنَّ البابَ معقودٌ لحديث
(١) في ((ك٢)): ((يحيى بن أبي كثير)) وهذا خطأ، فابن أبي كثير عالٍ جدّاً عن أن يروي عن
سعيد بن إياس الجُريري، والصواب: يحيى بن كثير - وهو: أبو النضر صاحب البصري -
مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٥٠٢/٣١).
(٢) في ((ك))): ((الحريري)) بحاء مهملة بعدها ياء بدون إعجام بين رائين مهملتين.
(٣) في ((٢٤)»: ((لتسيت)).
(٤) ((كشف الأستار)) (٢٣٥/١)، ويحيى بن كثير هذا قال فيه العقيلي: ((منكر الحديث))
«الضعفاء)) (٤٢٤/٤)، ويغلب على الظن أن سماع يحيى من الجُريري بعد الاختلاط -
أيضًا -، والله أعلم.
(٥) في ((٢٥)): ((الحال الثالث))، ولفظة ((الحال)) كتبها ((الحالة)) أولا؛ ثم كشط التاء في آخرها
فأصبحت: ((الحال)).
٣٨٣

الحديث: ١٢٢٣
أبواب العمل في الصلاة
النَّفس في الصَّلاة والوسوسةِ فيها، وهو ينقسم إلى مذمومٍ، وهو حديثُ
ط
النَّفسِ بأمورِ (١) وتعلقاتها، وإلى محمود، وهو حديثُ النّفسِ بأمورٍ
الآخرة وتعلقاتها، ومنه ما يرجعُ إلى ما فيه مصلحةُ المسلمينَ من أمور
الدنيا كما كان عمرُ يفعلُه، وقد خرَّج البخاريُّ في (أبوابِ الوضوءِ))
حديثَ عثمانَ فيمن توضّاً ثم صلَّى ركعتين لا يحدثُ فيهما نفسَهَ أنَّه
يغفرُ له ما تقدم من ذنبه. وسبقَ الكلامُ عليه في موضعِهِ (٢).
:
(١) كذا في ((ك)))، ويغلب على الظن أن لفظة ((الدنيا)) سقطت من (٢٥)) بدليل العبارة التي
تليها، ثم إن السياق يقتضي وجودها .
(٢) (فتح: ١٥٩).
٣٨٤

الحديث: ١٢٢٥،١٢٢٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
١- باب ◌ٌ(٢)
مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِن رَكْعَتَيِ الْفَرْضِ(٣)
١٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَُ: أَخْبَرَنَا مَالكُ(٤) عَنِ ابْنِ شَهَاب،
عَنْ الأَعْرَجِ(٥)، عَنْ عَبْدِ اللهَ ابْنِ بُحَيْنَةَ(٦) أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَّسُولُ اللهِ وَيُ
رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَّوَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا
قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبََّ قَبْلَ الَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ (٧) وَهُوَ
جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ.
١٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: نا(٨) مَالكٌّ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعيد،
عَنْ عَبّدِ الرحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةً(٩) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَّ الله
(١) هذا بداية ((كتاب السهو))، وقد وردت البسملة في المطبوع من ((الفتح)) لابن حجر ولم
يتعرض لذكرها في ((اليونينية))، أو ((إرشاد الساري))، أو ((عمدة القاري))، فلعلَّها من
تصرف بعضهم .
(٢) كذا في ((ك٢)): ((بابٌ)) بالتنوين، وفي ((اليونينية)): ((بابُ)) بالضم، وقد سقطت لفظة
((باب)» في رواية أبي ذر.
(٣) في ((اليونينية)): ((الفريضة)).
(٤) في ((اليونينية)) بزيادة: ((بن أنس))، والذي في ((٢٥)) موافق لرواية أبي ذر كما في
((اليونينية)) وغيرها.
(٥) كذا في ((٢٥)) وهو الموافق لرواية الهروي وأبي الوقت وغيرهما، وفي ((اليونينية)) بزيادة:
((عبد الرحمن)) .
(٦) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٧) في (٢٥)): (سجدبين)).
(٨) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٩) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
٣٨٥

الحديث: ١٢٢٥
كتاب السهو
﴿ قَامَ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قد خرّج البخاريّ هذا الحديثَ فيما سبق في ((أبواب التَّشهد)) من
حديث شُعَيْبٍ، عن الزُّهريِّ، ومن حديثِ جعفرٍ بنِ ربيعةَ، عن
الأعرجِ، وفي حديثهما(١): أنَّ ذلك كان في صلاة الظّهرِ(٢).
وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ من ترك التَّشهدَ الأولَ من الصَّلاة الرباعيةِ
أو المغربِ وقام إلى الثَّالثةِ سهوًا فإنَّ صلاتَه صحيحةٌ ويسجدُ للَسَّهوِ(٣).
وقد رُوِيَ ذلك عن خلقٍ من الصَّحابةِ بأنَّهم فعلوه(٤).
ورُوِيَ عن عُمَرَ أَنَّه تشهَّدَ مرتينٍ، فقضى التَّشهدَ الأولَ في تشهد(٥)
الأخيرِ.
روى سفيانُ الثَّوريُّ: حَدَّثْني أبي، عن الحارثِ بن شُبَيْل، عن
عبدِ الله بنِ شَدَّادِ قال: قام عمرُ في الركعتينِ فمضى فلمَّا سَلَّمَ في آخرِ
صلاته سجدَ سجدتين وتشهّد مرتین.
وقال عبدُ الرزاقِ، عن ابن جريجٍ: قال عطاءٌ: إذا (٢٤٦ - أ/ ك٢)
قامَ في قعودِ، فإذا فرغَ من صلاتِه سجدَ سجدتي السّهو وتشهدَ
(١) فى ((٢٤)»: ((حديثها)).
(٢) (فتح: ٨٢٩، ٨٣٠).
(٣) ذكره ابن حزم في ((كتاب الإجماع)) (ص: ٣٣)، والذي ذكره ابن المنذر أنه ((عليه أكثر
أهل العلم)) ((الأوسط)) (٢٨٧/٣).
(٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٨٨/٣).
(٥) كذا في ((ك٢)) ولعل الأليق: ((تشهده)) أو: ((التشهد)).
٣٨٦

١ - ما جاء في السهو إذا قام
الحديث: ١٢٢٥
تشهدين(١).
وإن كان تركَ التَّشهدَ الأولَ عمدًا ففي بطلان صلاته اختلافٌ - ذكرناه
في التَّشهدِ - وإذا كان ساهيًا فله ثلاثةُ أحوالِ :
أحدُها: أن يستمرَّ سهوُهُ حتَّى يقرأَ في الركعةِ الثَّالثةِ فإنَّه يستمرُّ ولا
يرجع إلى السُّجودِ(٢) عند جمهورِ العلماءِ. ورُوِيَّ عن الحسنِ أنَّه يجلسُ
للتشهد وإن قرأ ما لم يركع.
وهذا يدلُّ على أنَّ التَّشهدَ الأولَ عنده واجبٌ متأكدٌ.
الحالةُ الثانيةُ: أن لا يستمرَّ قائمًا. فقال الجمهورُ: له أن يرجعَ. وقال
أحمدُ: يجبُ أن يرجعَ، بناءً على قوله إنَّ هذا التَّشهدَ واجبٌ (٣)،
ويسجدُ للسَّهوِ، وإن رجعَ عند جمهورِ العلماءِ وهو (٤) عبد الرحمن بن
أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، ورُوي عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، وعن أنسٍ
ابنِ مالكِ أَنَّهما فعلاه.
ورُوِيَ عن أنس أنَّه فعله وقال: هو السُّنةُ(٥). رواه سليمانُ بنُ بلال،
عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن أنسٍ. قال الدارقطنيَّ: لم ينقلْه عن يحيى
غيرُهُ. قال: وزيادةُ الثقة مقبولةٌ (٦).
وقال طائفةٌ: إذا رجعَ لم يسجدْ للسَّهِ. وهو قولُ علقمةَ،
(١) لعلها: (الجلوس)).
(١) ((المصنف)) (٣١٢/٢).
(٣) راجع ((مسائل عبد الله)) (ص: ٨٨) رقم (٣١٣) وكذا ((مسائل أبي داود)) (ص: ٥٥).
(٤) كذا في ((ك٢))، ولعلَّ كلمة: ((قول)) قد سقطت من السياق، وانظر ((الأوسط)).
(٥) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩١/٣).
(٦) ((العلل)) (ق٤ / ١٢ - أ)).
٣٨٧

الحديث: ١٢٢٥
كتاب السهو
والأوزاعيِّ، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ، وحُكيَ عن بعضِ أصحابنا -
أيضًا - وهو ابنُ حامد أنَّه إذا رجعَ قبل أن يستتمَّ قائمًا لم يسجدْ(١).
وقال مالكٌ: إذا فارقتْ أَلْيَتُهُ (٢) الأرضَ ونا للقيام(٣) لم يرجعْ ويسجدُ
للسَّهو. وقال حسانُ بنُ عطيةَ: إذا تجافتْ(٤) ركبتاه عن الأرضِ مضى(٥).
وعند أبي حنيفةَ: إن كان إلى القعود أقربَ عاد فجلسَ وتشهَّدَ، وإن
كانَ إلى القيامِ أقربَ لم يقعدْ ويسجدُ للسَّوِ .
الحالةُ الثَّالثةُ: أن يستتمَّ قائمًا ولا يقرأ؛ وفيه قولان:
أحدُهما: لا يجوزُ أن يجلسَ. وحُكِيَ عن علقمةَ، والضَّحاك،
وقتادةَ، وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والأوزاعيِّ، ومَالكِ، والشَّافعيِّ، وأَحمَدَ
في روايةٍ، وهي المذهبُ عند ابنِ أبي موسى. وثمَّنْ كان لا يجلسُ إذا
استتمَّ قائمًا: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وعقبةُ بنُ عامٍ، وابنُ الزُّبِيرِ، وغيرُ
واحد من الصَّحابة(٦).
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩١/٣).
(٢) في (ك٢)): (ليته))، وقد ذكر في ((اللّسان)) و((القاموس المحيط)) أنَّ ((لَّته)) خطأ وكذا ((إليته))
بالكسر، خطأ - أيضًا .
(٣) في ((ك٢: ((نا للقيام))، والنص أورده ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣/ ٢٩٠) بتمامه، ولعل
الصواب: ((وناء))، ولفظة ((للقيام)) كتبها في ((٢٥)): ((القيام)) ثم وصل الألف باللام
فصارت (للقيام)) .
وهذا النص قد ساقه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٨٦/١٠) بلفظ: ((إذا فارقت الأرضَ ألْيته
وهمَّ بالقيام مضی ... )) ا. هـ.
(٤) في ((ك٢)): ((تخافت)).
(٥) (الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٠/٣)، و((التمهيد)) (١٨٦/١٠ - ١٨٧)، وراجع («المدونة»
(١ / ١٣٠) بنحوه.
(٦) ((التمهيد)) (١٨٦/١٠).
٣٨٨

١ - ما جاء في السهو إذا قام
الحديث: ١٢٢٥
والثَّاني: أنَّ له أن يرجعَ ما لم يشرعْ في القراءةِ. وهو قولُ النَّخعيِّ،
وحماد، والثَّوريِّ مع قولِه بكراهةِ الرجوعِ، ورُوِيَ نحوُه عن الأوزاعيِّ -
أيضًا - وهو قولُ أحمدَ في المشهورِ عنه عند أكثرِ أصحابه، ووجهٌ
لأصحابِ الشَّافعيِّ، وحكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن مالكٍ، وَالشَّافعيّ(١).
واستدلُّوا بأنَّ القراءةَ هي المقصودُ الأعظمُ (٢) من القيامِ، فلما لم يأتِ
به فلم يأتِ بالمقصودِ من القيامِ فكأنَّه لم يوجد القيامُ (٢٤٦ - ب/ ك٢)
تامًّا(٣) .
وفي هذا نظرٌ.
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ عن جمهورِ العلماءِ القائلين بأنَّه لا يرجعُ إذا تمَّ
قيامُهُ: أَنَّهُ إذا رجعَ لم يُفسدْ صلاتَه؛ لأنَّ الأصلَ ما فعلَه، وتركُ الرجوعِ
له رخصةٌ، وحكى عن بعضِ المتأخرينَ أنَّه تفسدُ صلاتَه. قالَ: وهو
ضعيفٌ(٤).
كذا قال؛ ومذهبُ الشَّافعيِّ عند أصحابِهِ: أنَّه إن رجعَ عالما بالحال
بطلتْ صلاتُه. والجمهورُ على كراهةِ الرجوعِ وإن لم تفسدْ به الصَّلاةُ
عند من يرى ذلك؛ وإنَّما حكى الخلافَ في كراهته عن أحمدَ.
وقولُه: ((إنَّ الرجوعَ هو الأصلُ وتركُه رخصةٌ)(٤) ليس كما قالَ؛ بل
الأصل: أنَّ من تَلَيَّس بفرضِ أنَّه يمضي فيه ولا يرجعُ إلا إلى ما هو
فرض مثله، فأمَّا إن رجعَ من فرضٍ إلى سنةٍ فليسَ هو الأصل وإنما
(١) (التمهيد)) (١٨٦/١٠).
(٣) ((المغنى)) (٤١٩/٢) بنحوه.
(٢) في ((ك٢)): ((والأعظيم)).
(٤) ((التمهيد)) (١٨٥/١٠).
٣٨٩

الحديث: ١٢٢٥
كتاب السهو
يجيءُ الرجوعُ على قولةٍ من يقولُ: ((إنَّ النَّشهدَ واجبٌ)).
وابنُ عبد البرِّ لا يرى ذلك.
واستدلَّ من لم يُجوِّزِّ الرجوعَ بما روى جابرٌ الجعفيّ، عن المغيرةِ بنِ
شُبَيْلٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، عن النبيِّ ◌ِيه
قال: ((إذا قامَ أحدُكم فلم يستتمّ قائمًا فليجلس، وإذا استتمّ قائمًا فلا
يجلس ويسجد سجدتي السّهوٍ)).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه (١) .
وجابرٌ الجعفيُّ ضعَّفْه الأكثرونَ (٢).
وهذا كلُّه في قيامِه من النَّشهدِ الأولِ في الصَّلاةِ المفروضةِ - كما بوّب
عليه البخاريَّ - فإن كانت صلاتُه نَفْلًا وكان نوى ركعتين ثم قام إلى ثالثةٍ
نهارًا فهو مخيرٌ إن شاء أتَّها أربعًا وهو أفضلُ؛ لأنَّ صلاةَ أربعٍ بالنَّهارِ لاَ
كراهةَ فيها، وبذلك يصونُ عملَه عن الإلغاءِ، فكان أولى، وإن شاء رجع
وتشهَّدَ وسجدَ للسَّهوِ. هذا قول أصحابنا وجمهورِ العلماءِ(٣).
ومن الشَّافعيةِ من قال: الأفضلُ أن يرجعَ لئلا يزيدَ على ركعتين.
(١) ((المسند)) (٢٥٣/٤ - ٢٥٤)، وأبو داود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨)، وراجع
((التمهيد)) (١٨٥/١٠)، والمغيرة هذا يقال فيه: ((ابن شُبَيْل)) مصغرًا ويقال: ((ابن شبل))
مكبرًا؛ ذكر هذا البخاري في ((التاريخ)) (٣١٧/٨) وهو مترجم في ((التهذيب)) للمزي
(٣٦٨/٢٨).
(٢) رماه ابن معين في رواية الدوري (٢٩٦/٣) بالكذب، وهو مترجم في ((تهذيب الكمال))
(٤ / ٤٦٥).
(٣) ((المغني)) (٢/ ٤٢٠).
٣٩٠

١ - ما جاء في السهو إذا قام
الحديث: ١٢٢٥
ورُوي عن مالكٍ: الأفضلُ العَوْدُ ما لم يركِعْ في الثَّالثةِ(١)، وعنه: ما
لم يرفع رأسَه من ركوعها، ثم يكون المضيّ أفضلَ. ومتى أتَمّها أربعًا
فعند أصحابنا: إن كان قد تشهَّدَ عَقِيبَ الركعتينِ لم يسجدْ وإلا سجدَ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ: يسجدُ لتأخرِه(٢) السَّلَامَ عن
هذا (٣) التَّشهد (٤)، وإن كان ذلك في صلاةِ الليلِ فإنَّه يرجعُ ولا يتمها
أربعًا ويسجدُ للسَّهو. نصَّ عليه أحمدُ. فإن أتَّها أربعًا ففي بطلانِ
صلاته وجهان بناءً على الوجهين في صحةٍ (٥) تطوعِه بالليلِ بأربعٍ.
وُ
وحُكِيَ عن مالك، والشَّافعيِّ أنَّ الأفضلَ أن يمضيَ فيها. وقالَ الأوزاعي
(٢٤٧ - أ/ ٢٥)، ومالكٌ في رواية: إن كان قد ركعَ في الثّالثةِ لم يرجع
وإلا رجع. وعن مالك روايةٌ: إنّه يراعي الرفعَ في الركوعِ - كما سبق
عنه. وقال الثَّوريُّ - في رجلٍ صلَّى تطوعًا ركعتين فسها فقامَ في الثَّالثة -:
كان الشَّعَبِيُّ يقولُ: يمضي ويجعلُها أربعًا. وقال الثَّوريُّ: وأَحَبُّ إليَّ أن
يجلسَ ويسلِّمَ.
(١) حكاه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٩٠/٣)، و((المغني)) (٢/ ٤٢٠) وقال: ((وليس بصحيح
لحديث المغيرة)) .
(٢) كذا في ((٢٥)) ولعل الصواب: «لتأخيره)).
(٣) في (٢٥)): («هذ» بدون ألف في آخرها.
(٤) كذا في (٢٥))، وراجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٨٩/٣ - ٢٩٠).
(٥) في ((ك٢)) أشبه بـ ((صحته)).
٣٩١

الحديث: ١٢٢٦
كتاب السهو
٢ - بَابٌ
إِذَا صَلَّى خَمْسًا
١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد: نَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْد الله(١) أَنَّ رَّسُولَ اللهِّهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ:
أَزِيدَ فِي الصَّلاَةُ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ
سَجْدَتَيَّنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ.
وقد خرَّجه البخاريَّ في ((أبوابِ استقبالِ القبلةِ)» - فيما مضى - من
روايةٍ منصورِ، عن إبراهيمَ بهذا الإسنادِ بسياقٍ مطولٍ، وفي حديثه: قال
إبراهيمُ: لا أدري زادَ أو نقصَ؟ وذكر في الحديثِ أنَّ النبيَّ ◌ََِّ سجدَ
سجدتين، ثم سلَّمَ، وزادَ في آخرِ الحديثِ: ((وإذا شكَّ أحدُكم في
صلاته فليتحرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُثُمَّ عليه، ثُمَّ لُيُسلِّمْ، ثمَّ يسجدُ سجدتينٍ)(٢).
وخرَّجه مسلمٌ من روايةِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ به، ولفظُه: صلَّى
رسولُ الله ◌َّهُ فزادَ أو نقصَ - قال إبراهيمُ: الوهمُ مِنِّي - فقيل: يا
رسولَ اللهِ، أَزِيدَ في الصَّلاةِ شيءٌ؟ قال: ((إنَّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما
تنسونَ، فإذا نسي أحدُكم فليسجد سجدتين وهو جالسٌ))، ثم تحولَ
رسولُ اللهِ وَلِّ فسجدَ سجدتين(٣).
وقد اتَّفقت الرواياتُ عن إبراهيمَ في هذا الحديث أنَّ النّبِىِّ وَِّ لما
وَسِتَة
(١) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٣) مسلم (٩٤/٥٧٢).
(٢) (٤٠١) .
٣٩٢

٢ - باب إذا صلى خمسا
الحديث: ١٢٢٦
ذُكِّرَ بسهوِه لم يزدْ على أن سجدَ سجدتين. وهذا يدلُّ على أنَّه كان سهوه
بزيادة لا ينقص(١)، فإنَّه لو كان سهوُهُ ينقص(١) لأتى بما نقص من صلاته
ثم سجدَ، فلمَّا اقتصرَ على سجدتي السَّهو دلَّ على أنَّ صلاتَه كانت قد
تمتْ، وأنَّ السَّهوَ كان في الزيادة(٢) فيها .
ولكن رواه أبو بكرِ الحنفيّ، عن مسعرِ، عن منصورٍ، وقال في
حديثه: ثم قام النبيّ ◌َّ فأتم صلاتَه وسجدَ سجدتين بعد ما سلَّمَ.
وَذِكْرُ إتمامه صلاتَه زيادةٌ [غيرُ](٣) محفوظةٍ لم يقلْها غيرُ أبي بكرٍ
الحنفيِّ، وهو ثقةٌ ينفردُ بغرائبَ ولم يُتَابعْ على هذه الزيادةِ.
وقد روى هذا الحديثَ إبراهيمُ بنُ سويدِ النَّخعيُّ، عن علقمةَ، عن
(٢٤٧ - ب / ٢٥) ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ◌َلَّهِ صلَّى بهم الظُّهرَ خمسًا، فلما
انفتلَ [توشوشَ القوم بينهم](٤)، فقال: ((ما شأنُكم؟» قالوا: يا رسولَ
اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاة؟ قال: ((لا)) قالوا: فإنَّك قد صلَّيتَ خمسًا.
فانفتلَ ثم سجدَ سجدتين، ثم سلَّمَ ثم قال: ((إنَّما أنا بشر مثلكم أنسى
كما تَنْسَونَ)) .
خرَّجه مسلمٌ(٥). وفي رواية له - أيضًا - بهذا الإسناد: ((فإذا نسي
أحدُكم فليسجدْ سجدتين))(٥).
(١) كذا في (٢٥)) بمثناة تحتية، ولعل الأليق: ((بنقص)) بموحدة تحت.
(٢) في (٢٥)): ((الرواية))، والسياق يقتضي ما أثبتناه.
(٣) ما بين المعقوفين سقط من (٢٥))، والسياق يقتضي وجودها.
(٤) ما بين المعقوفين جاء في (٢٥)): ((توسوس القوم بلهم))، والتصويب من ((صحيح الإمام
مسلم)) .
(٥) مسلم (٥٧٢/ ٩٢).
٣٩٣

الحديث: ١٢٢٦
كتاب السهو
وخرَّجه مسلمٌ - أيضًا (١) - من طريقِ أبي بكرِ النَّهْشَلي(٢)، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ الأَسْودِ، عن أبيه، عن عَبدِ اللهِ قال: صلَّى بنا رسولُ
الله وَّل خمسًا، فقلنا: يا رسولَ الله، أزِيدَ (٣) في الصَّلاة؟ قال: ((وما
ذاك؟» قالوا: صلَّيتَ خمسًا. قال: ((إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم أذكرُ كما
تذكرونَ(٤)، وأنسى كما تنسون)) ثم سجدَ سجدتين(٥) السَّهوِ .
وإلى هذا الحديث ذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ، وأنَّه إذا صلَّى رباعيةً
خمسًا أو أكثرَ من ذلك أو المغربَ أربعًا أو أكثر أو الفجرَ ثلاثًا أو أكثر ثم
ذُكِّرَ بعد سلامِهِ أَنَّه يسجدُ سجدتي السَّهوِ وتجزئُه صلاتُه.
ورُويَ ذلك عن علقمةَ، والحسنِ، وعطاء، والزهريِّ، والنّخعيِّ،
وهو قولُ مالك، والليثِ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ،
وأبي ثَوْرٍ، وفقهاءِ أهلِ الحديثِ جملةً (٦).
وقالت طائفةٌ: إن لم يكن قعدَ بعدَ الركعةِ الأخيرةِ من صلاته قدرَ
التَّشهد فسدتْ صلاتُه وعليه الإعادةُ، وإن كان قعدَ عَقِيب انقضاءِ صلاتِه
قدرَ التَّشهد أجزأه. وهو قولُ جماعةٍ من الكوفيين، منهم: حمادٌ،
(١) مسلم (٥٧٢/ ٩٣).
(٢) في (ك٢)): ((الهسلي)) والتصويب من ((صحيح مسلم)) وكتب التراجم.
(٣) في (٢٥)): ((أزيه)) بِهَاءٍ في آخرها.
(٤) في ((ك٢)» جاءت العبارة كالتالي: ((أذكركما [تذكركما] تذكرون)) وما بين المعقوفين هنا زائد
لا معنى له، والمثبت موافق لما في ((صحيح مسلم)).
(٥) كذا في ((٢٥)»، والذي في ((صحيح مسلم)): ((سجدتي)).
(٦) («الأوسط)) (٢٩٣/٣ - ٢٩٤).
٣٩٤

٢ - باب إذا صلى خمسا
الحديث: ١٢٢٦
و(١) أبو حنيفة، والثَّوريُّ، وقالوا: إذا لم يذكرْ حتَّى سجدَ في الخامسةِ
ولم يكن قعدَ عَقِيب الرابعة تحولت صلاتُه نفلا وشفعها بسادسة(٢). ولو
لم يشفعْهَا جازَ عند أبي حنيفةَ وأصحابِهِ، إلا عند زُفَرَ فإنه لابد أن
يشفعَهَا؛ لأنَّه بتلبسِه بالخامسةِ لزمه إتمامُ ما شرعَ فيه من النَّفْلِ، وإن كان
جلسَ عَقيبَ الرابعةِ، ثم ذكرَ بعد تمامِ الخامسةِ ضمّ إليها ركعةً أخرى،
وكانت الركعتان نافلةً.
واختلفَ الحنفيةُ: هل يجزئانه من سنة الصَّلاة بعدها أو لا؟
واستدلَّ الجمهورُ بحديثِ ابنِ مسعودٍ، وقد رُوِيَ عنه أنَّه عَمِلَ
بمقتضاه، وكذلك عَملَ به علقمةُ - راويه عنه -، وهما أعلمُ بمدلولِ ما
رویاہ(٣).
والظَّاهرُ أنَّه لم يكنْ قعدَ عَقيبَ الرابعة؛ لأنَّه قامَ إلى خامسة معتقدًا
أَنَّه قام عن ثالثة؛ ولأنَّ هذا زيادةٌ (٢٤٨ - أ/ ٢٥) في الصّلاة من جنسِها
سهوًا فلا تبطلُ به الصَّلاةُ كما لو ذكرَ قبل أن يسجدَ في الخامسةِ، فإن
و
هذا قد وافقوا عليه وأنَّ صلاتَه لا تبطلُ بذلك وأنَّه يرجعُ فيتشهد ويسلم
وتجزئُه صلاتُه ولا فرقَ في هذا بين صلاة وصلاة.
ء
وحُكِيَ عن قتادةَ، والأوزاعيِّ أنَّ منْ صلَّى المغربَ أربعًا، ثم ذكر أنَّه
يأتي بخامسةٍ يقطعُها على وِتْرٍ(٤). وروى جَابرٌ الْجُعْفِيُّ، عن الشَّعبيِّ،
(١) حرف الواو سقط من ((ك))، والصواب إثباته.
(٢) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٤/٣)، و(«المغني)) (٤٢٩/٢).
(٣) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٣/٣).
(٤) في ((ك٢)): ((وير)) بمثناة تحتية، والسياق يقتضي ما أثبتناه، وقد ذكر هنا القول عنهما ابن
المنذر في «الأوسط)) (٢٩٥/٣).
٣٩٥

الحديث: ١٢٢٦
كتاب السهو
وسالمٍ، والقاسمٍ، وعطاءٍ ـ في رجلٍ صلَّى المغرب أربعًا - قالوا: يعيدُ.
قال أحمدُ: إنَّما يرويه جابرٌ - يعني: إنَّه تفرَّدَ به، وهو ضعيفٌ
مشهور١ٌ) ..
وذهبَ بعضُ المالكيةِ إلى أنَّ من زادَ في صلاتِه مثلَ نصفِها سهوًا أنَّ
صلاتَه تبطلُ. وردً (٢) ابنُ عبدِ البرِّردّا بليغًا(٣).
وروى زيادُ بنُ عُبَيْدِ الله (٤) الزياديُّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ أنَّ النبيَّ
وَهِ صِلَّى الظُّهرَ (٥) ستَّ ركعاتِ.
وروى ابنُ وهب في ((مسندِه))، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أبي
الزاهريةِ أنَّ النَّبيَّ بَّهِ صلَّى الظُّهرَ سبعَ ركعاتٍ وعليه حلةُ حريرِ
أهداها(٦) له أكيدرُدومة، فلمَّا انصرفَ نزعها وقال: ((إِنِّي نظرتُ (٧) إليها
(١) رماه ابن معين بالكذب في رواية الدوري (٣/ ٢٩٠)، وهو مترجم في ((تهذيب الكمال))
(٤ / ٤٦٥) .
(٢) كذا فى ((ك٢))، ولعل الأليق: ((ورده)).
(٣) ((التمھید» (٢٨/٥ - ٢٩).
(٤) في ((ك٢)): ((عبد الله)) مكبرًا وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه وهو مترجم في ((تهذيب
الكمال)» (٩ / ٤٩٦).
(٥) كذا في ((ك٢))، ويغلب على الظن أنها: ((الضحى)) وتصحفت إلى: ((الظهر))، والحديث
قد أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (ص: ١٥٢) في باب ((صلاة الضحى))، وكذا في
((تحفة الأشراف)) (١ / ١٩٠)، وقد رواه المزي - أيضًا - في ((التهذيب)) (٢٠٥/٧) بسنده
وفيه: ((الضحى))، ثم إن الراوي عن زياد وهو حكيم بن معاوية الزيادي؛ قال فيه الحافظ
في ((تهذيب التهذيب)) (٤٥١/٢): ((لم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان،
ولا أعرفه)) ا. هـ ثم إن للحديث علة أخرى انظرها في ((النكت الظراف)) بهامش ((التحفة))
(١ / ١٩٠).
(٦) في ((ك))): (أهدها)).
(٧) فى ((ك٢)): (نطرت)) بالطاء المهملة.
٣٩٦

٢ - باب إذا صلى خمسا
الحديث: ١٢٢٦
فألهتني(١) عن صلاتي)).
وهذا مرسلٌ
وفي الحديث دليلٌ على أنَّه يسجدُ للسَّهو إذا لم يذكرْه إلا بعدَ
السلام(٢) وإن كان قد تكلّم بينهما. وبهذا قال علقمةُ، وعطاءٌ،
والثَّوريُّ، والشَّافعيُّ، وإسحاقُ، وأحمدُ؛ لأنَّ السُّجودَ مرسلٌ هنا منقول
بعد السَّلامِ، فلا يمنعُ الكلامُ فعلَه كالتَّكبيرِ في أيامِ التَّشْرِيقِ.
هكذا علَّله بعضُ أصحابنا، ويقتضي ذلك أنَّه لا يمنعُ السَّجودَ فيه إن
تكلَّمَ بعد ذكرِه عمدًا .
وفي بعضِ رواياتِ حديثِ ابنِ مسعودٍ ما يدلَّ عل ذلك وأنَّ النبيَّ
وَّر تكلَّمَ بعد تذكيرِهم له بزيادته ثم سجد(٣).
وقال أبو حنيفة: متى تكلّم لم يسجدْ؛ لأنَّ الكلامَ ينافي الصَّلاةَ (٤).
واختلفوا هل يعتبرُ أن لا يطولَ الفصلُ بين السَّلام من الصَّلاة
والسجودِ أم لا؟ وفيه قولان:
أحدُهما: يعتبرُ ذلك، فإن طال(٥) الفصلُ امتنعَ السُّجودُ؛ لأنَّ سجودَ
السَّهو تكملةٌ للصَّلاةِ فلا يبنى عليها مع طولِ الفصلِ كسائرِ أفعالِ
الصَّلاة. وهذا قولُ الشَّافعيِّ في أصحِّ قولِهِ(٦) - وهو الجديدُ منهما -،
(١) في ((ك٢)): ((فالهمتني)).
(٣) ((المدونة)) (١٣٠/١).
(٥) في ((ك))): ((طالب)).
(٢) في ((ك))): ((الإسلام)).
(٤) رده ابن المنذر فى ((الأوسط)) (٣/ ٣٢٠).
(٦) كذا، والصواب: ((قوليه)).
٣٩٧

الحديث: ١٢٢٦
كتاب السهو
وأحمدَ في إحدى الروايتين، واعتبرَ - أيضًا - أن لا يكونَ خرجَ من
المسجد، وعليه أكثرُ أصحابِه. ومنهم من لم يعتبره. وهو قولُ الشَّافعىِّ
وأصحابه، وهو روايةٌ أخرى عن أحمدَ، ومذهبُ الثوريِّ وغيرِه من
العلماء(١).
والثَّاني: لا يعتبرُ قربُ الفصلِ؛ بل (٢٤٨ - ب/ ٢٥) يسجدُ وإن
طالَ الفصلُ. وهو قولُ الضَّحاكِ، ويحيى بن سعيد، والثَّوريِّ،
ومكحولٍ، والأوزاعيِّ، والحسنِ بن حيٍّ، والشَّافعيِّ في قولِهِ الآخرِ،
وأحمدَ في الروايةِ الأخرى(٢)؛ لأنَّه جبرانٌ(٣) يفعل بعد التحللِ من العبادةِ
فيجوزُ فعلُه بعد طولِ الزمانِ لجبران (٣) الحجّ(٤).
وقال مالكٌ: إن كان السُّجودُ بعدَ السَّلامِ جازَ فعلُه إذا ذكره وإن طالَ
الزمانُ، وإن كان قبلَ السلامِ لم يفعله إلا مع قربِ الفصلِ، فإن تباعدَ
أعادَ الصَّلاةَ؛ لأنَّه جزءٌ من الصَّلاةِ(٥).
وروى ابنُ وهب عن مالك أنَّه يفعلُه مطلقًا وإن طالَ الزمانُ ما لم
ينتقضْ وضوءُه(٦).
وعن ابنٍ شبرمةَ، والحكم: يسجدُ ما لم يخرجْ من المسجد، فإن
خرجَ أعادَ الصَّلاةَ(٧). وقال أبو حنيفةً: يسجدُ ما لم يخرج من المسجدِ
(١) ((المغني)) (٤٠٥/٢).
(٢) ((المغنى)) (٤٠٥/٢ - ٤٠٦).
(٣) في ((ك٢)»: ((خبران)) بالخاء المعجمة.
(٤) كذا في ((ك٢)» ولعلها ((الخلل)).
(٥) ((المدونة)) (١٢٩/١ - ١٣٠).
(٦) راجع ((المدونة)) (١ / ١٣٠) عن ابن القاسم، و((الأوسط)) لابن المنذر (٣١٩/٣).
(٧) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣١٩/٣).
٣٩٨

٢ - باب إذا صلى خمسا
الحديث: ١٢٢٦
أو يتكلم. وقال عطاءٌ: يسجدُها ما لم يتم، ولو اتَّكاً ثم ذكرَ جلسَ
فسجدَ، وإن قامَ فليصلِّ ركعتينٍ ولا يسجدُ للسَّهوِ. وقال الليثُ بنُ سعد:
يسجدُ ما لم ينتقضْ وضوءُه. وعن الحسنِ، وابن سيرينَ: يسجدُ ما لم
يصرفْ وجهَه عن قبلتِه، فإن صرفَه لم يسجدْ (١).
وحديثُ ابنِ مسعودٍ صريحٌ في ردِّ هذا (٢)، وقد سبقَ القولُ فيه في
(أبوابِ استقبالِ القبلة)(٣).
وللشَّافعية وجهُ: أَنَّه لا يسجدُ مع قربِ الفصلِ - أيضًا - لفوات محلّه
- وهو قبلَ السلامِ عندهم -، قال: بعضُهم: وهذا غلطٌ لمخالفته للسُّنة .
قالوا: وهل يكونُ هذا السجودُ عائدًا إلى حكم الصَّلاة؟ فيه وجهان.
ولهما فوائدُ :
منها (٤): لو تعمَّدَ الكلامَ في هذا السَّجود أو الحديثَ. فإن قيل: إنَّه
عائدٌ إلى الصَّلاة بطلت صلاته، وعلى الآخرِ لا تبطلُ.
ومنها: إن قيلَ: عائدٌ إلى الصَّلاةِ لم يكبر الافتتاحَ ولم يتشهد؛ بل
يسلمُ بعد السَّجودِ، وعلى الآخرِ يكبرُ للافتتاحِ وفي تشهدِه وجهان،
أصحُّهما: لا يتشهدُ؛ لأنَّه لم يصحَّ فيه عن النَّبِيِّ بَِّ شيءٌ. قالوا:
ويسلمُ على الصَّحيح سواءٌ تشهَّدَ أو لا للأحاديث الصَّحيحةِ المصرِّحة بأنَّه
وَلِ سجدَ ثم سلَّمَ.
ومذهبُ الثَّوريِّ: إذا أحدثَ في سجدتي السَّهوِ لم تبطلْ صلاتُه،
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣١٩/٣).
(٢) وبهذا جزم ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣/ ٣٢٠) وزاد عليه.
(٤) في ((ك٢)): ((منهما)).
(٣) (٤٠١) .
٣٩٩

الحديث: ١٢٢٦
كتاب السهو
وليستْ بمنزلةِ الصَّلاةِ(١).
واستدلَّ طائفةٌ بهذا الحديث على من زادَ في صلاته سهوا فإنَّه
سجدّ(٢) لذلك بعد السَّلَامِ؛ لأنَّ النبيَّ بَّهِ سجدَ بعد السَّلَامِ. وهذا قولُ
مالك، وأبي ثورٍ، وروايةٌ عن أحمدَ.
وحُكِيَ عن أحمدَ أنَّ زيادةَ عدد الركعات (٢٤٩ - أ/ ك٢) خاصة
يسجدُ لها بعد السَّلامِ مطلقا. وهو الذي حكاه التِّرمذيُّ في ((جامعه) عن
أحمد (٣). وحكى القاضي أبو يعلى في ذلك روايتينِ لو ذكرَ قبل السَّلام
أَنَّه يسلمُ ثم يسجدُ بعد السَّلامِ.
وقد ذهبَ إليه بعضُ أهلِ الحديثِ، والذي عليه جمهورُ العلماء: أنَّ
النبيَّ وَّ إنَّما سجِدَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ بعد سلامِه؛ لأنَّه لم يشعرْ
بسهوه(٤) إلا بعد السَّلام من صلاته فكان سجودُه بعد السَّلام؛ فإنَّه إنما
سلَّمَ ظانّا أنَّ صلاتَه لا زيادةَ فيها، وإنما علمَ بالزيادةِ فيها بعد ذلك وقد
صرَّحَ الإمامُ أحمدُ بهذا المعنى (٥) في روايةِ حربٍ وغيرِه(٦). وسيأتي
القولُ في محلِّ سجودِ السَّهِ - فيما بعد - إن شاءَ اللهُ تعالى.
(١) وكذا هو في رواية ابن القاسم عن مالك كما في ((المدونة)) (١/ ١٣٠).
(٢) كذا في ((٢٥))، ولعل الصواب: ((يسجد)).
(٣) ((جامع الترمذي)) (٣٩١).
(٤) في ((٢٥)): ((سهوه)).
(٥) في ((ك٢)): ((المعين))، وانظر ((مسائل ابن هانىء)) (٧٦/١).
(٦) لفظة ((وغيره)) في ((٢)) بدون المثناة التي بعد الغين المعجمة، وانظر ((مسائل ابن هانىء))
(٧٦/١)، و((مسائل عبد الله)) (ص: ٨٧).
٤٠٠