النص المفهرس
صفحات 1-20
فَتَحُ العلمى شِرْعَ صَحِيْح البُخَاريُ للحافِظُ زَيْن الدّين أبي الفرجْ ابْنْ رَجَبُ الحَنبَلِيِّ ٧٣٦ - ٧٩٥ «وَشْرَحُ قطَعَة مِنَ البُخَارِيُّ إِلى كِتَابٌٍ الجنائِ، وَهِيَ مِن عجائب الدّهر وَلوكمَل كان مِنَ العجائبُ" إِبِّ عَبدُالهادي تحقِّيق محمود بن شعبانُ بنُ عبد المقصود إبراهيم بن اسماعيل القاضي محمّدبن عَوض المنقوشُ علاء بن مصطفى بن همام مُجْدِي بِنَّ عَبْد الخالقِ الشافعيِّ السَّيِّرِبنُ عزّت المُرْسِيْ صَلاَح بتْ سُالم المصراتي صبري بنُ عبد الخالق الشافعيّ الجزء الثَّاسِع النّاشِرُ مُكْتَبُهُ العَرَاءِ الَشْرِنَّ 1 فَحُ النَّارِي شرح صَحِيْح البُخَاريُ ٩ كافة الحقوق محفوظَة ( ((مكتب تحقيق دَار الحرمَيْن) ٧٢- شارع مصر والسودان - حدائق القبّة - القاهِرة ت : ٤٨٢٠٣٩٢ الطّبعَة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦مـ DE ـحدث النّاشِرُ مكتَبة الغرباء الأثريّة المدينة المنوّرة هاتف: ٨٢٤٣٠٤٤ - فت: ٨٢٦٤١٠٦ صَ.ب: ١٤٤٩ - المدينة النّبويّة المملكة العَربيّة السّعُوديّة ١١ - بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ النَّشْرِيقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامِ مَّعْلُومَاتٍ (١): أَيَّامُ الْعَشْرِ. وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ الَّشْرِيقِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانَ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِ هِمَا (٢) وَكَبَّرَ مُحَمّدٌ ابْنُ عَلَيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ(٣). بوّبَ على فضلِ أيامِ التشريقِ والعملِ فيها، وذكر فِي البابِ: أيامَ التشريقِ وأيامَ العَشرِ وفضلَهما جميعًا، وذكرَ عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ الأيامَ المعلوماتِ المذكورةَ في سورةِ الحَجِّ هيَ أيامُ العشرِ، والأيامُ المعدوداتُ المذكورةُ في سورةِ البقرةِ هي أيامُ التشريقِ . وفي كلٌّ منهما اختلافٌ بينَ العلماء، فأما المعلوماتُ: فقد رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ أنها أيامُ عشرِ ذي الحجة - كما حكاهُ عنه البخاريِّ - ورُويَ - أيضًا - عنِ ابنِ عُمرَ، وعن عطاءٍ، والحسنِ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، وقتادةَ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ في المشهورِ عنه. وقالت طائفةٌ: الأيامُ المعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانٍ بعدَهُ، رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ، وغيرِهِ منَ السلفِ. وقالوا: هي أيامُ الذبحِ، ورُويَ - أيضًا - عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وعن عطاءِ الْخُراسانِيِّ، والنخعيِّ، وهو قولُ (١) هذه الرواية ليست من التلاوة، وانظر هامش ((اليونينية))، والقسطلاني، و((الفتح)). (٢) في ((م): ((بتكبيرها)) كذا، والمثبت من ((اليونينية))، والقسطلاني. (٣) في ((م): (الناقلة)) بالقاف، كذا، والمثبت من ((اليونينية))، والقسطلاني. 0 كتاب العيدين مالكٍ، وأبي يوسفَ، ومحمد، وأحمد في رواية عنه(١). ومنْ قالَ: أيامُ الذبحِ أربعةٌ قالَ: هي يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَهُ. وقد رُويَ عن أبي موسَى الأشعريِّ أنه قالَ في خطبتهِ يومَ النحرِ: هذا يومُ الحجِّ الأكبر، وهذه الأيامُ المعلوماتُ التسعةُ التي ذكرَ اللهُ في القرآن لا يرد فيهن الدعاءُ، هذا يومُ الحجِّ الأكبر وما (٤٠٨/م) بعدَه من الثلاثة اللاتي ذكرَ اللهُ الأيامُ المعدواتُ لايُردُّ فيهنَّ الدعاء (٢). وهؤلاء جعلوا ذكرَ اللهِ فيها هو ذكرُه على الذبائح فيها لله عزَّ وجلَّ. ورُويَ عن محمدِ بنِ كعبِ أن ((المعلومات)): أيام التشريقِ خاصةً. والقولُ الأولُ أصحَّ؛ فإن اللّهَ سبحانه وتعالَى قالَ بعد ذكرِهِ فِي هذه الأيامِ المعلوماتِ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَهِمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّقُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. والنَّفَتُ: هو ما يصيبُ الحاجَّ من الشعثِ (٣) والغبارِ، وقضاؤُه: إكمالُهُ، وذلكَ يحصلُ يومَ النحرِ بالتحللِ فيهِ منَ الإحرامِ؛ فقد جعلَ ذلكَ بعدَ ذكرِهِ فِي الأيامِ المعلوماتِ، فدلّ على أن الأيامَ المعلوماتِ قبلَ يومِ النحرِ الذي يُقْضَى فيه التفثُ ويطوفُ فيه بالبيت العتيق. فلو كانتِ الأيامُ المعلوماتُ أيامَ الذبح لكان الذكرُ فيها بعد قضاءِ التفثِ ووفاءِ النذورِ (١) وانظر (التفسير)) لابن عطية (١٣٣/٢) و (١٩٥/١١)، ولابن جرير (١٧٦/٢) و (١٠٨/١٧)، ولابن كثير (٣٥٧/١) و (٤١١/٥)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٧/٤). (٢) أخرجه الفريابي في ((العيدين)) (ص١٩٧ - ٢٠٠)، وإسناده ضعيف وسيأتي (ص٣٣) تحت الحديث (٩٧١) جزء منه . (٣) في ((م)): ((السعث)) بالسين المهملة. ٦ ١ ١ - باب فضل العمل في أيام التشريق والتطوف بالبيتِ العتيقِ، والقرآنُ يدلُّ على أن الذكرَ فيها قبلَ ذلكَ. وأما قولُهُ تعالَى ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فإما أن يُقَالَ: إنَّ ذكرَهُ على الذبائحِ يحصُل في يومِ النحرِ، وهو أفضلُ أوقاتِ الذبحِ وهو آخرُ العشرِ . وو وإما أن يقالَ: إن ذكَرهُ على ما رزقنا من بهيمة الأنعامِ ليسَ هو ذكرُهُ على الذبائحِ؛ بل ذكرُهُ في أيامِ العشرِ كلِّها شكرًا على نعمةِ رزقِهِ لنا من بهيمة الأنعامِ؛ فإن للهِ تعالَى علينا فيها نعمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً، وقد عدَّدَ بعضَ الدنيوية في سورةِ النحلِ، ويختص عشر ذي الحجة منها بحملِ أثقالِ الحجّ وإيصالِهِم إلى قضاءِ مناسكِهِم والانتفاعِ بركوبِهَا ودرِّهَا ونسلهَا وأصوافِها وأشعارِهَا . وأما الدينيةُ: فكثيرةٌ، مثلُ إيجابِ الهدىِ وإشعارِهِ وتقليدِهِ، وغالبًا يكونُ ذلكَ في أيامِ العشرِ أو بعضِها، وذبحُهُ في آخرِ العشرِ والتقربُ به إلى الله والأكلُ من لحمِهِ وإطعامُ القانعَ والمعترَّ، فلذلكَ شُرِعَ ذكرُ اللهِ في أيامِ العشرِ شكرًا على هذه النعمِ كلِّها كما صرحَ به في قولِهِ تعالَى ﴿كَذَلَكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] كما أمرنا بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ وإكمالِ العدةَ شكرًا على ما هدانا إليهِ منَ الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرة الذنوبِ السابقةِ . وأما الأيامُ المعدوداتُ: (٤٠٩/ م) فالجمهورُ على أنها أيامُ التشريقِ، ورُويَ عنِ ابنِ عُمرَ، وابنِ عباسٍ وغيرِهما، واستَّدل ابنُ عُمرَ بقوله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا ◌ِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يكونُ ٧ كتاب العيدين التعجيلُ في أيامِ التشريقِ. قالَ الإمامُ أحمدُ: ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عُمرَ. وقد رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ، وعطاءٍ أنها أربعةُ أيامٍ: يومُ النحرِ وثلاثةٌ بعده . وفي إسنادِ المرويِّ عنِ ابنِ عباسٍ ضعفٌ. وأما ما ذكرَهُ البخاريُّ عنِ ابنِ عُمرَ، وأبي هريرةَ: فهوَ من رواية سلامٍ أبي المنذرِ، عن حُميدِ الأعرجِ، عن مجاهدٍ أن ابنَ عُمَر، وأبا هريرةَ كانا يخرجانِ في العشرِ إلى السوقِ يكبرانِ لا يخرجانِ إلا لذلك. خرَّجهُ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابِ ((الشافي))(١)، وأبو بكرٍ المروزي القاضي في كتابٍ ((العيدين)). ورواه عفانُ: نا سلامٌ أبو المنذرِ، فذكرَهُ، ولفظُهُ: كانَ أبو هريرةَ، وابنُ عُمرَ يأتيانِ السوقَ أيامَ العشر فيكبرانٍ ويكبرُ الناسُ معهما، ولا يأتيانِ لشيءٍ إلا لذلكَ(٢). وروَى جعفرٌ الفريابيُّ من روايةٍ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ قالَ: رأيتُ سعيدَ ابنَ جُبيرٍ، وعبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلَى، ومجاهدًا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاءِ الناسِ يقولونَ في أيامِ العشرِ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ ولله الحمدُ(٣). (١) في (م)): ((السافي)) بالسين المهملة، والصواب إعجامها. (٢) هذا من المواضع التي قال فيها الحافظ ابن حجر: ((لم أره موصولا عنهما))، وقد ذكر وصله ابن رجب، وسبق موضع آخر (٤٥٦/٨) تحت الباب (٩). (٣) الفريابي في ((أحكام العيدين)) (ص١١٩). ٨ ١ ١ - باب فضل العمل في أيام التشريق وروَى المروزيَّ عن ميمونِ بنِ مهران قالَ: أدركتُ الناسَ وإنهم ليكبرونَ في العشرِ حتى كنتُ أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناسَ قد نقصوا في تركهمُ التكبيرَ. وهوَ مذهبُ أحمدَ، ونصَّ على أنه يجهرُ به، وقالَ الشافعيّ: يكبرُ عندَ رؤيةِ الأضاحي. وكأنه أدخله في التكبيرِ علَى بهيمة الأنعامِ المذكورِ في القرآن، وهو وإن كانَ داخلا فيه إلا أنه لا يختصّ به؛ بل هو أعمّ من ذلكَ - كما تقدمَ -، وهذا على أصلِ الشافعيِّ وأحمد في أنَّ الأيامَ المعلوماتِ هيَ أيامُ العشرِ - كما سبقَ. فأما من قالَ: هيَ أيامُ الذبح، فمنهم من لم يستحب التكبيرَ في أيامٍ العشرِ، وحكيَ عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ. ومنَ الناسِ (٤١٠/م) من بالغَ، وعدّهُ من البدع، ولم يبلغه ما في ذلكَ من السنةِ . وروَى شعبةُ قالَ: سألتُ الحكمَ وحمادًا عن التكبيرِ أيامَ العشرِ؟ فقالا: لا مُحْدَثُ(١). خرَّجَهُ المروزيُّ. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ ابن عُمِرَ، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((ما من أيامٍ أعظم عندَ اللهِ ولا أحب إليه العملُ فيهِ من هذهِ الأيامِ العشر، فأكثروا فيهنّ من التهليلِ، والتكبيرِ، والتحميدِ))(٢). ويُروى نحوه من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا، وفيهِ: ((فأكثروا فيهنّ (١) في ((م)) ((يحدث)) من غير نقط الياء، ولعل المثبت هو الصواب. (٢) أحمد (٧٥/٢، ١٣١). ٩ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين التهليل والتكبيرَ، فإنها أيامُ تهليلٍ وتكبيرٍ، وذكرِ الله عزَّ وجلَّ)). وأما ما ذكره عن محمدِ بنِ عليٍّ في التكبيرِ خلفَ النافلةِ فهوَ في أيام التشريقِ، ومرادُهُ أن التكبيرَ يشرعُ في أيامِ العشرِ، وأيامِ التشريقِ جميعًا، وسيأتي ذكرُ التكبيرِ في أيامِ التشريقِ - فيما بعدُ - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى. قال البخاريُّ رحمَهُ اللهُ تعالَى: ٩٦٩ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ: نَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلم الْبَطين، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴿ قَالَ(١): ((مَا الْعَمَلُ فِى أَنَّامِ أَفْضَلَ مِنَّهَا فِيَّ هَذِهِ)) يَغْنِي أَيَّامَ الْعَشَْرِ(٢) - قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: ((وَلَّ الْجِهَادُ، إِلاَ رَجُلٌ يَخْرُجَ(٣) يُخَاطِرُ بَنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ)». هكذا في أكثرِ النسخِ المعتمدةِ، وفي أكثرِ النسخِ: ((ما العملُ في العشرِ أفضلُ منه في هذِهِ الأيام)) وكأنه يشيرُ إلى أيامِ التشريقِ. والحديثُ بهذا اللفظ غيرُ معروف، وفيه تفضيلُ العملِ في أيامٍ ءُ التشريقِ وأيامِ العشرِ جميعًا، ولعلَّ هذا من تصرفِ بعضِ الرواةِ حيثَ أشكلَ عليهِ إدخالُ الحديثِ باللفظِ المشهورِ في بابِ ((فضلِ العملِ في أيامٍ التشريقٍ)) . والبخاريّ اتبعَ عبدَ الرزاقِ؛ فإنه خرَّجَ هذا الحديثَ في ((مصنفِهِ)) في بابِ ((فضلِ أيامِ التشريقِ)) - أيضًا (٤) -، وقد ذُكرَ أن البخاريّ، وإِن بوّبَ (١) في ((اليونينية)): ((أنه قال)). (٢) قوله: (يعني: أيام العشر)) ليس في ((اليونينية)) والقسطلاني. (٣) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((خرج)). (٤) («المصنف)) (٣٧٦/٤) باب ((فضل أيام العشر)). ١٠ ١ ١- باب فضل العمل في أيام التشريق الحديث: ٩٦٩ على أيام التشريقِ لكنه ذكرَ في البابِ فضلَ أيامِ العشرِ وأيامِ التشريقِ جميعًا، ولهذا ذكرَ عنِ ابنِ عباسٍ تفسيرَ الأيامِ المعلوماتِ والأيامِ المعدوداتِ، وعنِ ابنِ عُمَرَ، وأبي هريرةَ التكبيرَ في أيامِ العشرِ، وعن محمدِ بنِ عليِّ التكبيرَ في أيامِ التشريقِ خلفَ النوافلِ، فعلم أنه أرادَ ذكرَ فضائلِ هذهِ (٤١١/ م) الأيامِ جميعِهَا. وليسَ في فضلِ العملِ في أيامِ التشريقِ حديثٌ مرفوعٌ؛ فخرَّجَ فيه حديثَ فضلِ العملِ في أيامِ العشرِ. وهذا الحديثُ حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، وسليمانُ الذي رواهُ عنهُ شعبةُ هو الأعمشُ. وقد رواهُ جماعةٌ عن الأعمشِ بهذا الإسناد - وهو المحفوظُ -، قاله الدار قطنيُّ، وغيرُهُ(١). واختلفَ على الأعمشِ فيهِ . ورواهُ عن مسلمٍ البَطِينِ معَ الأعمشِ: حَبِيبُ بنُ أبي عَمَرَةَ، ومُخَوَّلُ ابنُ راشد. ورواهُ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ معَ البطينِ: أبو صالحٍ، ومجاهدٌ، وسلمةُ ابنُ كُهِيلٍ، وأبو إسحاقَ، والحكمُ، وعديَّ بنُ ثابتِ وغيرُهم مع اختلاف ے على بعضهم فيهِ . (١) انظر ((العلل)) للدارقطني (٨٧/٥ - ٨٨)، (٤/ ق٤٧ - ب) وفي النسخة التي بين أيدينا خللٌ وسقط، ويسر الله للدكتور/ محفوظ الرحمن إتمام تحقيق هذا الكتاب الكبير النفع، وانظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٦٧/٢). ١١ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين ورواهُ عنِ ابنِ عباسٍ مع سعيدِ بنِ جُبيرٍ: عطاءٌ، وطاوسٌ ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، ومِقْسَمٌّ معَ اختلافٍ على بعضهم يطولُ ذكرُهُ. ولعلَّ مسلمًا لم يخرّجهُ للاختلافِ في إسناده، والله سبحانه وتعالى أعلمُ. وهذا الحديثُ نصٌّ في أن العملَ المفضولَ صيرُ فاضلا إذا وقعَ في زمانٍ فاضلٍ حتى يصيرَ أفضلَ من غيرِهِ من الأعمالِ الفاضلةِ لفضلٍ زمانه، وفي أن العملَ في عشرِ ذي الحجةِ أفضلُ من جميعِ الأعمالِ الفاضلةِ في غيرِهِ، ولا يستثنَى من ذلكَ سوَى فضلُ أنواع الجهادِ، وهو أن يخرجَ الرجلُ بنفسِهِ ومالِه ثم لا يرجعُ منهما بشيءٍ، وقد سُئِلَ النبيُّ وَله: أي الجهاد أفضلُ؟ قالَ: ((من عقرَ جوادُه وأهريقَ دمُهُ))(١)، وسمعَ رجلا يقولُ: اللهمَّ أعطني أفضل ما تعطِي عبادك الصالحينَ، قالَ له: ((إذن يعقر جوادكَ وتستشهد)). فهذا الجهادُ بخصوصِهِ يفضلُ على العملِ في العشرِ . وأما سائرُ أنواع الجهادِ مع سائرِ الأعمالِ؛ فإن العملَ في عشرِ ذي الحجة أفضلُ منها، وفي روايةٍ: ((وأحب إلى الله عزَّ وجلَّ)). فإن قيلَ: فإذا كانَ كذلكَ فينبغي أن يكونَ الحجّ أفضلَ من الجهادِ؛ (١) هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة - بألفاظ متقاربة -، منهم: عبد الله بن حبشي، وجابر، وأبو ذر، وأبو موسى، وعمرو بن عبسة، أمثلها إسنادًا حديث عبد الله بن حبشي، وفيه اختلاف واضطراب نَبَّه عليه إمام الدنيا وأستاذ العلل في كتابه ((التاريخ)) (٢٥/٥)، وأبو حاتم الرازي في ((العلل)) (١٤٩/٢)، وراجع («الحلية)) (٣٥٧/٣)، وكذلك كلام الحافظ في ((الإصابة)) (٥٢/٤). ١٢ ١ ١- باب فضل العمل في أيام التشريق الحديث: ٩٦٩ لأن الحجّ يختصّ بهذا العشرِ، وهو من أفضلِ أعمالِهِ، ومع هذا فالجهادُ أفضلُ منه لما في ((الصحيحين))، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ أنه قالَ: ((أفضلُ الأعمال: الإيمانُ بالله، ثم الجهادُ في سبيلِ (٤١٢/ م) اللهِ، ثم حجّ مبرورٌ)(١). قيلَ: للجمع بينهما وجهان : أحدهما: أن يكونَ الحجّ أفضلَ من سائرِ أنواعِ الجهادِ إلا الجهادَ الذي لا يرجعُ صاحبُهُ منه بشيءٍ من نفسِهِ وماله، فيكونُ هذا الجهادُ هو الذي يفضلُ على الحجِّ خاصةً. وقد رُويَ عن طائفةٍ من الصحابةِ تفضيلُ الحجِّ على الجهادِ، ومنهم: عُمرُ، وابنُه، وأبو موسَى وغيرُهم، وعن مجاهدٍ، وغيرِهِ، فيحمل على تفضيله على ما عدَا هذا الجهادَ الخاصَّ، ونجمع بذلك بينَ النصوصِ كلِّهَا . الوجه الثاني: أن الجهادَ في نفسِهِ أفضلُ من الحجِّ؛ لكن قد يقترن بالحجِّ ما يصيرُ بهِ أفضلَ منَ الجهاد، وقد يتجردُ عن ذلكَ فيكونُ الجهادُ أفضلَ منه حينئذٍ، ولذلك أمثلةٌ: منها: أن يكونَ الحجُّ مفروضًا فيكونُ حينئذٍ أفضلَ منَ التطوعِ بالجهادِ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، وقد رُويَ صريحًا عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، ورُويَ مرفوعًا من وجوهِ متعددةٍ في أسانيدِهَاَ لِينٌ(٢)، (١) البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣)، وقد سبق في ((كتاب الإيمان)). (٢) الكلام السابق بتمامه عند المصنف في كتابه ((لطائف المعارف)) (ص: ٤٦٣). ١٣ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ، وقدْ دلَّ عليه قولُ النبيِّ وَِّ حكايةً عن ربِّهِ عزَّ وجلَّ: ((ما تقربَ إليَّ عبدي بمثلِ ما افترضتُ عليهِ)). وقد خرَّجهُ البخاريّ في كتابه هذا (١). ومنها: أن يكونَ الحاجُّ ليسَ من أهلِ الجهادِ، فحجّهُ أفضلُ من جهاده كالمرأة. وقد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ عائشةَ أنها قالتْ: يا رسولَ الله! نرى الجهادَ أفضلَ العمل، أفلا نجاهدُ؟ قالَ: ((لكن أفضلُ الجهادِ حجّ مبرورٌ)(٢). ومنها: أن يستوعبَ عملُ الحجِّ جميعَ أيامِ العشرِ، ويؤتى به على أكملِ الوجوهِ: وجوه البر، من أداءِ الواجباتِ، وفعلِ المندوباتِ، واجتنابِ المحرماتِ والمكروهاتِ مع كثرةٍ ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ والإحسانِ إلى عبادِهِ وكثرةِ العجِّ والثجِ(٣)، فهذا الحجّ قد يفضل على الجهاد وقد يحمل عليه ما رُويَ عنِ الصحابةِ من تفضيلِ الحِجِّ على الجهادِ - كما سبقَ -، وإن وقعَ عملُ الحَجِّ في جزءٍ يسيرٍ منَ العشرِ، ولم يؤتَ به على الوجهِ الكاملِ من البرِّ، فإن الجهادَ - حينئذ - أفضلُ منه. ويدلُّ عليه - أيضًا: أن النبيَّ وَ ◌ِّ لَما سُئِلَ عن عملِ يعدلُ الجهادَ فقالَ: ((هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ(٤) أن تقومَ فلا تَفْتُرَ وتصومَ فلا (١) البخاري (٦٥٠٢ - فتح)، وهو حديث: ((من عادى لي وليا ... )). (٢) البخاري (١٥٢٠ - فتح). (٣) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي والأضاحي ((نهاية)). (٤) السياق في (م)) كالآتي: (( .. إذا خرج المجاهد على أن تقوم .. )) كذا. ولفظة ((على)) لعلها زائدة وجاءت العبارة في ((صحيح الإمام البخاري)) هكذا: (( ... إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم .. )) انتهى. ١٤ ١ ١- باب فضل العمل في أيام التشريق الحديث: ٩٦٩ تُفْطِرُ))(١)، فدلَّ على أن العمل في فتور في أي وقت كان يعدلُ الجهادَ، فإذا وقعَ هذا العملُ الدائمُ في العشرِ بخصوصِه كان أفضلَ في عدد أيامِهِ من سائرِ السنةِ إلا من أفضلِ (٢) الجهادِ بخصوصه - كما تقدّم -؛ ولهذا كانَ سعيدُ بنُ جُبيرِ - وهو راوي هذا الحديثِ عن ابنِ عباسٍ - إذا دخلَ العشرُ اجتهدَ اجتهاداً حتى ما يكادُ يقدرُ عليه، ورُويَ عنهُ أنه قَال: لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادةُ. فإن قيلَ : هل المرادُ تفضيلُ العملِ في هذا العشرِ على العملِ في كلِّ عشرٍ غيرِهِ من أيامِ الدنيا فيدخلُ في ذلكَ عشرُ رمضانَ، وغيرُه أم (٤١٣/م) على العملِ في أكثرٍ من عشرٍ أُخَرَ منَ الأيامِ وإن طالت المدةُ؟ قيلَ : أما تفضيلُ العملِ فيه على العملِ في كلِّ عشرٍ غيرِه فلا شكَّ في ذلكَ، ويدلُّ عليه: ما خرَّجهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِه)) من حديثٍ جابرٍ، عنِ النبيِّ وَّ قالَ: ((ما من أيامٍ أفضلَ عندَ اللهِ من أيامٍ عشرِ ذي الحجة)) فقالَ رجلٌ: يا رسولَ [الله](٣)! هو (٤) أفضلُ أو عدتهن جهادٌ في سبيلِ اللهِ؟ قال: ((هو أفضلُ من عِدَّتِهِنَّ جهادٌ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(٥). فيدخلُ في ذلكَ تفضيلُ العملِ في عشرِ ذي الحجةِ على العملِ في (١) البخاري (٢٧٨٥ - فتح). (٢) كذا في ((م)). (٣) ما بين المعقوفين ليس في ((م)). (٤) كذا، وهو كذلك في ((صحيح ابن حبان)) غير أن محققه استبدل المثبت في ((التقاسيم)) بالمثبت في ((الموارد)) . (٥) ابن حبان (٩/ ١٦٤ - إحسان). ١٥ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين جميعِ أعشارِ الشهور كلِّها، ومن ذلكَ عشرُ رمضانَ لكنَّ فرائضَ عشرٍ ذي الحجةِ أفضلُ من فرائضِ سائرِ الأعشارِ، ونوافلَهُ أفضلُ من نوافلها . فأما نوافلُ العشرِ فليست أفضلَ من فرائضِ غيرِهِ - كما سبقَ تقريرُهُ في الحجِّ والجهادِ -، وحينئذٍ فصيامُ عشر رمضانَ أفضلُ من صيامِ عشرِ ذي الحجةِ؛ لأن الفرضَ أفضلُ من النفلِ. وأما نوافلُ عشرِ ذي الحجةِ فأفضلُ من نوافلِ عشرِ رمضانَ، وكذلكَ فرائضُ عشرِ ذي الحجة تضاعفُ أكثر من مضاعفةِ فرائضٍ غيرِهِ وقد كانَ عُمرُ يستحبُّ قضاءً رمضانَ في عشرِ ذي الحجةِ لفضلِ أيامِهِ، وخالفه في ذلكَ عليٍّ، وعلل قولَه باستحبابِ تفرغ أيامِه للتطوع، وبذلكَ عللَه أحمدُ، وإسحاقُ، وعن أحمدَ في ذلك روايتان. وأما تفضيلُ العملِ في عشرِ ذي الحجةِ لفَضلِ أيامِه على العملِ في أكثرِ من عشرةِ أيامٍ من غيرِهِ، ففيه نظرٌ . وقد رُويَ ما يدلُّ عليه، فخرجَ الترمذيُّ، وابنُ ماجه من رواية النَّهَّاسِ(١) بنِ قَهْمٍ، عن قتادةَ، عنِ ابنِ المسيبِ، عن أبي هريرةً(٢)، عنِ النبيِّ وَّ قالَ: ((ما من أيامٍ أحبُّ إلى اللهِ أن يُتَعَبَّدَ له فيها من عشرِ ذي الحجةِ، يُعْدَلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها بسنةٍ، وكلِّ ليلةٍ منها بليلةِ القدرِ))(٣). (١) رسمها في ((م): ((الهاس)) والصواب ما أثبتناه. (٢) عدّ الحافظ ابن رجب في ((شرح العلل)) (٨٤٥/٢) هذا الإسناد: «قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة)) ضمن ((الأسانيد التي لا يثبت منها شيء، أو لا يثبت منها إلا شيء يسير مع أنه قد روي بها أكثر من ذلك)) ونقل عن البرديجي قوله: ((هذه الأحاديث كلها معلولة، وليس عند شعبة منها شيء، وعند سعيد بن أبي عروبة منها حديث، وعند هشام منها آخر وفيهما نظر)) انتهى. (٣) الترمذي (٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٨)، وانظر ((العلل)) للدار قطني (١٩٩/٩). ١٦ ١ ١- باب فضل العمل في أيام التشريق الحديث: ٩٦٩ والنهاسُ ضعفوه، وذكرَ الترمذيّ، عنِ البخاريِّ أن الحديثَ يُروى عن قتادةَ، عنِ ابنِ المسيبِ مرسلا. ورَوَى ثُويرُ بنُ أبي فَاختَةَ - وفيه ضعفٌ -، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عُمرَ قالَ: ليسَ يومٌ أعظمَ عند اللهِ من يوم الجمعة ليس العشرُ؛ فإن العملَ فيه يعدلُ عملَ سنةٍ . وممن رُويَ عنه أن صيامَ كلِّ يومٍ من العشر يعدلُ سنةً: ابنُ سيرينَ، وقتادةٌ. وعنِ الحسنِ: صيامُ يومٍ منه (٤١٤/ م) يعدلُ شهرينٍ(١) . وروى هارونُ بنُ موسى النحويُّ: سمعتُ الحسنَ يحدثُ عن أنسِ قالَ: كانَ يقالُ في أيامِ العشرِ: بكلِّ ألفُ يومٍ، ويومُ عرفةَ عشرةُ آلاف يومٍ . وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) من حديث أبي قتادةَ مرفوعًا: ((إن صيامَهُ كفارةٌ سنتينٍ))(٢). وهذه النصوصُ تدلُّ على أن كلَّ عَملِ في العشرِ فإنه أفضلُ من العملِ في غيره إما سنةً أو أكثرَ من ذلكَ أو أقلَّ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى أعلمُ بحقيقةِ ذلكَ كلِّه . (١) خرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٧٨/٤). (٢) أخرجه مسلم (١١٦٢) من حديث عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة. وقد أبان البخاري عن علته في ((التاريخ الكبير)) (١٩٨/٥) فقال: ((لا نعرف سماعه من أبي قتادة)» ورُويَ من وجوه أخر عن عدة من الصحابة ولا يصح منها شيء والله أعلم. ١٧ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين وحديثُ جابر الذي خرَّجهُ ابنُ حبانَ يدلَّ على أن أيامَ العشرِ أفضل من الأيامِ مطلقًا(١). وقد خرَّجه أبو موسَى المدينيُّ(٢) من الوجه الذي خرَّجهُ ابنُ حبانَ بزيادة فيه، وهي: ((ولا لياليَ أفضلُ من ليالهنَّ)). وفي ((مسندِ البزارِ)) من وجهِ آخر، عن جابرٍ، عنِ النبيِّ قالَ: ((أفضلُ أيامِ الدنيا أيام العشرِ))(٣). صَلَى اللّه وَسلم ءُ ورُويَ مرسلا، وقيلَ: إنه أصحّ. وقد سبقَ قولُ ابنِ عُمرَ في تفضيلِ أيامِ العشرِ على يومِ الجمعةِ الذي هو أفضلُ أيامٍ الدنيا . وقالَ مسروقٌ في قوله ﴿وَلَيَالِ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]: هِيَ أفضل أيامٍ ے السنةِ(٤). وهذا العشرُ يشتملُ على يومٍ عرفةَ. وفي ((صحيحِ ابنِ حبانَ)) عن جابرٍ مرفوعًا: ((إنه أفضلُ أيامِ الدنيا، وفيه يوم النحرِ)). وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ قُرْطٍ، عَنِ النّبِيِّ بَّهِ قالَ: ((أعظمُ الأيامِ عندَ اللهِ: يومُ النَّحْرِ ثم يومُ القَرِّ). خرَّجهُ أبو داودَ وغيرُه(٥). (١) تقدم قريبًا (ص١٥). (٢) في ((م): ((المدني)) والصواب ما أثبتناه وهو كذلك في ((لطائف المعارف)) للمؤلف (ص: ٤٦٧، ٤٦٨) . (٣) البزار (٢٨/٢ - كشف). (٤) عبد الرزاق (٣٧٦/٤). (٥) أبو داود (١٧٦٥)، وأحمد (٣٥٠/٤). ١٨ ١ ١- باب فضل العمل في أيام التشريق الحديث: ٩٦٩ وقد سبقَ في الحديثِ المرفوعِ: ((إن صيامَ كلِّ يومٍ بسنةٍ، وقيامَ كلِّ ليلةٍ منه يعدلُ ليلةَ القدرِ))(١). وهذا يدلُّ على أن عشرَ ذي الحجةِ أفضلُ من عشرِ رمضانَ - لياليه وأيامه - وقد زَعَمَ طائفةٌ منْ أصحابنَا أن ليلةَ الجمعة أفضلُ من ليلة القدر . وقد تقدمَ عنِ ابنِ عُمرَ أن أيامَ العشرِ أفضلُ من يومِ الجمعةِ فلا يستنكرُ - حينئذ - تفضيلُ ليالي عشرِ ذي الحجةِ على ليلة القدرِ، وعلى تقديرِ أن لا يثبتَ ذلكَ، فقالَ بعضُ أعيان أصحابنا المتأخرينَ: مجموعُ عشرِ رمضانَ، وإن كانَ في عشرِ رمضانَ ليلةٌ لا يفضلُ عليها غيرُها واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ. وروى سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن كَعبٍ: أحبُّ الزمانِ إلى (٤١٥/م) الله: الشهرُ الحرامُ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله: ذو الحجة، وأحبّ ذي الحجةِ إلى الله: العشرُ الأول. ورُويَ عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، ولا يصحُّ(٢). وكذا قالَ سعيد بن جبير: ما من الشهورِ أعظمُ حرمةً من ذي الحجة . وفي ((مسندِ البزارِ)) من حديثِ أبي سَعِيدٍ مرفوعًا: ((سَيِّدُ الشهور: ےے (١) حديث النهاس المتقدم (ص١٦). (٢) هذا الحديث تفرد به: عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن سهيل واستنكره ابن عدي بإيراده له في ترجمته من ((الكامل)) (٢٧٨/٤) وتبعه على ذلك الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٥٧٢) . ١٩ الحديث: ٩٦٩ كتاب العيدين رمضانُ، وأعظمُها حرمةً: ذو الحجةِ))(١) وفي إسنادِهِ مقالٌ. وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ»، عن أبي سَعِيدٍ أن النبيَّ بَّ قالَ في خطبتِهِ في حجة الوداعِ يومَ النحرِ: ((ألا إنَّ أحرمَ الأيام: يومُكُم هذا، وأحرمَ الشهورِ: شهرُكُم هذا وأحرَمَ البلادِ: بلدُكُم هذا))(٢) . ورُويَ هذا من حديث جابرٍ، ووابصةَ، ونُبيطِ بنِ شَريطٍ، وغيرِهم - أيضًا . وهذا كلُّه يدلُّ على أن شهرَ ذي الحجةِ أفضلُ الأشهرِ الْحُرُمِ حيثُ كانَ أعظمَهَا حرمةً. ورُويَ عن الحسنِ أن أفضلَها: المحرمُ. وأما ما قاله بعضُ الفقهاء الشافعية أن أفضلَها رجبٌ، فقولُه ساقطٌ مردودٌ، واللهُ تعالى أعلمُ (٣) . (١) البزار (٤٥٧/١ - كشف)، وانظر ((كشف الخفاء)) (٥٥٧/١ - ٥٥٨). (٢) أحمد (٣/ ٨٠). (٣) انظر أكثر هذه المباحث في ((لطائف المعارف)) للمؤلف (ص ٤٥٨ - ٤٧٨) بتحقيق ياسين السواس . ٢٠