النص المفهرس

صفحات 101-120

١- باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
وذكرَ مالكٌ أنه بلغه أن ابنَ عُمرَ كان يقولُ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مِثْنَى
مِثْنَى، يسلم من كلِّ ركعتين(١).
قلتُ: من يقولُ: لا مفهومَ لقوله ◌َله: ((صلاةُ الليل مثْنَى مِثْنَى))
يقولُ: إن ذكرَ الليلِ إنما كانَ جوابًا لسؤالِ سائلٍ سألَ عن صلاةِ الليلِ .
و
ومثل هذا يدفع أن يكونَ له مفهومٌ معتبرٌ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد بوّبَ البخاريّ في ((أبوابِ صلاة التطوع)) على أن صلاةَ النهار
مِثْنَى مِثْنَى، ويأتي الكلامُ فيه في موضعِهِ (٢) إن شاءَ اللهُ تعالى، والكلامُ
1
هنا في صلاةِ الليلِ .
وهذا الحديثُ يدلُّ على أن التطوعَ بالليلِ كلَّ مَثْنَى مَثْنَى سوَى ركعة
الوترِ فإنها واحدةٌ.
وقد عارضَ هذا حديثُ عائشةَ الذي خرَّجهُ مسلمٌ، خرَّجهُ من طريقٍ
هشامِ بنِ عروة، عن أبيه، عن عائشةَ أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ يصلِّي منَ الليلِ
= ابن عون، عن ابن سيرين .
وقال الحاكم: ((هذا حديث ليس فى إسناده إلا ثقة ثبت، وذكر ((النهار)) فيه وهم، والكلام
عليه يطول)).
وعد ابن عبد البر ((محمد بن سيرين)) ممن روى الحديث عن ابن عمر، وليس فيه ذكر
((النهار)).
وهو كذلك؛ فقد أخرجه أحمد وغيره عن ابن سيرين، عن ابن عمر؛ ليس فيه ذكرُ
((النهار)).
فلعل ما قصد الحاكم أنه روي موقوفا، وأنه الصواب.
وأخرجه الحربي في ((غريب الحديث)) - كما في ((نصب الراية)) (١٤٤/٢ - ١٤٥) - من
طريق نصر بن علي، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا.
ولعل اختلاف الرواية على نصر بن علي هو العلة التي أشار إليها الحاكم. أفاده جاسم بن
سليمان في ((الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام)) (١٦/٢) والله أعلم.
(١) («الموطأ)) (ص: ٩٤).
(٢) كتاب ((التهجد)) الباب (٢٥)، وهو ليس في القطعة التي بين أيدينا.
١٠١

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر.
ثلاثَ عشرةَ ركعةً يوترُ في ذلكَ بخمسٍ لا يجلسُ في شيءٍ منهن إلا في
ـ(١)
آخرِهِنَّ(١).
وقد تكلمَ في حديثِ هشامٍ هذا غيرُ واحد، قالَ ابنُ عبد البرِّ: قد
أنكرَهُ مالكٌ، وقالَ: مُذْ صارَ هشامٌ إلى العراقِ أتانا عنه ما لم نعرفْ
و
منه.
وقد أعلَّهُ الأثرمُ بأن يقالَ في حديثِهِ: كانَ يوترُ بواحدة
كذا رواهُ مالكٌ وغيرُهُ، عن الزهريِّ، ورواه عمرُو بنُ الحارثِ،
ويونسُ، عن الزهريِّ، وفي حديثهما: يسلمُ من كل ركعتينٍ، ويوترُ
و
بواحدة. وقد خرَّجهُ مسلمٌ من طريقهما - أيضًا(٢).
وكذا رواهُ ابنُ أبي ذئبٍ، والأوزاعيّ، عن الزهريِّ. خرجَ حديثَهما
أبو داود(٣).
قالَ الأثرمُ: وقد روَى هذا الحديثَ عن عائشةَ غيرُ واحدٍ لم يذكروا
في حديثهم ما ذكرهُ هشامٌ عن أبيهِ من سردِ الخمسِ.
ورواه القاسمُ عن عائشةَ، وفي حديثِهِ: يوترُ بواحدةٍ.
ولم يُوافِقْ هشامًا على قوله إلا ابنُ إسحاقَ؛ فرواه عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزبيرِ [، عن عروةَ بنِ الزبير](٤)، عن عائشةَ بنحوِ روايةٍ
(١) مسلم (١٢٣/٧٣٧).
(٢) مسلم (٧٣٦)، و((الموطأ)) (ص٩٤).
(٣) أبو داود (١٣٣٦)، (١٣٣٧).
(٤) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، وأثبتناه من ((سنن أبي داود))، ولعله سقط بسبب انتقال
النظر .
١٠٢

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
هشام. وخرّجهُ أبو داودَ من طريقه كذلك(١).
ورواه - أيضًا - سَعْدُ بنِ هشامٍ(٢)، عن عائشةَ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ :
فخرَّجهُ مسلمٌ من روايةٍ قتادةَ، عن زرارةَ بنِ أوفَى، عن سَعْدِ بنِ
هشام أنه سأل (٤٥٢/م) عائشةَ عن وترِ النبيِّ وَّة، فقالت: كانَ يصلِّي
تسعَ ركعاتٍ، لا يجلسُ إلا في الثامنة، فيذكرُ اللهَ ويحمدُهُ ويدعُوُهُ، ثمّ
ينهضُ ولا يسلمُ، ثم يقومُ فيصلِّي ركعةً، ثم يقعدُ فيذكرُ اللهَ ويحمدُهُ
ويدعُوهُ، ثم يسلمُ تسليمًا يُسْمِعُنَا، ثم يصلِّي ركعتينِ بعدَما يسلمُ وهوَ
قاعدٌ، فتلكَ إحدَى عشرةَ ركعةً، فلما أَسَنَّ نبيُّ اللهِ وَّهِ وأخذهُ اللحمُ
أوترَ بسبعٍ وصنعَ في الركعتينِ مثلَ صنيعِهِ الأولِ، فتلكَ تسعٌ يا بنيَّ.
وفي روايةٍ له أن قتادةَ أخبره سعدُ بنُ هشامٍ بهذا وكانَ جارًا له(٣).
وقد خرَّجهُ أبو داودَ بلفظ آخَرَ، وهو أنه بَّرَ كانَ يصلِّي ثمانِ
ركعات لا يجلسُ فيهنَّ إلا عندَ الثامنةِ، فيجلسُ، فيذكرُ اللهَ ثم يدعو،
ثم يسلمُ تسليمًا، ثمَّ يصلِّي ركعتينِ وهو جالسٌ بعدَما يسلمُ، ثم يصلّي
ركعةً، فتلكَ إحدَى عشرةَ ركعةً(٤).
وفي هذه الروايةِ أنهُ كانَ يصلِّي الركعتينِ جالسًا قبلَ الوترِ، ثم يوترُ
بعدَها بواحدة، وهذا يخالفُ ما في روايةِ مسلمٍ .
ورواه سعدُ بنُ هشامٍ، عن عائشةَ، واختُلِفَ عليه في لفظِهِ .
(١) أبو داود (١٣٥٩).
(٢) في ((م): ((هشام بن سعد)) مقلوب؛ ليس لهشام بن سعد رواية عن عائشة، وانظر ما
بعده. وسيأتي مثله (ص١٣٤) تحت الحديث (٩٩٤).
(٣) مسلم (٧٤٦).
(٤) أبو داود (١٣٤٣).
١٠٣

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر،
فِرُويَ عنه الوترُ بتسعٍ، ورُويَ عنه بواحدة .
ءُ
ورواه أبانُ، عن قتادةَ بهذا الإسناد، ولفظُهُ: كانَ النبيِّ وَّهِ يوترُ
بثلاث لا يقعدُ إلا في آخرِهِنَّ.
قالَ الإمامُ أحمدُ: فهذه الروايةُ خطأٌ - يشيرُ إلى أنها مختصرةٌ من
رواية قتادةَ المبسوطةِ
وقد رُويَ في هذا المعنى من حديثِ ابنِ عباسٍ، وأمِّ سلمةَ، وقد
و
تكلمَ الأثرمُ في إسنادِهِمَا، وطعنَ البخاريّ في حديث أمِّ سلمةَ
بانقطاعه، وذكرَ أن حديثَ ابنِ عُمرَ في الوترِ بركعةٍ أصحّ من ذلكَ
صَلَى الله
وكذلك الرواياتُ الصحيحةُ عنِ ابنِ عباسٍ في صفةٍ صلاةٍ النبيُّ
وَس
ليلةَ باتَ عندَ خالته ميمونةَ تدلُّ عليه: أنه وٌَّ يسلمُ من كلِّ ركعتينٍ،
وأوترَ بواحدةٍ .
فلهذا رجحت طائفةٌ حديثَ (٤٥٣/م) ابنِ عُمرَ، وابنِ عباسٍ
وقالوا: لا يُصَلِّ بالليلِ إلا مثْنَى مثنَى، ويُوتِرُ بواحدة، وهذه طريقةً
البخاريِّ، والأثرمِ، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هو قولُ أهلِ الحجازِ، وبعضٍ
أهلِ العراقِ، ثم حكَى عن مالك، والشافعيِّ، وابنِ أبي ليلَى، وأبي
يوسفَ، ومحمد أن صلاةَ الليلِ مثْنَى مثنى. قالَ: وقالَ أبو حنيفةَ في
صلاةِ الليلِ: إن شئتَ ركعتينٍ، وإن شئت أربعًا، وإن شئتَ ستّا،
وثمانيًا لا تسلمُ إلا في آخرهنَّ.
وقالَ الثوريُّ، والحسنُ بنُ حيِّ: صلاةُ الليلِ ما شئتَ بعد أن تقعدَ
في كلِّ ركعتينٍ، وتسلمَ في آخرِهنَّ(١).
(١) ((التمهيد)) (٢٤٣/١٣) فما بعدها، و(١٦٨/١٤)، و(٢١/ ٧٠ - ٧٢).
١٠٤

١- باب ما جاء في الوتر
الحديث: ١٩٩١
وحكَى الترمذيَّ في كتابه أن العملَ على [هذا](١) عندَ أهلِ العلمِ
على أن صلاةَ الليلِ مثنَى مثنَى، قالَ: وهو قولُ سفيانَ، وابنِ المباركِ،
وأحمدَ، وإسحاقَ(٢) .
وحكاهُ ابنُ المنذرِ، وغيرُهُ عن ابنِ عُمرَ، وعمارٍ، وعنِ الحسنِ، وابنِ
سيرينَ، والشعبيِّ، والنخعيِّ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وحمادٍ، ومالك،
ء
والأوزاعيِّ وحُكِيَ عن عطاء أنه قالَ: في صلاةِ الليلِ والنهارِ يجزئكَ
(٣)
التشهد
وهذا يشبهُ ما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ عنِ الثوريِّ والحسنِ بنِ حِيٍّ، وهو
مبنيٌّ على أنّ السلامَ ليسَ من الصلاةِ، وأنه يخرج منها بدونِه - كما سبق
ذكرُه(٤).
وقد رُويَ عنِ النخعيِّ نحوُهُ.
ومذهبُ سفيانَ الذي حكاهُ أصحابُهُ: أنه لا بأسَ أن يُصَلِّيَ بالليلِ
والنهارِ أربعًا أو ستّا أو أكثرَ من ذلكَ لا يَفصلُ بينهنَّ إلا في آخرِهِنّ،
قالَ: وإذا صلَّى بالليلِ مثْنَى فهو أحبّ إليّ.
وحملَ هؤلاءِ كلُّهم قولَ عائشةَ: ((كانَ النبيُّ بِّه يصلّي أربعًا، ثمَّ
أربعًا)) على أنه كانَ لا يسلمُ بينها، وسيأتي حديثُها بذلكَ إن شاءَ اللهُ
سبحانه وتعالى. وحملَه الآخرونَ على أنه كانَ يفصلُ بينها بسلامٍ. وهذا
(١) ما بين المعقوفين ساقط من ((م)) وزدناه من ((جامع الترمذي)).
(٢) ((جامع الترمذي)) (٣٠١/٢) تحت الحديث (٤٣٧)، وانظر (٤٩٣/٢) تحت الحديث
(٥٩٧).
(٣) (الأوسط)) (٢٣٥/٥).
(٤) (٣٧٦/٧) تحت الحديث (٨٣٧).
١٠٥

الحديث: ٩٩١
كتاب الوترو
كلُّه في التطوعِ المطلقِ في اللَّيْلِ .
فأما الوترُ فاختلفوا فيه على أقوال:
أحدُها: أنه ركعةٌ واحدةٌ مفصولةٌ مما قبلها على مقتضَى حديثِ ابنِ
عُمرَ، وبعضِ ألفاظِ حديث عائشةً.
قالَ ابنُ المنذرِ: [روينا عن ابن عمر أنه](١) يقولُ: الوترُ ركعةٌ،
ويقولُ: كانَ ذلكَ وتَرَ رسولِ اللهِ نَّه، وأبي بكرٍ، وعُمْرَ
قال: وممن روينَا عنه الوترُ ركعةٌ: عثمانُ (٤٥٤/م)، وسعدٌ، وزيدُ
ابنُ ثابت، وابنُ عباسٍ، ومعاويةُ، وأبو موسى، وابنُ الزبير، وعائشةُ،
وفعلَهُ معاذٌ القاريُّ، ومعه رجالٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ، لا ينكرُ ذلكَ
منهم أحدٌ، وبه قالَ ابنُ المسيبِ، وعطاءٌ، ومالكٌ، والأوزاعيُّ،
والشافعيَّ، وأحمدُ، وإسحاقُ [وأبو ثَور، غير أن مالكًا، والأوزاعي،
والشافعيَّ، وأحمدَ، وإسحاقَ رأوا] (٢) أن يصليَ ركعتينِ ثم يسلم(٣)، ثم
يوترَ بركعةٍ. انتهى (٤).
وذكرَ الزهريَّ وغيرُهُ أن عملَ المدينةِ كانَ على ذلكَ إلى زمنِ الحيرة.
وممن قالَ: الوترُ ركعةٌ - أيضًا - فقهاءُ أهل الحديث سليمانُ بنُ داودَ
الهاشميُّ، وأبو خَيْثَمَةَ(٥)، وأبو بكرِ بن أبي شيبةَ، وغيرُهم، والأفضلُ
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، وأثبتناه من ((الأوسط)) لابن المنذر.
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، وأثبتناه من ((الأوسط)) لابن المنذر، وكان في ((م)):
(وإسحاق، وإذا، أن يصلى)).
(٣) من ((الأوسط))، وفي ((م)): ((سلم)).
(٤) من ((الأوسط)) (١٧٧/٥ - ١٨٠).
(٥) في ((م)): ((وأبو حنيفة)) خطأ، صوابه ما أثبتناه، وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٨٥/٥).
١٠٦

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
عندهم أن يصلِّيَ ركعةً يوترُ بها بعد ركعتين، فأما إن اقتصرَ على ركعة
يوترُ بها، ففي كراهتهِ قولانِ:
أحدُهُمَا: أنه يكرهُ، وهو قولُ أحمدَ في أكثرِ الرواياتِ عنه، ويستثْنَى
من ذلكَ من يستيقظُ قربَ الفجرِ وخافَ أن يطلعَ عليه الفجرُ، فيوترُ
بواحدة، وهو قولُ إسحاقَ، قال: إلا من عُذْرِ: مَرَضِ أَو سَفَرٍ. وكذا
ے
قالَ أبو بكر من أصحابنا. قالَ أحمدُ: إنما جاءَ الوترُ بركعةٍ بعد تطوعٍ
مَثْنَى. وقالَ سفيانُ: إن خشيَ الفجرَ فأوترَ بواحدة أجزأهُ ، والثلاثُ
أحبَّ إلينا. ومذهبُ مالك: لابدَّ أن(١) يكونَ قبلَ ركعةِ الوترِ شفعٌ يسلمُ
بينهما في الحضرِ والسفرِ. وقالَ مجاهدٌ: ما أحبُّ أن يكونَ وترِي إلا
على صلاة .
وروى ابنُ عبد البرِّ - بإسناد فيه نظرٌ -، عن عثمانَ بنِ محمدِ بنِ
رَبِيعةَ، عن الدَّرَاوَرْدِيِّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ،
عنِ النبيِّ وَّ أنه نهى عن البُتَيْرَاءِ: أن يصلِّيَ الرجلُ ركعةً واحدةً يوترُ
بها(٢).
وعثمانُ هذا قالَ العُقيليُّ: الغالبُ على حديثِهِ الوهمُ (٣)، وقَبْلَهُ في
(١) قوله ((أن)) تكرر فى ((م).
(٢) ((التمهيد)) (٢٥٤/١٣).
(٣) هكذا قال ابن عبد البر، عن العقيلي، ولم نجده في ((الضعفاء)) فلعله في ((التاريخ الكبير))
للعقيلي، وابن عبد البر ينقل عنه. انظر ((التمهيد)) (٤٤/٥).
وأورد الذهبي في («الميزان)» (٥٣/٣ - ترجمة عثمان) هذا الحديث عن ابن عبد البر،
وحكى هذه الكلمة عن عبد الحق في ((أحكامه))، وكذا فعل الزيلعي في ((نصب الراية))
(١٧٢/٢)، وانظر ((لسان الميزان)) (١٥٢/٤ - ١٥٣)، و((الجوهر النقي)) (٢٧/٣).
١٠٧

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
الإسناد من لا يُعْرَفُ (١).
وقد رُوِيَ هذا مرسلا، خرَّجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ من حديثِ محمدِ بنِ
كعب القرظيِّ مرسلا(٢).
والقولُ الثاني: لا يكرهُ. ورُويَ عن سعد بن أبي وقاصٍ، وأبي
موسَى، ومعاويةَ أنهم فعلوه. وعن ابنِ (٤٥٥/ م) عباسٍ أنه صوّبَ فعلَ
معاويةَ. وقالَ أحمدُ في روايةِ الشالنجيِّ: لا بأسَ به. وهو قولُ
الشافعيّ.
واختلفَ أصحابُهُ هل الركعةُ المفردةُ أفضلُ من ثلاث موصولة؟ على
وجهينِ لهم، ومنهم من قالَ: المفردةُ أفضلُ من إحدَى عشرةَ موصولةً.
وقالَ الأوزاعيُّ: حدثني المطلبُ بنُ عبدِ اللهِ المخزوميُّ قالَ: أتى ابنَ
عُمرَ رجلٌ فقالَ: كيفَ أُوترُ؟ قالَ: أَوْتِرْ بواحدة، قالَ: إني أخشَى أن
يقولَ الناسُ: إنها البُنَيْرَاءُ (٣)، قالَ: قالَ: سنةُ الله ورسولِهِ - يريدُ هذه
سنةُ اللهِ ورسولِه (٤).
المطلبُ لم يسمع منِ ابنِ عُمرَ(٥) .
(١) وقال ابن القطان: ((ليس دون الدراوردي من يغمض عنه، والحديث شاذ لا يعرج عليه ما
لم يعرف عدالة رواته، وعثمان بن محمد بن ربيعة: الغالب على حديثه الوهم».
وانظر تعقيب الزيلعي، وابن حجر عليه .
(٢) انظر ((نصب الراية))، و((لسان الميزان)).
(٣) فى ((م)): ((البتيرة))، والمثبت من الرواية.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١١٧٦)، وابن خزيمة (٢/ ١٤٠).
(٥) قال أبو حاتم: ((روى عن ابن عباس، وابن عمر، لا ندري سمع منهما أم لا؛ لا يذكر
الخبر)) .
١٠٨

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
وروَى ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي منصورٍ مولَى
ے
سعدِ بنِ أبي وقاصٍ قالَ: سألتُ ابنَ عُمرَ عنِ الوترِ، فقالَ: وترُ الليلِ
واحدةٌ، بذلكَ أمرَ رسولُ اللهِ وَّهِ. قلت: يا أبا عبدِ الرحمنِ! إن الناسَ
يقولونَ: الْبُثَيْرَاءُ، قَالَ: يا بنيَّ، ليسَ تلكَ الْبُتَيْرَاءُ؛ إنما البُنَيْرَاءُ أن يصلِّيَ
الرجلُ الركعةَ الثامنةَ في ركوعِهَا وسجودِهَا وقيامِهَا، ثم يقومُ في الأخرَى
لا يتمّ لها ركوعًا(١) ولا سجودًا ولا قيامًا، فتلكَ البتيراءُ.
خرجَهما البيهقيُّ(٢).
وأجازَ أحمدُ وأصحابُهُ، وإسحاقُ أن يوترَ بثلاث موصولةٍ، وأن يوترَ
ء
بخمسٍ لا يجلسُ إلا في آخرهنَّ، وبتسعٍ لا يجلسُ إلا في الثامنةِ، ولا
يسلمُ ثمّ يقومُ فيصلِّي ركعةً ثم يسلمُ، لما جاءَ في حديث عائشةَ المتقدمِ،
وجعلُوا هذه النصوصَ خاصةً تخصّ عمومَ حديثِ صلاةِ الليلِ مثنَى
مِثنَى، وقالُوا في التسعِ والسبعِ والخمسِ: الأفضلُ أن تكونَ بسلامٍ واحدٍ
كذلكَ.
فأما الوترُ بسبعٍ: فنصَّ أحمدُ على أنه لا يجلسُ إلا في آخرِهِنَّ.
ومن أصحابنا من قالَ: يجلسُ عَقيبَ السادسة يتشهدُ ولا يسلمُ. وقد
اختلفَ ألفاظُ حديث عائشةَ في ذلكَ.
فأما الوترُ بإحدَى عشرةَ فيكونُ بستِّ تسليماتٍ، وإِنْ صَلَاهُ بتسليمةٍ
(١) في ((م)): ((ركوعها)) والمثبت من الرواية)).
(٢) في ((السنن الكبرى)) (٢٦/٣).
١٠٩

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
واحدة، وتَشَهَّدَ عقبَ العاشرةِ، ولم يسلمْ جازَ. قالهُ بعضُ [ .... ]،
a
ومنهم من حکی في الجميع وجهين :
أحدُهما: أنَّ الأفضلَ أن يسلمَ(١) من ركعتينٍ، وصححه غيرُ واحد
من أصحابِنَا .
والثاني: الأفضلُ سردُ الجميعِ بسلامٍ واحدٍ، ولا يجلسُ إلا في آخرِ
الإشفاع، فيتشهدُ، ثم يصلِّ ركعةً ويسلمُ.
ومذهبُ إسحاقَ: إن أوترَ بإحدَى عشرةَ ركعةً سلَّمَ في كلِّ ركعتينٍ.
ويجوزُ عندَ (٤٥٦/ م) أصحابِنَا أن يتطوعَ بأربعٍ وبأكثرِ من أربعٍ بِسلامٍ
واحد، وحكوه عن أكثرِ العلماءِ، إلا عن محمدِ بنِ الحسنِ، وزفر؛
فإنهما قالا: لابدَّ أن يتشهدَ عَقيبَ كلِّ ركعتينِ. وفي صحةِ التنفلِ
بالأوتار (٢) كثلاث ركعات وخمسِ ركعاتٍ وسبعٍ في غيرِ صلاةِ الوترِ عن
أحمدَ روايتان .
ومذهبُ الشافعيِّ وأصحابهِ أنه يجوزُ أن يصلِّيَ بسلامٍ واحدٍ ما شاءَ
من الركعاتِ من واحدةٍ إلى ما لا نهايةَ له بالليل والنهارِ، وإن كانَ
الأفضلُ أن يسلمَ فيهما في كلِّ ركعتينٍ، والوترِ وغيرِهِ.
ونصَّ الشافعيُّ في ((الإملاءِ) على أنه يجوزُ له أن يصلَّ عددًا لا
يعلمُهُ ثم يسلمُ. كما رُويَ عن أبي ذرّ أنه فعله، ولأصحابه وجهٌ: أنه
(١) من قوله: ((جاز قاله بعض)) إلى هنا أُلحق بهامش ((م))، وما بين المعقوفين بياض في ((م))،
ولعله: ((أصحابنا)).
(٢) جاء في صلب ((م)): (بالإشفاع))، خطأ، وفي الهامش: ((لعله: بالأوتار))، وهو الصواب.
١١٠

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
يجوزُ الزيادةُ على ثلاثة عشرَ (١) ركعةً بتسليمةٍ واحدة، لأنه أكثرُ المنقول
في الوترِ، وهو ضعيفٌ عندهم. فإن صلَّى ركعةً واحدةً تشهدَ عقيبَها
وسلَّمَ، وإن صلَّى أكثرَ من ذلكَ فله أن يقتصرَ على تشهدٍ في آخرِ
الركعاتٍ وإن كثرت ويسلمُ عقيبَه بغيرِ خلافٍ عندهم إلا في وجهِ ضعيفٍ
لا يعبأُ به.
وإن أرادَ الزيادةَ على تشهدٍ واحدٍ ففيه أوجهٌ لهم:
أحدُها: إن له أن يتشهدَ في كلِّ ركعتينٍ وإن كثرت التشهداتُ،
ويتشهدَ في الأخيرةِ، وله أن يتشهدَ في كلِّ أربع أو ثلاث أو ستٍّ أو غير
ذلكَ، ولا يجوزُ أن يتشهَّد في كلِّ ركعةٍ لأنه اختراعُ صورةٍ في الصلاةِ لا
عھدَ بها .
والثاني: له أن يتشهدَ في كلِّ ركعتينٍ، وفي كلِّ ركعة، وضعفَه
المحققونَ منهم (٢).
والثالث: لا يجلسُ إلا في الأخيرةِ، وغلطوه - أيضًا.
والرابعُ: لا يجوزُ الزيادةُ على تشهدين بحال في الصلاة الواحدة،
ولا يجوزُ أن يكونَ بينَ التشهدينِ أكثرُ من ركعتين إن كان العددُ شفعًا،
وإن كانَ وترًا لم يجز بينهما أكثرُ من ركعةٍ. قالَ صاحبُ ((شرحٍ
(١) كذا والصواب ((ثلاث عشرة)).
(٢) في هامش ((م)) كتب بحذاء هذا القول الثاني ما نصه: ((قالوا: إذا تشهد ثم قام فهل يقرأ
السورة على القول في قراءة السورة في الفرائض بعد التشهد الأول، وفي هذا نظر))
ا. هـ. ما جاء في هامش ((م))، ولم يصححه، ولا جعل له علامة لحق لتدل على موضعه
من أصل ((م)) فلعلها حاشية، والله أعلم.
١١١

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
المهذب)): وهو قويّ (٤٥٧/م) وظواهرُ السنة تقتضيه. وهذا كلَّه في
النوافلِ المطلقةِ .
فأما في الوترِ بخصوصهِ فهل يجوزُ أن يزادَ فيه على تشهدينٍ؟ فيه
وجهان، أصحّهما عندهم: لا يجوزُ لأنه خلافُ المرويِّ عن النبيِّ وَل
،
ولأن النوافلَ المطلقةَ لا حصرَ لركعاتها وتشهداتِهَا بخلافِ الوترِ .
وذهبتْ طائفةٌ إلى أنها لا تجوزُ الزيادةُ على ركعتينِ بتسليمةٍ واحدةٍ،
ولا زيادةٌ(١) الوترِ على ركعةٍ، وهو الذي رجحَهُ الأثرمُ، وقالَ: لم يصحّ
في الوترِ بثلاثٍ فما زادَ من غيرِ تسليمٍ حديثٌ واحدٌ، ولا أكثرُ منه.
وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ إلى أن الوتر بثلاثِ ركعاتِ بتشهدينٍ من
غيرِ تسليمٍ كالمغربِ لا تجوزُ زيادتُهُ ولا نقصُهُ.
ورُويَ الوترُ بثلاثِ عن جماعة من الصحابة والتابعينَ، وحكاه
الحسنُ، عن عُمرَ، وأبيِّ بنِ كعبٍ وهو منقطعٌ عنهما(٢).
وروَى الأعمشُ، عن مالكِ بنِ الحارثِ (٣)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ
قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: الوترُ بثلاتٍ كوترِ النهارِ المغربِ .
قالَ البيهقيُّ(٤): هو صحيحٌ عن ابنِ مسعودٍ، ورفعَهُ رجلٌ ضعيف(٥)
(١) فى (م): ((زياد)) وما أثبتناه هو الموافق للسياق.
(٢) ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ومات أبي بن كعب في خلافة عمر.
(٣) في ((م): ((ابن الحويرث))، خطأ، وإنما هو ابن الحارث - كما في الرواية، وترجمته - ،
وابن الحويرث صحابي - كما هو معروف.
(٤) في ((السنن)) (٣٠/٣ - ٣١).
(٥) هو: يحيى بن زكريا بن أبي الحواجب - كما في ((السنن))
١١٢

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
عن الأعمشِ. وكذا قالَ الدارقطنيَّ: إن رفعَهُ لا يصح(١).
ورُوِيَ - أيضًا - عن أنسِ بنِ مالكٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ، وأبي
العاليةِ، ومكحولٍ، والنخعيِّ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقالَ الأوزاعيُّ: إن
فصلَ فحسنٌ، وإن لم يفصلْ فحسنٌ.
وأجازَ أحمدُ الفصلَ، وتركَهُ، والفصلُ عنده أحسنُ، وقالَ:
الأحاديثُ فيه أقوَى وأكثرُ وأثبتُ عنِ النبيِّ نَّهِ. وكذلكَ مذهبُ الشافعيِّ
كما سبقَ.
ولأصحابنا وجهٌ: أن الوترَ بثلاث موصولَة يكونُ بتشهد واحد.
ورُويَ عن عطاء أنه كانَ يوترُ بثلاث لا يجلسُ فيهنَّ، ولا يتشهدُ إلا في
ء
آخرهنَّ.
وروَى البخاريّ في ((تاريخِهِ)) بإسنادِهِ، عن إسماعيلَ بنِ زيد بن ثابت
أن زيدًا كانَ يوترُ بخمسٍ لا يسلمُ إلا في الخامسةِ، وكانَ أُبِيُّ يفعلُ(٢) .
قالَ البيهقيُّ: كذا وجدتُه ((أُبيّ)) (٤٥٨/ م) - مقيدًا - يعني بالتشديدِ -
يريدُ به(٣) أبيّ بنَ كعبٍ .
وروَى وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن بعضِ أصحابِه قالَ: قالَ عبدُ الله:
الوترُ سبعٌ أو خمسٌ، ولا أقلّ من ثلاث (٤).
ورُويَ عن عراك، عن أبي هريرةَ قالَ: لا توتروا(٥) بثلاث تشبهوا
ے
(١) ((سنن الدارقطني)) (٢٨/٢).
(٣) في ((م)) ((بن)) والصواب ما أثبتناه.
(٥) في ((م)): ((يوتروا))، والمثبت من الرواية.
(٢) ((تاريخ البخاري)) (٣٥٥/١).
(٤) البيهقي (٣١/٣).
١١٣

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
بالمغرب؛ ولكن أوتروا بخمسٍ أو سبعٍ أو تسعٍ أو إحدى عشرةَ، أو أكثرَ
من ذلك .
ورُويَ عنه مرفوعًا، خرَّجهُ الحاكمُ وصححه، وفي رفعه نكارةٌ(١).
وقال أبو أيوب الأنصاريّ: أوترْ بخمسٍ أو بثلاث أو بواحدة. خرّجه
النسائيُّ، وغيرُهُ موقوفًا.
وخرَّجْهُ أبو داودَ، والنسائيُّ - أيضًا - وابنُ ماجه مرفوعًا .
والموقوفُ أصحُّ عندَ أبي حاتمٍ، والنسائيِّ، والأثرمِ وغيرِهم(٢).
(١) الحاكم (٣٠٤/١)، والبيهقي (٣١/٣) من طريق عمرو بن الربيع بن طارق بن قرة، عن
الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك.
(٢) هذا الحديث يرويه الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، واختلف عن الزهري
فیه .
فرواه الأوزاعي، وبكر بن وائل، وسفيان بن حسين، عن الزهري مرفوعا.
أخرجه أبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٢٣٨/٣)، وفي ((الكبرى)) (٤٤٠/١)، وابن ماجه
(١١٩٠)، وأحمد (٤١٨/٥)، وابن حبان (٦/ ١٧٠)، وغيرهم.
وتابعهم الزبيدي، ودويد بن نافع، عن الزهري، والطريق إليهما لا يصح.
أخرجه النسائي (٢٣٨/٣)، وابن عدي (١٠٢/٤) والدارقطني (٢٣/٢) والحاكم
(٣٠٢/١)، وغيرهم.
وروي عن يونس، ومعمر ، وابن عيينة، عن الزهري مرفوعا، وموقوفا، والصواب: الوقف.
ورواه موقوفا عن الزهري: ابن إسحاق، وأبو مُعيد حفص بن غيلان، وشعيب بن أبي
حمزة، أخرجه النسائي (٢٣٨/٣ - ٢٣٩)، وفي ((الكبرى)) (٤٤١/١) والبيهقي
(٢٧/٣)، وغيرهما .
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٣/٢): ((وصحح أبو حاتم، والذهلي، والدار قطني في
((العلل))، وغير واحد وقفه، وهو الصواب)). ورجح وقفه - أيضا - النسائي في ((الكبرى))
(٤٤١/١).
=
١١٤

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
وقالَ ابنُ سيرينَ: كانوا يوترُونَ بخمسٍ وبثلاث وبركعة ، ويرون كلّ
ذلكَ حسنًا .
خرَّجهُ الترمذيُّ، قال: وقالَ سفيانُ: إن شئتَ أوترتَ بخمسٍ، وإن
شئتَ أوترتَ بثلاث، وإن شئتَ أوترتَ بواحدة قالَ (١): والذي أستحبّ
أن یوتر بثلاث(٢) .-
وحكَى أصحابُ سفيانَ عنه أنه إن شاءَ أوترَ بخمسٍ أو سبعٍ أو تسعٍ
أو إحدى عشرةَ ، لا يسلمُ إلا في آخرِهِنَّ إذا فرغَ.
ومن العلماء من قالَ: الوترُ ثلاثُ عشرةَ. وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ،
ووجهٌ لأصحابنا، ولو زادَ على ذلكَ لم يجزْ، ولم يصح وترُهُ عندَ
جمهورِ الشافعيةِ. ولهم وجهٌ آخرُ بصحته وجوازِهِ، وهذا إذَا كانَ الجميعُ
بسلامٍ واحدٍ، أو نوَى بالجميعِ الوترَ.
وروَى الشافعيُّ بإسنادِهِ، عن كريبٍ، عنِ ابنِ عباسٍ قالَ: هيَ واحدةٌ
أو خمسٌ أو سبعٌ أو أكثرُ من ذلكَ الوترِ ما شاءً(٣).
وقد كرِهَ قومٌ الوترَ بثلاث، وقالوا: لا يكونُ إلا بسبعٍ أو خمسٍ،
= وانظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٧١/١ - ١٧٢)، وللدار قطني (٩٨/٦ - ١٠٠)، و ((السنن))
للبيهقي (٢٤/٣)، و((الكامل)) لابن عدي (١٠٢/٤ - ١٠٣)، و(٢٦١/٦ - ٢٦٢).
(١) يعني: سفيان.
(٢) ((الجامع)) للترمذي (٣٢٤/٢) تحت الحديث (٤٦٠).
(٣) أخرجه البيهقي في (معرفة السنن والآثار)) (٦٠/٤ - ٦١) وفي ((السنن الكبرى)) (٢٦/٣).
١١٥

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
فروَى شعبةُ، عن الحكمِ قالَ: قلت لمقسمٍ: إني أسمعُ الأذانَ فأوترُ بثلاث،
ثم أخرجُ إلى الصلاةِ خشيةَ أن تفوتني، قالَ: إن ذلكَ لا يصلحُ إلا
بخمسٍ أو سبعٍ، فسألته عمن؟ فقالَ: عن الثقة، عن الثقة (١)، عن
عائشةَ وميمونةَ، عن النبيِّ
= مها الله
وسيلة
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ (٢).
ءِ
ورَوى الشافعيّ بإسنادِهِ، عن (٤٥٩/م) ابن مسعود أنه كانَ يوترُ
بخمسٍ أو سبعٍ، بإسنادٍ منقطع عنه أنه كانَ يكرهُ أن يكونَ ثلاثًا تترى،
ولكن خمسًا أو سبعًا.
وقولُ النبيِّ نَّه في حديثِ ابنِ عُمَرَ: ((صلاةُ الليلِ مِثْنَى مثنَى، فإذا
خشِيَ أحدُكُم الصبح صلَّى ركعةً واحدةً توترُ له ما قد صلَّى))، يدلُّ على
أن هذه الركعةَ الواحدةَ جعلت مجموعَ ما صلَّى قبلها وترًا فيكونُ الوترُ
هو مجموعُ صلاةِ الليلِ الذي يُختم بوترٍ، وهذا قولُ إسحاقَ بنِ راهويهٌ،
واستدلَّ بقول النبيِّ وَلّ: ((أوتروا يا أهلَ القرآن))(٣) وإنما أرادَ صلاةَ
للیلِ .
(١) كذا في ((م)): ((عن الثقة، عن الثقة))، والذي في الرواية: ((عن الثقة)) غير مكررة، وانظر
(أطراف المسند)) (٢٤٥/٩).
(٢) في ((المسند)) (٦/ ١٩٣ - ١٩٤، ٣٣٥) واختلف فيه على الحكم.
(٣) أخرجه أبو داود (١٤١٦)، والنسائي (٢٢٨/٣ - ٢٢٩)، والترمذي (٤٥٣)، وابن ماجه
(١١٦٩)، وانظر ((العلل)) للدار قطني (٧٦/٤ - ٧٩).
١١٦

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
وقالتْ طائفةٌ: الوترُ هو الركعةُ الأخيرةُ، وما قبله فليسَ منه، وهو
قولُ طائفةٍ من أصحابِنَا منهم: الخرقِيُّ، وأبو بكرٍ، وابنُ أبي موسَى.
وفي كلامٍ أحمدَ ما يدلُّ عليه.
ومن أصحابِنَا من قالَ: الجميعُ وترٌ، وقد اختلفت الروايةُ عن أحمدَ
فيمن فاته الوترُ، وقلنا: يقضيه هل يقضي ركعةً واحدةً أو ثلاثَ ركعات؟
على روايتينِ عنه، ويحسنُ أن يكونَ مأخذهما أن الوترَ هل هو الركعةُ
الواحدةُ وما قبله تنفلٌ مطلقٌ أو الوترَ مجموعُ الثلاث؟ وإلى هذا أشارَ أبو
حفصٍ البرمكيُّ من أصحابنا .
وقد نقلَ الأثرمُ، وغيرُهُ عن أحمدَ أنه إذا قضَى الوترَ بعدَ طلوعٍ
الفجرِ فإنه يقضي ثلاثَ ركعاتٍ، وقال: لم يردِ التطوعَ، وإنما أرادَ الوترَ.
وهذا ظاهرٌ في أن المجموعَ وترٌ، ويحتملُ أن يكونَ مرادُه أن
الركعتينِ قبلَ الوترِ متأكدةٌ تابعةٌ للوتر (١) فينقضي معه في أوقاتِ النهي -
أيضًا .
وقد تقدَّم عن المالكيةِ أن ما قبلَ الوترِ هو شفعٌ له. وقاله بعضُ
أصحابنا - أيضًا .
وقد ذكرَ أبو عمرو بنُ الصلاحِ أن أصحابَ الشافعيِّ اختلفوا في ذلكَ
على أوجه:
(١) في ((م)): (لكوتر))، كذا.
١١٧

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
أحدُها: أن من أوترَ بثلاث ينوي: الركعتينِ (١) مقدمةَ الوتر،
وبالأخيرة الوترَ. قاله أبو محمد الجويني.
والثاني: أنه ينوِي بالركعتينِ سنةَ الوترِ، وبالثالثةِ الوترَ. حكاهُ
ءِ
الرويانيّ.
قالَ: وفي هذين الوجهينِ تخصيصٌ للوترِ بالركعةِ الأخيرةِ، والثاني
(٤٦٠/م) يشعرُ بأن للوتر سنةٌ ولا عهدَ لنا بسنة لها سنةٌ هي صلاةٌ،
وفي الوجهينِ أن الركعتينِ قبلَ الوترِ لهما تعلقٌ بالوترِ.
والثالثُ: الوترُ ركعةٌ واحدةٌ، وقالَ الماورديُّ: لا يختلفُ قولُ
الشافعيِّ أنه ينوي بما قبل الركعةِ الأخيرةِ: التهجدَ أو قيامَ الليلِ. وفي
هذا قطعٌ لذلكَ عن الوترِ قالَ: وما اتفقت عليهِ هذه الوجوهُ من
تخصيصِ الوترِ بالركعةِ المفردة على وفقِ قولِ الشافعيِّ في رواية البويطيِّ
أن الوتَر ركعةٌ واحدةٌ، ويشهدُ للوجهِ الثالث: حديثُ ابنِ عُمَر: ((صلاةٌ
الليلِ مِثْنَى مِثْنَى فإذا خشيتَ الصبحَ فأوترْ بواحدةٍ))(٢).
والرابعُ: أنه ينوِي بالجميعِ الوترَ، قاله القاضي أبو الطيبِ الطبري،
ءِ
واختاره الرويانيّ، ويشهدُ له قولُ الشيخِ أبي إسحاقَ وغيرِهِ: أقلّ الوترِ:
ءِ
ركعةٌ، وأكثرُهُ: إحدى عشرةَ ركعةً.
وفي بعضِ كلامِ الشافعيِّ إيماءٌ إليه، قالَ: وهو المختارُ؛ لأن فيه
(١) كذا، ولعل الصواب: ((بالركعتين)).
(٢) متفق عليه.
١١٨

١ - باب ما جاء في الوتر
الحديث: ٩٩١
جمعًا بينَ الأحاديث كلِّهَا إذ الواحدةُ الأصلُ في الإيتارِ، وبها يصيرُ ما
قبلها وترًا واستدلَّ برواية من روَى: ((توترُ له ما قد صلَّى)) كما خرَّجهُ
البخاريُّ(١)، وبأن نافعًا ذكرَ عنِ ابنِ عُمرَ أنه كانَ يسلمُ بينَ الركعةِ
والركعتينِ في الوترِ، فإنه يدلُّ على أن الجميعَ من الوترِ، وروايةُ من
روَى: ((فأوترْ بواحدة)) فيها محذوفٌ تقديرُهُ: فأوترْ ما مضَى من صلاتكَ
بواحدة، كما صرّحَ به في الرواية الأخرى، قالَ: ويلي هذا الوجهَ في
و
القوةِ الوجهان الأولان، وأبعدُها الثالثُ واللهُ سبحانه وتعالى أعلم.
وفي ((شرحِ المهذبِ))(٢): الصحيحُ المنصوصُ - يعني عن الشافعيِّ -
في ((الأمِ)) (٣) و (المختصرِ)): أن الوترَ يسمَّى تهجدًا، وفيه وجهٌ أنه لا
يسمّى تهجداً، بل الوترُ غيرُ التهجد.
وهذا هوَ الذي ذكرَهُ بعضُ أصحابِنَا، وينبغِي أن يكونَ مبنيًّا على
القول بأنَ الوترَ هو الركعةُ المنفردةُ وحدَهَا .
فأما إن قلنا: الوترُ الركعةُ بما قبلها فالوترُ هو التهجدُ وإن لم ينوِ به
الوترَ، وقد كانَ ابنُ عُمرَ يفصلُ بينَ الركعة التي يوترُ بها وما قبلها
(٤٦١/م) بكلامٍ - كما في روايةِ البخاريِّ - واستحبَّ أحمدُ أن يكونَ
عَقيبَها ولا يؤخرُها عما قبلَها، وقالَ: كانَ ابنُ عُمرَ يستحبُّ أن يتكلمَ
بينهما بالشيءِ، ثم يقومُ فيوترُ بركعة، وقالَ: هذا عندنا ثبتٌ، ونحنُ
نأخذُ به، وينبغي أن يكونَ الاختلافُ في تسميةِ ما قبلَ الركعةِ الأخيرةِ
(١) الحديث الثالث في الباب.
(٣) (١ / ١٤٢).
(٢) (٤ / ١٣ - ١٤) .
١١٩

الحديث: ٩٩١
كتاب الوتر
وترًاً مختصًا بما إذا كانت الركعاتُ مفصولةً بالتسليمِ بينها .
فأما إن أوترَ بتسعِ أو بسبعٍ أو بخمسٍ أو ثلاثٍ بسلامٍ واحد فلا
ينبغي الترددُ في أن الجميعَ وترٌّ، ويدلُّ عليه: ما خَرَّجَهُ مسلمٌ عن عائشةَ
أن النبيَّ وََّ كانَ يصلّي منَ الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، يوتُر في ذلكَ
بخمسٍ لا يجلسُ إلا في آخرِ هِنَّ(١).
فجعلتِ الوترَ الخمسَ الموصولةَ بسلامٍ واحدٍ دونَ ما قبلَها .
وقولُهُ بَّه في حديثِ ابنِ عمرَ: ((فإذا خشيَ أحدُكُمُ الصبحَ صلَّى
ركعةً واحدةً توترُ له ما صلَّى))، وفي روايةٍ - تأتي فيما بعدُ -: ((فاركع
ركعةً واحدةً)) تدلُّ على أن الأفضلَ تأخيرُ الوترِ إلى آخرِ الليلِ - ويأتي
الكلامُ فيه فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالَى - ويدلُّ على أن الوترَ
مأمور بهِ، وهل الأمرُ به للوجوبِ أم لتأكدِ الاستحبابِ؟ فيه قولانِ
مشهورانٍ، وأكثرُ العلماءِ على أنه للاستحبابِ، وهو قولُ مالكٍ،
والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وغيرِهِمْ(٢).
ورُويَ عن عليٍّ بنِ أبى طالبٍ، وعُبادةَ بنِ الصامتِ، ورَوَيَ عن أبي
أيوبَ الأنصاريِّ(٣) أنه واجبٌ، وعن معاذٍ من وجهِ منقطعٍ، وهو قولُ أبي
(١) مسلم (٧٣٧).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٦٧/٥ - ١٦٨).
(٣) المروي عن علي، وعبادة رضي الله عنهما أنه ليس بواجب وعن أبي أيوب الأنصاري أنه
واجب . انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٩٧/٢)، وعبد الرزاق (٣/٣)، و((المغني))
(٢/ ٥٩٤ _ ٥٩٥).
١٢٠