النص المفهرس

صفحات 341-360

١٢ - بَابُ
مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلاةِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو: نَفَخَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّ فِي سُجُودِهِ فِي
و و
الکُسوف.
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو هذا هو من روايةِ عَطَاءِ بنِ السَّائبِ، عن
أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو قال: انكسفتِ الشَّمسُ على عهد رسول الله
مَ لَه فَقَامَ رسولُ اللهِ بَّه إلى الصَّلاةِ، فذكر الحديثَ إلى أن قال: فجعلٌ
ينفخُ في آخرِ سجودِهِ من الركعةِ الثَّانِيةِ ويبكي ويقولُ: ((لم تَعِدْني هذا
وأنَا فيهم، لم تَعِدْني هذا ونحنُ نستغفرُكَ))، وذكر باقيَ الحديثِ .
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائي، وابنُ خُزَيِمة، وابنُ حِبَّان
في (صحيحيهما))(١).
(١) ((المسند)) (١٥٩/٢، ١٦٣، ١٨٨، ١٩٨) - مطولا ومختصرًا -، وأبو داود (١١٩٤)،
والنسائي (١٣٧/٣)، وابن خزيمة (٣٢٢/٢)، وابن حبان (٧٩/٧) من طُرق عن عطاء
شاركهم فيها: شعبة، من طريق غندر ويحيى القطان عنه كما في ((المسند))، والثوري من
طريق عبد الرزاق كما في ((المسند)) - أيضًا وتابعه مؤمل بن إسماعيل عند ابن خزيمة
(٣٢٣/٢) والحاكم (٣٢٩/١) عن الثوري على مافي روايتهما عنه، وتابعهم - أيضا -
حماد بن سلمة من طريق التبوذكي، عنه عند أبي داود، وحماد قد ذكر العقيلى كما في
((الكواكب النيرات)) (ص: ٦٤) أنه سمع من عطاء بآخره، إلا أن ابن معين صحّح روايته
عنه في رواية أحمد بن زهير كما في ((الجعديات)) (٢٥٤/١) وكذا في رواية الدورقي كما
في ((الكامل)) (٣٦١/٥) وكذا في رواية الدوري (٣٠٩/٣).
هذا وقد ذكر ابن الكيَّال في ((الكواكب)): ((أن الجمهور استثنوا رواية حماد بن سلمة عن
عطاء قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني)) ا. هـ.
فقوي بهذا الحديث شيئًا ما؛ إلا أن السائب بن مالك ليس من شرط البخاري في الصحيح =
٣٤١

الحديث: ١٢١٣
أبواب العمل في الصلاة
وعطاءُ بنُ السَّائبِ ثقةً تغيَّرَ بآخره (١).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ مُجَالدٍ، عن الشَّعبيِّ، عن المُغيْرَةِ بنِ
شُعْبَةَ أنَّ النبيَّ بَّهِ كان في الصَّلاةِ فجعلَ ينفخُ بين يديه ثم مدَّ يدَه كأنَّهَ
يتناولُ شيئًا، فلمَّا انصرفَ قال: ((إنَّ النَّارَ أُدْنيتْ مِنِّي حتَّى نفختُ حرَّها
عن وجهي))(٢).
ومجالدٌ فيه ضعفٌ(٣) .
خرَّجَ في هذا البابِ حديثين:
الأول :
١٢١٣ - ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ (٤) أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ رَأَى نُخَمَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَّىَّ أَهْلَ
الْمَسْجِد وَقَالَ: ((إنَّ اللهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، إِذَا كَانَّ فِي صَّلاَتِهِ فَلا يَبْزُقَنَّ - أَنَّ
قَالَ: لاَ يَتَنَخَّعَنَّ (٥) -)) ثُمَّنَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ (٦): إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ.
= فلذا علقه والله أعلم وبنحو هذا جزم الحافظ في ((تغليق التعليق)) (٤٤٧/٢).
(١) ((تهذيب الكمال)) (٨٦/٢٠)، و((الكواكب النيرات)) (ص: ٦١).
(٢) ((المسند)) (٢٤٥/٤).
(٣) مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٢١٩/٢٧).
(٤) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنهما)).
(٥) في ((ك(٢)) كلمة يشبه أن تكون ((لايبصقن))، والمثبت موافق لما في ((اليونينية)) كما في رواية
الأربعة على ما ذكره القسطلاني، وقد وردت: ((لا يتنخمن)).
(٦) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنهما)).
٣٤٢

١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
الحديث: ١٢١٤
وقد خرّجه في ((أبواب القِبلة)) من حديثِ مَالكِ، عن نَافعِ
مختصراً (١).
الثَّاني:
١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: ثَنَا غُنْدَرُّ: ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَس (٢)، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: (٢٣٨ - أ/ ك ٢) ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ (٣) في
الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ
شمَاله تَخْتَ قَدَمَهُ الْیُسْرَى)).
وقد خرّجه - فيما تقدم - عن آدمَ، عن شعبةً(٤).
ومقصودُهُ: الاستدلالُ بإباحةِ النبيِّ ◌َّهِ البُزَاقَ والتَّنْخِمَ في الصَّلاةِ
على أنَّ النَّفْخَ ونحوَه كالنَّحنحةِ لا يبطلُ الصَّلاةَ لأنَّ للتَّنْخمِ صوتًا
كالتَّنحنحِ وربما كانَ معه نوعٌ من النَّفخِ عند القذفِ بالنَّخامة، وقد سبقَ
أنَّ ابن عبد البرِّ ذكر مثلَ ذلك.
وقد اختلفَ العلماءُ في النَّفْخِ في الصَّلاةِ هل هو كلامٌ يبطلُها إذا
تعمَّده أم لا؟
فقال طائفةٌ: هو كلام.
قال ابنُ المنذر (٥): كَرِهه ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وَرُوِيَ عن ابنِ
(١) (فتح: ٤٠٦).
(٢) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٣) كذا في ((ك))، وليست لفظة: ((أحدكم)) مثبتة في ((اليونينية)) ولكن ذكر القسطلاني أنها
في رواية أبوي ذر والوقت ولكن بسياق: ((إذا قام أحدكم)) بدلا من ((إذا كان أحدكم)).
(٤) (فتح: ٤١٣).
(٥) «الأوسط)) (٢٤٥/٣).
٣٤٣

الحديث: ١٢١٤
أبواب العمل في الصلاة
عباسٍ وأبي هريرةَ أنّه بمنزلة الكلام، ولا يثبتُ عنهما. (١)
كذا قال، وليسَ كما قالَ؛ فقد روى الأعمشُ، والحسنُ بنُ عُبَيْد الله
أَبو عُرْوَةَ النَّخعيُّ - وهو ثقةٌ خرج له مسلمٌ - كلاهما -، عن أبي الصّبحِ،
ءُ
عن ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: النَّفَخُ في الصَّلاةِ كلامٌ (٢).
وقد خرَّجه وكيعٌ في كتابه، والإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنِهِ عبدِ الله،
عنه في (مسائله))(٣) .
وفي روايةٍ له: النَّفْخُ في الصَّلاةِ يقطعُ الصَّلاةَ(٤).
وخرَّجه الجوزجانيُ وعنده: النَّفخُ في الصَّلاةِ أخشى أن يكونَ
كلامًا .
وأما المرويُّ عن أبي هريرةَ: فمن طريقٍ قَيْسٍ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن
أبي صَالحٍ، عن أبي هُريرةَ قال: النَّفخُ في الصَّلاةِ كلامٌ.
خرَّجه عبدُ اللهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ، عن أبيه في ((مسائله))(٥)، وقَيْسٌ
هو : ابنُ الرَّبِيعِ(٦).
(١) ((الأوسط)) (٢٤٧/٣).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٩/٢)، وابن أبي شيبة (٢٦٤/٢)، والحديث رواه ابن المنذر -
أيضًا - في ((الأوسط)) (٢٤٦/٣).
(٣) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٠٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٢٦٤/٢).
(٥) ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٨٩/٢) عن قيس بن الربيع.
(٦) وهو سيئ الحفظ على ما نص عليه أئمة هذا الشأن، وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال))
(٢٤/ ٢٥)
٣٤٤

١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
الحديث: ١٢١٤
ورُوِيَ عن النَّخعِيِّ أَنَّه قالَ: هو كلامٌ.
وروى عنه ابنُه قال: إنَّما كانوا يكرهونَه في الصَّلاة مخافةَ أن يؤذيَ
الرجلُ جليسَه(١).
وعن سعيد بنِ جبير قال: هو بمنزلةِ الكلامِ (٢).
ومِمَّنْ رأى أنَّه بمنزلةِ الكلامِ فِي إبطالِ الصَّلاةِ: أبو حنيفةَ، ومحمدُ
ابنُ الحسن، والثَّوريُّ، والشَّافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ في روايةٍ، وابنُ
القاسمِ المالكيُّ(٣) .
وعن أبي يوسفَ روايتان، إحداهما: إن أرادَ به التَّأفيفَ فهو كلامٌ،
والثانية: ليس بكلامٍ بكلِّ حالٍ - وهي التي رجعَ إليها (٤).
وكَرِهَه ابنُ سيرين، ويحيى بنُ [ ... ](٥) من غيرِ إفسادِ الصَّلاةِ به،
وهو قولُ مالك، وأحمدَ في روايةٍ، وإسحاقَ، وسليمانَ بنِ داودَ
الهاشميِّ، وأبي(٦) خيثمة(٧). وقال أحمدُ مرةً: أخشى أن يكونَ قد
فسدتْ صلاتُه، يُروَى عن ابنِ عباسٍ: من نفخَ في صلاتِه فقد تكلّمَ (٨).
(١) مثله رواه عبد الرزاق (١٨٩/٢) من طريق الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٩/٢)، وابن أبي شيبة (٢٦٤/٢).
(٣) ((المدونة)) (١٠١/١)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٦/٣)، ونقله الترمذي في ((الجامع)) له
(٤) (الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٦/٣).
(٣٨٢) عن الثوري.
(٥) ما بين المعقوفين بياض في ((٢٥)) قدر كلمتين، يغلب على الظن أنهما: ((أبي كثير))، وقد
روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٦٥/٢) عن يحيى بن أبي كثير أنه كره النفخ في
الصلاة، وبنحوه عند عبد الرزاق - أيضًا - (١٨٩/٢)، وانظر كذلك ((الأوسط)) لابن
المنذر (٢٤٦/٣) مع الانتباه أن كلمة ((أبي)) قد سقطت من اسم ((يحيى)) في المطبوع من
((الأوسط)).
(٦) في ((ك٢)): ((وأبو))، والصواب ما أثبتناه. (٧) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٥/٣ - ٢٤٦).
(٨) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٠٠)، وفي ((مسائل ابن هانىء)) (٤٣/١) قال أحمد: أخشى
إن نفخ أن يكون قد قطع صلاته .
٣٤٥

الحديث: ١٢١٤
أبواب العمل في الصلاة
فحكى أكثرُ أصحابنا المتقدمينَ عن أحمدَ في ذلك روايتين، وأما
القاضي أبو يعلى وأصحابُه فنزَّلوهما على حالين، قالوا: إن بان منه
(٢٣٨ - ب/ ٢٥) حرفان (١) فهو كلامٌ مبطلُ الصَّلاةَ وإلا فلا(٢).
ولا يُعرَفُ هذا النَّفصيلُ عن أحمدَ ولا عن غيرِهِ ممن تقدّمَ سوى
الشَّافعيِّ وأصحابِهِ، وهو قولُ أبي ثورٍ. واستدلُّوا بأنَّ الكلامَ عند العربِ
ما دَلَّ على معنى وأقلُّهُ حرفان(٢).
ولكنَّ الكلامَ المقصودَ يدلُّ على معناه، والموضوع له بالوضعِ، ودلالةٌ
النَّفْخِ والتأوهِ ونحوِ ذلك إنما هو بالطَّعِ لا بالوضعِ؛ فليس في شيءٍ من
ذلك حروفٌ موضوعةٌ للدلالة على معنى خاص.
وقال الحسنُ: إذا رأيتَ ما يريبُك - يعني: في الصّلاةِ - فانفخ. وهذا
يدلُّ على إباحته للحاجة إليه.
ورُوِيَ - أيضًا - مثلُه عن بعضِ الصَّحابةِ .
وفي البابِ حديثٌ مرفوعٌ، عن أمِّ سلمةَ اختُلفَ في إسنادِهِ ولفظِهِ،
فروى عَنْبَسَةُ بنُ الأَزْهَر، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن كُرِيبٍ، عن أمِّ سَلَمَةَ
قالت: مرَّ النبيُّ بِّهِ بغلامِ لهم وهو يصلِّي فنفخَ في سجودِه، فقال: ((لا
تنفخ؛ إنَّ من نفخَ فقد تكلم)).
خرَّجَه النسائىَّ(٣)، وهو مما تفرد به عَنْبَسَةُ هذا، وقد قال فيه ابنُ
(١) في ((ك)))): ((حرفا)) بدون حرف النون، والتصويب من ((المغني)) (٢/ ٤٥١).
(٢) («المغني)) (٢/ ٤٥٢).
(٣) النسائي ((الكبرى)) (١٩٦/١).
٣٤٦

١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
الحديث: ١٢١٤
معين، وأبو داودَ، وأبو حاتمٍ: لا بأسَ به(١).
لكن قال أبو حاتم: يُكتبُ حديثُه ولا يُحتجّ به(٢).
وذكره ابنُ حبان في ((ثقاتِه)) وقال: كان يخطىءُ (٣).
وخرَّجَ الترمذيُّ من حديثِ مَيْمُونٍ أَبِي حَمْزَةَ، عن أبي صَالِحٍ، عن
أمِّ سَلَمَةَ قالت: رأى النبيُّ ◌َلَ غلامًا لنا - يقال له: أفلحُ - إذا سجدَ
نفخَ، فقال له: ((أَفْلَحُ(٤)، تَرِّبْ وجهَك)). وقال: إسنادُه ليس بذاك،
وميمونٌ أبو حمزةَ ضعَّفْه بعضُ أهلِ العلمِ(٥).
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ - أيضًا (٦) ، ومَيْمُونُ الأَعْورُ أَبو حَمْزَةَ قال
أحمدُ: متروكٌ(٧) .
ولكنه تُوبع عليه؛ فخرجه الإمامُ أحمدُ من طريقِ سعيدٍ أبي عثمانَ
الوراقِ، عن أبي صالحٍ قال: دخلتُ على أمِّ سلمةَ، فذكر الحديثَ
مرفوعًا، وفيه: (تَرِّبْ وجهكَ الله))(٨).
(١) (سؤالات ابن الجنيد)) (ص: ١٠٢)، و((الجرح والتعديل)) (٤٠١/٦)، ونقل المزي في
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٦/ ٤٠١).
((التهذيب)) (٢٢/ ٤٠٣) قول أبي داود.
(٣) وهذا لا يقوي من شأنه، ومن شأن ابن حبان أنه إذا تردد في راوٍ - أي: تردد في حاله -
أن يذكره في ((الثقات)) ويغمزه، كما قرَّره العلامة المعلمي - رحمه الله - في تعليقه على
((الفوائد المجموعة)) (ص: ٤٨٥).
(٤) الذي عند الترمذي في المطبوع تحقيق الشيخ أحمد شاكر ((فقال: يا أفلح ... )).
(٥) ((جامع الترمذي)) (٣٨١)، وأبو صالح هذا جزم الذهبي في («الميزان)) (٥٣٨/٤) أنه:
ذكوان مولى لأم سلمة، وساق له هذا الحديث.
(٦) ((المسند)) (٣٢٣/٦).
(٨) ((المسند)) (٣٠١/٦).
(٧) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٣٢١٤).
٣٤٧

الحديث: ١٢١٤
أبواب العمل في الصلاة
وخرجه ابن حبان في ((صحيحِه)) من طريقِ عديٍّ بنِ عبدِ الرحمن،
عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي صالحِ مولى آل طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ قال:
كنتُ عند أمِّ سلمةَ، فذكر الحديث(١).
كذا في هذه الروايةِ ((أبو صالحٍ مولى آلِ طلحةَ))، وجاءَ في رواية أنَّه
وُ
مولى أمِّ سلمةَ. قال أبو زرعةَ الدمشقيّ في ((تاريخه)): أبو صالحٍ مولى
أمِّ سلمةَ بحديثٍ(٢) عنها في كراهةِ نفخِ التّرابِ في السّجودِ اسمُهُ زَاذَان.
انتھی .
وهو مع هذا غيرُ مشهور، والحديثُ بهذا اللفظ يدلُّ على أنَّ النَّفْخَ
ليس بكلامٍ، وإنما يكره نفخُ التُّرابِ عن موضعِ السُّجودِ لأنَّه يمنعُ تتريبَ
ءِ
الجبهةِ في السّجودِ.
والأفضلُ للسَّاجد أن يُتَرِّبَ وجهَه لله، ولهذا كان سجودُه على
التراب أفضلَ من سجودِه على (٢٣٩ - أ/ ٢٥) حائل بينه وبين التّرابِ.
وفي كراهةِ النَّفْخِ في الصَّلاةِ أحاديثُ أُخَرُ مرفوعةٌ لا يصح(٣)، وقد
سبقَ(٤) في ((باب من لم يمسحْ (٥) جبهته وأنفَه حتى صلَّى))، في ذلك
حديثٌ مرفوعٌ من روايةٍ بريدةَ، وبيانُ علته(٦).
(١) ((الإحسان)) (٢٤١/٥)، وأبو صالح هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥٧٧/٥) وترجمه
المزي في التهذيب)) (٤٢٠/٣٣).
(٢) كذا في (ك))، وفي ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) (٦١٨/١): ((يحدث))، وهو الأولى.
(٣) كذا في ((ك٢)) بالمثناة التحتية، ولعل الأليق: ((ولا تصح)) بالمثناة الفوقية.
(٤) تحت الحديث (٨٣٦).
(٥) في ((ك٢)): (يمتح)).
(٦) ولا يصح في النهي عن النفخ في الصلاة حديث. انظر ((زاد المعاد)) (١/ ٢٧٠)،
و((التحديث)) للشيخ بكر أبو زيد (ص٦٥).
٣٤٨

١٣ - بَابُ
مَنْ صَفَّقَ جَاهِلا مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ(١)
لم يخرِّجْ فيه شيئًا، وفيه حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، وقد خرَّجَه - فيما
تقدم(٢) .
ومجردُ التَّصفيقِ ليس مما يبطلُ الصَّلاةَ، إنَّما يُبطل الإكثارُ منه.
وفي الحديث أنَّهم أكثروا التَّصفيقَ حتى التفتَ أبو بكر، ولم يكونوا
يعلمونَ أنَّ النَّصفيقَ منهيٌّ عنه الرجالُ في الصَّلاةِ.
مٍَّ))، وسقطت عند
(١) زاد في ((اليونينية)): ((فيه سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي
الأصيلي: ((سهل بن سعد)) كما نبَّه على هذا في هامش ((اليونينية)) والقسطلاني.
(٢) (فتح: ١٢٠١).
٣٤٩

الحديث: ١٢١٥
أبواب العمل في الصلاة
١٤ - بَابٌ
إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ [فَانْتَظَرَ](١) فَلا بَأْسَ
١٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثير: نَا(٢) سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازم، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْد (٣) قَالَ: كَانُوا(٤) يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ :﴿ وَهُمْ عَاقِدُواْ أُزْرِهِمْ
مِنَ الفَقْرَ (٥) عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ
و روو
الرِّجَالُ جُلُوسًا.
الظَّاهِرُ أنَّ البخاريَّ حَمَلَ الحديثَ على أنَّ النِّسَاءَ قِيلَ لهنَّ ذلك في
نفس الصَّلاة. وقد أنكر ذلك الإسماعيليّ وقال: إنما تقدم إليهم بذلك
قبل الصَّلاةِ؛ لِمَا عُلم من ضيقِ أُزُرِ الرجالِ، فليس الحديثُ مما تُرِجِمَ
عليه(٦).
قلتُ: ولو خرَّجَ في البابِ إشارةَ النبيِّ وَّ في صلاته إلى الذين
صلَّوا وراءه قيامًا وكان هو قاعدًا أن اجلسُوا، أو أشارَ به(٧) لأبي بكرٍ
وهو يصلّي بالنَّاسِ أن اثبتْ مكانَك في حديثِ مرضِهِ، وفي حديثٍ
إصلاحِه بين بني عوفٍ لكان دليلا على ما بوَّبَ عليه .
(١) سقط من (٢٥))، ولم يشر في ((اليونينية)) إلى عدم وروده في بعض النسخ، والسياق يقتضيها.
(٣) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٤) كذا في (٢٥))، والذي في ((اليونينية)): ((كان الناس يصلون)).
(٥) كذا في (ك))، والذي في ((اليونينية)) و(إرشاد الساري))، و((عمدة القاري)): ((من الصِّغْر)).
(٦) قال ابن المنيِّر في ((المتواري)) (ص: ١٢٢): ((وهذا كله على أن النساء قيل لهن في
الصلاة: لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال. ويكون القائل في غير صلاة» ا. هـ.
(٧) كذا في ((ك٢))، والأليق: أو إشارته.
٣٥٠

١٤ - باب إذا قيل للمصلي : تقدم
الحديث: ١٢١٥
وحاصلُ الأمر: أنَّ أمرَ المصلِّي بما فيه مصلحةٌ لصلاته غيرُ مكروه،
وأمَّا أمرُه بما ليسَ من الصَّلاةِ فيكره.
ذكر عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ قال: قال إنسانٌ لعطاء: يأتيني
إنسانٌ وأنا وفي المكتوبةِ فيخبرني الخَبَرَ فأستمع إليه. قال: ما أحبُّه،
وأخشى أن يكونَ سهوًا؛ إنَّما هي المكتوبةُ فتفرغْ لها حتَّى تفرغَ منها(١).
قال: فقلت لعطاء: أفتكره كلَّ شيءٍ من الإيماءِ في المكتوبة حتَّى إن
مرَّ بي إنسانٌ وأنا في المكتوبة فقالَ: صلَّيْتَ الصَّلاةَ؟ كرهتُ أن أشيرَ إليه
برأسي؟ قال: نعم أكرهُ كلَّ شيءٍ من ذلك. فقيل له: أفعل ذلك في
التّطوعِ؟ قال: إن كان شيءٌ لابدَّ منه، وأحبُّ أن لا يفعلَ(٢).
وسيأتي ذكرُ إشارةٍ المصلِّي والسَّلام عليه إن شاءَ الله تعالى، وقد
بوَّبَ البخاريّ - فيما بعد - بابَ: ((إذا كلم وهو يُصلِّي فأشارَ بيده أو
يستمع)) وسيأتي في موضعِه إن شاءَ اللهُ تعالى.
ورَوَى عبدُ الرزاقِ (٢٣٩ - ب / ٢٥) في كتابه، عن مَعْمَرِ، عن
ثَابتِ البُنَانِيِّ، عن أبيَ رَافِعٍ قالَ: رأيتُ أصحابَ رسولِ اللهِ وَّةٍ وإِنَّ
أحدَهم ليشهد على الشّهادةِ وهو قائمٌ يُصلِّي(٣).
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢ /٢٦١)
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٦٠/٢ - ٢٦١) عن ابن جريج، عنه.
(٣) («المصنَّف)) (٢٥٨/٢ - ٢٥٩)، ورواية مَعْمَر، عن ثابت متكلم فيها.
قال ابن المديني في ((العلل)) له (ص: ٧٢): ((وفي أحاديث معمر، عن ثابت أحاديث
غرائب ومنكرة)) ا. هـ.
وقد ذكر المصنّف في شرحه لـ((علل الترمذي)) (٦٩١/٢) تحت أصحاب ثابت: عن
العقيلي قال: ((أنكرهم رواية عن ثابت: معمر)). وعن ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال:
((حديث معمر، عن ثابت مضطرب كثير الأوهام)).
وذكر المصنّف - أيضًا - تحت شرحه للحديث رقم (٤٦٥) أن رواية معمر، عن ثابت رديئة
قاله ابن معين وابن المديني وغيرهما وأن البخاري لا يخرج منها شيئًا .
٣٥١

الحديث: ١٢١٦
أبواب العمل في الصلاة
١٥ - بَابٌ
لا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلاةِ
فيه حديثان :
الأول :
١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِ شَيْبَةً(١): ثَنَا ابْنُ فُضَيْل، عَنِ الأَعْمَش،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدَ الله قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّنَّهَ وَهُوَ
فِي الصَّلاَةِ فَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَاً [َمَنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ](٢) سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ
بَرَّدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلَا)).
قد سبقَ هذا الحديثُ مع الكلامِ على إسنادِه(٣).
والمقصودُ منه في هذا البابِ: أنَّ المصلِّيَ لا يردُّ السَّلامَ على من سلَّمَ
عليه لاشتغاله بما هو فيه من الإقبال على مناجاة الله عزّ وجلّ، فلا ينبغي
له أن يتشاغلَ بغيرِه ما دامَ بينَ يديه .
الثَّاني:
(١) في ((ك))): ((شبه)).
(٢) ما بين المعقوفين مثبت في ((ك٢))، وليس في ((اليونينية)) ولم يتعرض لذكره العيني في
(عمدة القاري)) أو الحافظ في ((الفتح)) أو القسطلاني في ((إرشاد الساري))، ويبدو أنه من
كلام المصنف ذكره عَرضًا كبيانٍ وهو مثبت في الحديث (١١٩٩)، والله أعلم.
(٣) (فتح: ١١٩٩).
٣٥٢

١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
الحديث: ١٢١٧
١٢١٧ - ثَنَا أَبُو مَعْمَر: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِث: ثَنَا كَثِيرُ بْنُ شْظير، عَنْ عَطَاء
ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرٍ(١) قَالَ: بَعَثَنِيَ النَِّيُّ وَلاَ فِي حَاجَةَ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ
ثُمَّ رَجَعْتُ، وَقَدْ قَضَيْتُهَا (٢)، فَأَتَيْتُ الََِّّ ◌َ فَسَلَّمَّتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ،
فَوَقَعَ فِي قَلْبِيٍ مَا اللهُ أعلمُ بِهِ، فَقُلْتُ فَي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُوَلَ اللهِكَ وَجَدَ
عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأَتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ فَلَمْ يَّرُدَّ عَلَّيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِيَ أَشَدُّ مِنَ
الَرَّةَ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمَتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقَالَ: ((إِنَّمَا مَنَعَنِّي أَنَّ أَرُدَّ عَلَيْكَ
أَنِّيَ كُنْتُ أُصَلِّي)». وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهَا إِلَىَ غَيْرِ الْقَبْلَةِ.
وقد دلَّ هذان الحديثانِ على مسائلَ:
منها: أنَّ المصلِّيَ إذا سُلِّمَ عليه في الصَّلاةِ لم يردَّ السَّلَامَ بقوله.
وهذا قولُ جمهورِ أهلِ العلمِ (٣).
وذهبَ طائفةٌ إلى أنَّه يجوزُ أن يردَّ السَّلامَ بقوله. رُوِيَ ذلك عن أبي
هريرةَ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيبِ، والحسنِ، وقتادةً(٤).
وقال عطاءٌ: يردُّ عليه إذا كان جالسًا في التَّشهدِ الأخير (٥).
وهذا مبنيٌّ على قوله: ((إنَّ المصلِّيَ يخرج من صلاته بدون السّلام)) -
كما سبق .
(١) في ((اليونينية)) بزيادة: «بن عبد الله رضي الله عنهما)).
(٢) في ((ك٢)): ((قطنتها))، والتصويب من ((اليونينية)).
(٣) (الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٢/٣) وليس فيه أنه رأى الجمهور، وذكر هذه المسألة في
(«المغني)) لابن قدامة (٢/ ٤٦٠) على أنه إن فعل ذلك بطلت صلاته .
(٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥١/٣).
(٥) بنحو هذا عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٣٧/٢ - ٣٣٨) عن ابن جريج، عنه.
٣٥٣

الحديث: ١٢١٧
أبواب العمل في الصلاة
وقد نقلَ يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، عن الشَّافعيِّ أنَّ المصلِّيَ يشمِّتُ
العاطسَ يقول له: يرحمُك اللهُ. وقال: هو دعاءٌ له؛ وقد دَعَا النبي وَل
في صلاته لقومٍ ودعا على آخرين.
وقياسُ هذا: أنَّه يُردُّ عليه السَّلَامَ لأنه دعاء له - أيضًا - ولا يُقَالُ:
الدعاءُ لمعيّن لا يكونُ على وجهة الخطاب له؛ فإنَّه قد وردَ ذلك على
وجه الخطابِ للمعينِ كما يقول المصلِّي في تشهده: السَّلامُ عليك أيُّها
النبيّ ورحمةُ الله وبركاتُه.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))، عن أبي الدرداءِ أنَّ النبيَّ بَّ قال في صلاتِه
للشَّيطان الذي تفلَّتَ عليه: ((أعوذُ بالله منك، ألعنُكَ بلعنة الله)) -
ثلاثا(١)
.
ومتى كان ردُّ السَّلامِ بدونِ لفظِ الخطابِ مثل أن يقولَ: عليه السَّلامُ،
أو يرحمه اللهُ، لم تبطلِ الصَّلاةُ به عند الشَّافعية وغيرهم(٢) كالدُّعاء لمعيّن
في الصَّلاةِ، وقد سبق ذكرُه والاختلافُ فيه، والصَّحيحُ الأولُ؛ لأنّ
النبيَّ بَّه امتنعَ من ردِّ السَّلامِ في الصَّلاةِ، وعلَّلَ بأنَّه يصلّي؛ فدلَّ
(٢٤٠ - أ/ ٢٥) على أنَّ الصَّلاةَ تَمنعُ من ذلك، وقد نهى معاويةَ ابنَ
الحكمٍ عن تسميتٍ (٣) العاطس وقال له: ((إنَّ صلاتَنا هذه لا يصلحُ فيها
(١) مسلم (٥٤٢).
(٢) الذي ذكره النووي في ((المجموع)) (١٠٤/٤): ((أنَّ مذهبنا لا يجوز أن يرد باللفظ في
الصلاة، وأنه لا يجب عليه الرد؛ لكن يستحب أن يرد في الحال إشارة، وإلا فبعد السلام
لفظًا» .
(٣) كذا في ((ك))) بالسين المهملة، وهي لغة عن يعقوب كما في ((اللسان)) وزاد: والشين أعلى
وأفشى في كلامهم.
٣٥٤

١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
الحديث: ١٢١٧
شيءٌ من كلامِ الآدميين))(١).
وأما السَّلَامُ على النَّبِيِّ بَّهِ: فمخصوصٌ من بين النَّاس؛ لأنَّ خطابَه
في الصَّلاة لم يكنْ مبطلا - كما سبق ذكره.
ومنها: أنَّ المصلَِّ لا يردُّ على المُسَلِّم في صلاته بالإشارة إلا بعد
سلامه؛ فإنَّه ليسَ في حديثِ ابنِ مسعودِ أنَّه ردَّ عليه بالكليةِ، ولا في
حديثِ جابرٍ أَنَّه ردَّ عليه بعد سلامِه إلا لما سلَّمَ عليه حينئذٍ .
وقد اختلف العلماءُ في ردِّ المصلِّي للسَّلامِ عليه:
فقالت طائفةٌ: يردُّ في الصَّلاةِ بالإشارةِ، رُوِيَ عن ابنِ عمرَ (٢)،
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ من وجهِ منقطع(٣). هو (٤) قولُ مالكِ، والحسنِ بنِ
حيٍّ، والشَّافِعِيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ(٥).
ورُوِيَ عن ابنِ عباسِ أنَّه ردَّ على من سلَّمَ عليه في صلاته وقبض
على يده (٦).
وعن أحمدَ أنَّه يردُّ بالإشارة في النَّفْلِ دونَ الفرضِ (٧)، وحُكِيَ عنه
(١) مسلم (٥٣٧) بلفظ: (( ... من كلام الناس)).
(٢) ((الموطأ)) (ص: ١٢٢)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٣٣٦/٢)، و((الأوسط)) لابن المنذر
(٢٥٢/٣).
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٣٨/٢) عن ابن جُريج قال: أُخبرت أن ابن مسعود، فذكره.
(٤) كذا في ((ك))، ولعل الأليق: ((وهو)) بإضافة الواو.
(٥) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٢/٣)، و((المدونة)) (٩٨/١) و((مسائل أبي داود)) (ص: ٣٧)،
و(«المغني)) (١٠٤/٤).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٣٧/٢)، و((الأوسط)) لابن المنذر.
(٧) ((مسائل ابن هانىء)) (٤٤/١)
٣٥٥

الحديث: ١٢١٧
أبواب العمل في الصلاة
روايةٌ أخرى: لا يردُّ في نفلٍ ولا فرضٍ بإشارةٍ ولا غيرِها. وهو قولُ أبي
حنيفةَ وأصحابِه(١) .
وعلى هذا فالسَّلامُ لا يجبُ رُّه بحالٍ؛ لأنَّه مكروهٌ - كما سيأتي
ذكرُه -، فلا يستحقُّ ردّاً.
وقال طائفةٌ: يردُّ إذا سلَّمَ من الصَّلاةِ. وهو قولُ عطاءِ، والنَّخعيِّ،
والثَّوريِّ. قال النخعيُّ: إن كانَ قريبًا فَرُدَّ، وإن كان قد ذهبَ فأتبعه
السَّلَامَ(٢).
ءِ
وقال إسحاقُ: هو مُخَيْرٌ بين أن يفعلَ به - كما قال النخعيّ - وبين أن
يردَّ في الصَّلاةِ بالإشارةِ .
وقال أصحابنا: هو مُخيّرٌ بينَ الردِّ بالإشارةِ في الصَّلاةِ والتأخيرِ حَتَّى
يسلّمَ، والأولُ أفضلُ. قالوا: لأنَّ للتَّأخيرِ آفات منها: النسيانُ، ومنها:
ذهابُ المسلِّمِ.
وظاهرُ هذا: أنَّه إن أَخَّرَ الرَدَّ حتى سلَّمَ وكان المسلِّمُ قد مضى لم يردَّ
عليه .
واستدلَّ مَنْ قال: ((لا يردّ بإشارة ولا غيرِها لا في الصَّلاة ولا
بعدها)) بحديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فإنَّ ظاهرَهَ أنَّه لم يردَّ عليه في الصَّلاة ولا
بعدَها .
واستدلَّ من قالَ: ((يؤخِّرُ الردّ) بما روى عاصمٌ، عن أبي وائلٍ، عن
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٣/٣) وقال في معرض رده على أبي حنيفة: ((فاستحبَّ
. خلاف ما سنَّه رسول الله مَخلة .. )) ا. هـ.
(٢) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٣/٣).
٣٥٦

١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
الحديث: ١٢١٧
ابنِ مسعودِ أنَّ النبيَّ وَزِ ردَّ عليه السَّلَامَ بعد السَّلامِ.
خرَّجه أحمدُ، وأبو داود(١). وعاصمٌ هو: ابنُ أبي النجود ليسَ بذاكَ
الحافظِ(٢).
وخرَّجه أبو يعلى الموصليُّ من وجهِ آخرَ منقطعٍ (٣).
وخرَّجَه عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ من وجهٍ آخرَ منقطعٍ - أيضًا(٤).
واستدلَّ من قالَ: ((يردُّ في صلاته بالإشارة)) بما روى محمدُ بنُ
الصََّتِ التُّوَِّيُّ(٥): ثنا عبدُ اللهِ بنُ رَجَاءٍ، عن هِشامٍ بنِ حَسَّانَ، عن
(١) ((المسند)) (٣٣٧/١، ٤٣٥، ٤٦٣)، وأبو داود (٩٢٤).
(٢) قال أبو زرعة: ((ثقة)). فقال ابن أبي حاتم: ((فذكرته لأبي فقال: ليس محله هذا أن يقال
هو ثقة، وقد تكلم فيه ابن عُليّة ((فقال: كأن كل من كان اسمه عاصمًا سيىء الحفظ)) كما
في ((الجرح والتعديل)) (٣٤١/٦)، وهو مترجم في (تهذيب الكمال)) (٤٧٣/١٣). هذا
وقد ذكره المصنف في ((شرح علل الترمذي)) (٨٧٥/٢) وقال ثقة إلا أن في حفظه
اضطرابًا، وذكره - أيضًا - (٧٨٨/٢) على أنه ضعيف في أبي وائل))، وانظر تعليقنا
(ص٢٨٩ - ٢٩٠) تحت الحديث رقم (١١٩٩).
(٣) ((مسند أبي يعلى)) (١١٩/٩) من طريق أبي الرضراض، عن ابن مسعود، به، وهو
منقطع؛ بينهما قيس بن ثعلبة كما نص على هذا على بن المديني في ((المسند)) له قائلا:
كنت أحسبه متصلا حتى رأيت أبا كُدَيْنَةَ رواه عن مطرف فأدخل بين الرضراض وبين ابن
مسعود رجلا يقال له قيس بن ثعلبة، وقيس هذا غير معروف)). انتهى نقلا عن الدار قطني
في ((العلل)) (٢٣٦/٥) وكذا تلميذه أبو عبد الله البخاري في كتابه الفذ ((التاريخ الكبير)»
(٣٤٠/٣ - ٣٤١) ورجحه الدار قطني في ((العلل)) وللشيخ المعلمي رحمه الله بحث ماتع
في تسمية أبي الرضراض انظره في ((التاريخ)) للبخاري. وراجع كتاب («بيان خطأ
البخاري)) (ص: ٣٤)، و((تاريخ بغداد)) (٣٨/١٢).
(٤) ((المصنف)) (٣٣٥/٢). (٥) في ((ك٢)): ((الثوري)) بمثلثة، بعدها واو، ثم راء مهملة،
وهو تصحيف، والتصويب من ((الأنساب)) (٤٩١/١)، و((تهذيب الكمال)) (٤٠٠/٢٥).
٣٥٧

الحديث: ١٢١٧
أبواب العمل في الصلاة
مُحمد بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن ابن مسعود قال: لما قدمتُ من
الحبشةِ أتيتُ النبيَّ بَّةِ وهو يصلِّي فسلَّمتُ عليه فأشارَ إليَّ.
خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه(١).
وقد أنكرَ ابنُ المدينيِّ وصلَه بذكرٍ أبي هريرةَ، وقال: إنَّما هو عن ابنٍ
٢٣١) (٢٤٠ - ب/ ك٢).
سيرينَ، أنَّ ابنَ مسعودٍ - يعني: أنه مرسل (٢)
وكذا رواه وكيعٌ في كتابِهِ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ قال: لما
وِ
قدمَ عبدُ الله من الحبشة أتى النبيّ وَّ وهو يصلِّ فسلم عليه فأومأً النبيّ
وَهُ فأشارَ برأسِهِ، بنحوِهِ. وقال فيه: فأوماً برأسه أو قال: فأشارَ
برأسه (٣).
وخرَّجه أبو داودَ في ((مراسيلِه)) من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ،
عن ابنِ سيرينَ (٤).
وخرَّجه عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ مرسلا
- أيضًا -؛ ولكن قالَ في حديثه: فلم يردَّ عليه حتى انفتلَ وقال: ((إنَّ فى
الصَّلاة لشغلا)»(٥) .
وخرَّجَ مسلمٌ من حديث أبي الزُّيرِ، عن جابرٍ قال: إنَّ النَِّيَّ :
صَاءالله
وسلم
(١) ((المعجم الكبير)) (١٢/١٠)، و((الأوسط)) (٥٩١٨)، و((الصغير)) (٨٢٩).
.(٢) وكذا رجح الإرسال فيه البزار في ((البحر الزخار)) (٢٦٩/٤)، والبيهقي في ((السنن
الكبرى)» (٢٦٠/٢).
(٣) ورواه عنه ابن أبى شيبة فى ((المصنف)) (٧٤/٢).
(٤) ((المراسيل)) (ص: ٩٨).
(٥) ((المصنف)) (٣٣٥/٢) وسقط من المطبوع ((مَعْمر)) بين عبد الرزاق وأيوب فينتبه لذلك.
٣٥٨

١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
الحديث: ١٢١٧
بعثني لحاجةٍ ثم أدركتُه وهو يسيرُ، وفي رواية له: فسلَّمتُ عليه فأشارَ
إليّ، فلما فرغَ دعاني فقالَ: ((إنَّك سلَّمتَ علىَّ آنفًا وأنا أصلِّي)) وهو
مُوَجِّهٌ حينئذٍ قِبَلَ المشرقِ(١).
ويحتملُ أنَّه إنما أشار إليه ليكفَّ عن كلامِه حينئذٍ، ولم يكن رَدّا
للسَّلامِ؛ ولهذا قال جابرٌ: فلم يردَّ عليَّ، وذكرَ أنَّه وَجَدَ في نفسه ما اللهُ
به عليمٌ، ولو علم أنَّه ردَّ عليه بالإشارةِ لم يجد في نفسِهِ .
وفي روايةٍ للنسائيّ(٢): سلمتُ عليه فأشارَ بيدِهِ، ثم سلَّمتُ فأشارَ
بيده فانصرفتُ فناداني: ((يا جابرُ) فأتيتُهُ فقلتُ: يا رسولَ الله إنِّي سلَّمتُ
عليك فلم تردَّ عليَّ، فقال: ((إِنِّي كنتُ أُصلِّي)) ولو كانت إشارتُهُ رَدا
لقال : قد رددتُ عليك.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: أرسلني رسولُ اللهِ ◌ِّه وهو منطلقٌ إلى بني
المصطلقِ، فأتيتُه وهو يُصلِّي على بعيرِه فقالَ لي بيدِه هكذا ثُمَّ كلَّمتُه فقال
لي هكذا وأنا أسمعه يقرأ(٣) يومىءُ برأسِهِ، فلما فرغَ قال: ((إنَّه لم يمنعْنِي
أن أكلِّمَك إلا أنِّي كنتُ أصلِّي)) (٤).
فهذه الروايةُ تدلُّ على أنَّ إيماءَه إليه إنَّما كان ليكفّ عن كلامه في
تلك الحال .
واستدلَّ من قال: ((يردُّ إشارةً)) بما روى نَابلٌ - صاحبُ الْعَبَاء -، عن
(١) مسلم (٣٦/٥٤٠).
(٢) النسائي (٦/٣).
(٣) في (ك)): ((أقرأ»، والصواب ما أثبتناه وهو الموافق لما في ((صحيح مسلم)) ثم إن السياق
يقتضي ما أثبتناه .
(٤) مسلم (٣٧/٥٤٠).
٣٥٩

الحديث: ١٢١٧
أبواب العمل في الصلاة
ابنِ عُمرَ، عن صُهَيب قال: مررتُ برسول الله وَّلَه وهو يصلِّي فسلمتُ
عليه فردَّ عليَّ إشارةً.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والترمذيُّ وحسنه(١).
وقالَ يعقوبُ بنُ شَيْبَةَ: هو صالحُ الإسنادِ. ونابلٌ قال ابنُ الَدينيِّ،
ويعقوبُ بنُ شيبةَ: هو مدينيٌّ، ليسَ بالمشهورِ(٢). وسُئِلَ الدارقطنيُّ: أثقةٌ
هو؟ فأشارَ برأسِهِ أن لا(٣).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه من روايةِ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ،
عن ابنِ عُمرَ، عن صُهَيْبٍ، عن النبيِّ ◌َّ معناه(٤).
وقد قيلَ: إنَّ زيدًا لم يسمعُه من ابنِ عمرَ، وقد سُئِلَ عن ذلك
فقال: أَمَّا أنا فقد كلمته وكلَّمني ولم أقلْ: (٢٤١ - أ/ ك٢) سمعته (٥).
وممَّنْ قال: ((لم يسمعْه من ابنِ عُمرَ)): ابنُ المدينيِّ، ويَعْقُوبُ بنُ
فرشة (٦)
شيبه
(١) ((المسند)) (٣٣٢/٤)، وأبو داود (٩٢٥)، والنسائي (٥/٣)، والترمذي (٣٦٧).
(٢) وكذا قال أبو عبد الرحمن النسائي كما في ((تحفة الأشراف)) (١٩٨/٤).
(٣) سؤالات البرقاني (رقم: ٥٠٨) بتحقيقنا، وزاد عند (رقم: ٦٢٨): ((وأيش له؟ إنما هو
هذا الحديث - يعني - عن ابن عُمر، عن صُهيب .. ثم قال البرقاني: قلت له: أيش له
غير ذلك؟ قال: حكاية أخرى)» ا. هـ.
(٤) («المسند)) (١٠/٢)، والنسائي (٥/٣)، وابن ماجه (١٠١٧).
(٥) ((مسند الحميدي)) (٧٩/١ - ٨٠) وزاد لفظة في آخره: ((ولم أقل سمعته منه)) مما يؤكد أنه
أرسله عن ابن عمر.
(٦) ذكر العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٧٨) أن ابن المديني قال: ((سُئل سفيان بن
عُيينة عن زيد بن أسلم، فقال: ما سمع من ابن عمر إلا حديثين)) ا. هـ.
=
٣٦٠