النص المفهرس

صفحات 281-300

١٤ - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل
الحديث: ١١٤٥
والزيادةُ عَلى ما وَرَدَ في النزولِ من ذكرِ الحَركةِ والانتقال وخَلُوَ
العَرشِ وعَدمِهِ كُلُّهُ بِدعةٌ، والخَوضُ فيهِ غَيْرُ مَحمودٍ.
قال أبو (١) داودَ الطيالسيُّ: كانَ سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ، وحمادُ بنُ
زيد، وحمادُ بنُ سلمةَ وشَريكٌ (٣٧/ز) وأَبو عَوانةَ لا يُجَسِّدُونَ وَلا
يُشَبِّهُونَ ولا يُمَثِّلُونَ الحديثَ، لا يَقولونَ: كَيفَ؟ وإذا سُئِلُوا أَجَابُوا
بالأثرِ .
2 (٢)
خَرَّجه البيهقيُّ (٢).
(١) فى (ز)): ((ابو!)) بزيادة ألف، خطأ.
(٢) إلى هنا ينتهي ما جاء بالنسخة ((ز).
٢٨١

أبواب العمل في الصلاة
١ - بَابُ(١) (٢)
اسْتْعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس (٣): يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِن جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ.
وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ فُلَنْسُوَتَهُ فِيَ الصَّلاةِ وَرَفَعَهَا.
وَوَضَعَ عَلَيَّ(٤) كَفَّهُ عَلَى رُسْغه (٥) الأَيْسَرَ إلا أَنْ يَحُكَّ جْدًا أَوْ
يُصْلِحَ ثَوْبًا.
شرعَ البخاريُّ من هاهنا في الكلامِ فيما يجوزُ من الأفعالِ في الصَّلاةِ
وما يُكرهُ فيها وما لا يجوزُ، وابتدأَ من ذلك باستعانةِ المصلِّي بيدِه في
صلاته فيما يحتاجُ إليه من أمرِ صلاتِه
(١) هنا ينتهي السقط الذي في (٢٥))، وقد كنا نبَّهنا عليه عند بدايته في نهاية كتاب الأذان
آخر شرح الحديث رقم (٨٧٣).
(٢) بداية ((كتاب العمل في الصلاة)) كما ذكر في طبعة ((الفتح)) لابن حجر وهذه العبارة ليست
عندنا في (٢٥))، وليست في ((اليونينية)) ولا ((إرشاد الساري)) ولم يتكلم عليها العيني في
((عمدة القاري)) فلعلها من تصرّف البعض.
هذا وقد بدأ في ((اليونينية)) هنا بالبسملة، وهي لست عندنا في ((ك))) - أيضا - ولم تذكر
البسملة في روايتي أبوي ذر والوقت وغيرهما كما نبّه عليه القسطلاني وغيره، ولفظة:
(باب)» هنا، جاءت في نسخة الصغاني ((أبواب)) بالجمع كما ذكر هذا الحافظ ابن حجر في
((الفتح)) والقسطلاني وغيرهما.
(٤) زاد فى ((اليونينية)): ((رضى الله عنه)).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)).
(٥) في ((اليونينية)): ((رصغه)) بالصاد، وهما بمعنى واحد، إلا أنَّ القسطلاني قال: ((بالسين
أفصح من الصاد».
٢٨٢

١ - باب استعانة اليد في الصلاة
وحَكَى عن ابنِ عبَّاس قال: يستعينُ الرجلُ في صلاته من جسده بما
شاء، وعن أبي إسحاقَ أَنَّه وضعَ فَلَنسوتَه في صلاتِه ورفعها، والظَّاهرُ
أنَّ هذا كان لحاجة وإلا لكان عبثًا، وهو مكروهٌ، وعن عليٍّ بنِ أبي
طالبِ أنَّه وضعَ كفَّه على رسغه الأيسر إلا أن يَحُكَّ جسدًا ويصلح ثوبًا .
روى وكيعٌ في كتابِهِ، عن عبدِ السلامِ بنِ شَدَّادِ الْجُرَيْريّ(١)، عن
غَزْوَان بنِ جَرِيرِ الضَّبِّيِّ، عن أبيه قال: كان عليّ إذا قامَ في الصّلاةِ وضعَ
يمِينَه على رسغه، فلا يزالُ كذلك حتَّى يركعَ متى ما ركعَ إلا أن يصلحَ
ثوبَه أو يحكَّ جسدَه(٢).
ورَوَى بإسناده، عن إبراهيمَ أنَّه كَرِهَ أن يحدثَ الرجلُ في الصَّلاة شيئًا
حتى زرّ القميص. قال: وكان إبراهيمُ لا يرى بأسًا إذا استرخى إزاره في
الصَّلاة أن يرفعه(٣).
وروى عبدُ الرزاقِ في كتابه، عن الثَّوريِّ، عن مَنْصورٍ، عن مُجَاهِدِ
(١) في ((ك)): ((الحريري)) عارية عن الإعجام.
هذا وقد ذكره الإمام مسلم في ((الكنى)) (ق/٥٩) وقال: أبو طالوت عبد السلام بن شدَّاد
الْجُدَيدي)) ا. هـ. كذا بالدال المهملة بعد الجيم، ودال مهملة بعد ياء، وكذا ترجمه أبو
أحمد الحاكم في «الكنى)) (ق/٢٥٦ - ب) - أيضًا -، والذي أثبتناه موافق لما ذكره البخاري
في ((التاريخ)) (٦٤/٦) وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٤٥/٦)، وكذا ذكره
العلامة المعلمي في تعليقه على ((الإكمال)) للأمير ابن ماكولا (٢٠٨/٢) من أنه وُجد في
هامش إحدى نُسخ ((الإكمال)).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) من طريق وكيع (٥١٩/٢ - ٥٢٠)، ورواه أيضًا -
مختصراً جدّاً (٣٠٥/١)، وهو مختصر - أيضًا - عند أبي داود في ((السنن)) (٧٥٧) وكذا
البخاري في ((التاريخ)) (٢١١/٢)، والمزي في ((التهذيب)) (٩٩/٢٣).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٥١٩/٢).
٢٨٣

أبواب العمل في الصلاة
قال: كان يقالُ في مسحِ اللحيةِ في الصَّلاةِ: واحدة أو دَعْ(١).
وعن هُشَيْمٍ: أخبرني حُصَيْنٌّ، عن عبدِ الملكِ بنِ سعيدٍ قالَ: قد كان
النبيُّ بَّه إذا صلَّى وضعَ يدَه اليمنى على يدِهِ اليسرى، وكان ربَّما يضعُ
يده على لحيته في الصَّلاةِ(٢).
وخرَّجَه أبو داود في ((مراسيله)) من روايةٍ شُعبةَ، عن حُصَيْنٍ، عن
عبدِ الملكِ ابنِ أخي عَمرو بنِ حُرَّيَّثٍ، عن النبيِّ ◌َِّ(٣).
وذكرَ عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ: سألتُ عطاءً عن الاحتكاك فى
الصَّلاة والارتداء والاتزارِ قال: كل ذلك لا نفعله في الصَّلاة(٤).
وهذا محمولٌ على أنَّه لم يكنْ له حاجةٌ إليه.
والمرويّ عن عليٍّ محمولُ(٥) أنَّه كان يفعلُه للحاجة إليه.
وقال سُفيانُ الثَّورِيُّ: يُكْرَهُ أن يلبسَ النَّعلَ أو الرداءَ وأن يضعَ
القلنسوةَ على رأسِه وينزع خفيهِ أو نعليهِ إلا لشيءٍ يؤذيه ولا بأسَ أن
يَحُكَّ شيئًا من جسدِه إذا أذاه ذلك.
وعند أصحابنا كلُّ عَملِ يَسيرِ يعرضُ في الصَّلاةِ لحاجة فلا يكره،
واستدلُّوا بما خرَّجه مسلمٌ رحمه الله من (٢٢٧ - أ/ ك٢) حديثٍ وائلِ بنِ
حجرٍ أَنَّه رأى النبيَّ وَّهِ رَفعَ يديه حينَ دخلَ في الصَّلاةِ: كَبَّرَ ثم التحفَ
ے
(١) ((المصنف)) (٢٦٨/٢) وفيه زيادة: قال: سألت مجاهدًا عن طين المطر يصيب الثوب،
قال: حُته إذا ییس.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٦٨/٢).
(٣) ((مراسيل أبي داود)) (ص: ٩٨).
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٦٣/٢)، وفيه: ((لا تفعله)) بالمثناة الفوقية.
(٥) كذا في ((٢٥)»، ولعل الأليق أن يضاف للسياق لفظ: ((على)).
٢٨٤

١ - باب استعانة اليد في الصلاة
الحديث: ١١٩٨
بثوبِهِ، ثم وضعَ يدَه اليمنى على يده اليسرى، فلما أرادَ أن يركعَ أخرج
يديه من الثّوبِ ثم رفعهما: كبرَ فركعَ، وذكر الحديث(١).
ومذهبُ الشَّافعيِّ نحوه - أيضًا.
وروى حَرْبٌ، عن أحمدَ في الرجلِ يسقطُ رِداؤه عن ظهرِه في
الصَّلاة فيحمله قال: أرجو أن لا يَضيقَ ذلكَ.
وروى حَرْبٌ: بإسنادِهِ، عن أبي جَعْفَرٍ، والشَّعَبيِّ قالا: لا بأسَ أن
يسوِّيَ الرجلُ رداءَه في الصَّلاةِ.
وقال حربٌ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يصلِّي فَتَحْتَكُّ ساقُهُ فيحكُّهُ
فكأنَّه كرهه. قلت: يحكَّه بقدمه؟ قال: هو بالقدم أسهل، وكأنَّه رخَّصَ
فيه .
ومن متأخِّري أصحابنا من قال: الحكَّ الذي لا يَصْبر عنه المصلِّي لا
تبطل صلاته وإن كثرَ .
خرَّجَ في هذا البابِ حديثَ:
١١٩٨ - مالك(٢)، عن مَخْرِمَةَ، عن كُرَيْب(٣)، عن ابن عبّاس(٤) قال:
بتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةً.
(١) مسلم (٤٠١)، وفي ((مسائل أبي داود)) (ص: ٣٣) قال: قلت لأحمد: الرجل يزر عليه؟
قال: أرجو. قال: أو يأخذ قلنسوته في الصلاة؟ قال: أرجو. قال: عاودته فيه فقال:
كان النبي بِّخل يصلي وهو حامل أمامة، وفتح لعائشة الباب، أي: لا بأس به)) ا. هـ.
وانظر ((المغني)) (٩٤/٣).
(٢) في ((اليونينية)): ((حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك))، فاختصره المصنف هنا.
(٣) في ((اليونينية)) زيادة: «مولى ابن عباس أنه أخبره)).
(٤) في ((اليونينية)) بزيادة: ((عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين
رضي الله عنها وهي خالته)).
٢٨٥

الحديث: ١١٩٨
أبواب العمل في الصلاة
فذكر الحديثَ في صلاةِ النبيَِّّهِ بِالليلِ وصلاةِ ابنِ عباسٍ معه وفيه:
فَقُمْتُ إِلَى جَنِبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِنَِّ يَدَه الْيُّمْنَى عَلَى رَأسِي وَأَخَذَ
بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ فَصَلَّى.
وذكر الحديث وقد سبقَ بتمامه في غير موضع(١).
وخرَّجه مسلمٌ - أيضًا(٢) -، وخِرَّجَه من طريقِ الضَّحاكِ بنِ عثمانَ،
عن مخرمةً(٣). وفي رواية: فقمتُ إلى جنبه الأيسَرَ فأخذَ بيديَّ فجعلني
في شقّه الأيمن، فجعل إذا أغفيتُ أخذَ بشحَمةِ أذني .
فتبيَّنَ بهذه الروايةِ أنَّ أخذَ النبيِّ وََّ بأذنِ ابنِ عباسٍ في الصَّلاةِ إِنَّمَا
كانَ عند نعاسِه إيقاظًا له.
وكذلك خرجه أبو داودَ، والنسائيّ من روايةٍ سعيد بن أبي هلال،
عن مخرمةَ، وفي حديثه: فقمتُ إلى جنبه عِن يسَارِهِ، فَجعلني عن يمينه
ووضعَ يدَه على رأسي وجعل يمسحُ أذني كأنَّه يوقظُنَي(٤).
فهاتان الروايتان فيهما دلالةٌ علي أنَّه إنَّما أخذَ بأذنه بعد أن أدارَه عن
يمينه .
وفيه ردٌّ على من زعمَ أنَّ أخذَه بأذنه وفتلها إنما كان ليديرَه عن شماله
إلى يمينِه - كما قاله ابنُ عبد البرِّ، قالَ: وهذا المعنى لم يقمْه مالكٌ فَي
حديثه، وقد ذكره أكثرُ الرواةَ، قال: وقيل: إنَّما فتلَ أذنَه ليذكرَ ذلك ولا
ينسا(5). وقيل: لَيَذْهَبَ نومه (٦). انتهى.
وروايةُ الضَّحاك مُصرحةٌ بهذا المعنى الأخير، وروايةُ سعيدِ بنِ أبي
هلال تدلُّ عليه - أيضًا .
(١) (فتح: ١١٧) وأطرافه هناك.
(٢) مسلم (٧٦٣/ ١٨٢).
(٣) مسلم (١٨٥/٧٦٣).
(٤) أبو داود (١٣٦٤)، و((الكبرى)) للنسائى (٤٢٢/١).
(٥) كذا في (٢٥))، ولعل الأليق: ((ينساه))، أو: (ينسى)).
(٦) «التمهيد)) (٢١٢/١٣)، والمصنف ساقه بسياق أتمَّ مما في ((التمهيد)).
٢٨٦

الحديث: ١١٩٩
٢ - بَابُ (٢٢٧ - ب/ ك٢)
مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْكَلامِ فِي الصَّلاةِ
فيه حديثان :
الأول :
١١٩٩ - ثَنَا ابْنُ نُمَيْر: ثَنَا ابْنُ فُضَيْل: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْد الله (١) قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَّى النَّبِي ◌ِِّ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ
عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعَّنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَّيْنَا، وَقَالَّ: ((إنَّ
فِي الصَّلاة ◌َشُغْلا)).
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ السَّلُولِيُّ: ثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ (١)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ
نَحْوَهُ(٢) .
وخرّجه - أيضًا - في مواضعَ أخر من روايةٍ أبي عَوَانَةَ، عن الأعمش
نحوه (٣)، ورواه - أيضًا - أبو بدر شجاع بنُ الوليد، عن الأعمشِ بهذا
الإسناد(٤).
(١) في ((اليونينية)) بزيادة: ((رضي الله عنه)).
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) (٧٣/٣): ((ولم أقف على سياق لفظ هُريم إلا عند الجَوْزَقِي فإنه
ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزهري عنه ولم أر بينهما مغايرة إلا أنه قال: ((قدمنا)»
بدل ((رجعنا))، وزاد: ((فقيل له: يا رسول الله)) والباقي سواء)» ا. هـ.
(٣) (فتح: ٣٨٧٥)، و ((البحر الزخار)» (٣٢١/٤).
(٤) ((البحر الزخار)) (٣٢١/٤) و((الكبرى)) للبيهقي (٢٤٨/٢).
٢٨٧

الحديث: ١١٩٩
أبواب العمل في الصلاة
وإنَّما احتيجَ إلى ذكرِ هذه المتابعاتِ عن الأعمش؛ لأنَّ الثوريَّ وشعبةً
وزائدةً وجريرًاً وأبا معاويةً وحفصَ بنَ غياثِ رَوَوْهُ عن الأعمشِ، عن
إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، لم يذكروا فيه علقمةَ فيصير منقطعًا، وقد رجْحَ
انقطاعَه كثيرٌ من الحفاظ (١) أبو حاتم الرازيّ، وقال في روايةِ ابنِ فضيلٍ
الموصولة: إنَّها خطأ(٢).
وقال الحافظُ أبو الفضل بن عمار الشهيد: الذين أرسلوه أثبتُ ممن
وصله.
قال: ورواه الْحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ - أيضًا -، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ
مرسلا - أيضًا - إلا ما رواه أبو خَالد الأَحْمرُ، عن شُعْبَةَ، عن الحكمِ
موصولا، فإنَّه وهم فيه أبو خالد. انتهى(٣) .
(١) كذا في ((ك)) ويشبه أن تكون لفظة: ((منهم)) سقطت من السياق.
(٢) (علل الرازي)) (١٠١/١) ونصُّ أبي حاتم: ((هذا خطأ، إنما يرويه الأعمش، عن
إبراهيم، عن عبدِ الله، عن النبي بَّل مرسلا لا يقول فيه علقمة)) ا. هـ.
(٣) ((علل أحاديث في كتاب الصحيح لمسلم)) (ص: ٨٤ - ٨٥) وحديث أبي خالد الأحْمَر
ذكره الدارقطني في ((الأفراد)) وقال: ((تفرد به: أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم،
عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود» ا. هـ.
وانظره في ((أطراف الغرائب)) (٣٨٠٠ - بتحقيقنا) وساقه البزار في ((مسنده)) (٣٠٧/٤)
وأشار إلى أن أبا خالد قد تفرد به، وهذا مضاف إلى قول أبي الفضل ابن الشهيد في تفرد
أبي خالد به .
ولقد أساء محقق ((كتابه)) التصرف معه إذ قال: ((لا؛ إذ أنه توبع على إثبات علقمة)).
وليس الأمر كما ظن، حيث أنه اعتمد على ((تحفة الأشراف)) ولم يرجع إلى ((السنن
الكبرى)) - المطبوع - (١٩٤/١) ونسخته الخطية (ق/ ٧ - أ) التي عزا إليها المزي، ولو رجع
لوجد النسائي بعد أن ساقَ رواية أبي خالد بإثبات ((علقمة)) بين إبراهيم وابن مسعود،
قال: ((خالفه بشر بن المفضل)) وساق الإسناد وليس فيه ذكر علقمة، ثم إننا إذا وجدنا
نصّا عن إمام حافظ بتفرد راوٍ مثلا، فإن لم نستفدها فلا أقل من أن نتأنى في الرد عليه،
فكيف إذا كانوا أكثر من إمام؟ !.
٢٨٨

٢ - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
الحديث: ١١٩٩
وتصرُّفُ البخاريِّ يدلُّ على خلافِ ذلك، وأنَّ وصلَه صحيحٌ،
وكذلك مسلمٌ في ((صحيحِه)) فإنَّه خرجه من طريقِ ابنِ فضيلٍ، وهريم
٩
ابنِ سفيانَ موصولا (١) - كما خرجه البخاريّ - وله عن ابن مسعودٍ طرق
أخرى متعددة ذكرتُها مستوفاةً في ((شرح الترمذي)) .
وقال البخاريّ في أواخرِ ((صحيحه)): وقال ابنُ مسعودٍ، عن النبيُّ
وَه : ((إنَّ اللهَ يحدثُ من أمره ما يشاء؛ وإنَّ مَمَّا أحدثَ أن لا تكلموا في
الصَّلاةِ)(٢).
وهذا الحديثُ المشارُ إليه خرَّجه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيّ من روايةِ ابنِ
عُيينةَ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ قال: كنَّا نسلمُ على
النبيِّ ◌َهُ فِيرد(٣) علينا السَّلَامَ حتَّى قدمنا من أرضِ الحبشةِ فسلمتُ عليه
فلم يرد عليَّ فأخذني ما قَرُّبَ وَمَا بَعُدَ فجلستُ حتَّى إذا قضى الصَّلاةَ
قال: ((إنَّ اللهَ يُحْدثُ))، فذكره (٤) (٢٢٨ - أ/ ك٢).
ورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيانَ، عنه، عن عاصمٍ، عن
زِرِّ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، وزعم الطبراني أنه المحفوظ(٥).
(١) مسلم (٥٣٨).
(٢) ((فتح)) (٤٩٦/١٣).
(٣) في ((ك٢)»: أشبه بـ: ((فيرده))، والمثبت موافق لما في رواية النسائي.
(٤) («المسند)) (٣٧٧/١، ٤٠٩)، والنسائي (٣ /١٩).
(٥) هذا لفظ الطبراني في ((الصغير)) (٥١٨)، والذي عند الحُميدي في ((مسنده)) (١ /٥٢) أنه
من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وكذا ساقه ابن المنذر في ((الأوسط))
(٢٢٩/٣)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٥٣/١) من طريق الحميدي، عن سفيان، ولم
نجد من ذكره من طريق ذرّ، عن ابن مسعود، فالله أعلم، وحديث عاصم قال فيه البيهقي
في ((المعرفة)) (٢٩٧/٣): ((قد رواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله
الفقهاء بينهم، إلا أنَّ صاحبي ((الصحيح)) يتوقيان رواية عاصم لسوء حفظه)) ا. هـ.
٢٨٩

الحديث: ١١٩٩
أبواب العمل في الصلاة
قلتُ: عَاصمٌ هو ابنُ أبي النجود كان يضطربُ في حديثِ زرٍّ وأبي
وائلٍ؛ فروى الحديثَ تارةً عن زرٍّ وتارةً عن أبي وائل(١).
قال الطبرانيُّ: ورواه عبدُ الغَفَّار بنُ دَاودَ الْحَرَّاني، عن ابنِ عُينةَ،
عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله.
قال: فإن كان حفظَه فهو غريب(٢).
قلتُ: ليسَ هو بمحفوظ؛ إنَّما المحفوظُ روايةُ سفيانَ، عن عاصم -
كما تقدم.
وخرَّجَ النسائيُّ - أيضًا - من طريقِ سُفيانَ، عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ، عن
كُلُّثُوم، عن ابنِ مسعودٍ قال: كنتُ آتِي النبيَّ ◌َله وهو يصلِّي فأسلِّمُ عليه
فيردُّ عليَّ، فأتيتُهُ فسلَّمَتُ عليه وهو يصلِّي فلم يردَّ عليَّ، فلما سلَّمَ أشار
إلى القومِ فقال: ((إنَّ اللهَ عز وجل - يعني - أحدثَ في الصَّلاة: أن لا
تكلموا إلا بذكرِ اللهِ، وما ينبغي لكم وأن تقومُوا لله قانتين))(٣).
وكُلْتُوم هو ابنُ المُصْطَلَقِ الْخُزَاعِيُّ، يقال: له صحبةٌ، وذكره ابنُ
(١) قال العجلي في ((ثقاته)) (٦/٢): ((ثقة في الحديث ولكن ((يختلف عنه في حديث زرٍّ
وأبي وائل))، وذكره المصنف في ((شرح علل الترمذي)) (٧٨٨/٢) تحت باب ((قوم ثقات
في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف ... ))، ونقل قول حماد بن سلمة
قال: ((كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زِرٌ وبالعشي عن أبي وائل)).
(٢) ((المعجم الصغير)) (٥١٨).
(٣) النسائي (١٨/٣ - ١٩)، هذا وللفائدة قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (١٣٢٧/٣) في
ترجمة كلثوم: ((أحاديثه مرسلة، لا تصح له صحبة)) .
٢٩٠

٢ - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
الحديث: ١٢٠٠
حبان في كتابِه من التَّابعين(١).
وقولُه ((إنَّ اللهَ أحدثَ أن لا تَكلَّموا فى الصَّلاة)) إشارةٌ إلى أنَّه شرعَ
ذلك بعد أن لم يكن شَرَّعَه، ومَنَعَهُ بعد أن لم يكنْ قد مَنَعَه .
الحديثُ الثَّاني :
١٢٠٠ - ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: ثَنَا (٢) عِيسَى - هُوَ : ابْنُ يُونُسَ -:
ثَا (٣) إِسْمَاعِيلُ - هُوَ: أَبْنُ أَبِي خَالد(٤) -، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي
عَمْروَ الشََّانِيِّ قَالَ: قَالَ لِي زَيّدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنَّ كُنَّا لَنَتَكَّلَّمُ فِي الصَّلاةِ عَلَّى
عَهْدَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَيُكَلِّمُ(٥) أَحَدُنَا صَاحِبَهُ لِحَاجَتَه(٦) حَتَّى نَزَلَتْ
﴿حَافظُوا عَلَىَ الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [ البقرةَ: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا
بِالسُّكَوتِ.
وخرَّجَه مسلمٌ وزاد فيه: ((ونُهينا عن الكلامِ)) وليسَ عنده ذكرُ عهد
ے
النبيِّ وَلَّ(٧).
وستِّلم
(١) ((الثقات)) لابن حبان (٣٣٥/٥)، وصنيع البخاري في ((تاريخه)) (٢٢٦/٧)، وأبي حاتم
في ((الجرح والتعديل)) (١٦٣/٧) يقتضي نفي الصحبة عنه، وبهذا جزم ابن عبد البر في
(الاستيعاب)) (١٣٢٧/٣) والحافظ فى ((الإصابة)) (٦١٩/٥)، وقال المزي فى ((التهذيب))
(٢٠٥/٢٤): (يقال له صحبة)) وقال فى ((التحفة)) (٣٢٦/٨): ((مختلف فى صحبته))
ا. هـ، ونفى الحافظ العلائي في ((جامع التحصيل)) أن تكون له صحبة بقوله: ((يقال له
صحبة، ولا يصح)) (ص: ٢٦٠)
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٣) في ((اليونينية)): ((عن)).
(٤) ((هو ابن أبي خالد)) ليست في ((اليونينية)).
(٥) في ((اليونينية)): ((يكلم)) بدون حرف الفاء.
(٦) في ((اليونينية)): ((بحاجته)) أولها باء.
(٧) مسلم (٥٣٩).
٢٩١

الحديث: ١٢٠٠
أبواب العمل في الصلاة
وخرَّجه النسائيُّ، وعنده: ((فأُمرنا حينئذٍ بالسُّكُوتِ)»(١).
وخرَّجه التِّرمذيُّ، ولفظُه: ((كنَّ نتكلّمُ خلفَ رسولِ اللهِ بَّل في
الصَّلاةِ فيكلِّمُ الرجلُ منَّا صاحبَه إلى جنبه حتَّى نزلت ﴿وَقُومُوا للهِ
فَانتينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قَالَ: فَأُمِرْنَا بالسُّكوت ونُهِينَاً عن الكلامِ))(٢).
وهذه الروايةُ صريحةٌ برفعٍ آخره.
واختلفَ النَّاسُ في تحريمِ الكلامِ في الصَّلاةِ هل كان بمكةَ أو بالمدينة؟
فقالت طائفةٌ: كان بمكةً، واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدم(٣) وأنَّ
النبيِّ وَلِّ امتنعَ (٢٢٨ - ب/ ك٢) من الكلام وعند(٤) قدومهم عليه من
الحبشة؛ وإنَّما قدم ابنُ مسعودٍ عليه من الحبشةِ إلى مكةَ ثم هاجرَ إلى
المدينة. كذا ذكره ابنُ إسحاقَ وغيرُه(٥) .
ويُعَضِّدُ هذا: أنَّه رُويَ أنَّ امتناعَهم من الكلامِ كان بنزولِ قوله
﴿وإذا(٦) قُرِىءَ القرآنُ فاستمعوا له وأنصِتُوا لعلَّكم تُرْحَمونَ﴾ [الأعراف:
٢٠٤] وهذه الآيةُ مكيةٌ.
فروى أبو بكرِ بنُ عَيَّاش، عن عَاصمٍ، عن المُسَيِّبِ بنِ رَافِعٍ قال: قال
(١) ((الكبرى)) للنسائي (٣٠٤/٦).
(٢) ((جامع الترمذي)) (٤٠٥) وقال: ((حسن صحيح)).
(٣) (١١٩٩).
(٤) كذا في ((٢٥))، ولعل حرف الواو زائدٌ.
(٥) قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٩٢/٣) عند قوله ((فأمرنا بالسكوت)): ((على أن المراد
جنس الصحابة، فإن زيدًا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة، فتعين
الحمل على ما تقدم، وأما ذكره الآية - وهي مدنية - فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة
لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها، والله أعلم)). ا. هـ.
(٦) في ((ك٢): ((فإذا))، والمثبت موافق لرسم المصحف.
٢٩٢

٢ - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
الحديث: ١٢٠٠
ابنُ مسعودٍ: كنا يسلِّمُ بعضُنا على بعضِ في الصَّلاةِ فجاء القرآنُ ﴿وإذا
قُرِىءَ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
خرَّجَهَ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ(١) .
وهذا الإسنادُ منقطعٌ؛ فإنَّ الْمُسَيِّبَ لم يلقَ ابنَ مسعود(٢).
وروى الهَجَرِيُّ، عن أَبِي عَيَاضٍ ، عن أبي هريرةَ قال: كانوا
يتكلَّمونَ في الصَّلاة، فلما نزلتْ هذه الآيةُ ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرآنُ﴾
[الأعراف: ٢٠٤]، والآيةُ الأخرى. قال: فَأُمِرْنَا بالإنصاتِ.
وخرَّجه بَقِيُّ بنُ مَخْلدٍ في ((مسنده)، وخرَّجه غيرُه(٣)، وعنده: ((أو
الآية الأخرى)) - بالشكِّ.
والْهَجَرِيُّ ليس بالقويّ(٤).
ولكن يُشكلُ على أهلِ هذه المقالةِ حديثُ زيدِ بنِ أَرْقَمَ الذي خرَّجه
البخاريُّ هاهنا؛ فإنَّ زيدًا أنصاريٌّ لم يُصلِّ خلفَ النبيِّ وَِّ بمكةَ، إنما
صلَّى خلفَه بالمدينة، وقد أخبرَ أنَّهم كانوا يتكلمونَ حتَّى نزلتْ ﴿وَقُومُوا
(١) (تفسير ابن جرير)) (٩/ ١١٠)، و((تفسير ابن كثير)) (٥٤١/٣) وعزاه لابن جرير، وذكره
ابن كثير في ((تفسيره)) - أيضًا - (٤٣٥/١) وعزاه لأبي يعلى من طريق آخر عن المسيِّب
به .
(٢) نص عليه الإمام أحمد في ((رواية عبد الله)) (٢٤٢٤)، ونص عليه - أيضًا - أبو حاتم وأبو
زرعة الرازيان - كما في ((المراسيل)) (ص: ٢٠٧)، وغيرهم.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٧٨/٢).
(٤) الهجري هو: إبراهيم بن مسلم العَبْدي، قال ابن معين في رواية الدوري (٢٧٧/٣):
(ليس بشيء)) وهو مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٢٠٣/٢).
٢٩٣

الحديث: ١٢٠٠
أبواب العمل في الصلاة
لله قَانتينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وهي مدنيةٌ بالاتفاق(١).
وأجابَ أبو حاتمٍ بنُ حِبَّان - وهو ممن يقولُ: إنَّه يحرم الكلام كانَ
بمكةً(٢)، وأجيبَ عن هذا بجوابين:
أحدُهما: أنَّ زيدَ بنَ أرقمَ حكى حالَ الأنصارِ وصلاتَهم بالمدينةِ قبل
هجرة النبيِّ وَّ إليهم وأنهم كانوا يتكلمون - حينئذٍ - في الصَّلاةِ؛ فإنَّ
الكلامَ حينئذ كان مباحًا، وكان النبيُّ بِّهِ إذ ذاكَ بمكةَ، فحكى زيدٌ
صلاتَهم تلك الأيام، لا أنَّ نسخَ الكلامِ كان بالمدينةِ (٣).
قلت: هذا ضعيفٌ لوجهين:
حَله في
تصاالله
أحدُهما: أنَّ في رواية الترمذيِّ: ((كنَّا نتكلم خلفَ النبيِّ
الصلاة)) (٤) فدلَّ على أنَّه حكى حالَهم في صلاتهم خلفَ النبيِّ وَّهِ بعد
هجرتِه إلى المدينةِ .
والثَّاني: أَنَّه يَذْكُرُ أَنَّهم لم يُنْهَوا عن الكلامِ حتَّى نزلتِ الآيَةُ، وهي
إنَّما نزلتْ بعد الهجرةِ بالاتفاقِ، فعلم أنَّ كلامَهم استمرَّ في الصَّلاةِ
بالمدينة حتَّى نزلتْ هذه الآية .
ثم قال ابنُ حبان(٣):
والجوابُ الثَّاني: أنَّ زيدًا حكى حالَ الصَّحابة مطلقًا من المهاجرين
(١) ((تفسير ابن كثير)) (٤٣٥/١) وقال: ((مدنية بلا خلاف)).
(٢) كذا في ((٢٥)»، ولعل الأليق: ((أن تحريم الكلام ... )).
(٣) ((الإحسان)) (١٩/٦ -٢١).
(٤) ((جامع الترمذي)) (٤٠٥).
٢٩٤

٢ - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
الحديث: ١٢٠٠
وغيرِهم ممن كان يصلِّي مع النبيِّ وَّةَ(١) (٢٢٩ - أ/ ك٢) الصلاة ولم يُرد
الأنصار (٢) ولا أهلَ المدينة بخصوصهم كما يقول القائلُ: فعلنا كذا؛
وإنَّما فعله بعضُهم.
قلت: وهذا يردّه قولُه: ((حتَّى نزلت الآيةُ)) فإنَّه يصرِّحُ بأنَّ كلامَهم
استمرَّ إلى حينِ نزولها، وهو إنما نزلتْ بالمدينة .
وأجابَ غيرُ ابنِ حبان بجوابين آخرين:
أحدُهما: أنَّه يحتملُ أنَّه كان نهى عن الكلامِ متقدمًا، ثم أذنَ فيه،
ثم نهى عنه لَّا نزلت الآية .
والثّاني: أنَّه يحتملُ أن يكون زيدُ بنُ أرقم، ومن كان يتكلمُ في
الصَّلاةِ لم يبلغهم نهيُ النبيِّ ◌ِِّ، فلما نزلت الآية انتهوا.
وكلا الجوابين فيه بعدٌ، وإنَّما انتهوا عند نزول الآية بأمر النبي
بالسُّكُوتِ ونهيه عن الكلامِ كما تقدَّمَ(٣).
صَلَى الله
وسلم
وقال طائفةٌ أخرى: إنَّما حرم الكلامُ في الصَّلاةِ بالمدينةِ لظاهرِ
حديث زيدِ بنِ أرقمَ، ومنعوا أن يكونَ ابنُ مسعودٍ رجعَ من الحبشةِ إلى
مكةَ وقالوا: إنَّما رجعَ من الحبشةِ إلى المدينةِ قُبيل بدر، واستدلوا بما
(١) في آخر (ق/ ٢٢٨ - ب) كتب في الهامش: ((قبل تحريم في الصلاة)) ولم يضع لها لحقا
ضمن السياق، ولا نعلم لها مكانا في الصفحة يصلح لها .
(٢) في (٢٥)): ((الأنصاري))، والياء زائدة لا معنى لها، والتصويب من ((الإحسان))، والسياق
يقتضي ما أثبتنا .
(٣) وانظر ((تفسير ابن كثير)) (٤٣٥/١) ذكر وجهين آخرين.
٢٩٥

الحديث: ١٢٠٠
أبواب العمل في الصلاة
خرَّجه أبو داودَ الطيالسيُّ في ((مسنده)) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةِ(١)،
عن ابن مسعودٍ قال: بعثنا النبيُّ وََّ إلى النجاشيِّ ونحن ثمانون رجلا
معنا جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فذكر الحديث في دخولهم على النجاشيِّ وفي
آخره: فجاء ابن مسعود فبادر فشهدَ بدرًا(٢) .
وروى آدمُ بنُ أَبِي إِيَاسٍ في ((تفسيره): حدَّثْنا أبو مِعْشَرٍ، عن محمدٍ
ابنِ كعبٍ قال: قدم النبيُّ نَّهِ المدينةَ والناس يتكلمونَ بحوائجِهم في
الصّلاة كما يتكلم أهلُ الكتاب، فأنزلَ اللهُ ﴿وقُوموا لله قَانتين﴾ [البقرة:
٢٣٨]، فسكتَ القومُ عن الكلامِ.
وهذا مرسلٌ؛ وأبو مِعْشرٍ (٣) هو نَجِيْحٌ السِّنْدي، يتكلموا فيه(٤).
وقد اتفقَ العلماءُ على أنَّ الصَّلاةَ تبطلُ بكلامِ الآدميين فيها عمداً
لغير مصلحة الصَّلاةِ(٥)، واختلفوا في كلام النَّاسي والجاهلِ والعامد
لمصلحة الصَّلاة(٦).
فأما كلامُ الجاهلِ فيأتي ذكرُه قريبًا.
وأما كلام (٢٢٩ - ب/ ٢٥) النَّاسي والعامد لمصلحة فيأتي ذكرُه في
((أبواب سجود السهو)) قريبا إن شاء اللهُ تعالى.
(١) في ((ك٢)): ((عقبة)) وهي تصحيف، والتصويب من ((مسند الطيالسي))، وكتب التراجم.
(٢) ((مسند الطيالسي)) (ص: ٤٦).
(٣) في ((ك٢)) ((أبو معسر)) ووضع علامة الإهمال على السين، وهو تصحيف، تصويبه من
كتب التراجم .
(٤) كذا في (٢٥))، ولعل الأليق: ((يتكلمون فيه، هذا وقد قال فيه البخاري في ((التاريخ))
(١١٤/٨): ((منكر الحديث)). وهو مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٣٢٢/٢٩).
(٥) قال ابن المنذر في ((الإجماع)) (ص: ٢٥)، و((الأوسط)) (٢٣٤/٣): ((وأجمعوا على أن
من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة)) ا. هـ.
(٦) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٤/٣، ٢٣٦).
٢٩٦

الحديث: ١٢٠١
٣ - بَابُ
مَا يَجُوزُ مِنَ النَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلاةِ لِلرِّجَال.
١٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ(١) قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َلَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ
عَوْفٍ، وَحَانَتِ الصَّلَاةِ، فَجَاءَ بِلالٌ أَبَا بَكْرٍ(١) فَقَالَ: حُبِسَ النَّبِيُّ ◌َ فَؤُمَّ
النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتَمِ، فَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ (١) فَصَلَّى،
فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َ يَمْشِي فِي الصُُّوفِ يَشُقُهَا شَقًا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفْسِّ
الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ، قَالَ سَهْلٌ: [َهَلْ](٢) تَدْرُونَ مَا التّصْفِيحُ؟
هُوَ النَّصْفِيقُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ(١) لا يَلْتَفِتُ فِي صَلَائِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْنَفَتَ،
فَإِذَا النَِّيُّ ◌َّهُ فِي الصَّفَبِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ
اللهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ◌َّ فَصَلَّى.
التَّصفيقُ والتَّصفيحُ: من النَّاسِ من قال: هما بمعنَّى واحد. قالَه
الأصمعيُّ وغيرُه(٣).
وقال الخطابيُّ: التَّصفيحُ: التَّصفيقُ بصفحتي الكفِ (٤).
(١) في ((اليونينية)) زاد: ((رضي الله عنه)).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من (٢٥))، واستدركناه من ((اليونينية)) إذا لم يُشر أحد إلى سقوطه
من المتن كـ ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)) وغيرهما .
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) (٣٣/٣ - ٣٤)، و((اللَّسان)) ((مادة صفح))، و((تاج العروس)»
(١٨٢/٢).
(٤) ((أعلام الحديث)) (٦٥٠/١) وزاد: ((وضرب إحداهما بالأخرى)).
٢٩٧

الحديث: ١٢٠١
أبواب العمل في الصلاة
وقيل: التَّصفيقُ: الضربُ بباطنِ الراحةِ على الأخرى.
والتَّصفيحُ: الضَّربُ بظاهرِ الكفِّ على ظهرِ الأخرى، ويكون
المقصودُ به الإعلامَ والإنذارَ بخلاف التَّصفيقِ فإنَّه إنما يرادُ به الطربُ
واللعبُ، واللهُ أعلم(١).
. ۶
وقد سبقَ هذا الحديثُ في ((أبواب الإمامة))، خرّجه البخاريّ فيها من
روايةِ مالكٍ، عن أبي حازمٍ، وذكرنا هنالك عامةَ فوائده، وأشرنا إلى
الاختلاف فيمن حمدَ اللهَ في صلاتِه أو سَبَّحَ لحادثٍ حدثَ له وهل تبطلُ
بذلك صلاتُه أم لا (٢)؟ وذكرنا ذلك - أيضًا - في بابِ ((إجابة المؤذن))(٣) .
وأكثرُ العلماء على أنّه لا تبطلُ صلاتُه بذلك، فحكاه ابنُّ المنذر، عن
الأوزاعيِّ والثوريِّ، وأحمدَ، (٢٣٠ - أ/ ك٢) وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وهو
- أيضًا - قولُ مالك، والشَّافعيِّ وسواء قصدَ بذلك تنبيهَ غيره أم لم
يقصد .
قال إسحاقُ - فيما نقله عنه حرب -: إن قرأ آيةً فيها ((لا إلهَ إلا الله))
فأعادَها لا تفسدُ صلاتُه، وإن انقضَّ كوكبٌ فقال: ((لا إلهَ إلا الله)) تعجّبًا
وتعمده فهو كلامٌ يعيدُ الصَّلاةَ، وكذا إذا لدغتْه عقربٌ فقال: بسمٍ
الله (٤).
وقال عُبَيْدُ الله بنُ الحسنِ فيمن رُمِي في صلاتِه فقال: ((بسمِ الله)):
لم تنقطعْ صلاتُه، هو كمن عطسَ فحمد الله. وقال - في الذي يذكر
النعمةَ وهو في الصَّلاة فيحمد اللهَ عليها -: وإن ذلك حسنًا.
(١) ((شرح مسلم - للنووي)) (١٩١/٤ - ١٩٢). (٢) (٦٨٤).
(٣) تحت شرحه للحديث رقم (٦١٣).
(٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٩/٣).
٢٩٨

٣ - باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال
الحديث: ١٢٠١
وقال عطاء: ما جرى على لسان الرجلِ في الصّلاةِ فما له أصلٌ في
القرآن فليسَ بكلامٍ .
وقالت طائفةٌ: تبطلُ صلاتُه. وهو رواية عن أحمدَ(١)، وإسحاقَ،
ومذهبُ أبي حنيفةً: إن قاله ابتداءً فليسَ بكلام، وإن قاله جوابًا فهو
كلام(٢).
قال بعضُ أصحابنا: هذه الروايةُ عن أحمد(٣) بالبطلان هي قولُ أبي
حنيفةَ ومحمد أنَّه يبطلُ الصلاة فكل ذكرٍ يأتي به المصلِّ في غيرِ موضعِه
إلا في تنبيه المأمومِ إمامَه على سهوه وتنبيهِ المارِّ بين يدِه ليرجع (٤).
وكذلك الخلافُ إذا بُشِّرَ بما يسرَّه فقال: ((الحمدُ لله)) أو بما يسوءه
فقال: ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)) أو عطسَ فحمدَ الله، أو فتحَ على غيرٍ
إمامِه، أو خاطبَ إنسانًا بشيءٍ من القرآنِ قاصدًا للقراءةِ والتنبيه. وأصحّ
الروايتين عن أحمدَ: أنَّ الصَّلاَةَ لا تبطلُ بَذلك كقولِ جمهورِ العلماء(٥).
وفي ((الصَّحيحين))، عن عائشةَ أنَّ أسماءَ أختَها لما سألتها وهي تُصلِّي
صلاة الكسوف فأشارت برأسها إلى السماء وقالت: سبحانَ الله(٦).
واحتجَّ أحمدُ بما ذكره عن عليٍّ أنه كان في صلاةِ الفجرِ فمرّ بعض
الخوارج فناداه ﴿لَئِنْ أَشْركتَ لَيَحْبطنَّ عَمَلُك﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه
عليّ وهو في صلاته ﴿فاصْبِرْ إِنَّ وعدَ الله حقٍّ ولا يَسْتخفَنَّكَ الذينَ لا
(١) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٠١)، وابن هانىء (٤٤/١).
(٢) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٣٩/٣).
(٣) وضع الناسخ ضَبَّةً بين كلمتي ((أحمد)) و ((بالبطلان)).
(٤) («المغني)) (٤٥٤/٢).
(٥) ((المغنى)) (٤٥٧/٢).
(٦) (فتح: ١٠٥٣)، ومسلم (٩٠٥)، ولفظة: ((وقالت سبحان الله)) هي عند البخاري
وليست عند مسلم.
٢٩٩

الحديث: ١٢٠١
أبواب العمل في الصلاة
يُوقنونَ﴾(١) [الروم: ٦٠].
ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه استأذنَ عليه رجلٌ وهو يصلِّي فقال:
﴿ادْخُلُوا مصرَ إن شاء الله آمنين﴾ [يوسف: ٩٩].
وكان عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى يفعلُهُ(٢).
وخرجَ الإمامُ أحمدُ من حديث عليٍّ قال: كانتْ لي ساعة من السّحرِ
أدخل على النبيِّ وَّةِ، فإن كان في صلاةٍ سَبَّحَ فكان(٣) إذنه لي (٤).
ومن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((إذن الرجل إذا كانَ في
صلاة أن يُسبِّحَ، وإذن المرأة أن تُصَفِّقَ))(٥).
(١) ((المغني)) (٤٥٧/٢ - ٤٥٨).
(٢) ((المغنى)) (٤٥٩/٢) وعزاه للخلال.
(٣) كذا في (ك))، والذي في ((المسند)) المطبوع: ((فكان ذاك)).
(٤) بهذا اللفظ أخرجه أحمد في ((المسند)) (١/ ٧٧) من حديث عبد الله بن نُجي قال: قال
علي. وفي ((مسند)) البزار (١٠٢/٣): ((قال أحمد: عبد الله بن نجي وأبوه سمعا من علي
بن أبي طالب رضي الله عنه)) ا. هـ.
فإن لم يكن أحمد هذا هو: البزار - كما ذكر ابن حجر - ففي القلب من هذا النقل؛ إذ
لم يذكره عبد الله أو صالح أو ابن هانىء أو أبو داود المشهورون بالنقل عنه، هذا وقد
ذكره الدارقطني في ((العلل)) (٢٥٨/٣) في حديث وقال: ((يقال: لم يسمع هذا من علي؛
وإنما رواه عن أبيه، عن علي وليس بقويٌّ في الحديث)) ا. هـ وبمثل هذا يُستدل على عدم
سماعه منه، وقد قال أبو حاتم الرازي كما في ((المراسيل)) (ص: ١١٠)، عن إسحاق بن
منصور قال: قلت ليحيى بن معين: عبد الله بن نجي سمع من علي؟ قال: لا، بينه وبين
علي أبوه)) ا. هـ.
وصنيع البخاري في ((تاريخه)) (٢١٤/٥) يقتضي أنه لم يسمع من علي، وقد قال المزّي
في (تحفة الأشراف)) (٤١٦/٧): ((عبد الله بن نجي، عن علي ولم يدركه)) ا. هـ.
وعلى كُلِّ فقد قال البخاري في ((تاريخه)): ((عبد الله بن نجي، فيه نظر))، وهو مترجم في
((تهذيب الكمال)) (٢١٩/١٦).
(٥) ((المسند)) (٢٩٠/٢) وفي إسناده اختلاف، انظر ((أطراف المسند)) (٤٩/٨).
٣٠٠