النص المفهرس
صفحات 321-340
الحديث : ٩٣٧ ٣٩ - بابُ الصَّلَاة بَعْدَ الْجُمُعَة وَقَبْلَهْا ٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَُ: أَنَا مَالِكٌّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ كَانَ يُصَّلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَّا رَكْعَتَيَّن، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاء رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَّرِفَ فَيُصَّلِّي رَكْمَتَيْنِ. وقد خَرَّجَهُ في أبوابِ صلاةِ التطوعِ من طرقٍ أخرى، عن نافع(١)، ومن طريقِ سالمٍ(٢)، عن أبيهِ والمعنى متقاربٌ. وقد دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ النبيَّ ◌َسَّ كانَ لا يصلّي بعدَ الجمعةِ في المسجد شيئًا، وأنَّه كانَ ينصرفُ إلى بيته فيصلِّي ركعتينِ فتضمَّن ذلك استحبابَ شيئينٍ: أحدُهما: صلاةُ ركعتين بعدَ الجمعة . والثاني: أنْ تكونَ في البيتِ . وقد كانَ ابنُ عمَرَ يفعلُهُ بالمدينة فيرجعُ إلى بيتِهِ فيصلِّي ركعتينٍ، وكانَ ينهى عن صلاتهِما في المسجدِ، ويقولُ لَمَنْ يفعلُهُ: صلَّى الجمعَةَ أربعًا. وكانَ إذا كانَ بمكّةَ يتَقدمُ من موضعٍ صلاتِهِ فيصلِّي ركعتَيْنِ، ثُمّ يَنْتَقِلُ عنه فيصلِّي أربعًا(٣) . (١) (الفتح: ١١٧٢). (٢) (الفتح: ١١٦٥). (٣) انظر ((سنن)) أبي داود (١١٣٠) و((مصنف)) عبد الرزاق (٢٤٦/٣ - ٢٤٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٣٢/٢). ٣٢١ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة وفي صحيح مسلمٍ (١)، عن سهيلٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((مَنْ كانَ منكم مُصَلًِّا بعدَ الجمعة فليصلِّ أربعًا)). وفي رواية له(٢): قال سهيلٌ: فإنْ عَجَّلَ بكَ شيءٌ فصلِّ ركعتينٍ في المسجد، وركعتينٍ إذا رجعتَ. وقد وقعَ في غيرِ مسلمٍ هذا الكلامُ عن سهيلٍ من قوله (٣). وقد اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بين حديثِ ابنِ عمرَ، وحديثِ أبي هريرةَ : فقالتْ طائفةٌ: هو مخيَّرٌ بينَ أنْ يصلِّيَ ركعتَيْنِ وأَرْبْعًا عَمَلا بِكُلِّ واحد من الحديثَيْنِ وهُوَ قَوْل أحمدَ في رواية عنهُ (٤) . وظاهرُهُ أنَّه لا فضلَ لأحدهما على الآخرِ، ورُويَ عنه أنَّه قالَ: يصلِّي ركعتينِ ولا يعيبُ على من صلى أربعًا (٣٤٢/ م) لحديث أبي هريرةً(٥)، وظاهرُهُ أنَّ الأفضلَ الأخذُ بحديثِ ابنِ عمرَ؛ لأنَّه أثبتُ إسنادًا . (١) (٨٩/٨٨١). (٢) (٨٨١)، وقال ابن عدي: ((وأما حديث سهيل في الجمعة فهو مشهور عن سهيل)) انتهى من ((الكامل)) (٢٣٣/٦)، وانظر ((العلل)) للحافظ الدار قطني (١٩١/٨ - ١٩٣) مع كلام الحافظ ابن رجب - الآتي بعد قليل -: ((وظاهره أن الأفضل الأخذ بحديث ابن عُمر لأنه أثبت إسنادًا)» ا. هـ. (٣) قال الإمام أحمد كما في ((مسائل)) ابن هانىء (٢٠٩/٢): ((قال ابن إدريس: (يصلى ركعتين في بيته)) هو من قول أبي صالح)) انتهى. (٤) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ /١٢٥). (٥) انظر ((مسائل)) عبد الله (ص: ١٢١)، وأبي داود (ص: ٥٩). ٣٢٢ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ وقالتْ طائفةُ: يجمعُ بينهما فيصلي سِتّا، نقلَه إبراهيمُ الحربي عن أحمدَ، وقالَ: يجمعُ بينهما على وجهِ بينَ أمرِ النبيِّ وَلَّ وفعْله. ونقلَ عنه ابنُ هانىء(١) قال: يصلي سِتّا لأمرٍ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ بذلك وهذا مأخذٌ آخرُ. وقالتْ طائفةٌ: يُجمعُ بينهما على وجهٍ آخرَ، فإنْ صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيتِهِ صلَّى ركعتَيْنِ. وهو قولُ إسحاقَ واستدلَّ - أيضًا - بقولِ عمرَ (٢)، وابنِ مسعودٍ: ولا يصلّي ركعتَيْنِ بعدَ مكتوبةٍ مثلها، قال: فإذا صلى في المسجدِ ركعتَيْنِ فقدٍ صلَّى بعدَ المكتوبةِ مثلها فيصلّي أربعًا، وأما إذا صلَّى في بيته ركعتَيْنِ فإنَّ المشي إلى بيتِهِ فاصلٌ بينَ المكتوبةِ وغيرها . وقالتْ طائفةٌ: يجمعُ بينهما على وجهٍ آخرَ، وهو أنَّ الإمامَ يصلِّي في بيتِهِ ركعتَيْنِ والمأموم يُصلِّ أربعًا في المسجدِ . وهذا قولُ أبي خيثمةَ زهيرِ بنِ حربٍ وأبي إسحاقَ الجوزجانيِّ، وتبويبُ النسائيِّ(٣) يدلَّ عليه - أيضًا - وكان عليّ بن أبي طالبٍ يأمر بُصلاةِ ستِّ ركعاتٍ بعدَ الجمعةِ، وكانَ ابنُ مسعودٍ يأمرُ بأربعٍ . قالَ عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلمِي: علَّمنا عبدُ الله ابنُ مسعودٍ أن نصلّيَ بعدَ الجمعةِ أربعًا، ثُمَّ جاءَ عليٌّ بنُ أبي طالبَ (١) ((مسائله)) (٨٩/١). (٢) كذا في ((م)) والصواب: ((ابن عمر))، وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ /١٢٥). (٣) ((المجتبى)) (١١٣/٣) وهو: ((عدد الصلاة بعد الجمعة في المسجد)). ٣٢٣ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة فعلمنا أن نصلّي سِتّا(١). وكانَ عمرانُ بنُ حصينٍ يصلّي بعدَ الجمعةِ أربعًا (٢). ورُويَ عَنْ عليٌّ من وجهِ آخرَ منقطعٍ، وعن أبي موسى الأشعريِّ أنَّه كانَ يُصلِّي سِتّا وكانَ الحسنُ يصلِّي ركعتينِ ومسروقٌ يُصلِّي ركعتينِ ثُمَّ أَرْبِعًا(٣) . ونصَّ الشافعيُّ في ((الأمِّ)(٤) أَنَّه يصلِّي بعدَ الجمعةِ أَرْبعًا . وحكى الترمذيُّ(٥) عنه أَنَّه يصلِّي ركعتَيْنِ. وقد تقدَّمَ عن ابنِ عمرَ أَنَّه كانَ يصلِّي في بيتِهِ ركعتَيْنِ وفي المَسْجِدِ سِتّا: ركعتَيْنِ ثم أربعًا، يفصلُ بينهما. قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: يصلِّي ركعتَيْنِ يسلِّمُ فيهما، ثُمَّ يصلِّي أَرْبعًا لا يسلِّمُ إلا في آخرهِنَّ (٣٤٣/ م). وقالَ أحمدُ في روايةٍ عنهُ(٦): إنْ شَاءَ صلَّى أَرْبعًا، وإنْ شَاءَ صلَّى سِتّا ولا يُكرهُ تركُ الصلاةِ بعدَ الجمعةِ أحيانًا، نصَّ (١) انظر ((مصنف)) عبد الرزاق (٢٤٧/٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٣٢/٢). وقال ابن أبي حاتم في ((مراسيله)) (ص: ١٠٦ - ١٠٧): ((حدثنا أبي: نا معاوية بن صالح ابن أبي عبيد الله الأشعري: نا يحيى بن معين: نا حجاج، عن شعبة قال: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان، ولا من عبد الله بن مسعود ولكنه قد سمع من علي - رضي الله عنهم))، وانظر ((تقدمة الجرح والتعديل)) (١/ ١٣١). وحديث أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان عند الإمام البخاري في ((الصحيح)) والمقام لا يحتمل تحرير هذه المسألة. (٢) المصدر السابق (٢٤٨/٣)، (١٣٢/٢). (٤) (١٣٩/١). (٣) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٢٥/٤). (٥) في ((الجامع)) عقب حديث (٥٢١). (٦) انظر ((مسائل)) عبد الله (ص: ١٢١). ٣٢٤ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ عليه أحمدُ، واستدلَّ بأنَّ عمرانَ بنَ حصين تركها مرَّةً حيثُ كانَ يصلِّي ٩ أَرْبعًا بعدَ صلاة الجمعة خلفَ زياد، فقيلَ عنه: إنَّه لا يعتدَّ بصلاته خلفَ زياد، فأنكرَ ذلكَ، ثم صلَّى الجمعةَ الثانيةَ، ولم يصلِّ شيئًا حتَّى صلَّى العصر . وأمَّا مكانُ الصَّلاةِ بعدَ الجمعةِ: فالأفضلُ أنْ يكونَ في البيتِ لمنْ له بيتٌ يرجعُ إليه كما كانَ ابنُ عمرَ يفعلُهُ، ويأمرُ به. فإنْ صلَّى في المسجد: فهل يُكرَهُ أم لا؟ ذهبَ الأكثرونَ إلى أنَّه لا يُكرِهُ؛ ولكن يُؤمِرُ بالفصلِ بينها وبينَ صلاةِ الجمعةِ. وقد سبقَ حديثُ السائبِ بنِ يزيدَ، عن معاويةَ في ذلك . وقالَ عكرمةُ: إذا صليتَ الجمعةَ فلا تَصِلْها بركعتَيْنِ حتَّى تَفْصِلَ بينهما بتحولٍ أو كلامٍ(١). وقالَ قتادةُ: رأى ابنُ عمرَ رجلا يصلِّي في مقامه الَّذي صلَّى فيه الجمعةَ، فَنَهَاهُ عنه وقالَ: ألا أَرَاكَ تصلِّي في مقامِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ قتادةُ: فذكرتُ ذلكَ لابنِ المسيّبِ فقالَ: إنما يُكُرُهُ ذلكَ للإمامِ يومَ الجمعة . ومذهبُ مالكِ أنَّه يُكرهُ للإمامِ أنْ يصلِّيَ بعدَ الجمعةِ في المسجدِ ، ولا يُكرهُ للمأمومِ إذا انتقلَ من موضعِ مصلاهُ. وقد رُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ، قالَ عبدُ الرزاقِ (٢): أخبرني ابن جريج: (١) انظر ((مصنف)) عبد الرزاق (٢٤٩/٣ - ٢٥٠). (٢) في ((المصنف)) (٢٤٨/٣). ٣٢٥ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة أخبرني عطاءٌ أنَّ عمرو بنَ سعيدٍ (١) صلَّى الجمعةَ، ثُمَّ رَكَعَ على إِثْرِهَا ركعتَيْنِ في المسجد، فَنَهَاهُ ابنُ عمرَ عنْ ذلكَ، وقالَ: أمَّا الإمامُ فلا، إذا صَلَّيْتَ فَانْقَلِبْ، فَصَلِّ في بيتِكِ ما بدا لك إلا أن تطوفَ، وأمَّا الناسُ فإِنَّهم يصلُّونَ في المسجد. وفي صلاةِ الإمامِ في الجامعِ بعدَ (٢) الجمعةِ حديثٌ منْ روايةِ عاصمٍ ابنِ سويدٍ، عن محمدِ بنِ موسى بنِ الحارثِ، عن أبيهِ، عن جابرِ بنِ عبد الله قالَ: أَتَّى رسولُ اللهِ وَجَّه بَنِي عمرِو بنِ عوفِ يومَ الأربعاءِ، فقالَ: ((لو أنَّكُمْ إذا جِئْتُم عِيْدَكُمْ هذَا صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَسْمَعُوا مِنْ قَوْلِي) قالوا: نَعَمْ بأَبينا أَنْتَ يا رسولَ الله وأُمَّهاتنا، قالَ: فلمَّا حَضَرُوا الجمعةَ صلَّى لهم رسولُ اللهِ وَّهِ الجمعةَ ثُمَّ (٢/٣٤٤) صلَّى ركعتَيْنِ بعدَ الجمعةِ في المسجدِ ولم يُرَ يصلِّي بعدَ الجمعةِ في المسجدِ، وكان ينصرفُ إلى بَيْتِهِ قبلَ ذَلِكَ اليومِ. خرَّجَهُ ابنُ حبّانَ في (صَحِيحِهِ) والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ(٣). وقالَ بعضُ المتأخرينِ: محمدُ بنُ موسى بنُ الحارثِ لا يُعرفُ (٤). وخرَّجَهَ البزارُ في ((مسندِ) وعندَهُ: عن موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ ابنِ الحارثِ، عن أبيهِ، عن جابرٍ؛ فإنْ كانَ ذلكَ محفوظًا فهو موسى بن (١) وقع في ((المصنف)): ((شعيب))!، وبين عمرو بن شعيب وابن عمر مفازة. (٢) قوله ((الجامع بعد)) سقط من أصل ((م)) وأُلحق بهامشه وكتب فوقه: ((لعله)). (٣) ابن حبان (٢٣٢/٦ - ٢٣٣ / إحسان)، والحاكم (١٣٣/٤) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٨٣/٣). (٤) أدخله ابن حبان في ((الثقات)) (٣٩٧/٧)، وانظر ((اللسان)) (٣٩٩/٥). ٣٢٦ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ محمد بنِ إبراهيم التيميُّ وهو منكرُ الحديثِ جدًا (١). وخرَّج النسائيُّ(٢) من رواية شعبةً، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عمرَ أنَّه كانَ يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ يطيلُ فيهما ويقولُ: كانَ رسولُ اللّه ◌َ خَلِ يفعلُه. وذكرُ إطالة الركعتينِ بعدَ الجمعة غريبٌ. وقد روى عن واحدٍ عن غيرِ(٣) أيوبَ في هذا الحديث أنَّ الإطالةَ إِنما كانتْ في الصلاةِ قبلَ الجمعةِ - كما سنذكرُه. وقد بوَّب البخاريُّ على الصلاة بعدَ الجمعة وقبلَها كما بوَّب عليه عبدُ الرزاقِ والترمذيُّ في (كتابيهما)) (٤)؛ إلا أنَّهما ذكراً في الصلاةِ قبلَها آثارًا موقوفةً غيرَ مرفوعةٍ ولم يذكرِ البخاريّ فيها شيئًا. إما لأنَّ المرفوعَ فيها ليس على شرطه - وفيها أحاديثُ مرفوعةٌ فى أسانيدها نظرٌ . أو لأنَّ الَّذي فيها كلَّه موقوفٌ فلم يذكره لذلكَ. أو لأنَّه اجتزاً عنه بحديث سلمانَ الَّذي خرّجه - فيما تقدّمَ (٥) - في موضعين؛ فإنَّ فيه: ((وصلَّى ما كتبَ له ثم أنصتَ إذا تكلّم الإمامُ))؛ فإنّ 193 هذا يدلّ على فضلِ الصلاةِ قبلَ الجمعةِ لا سيّما وفيه في إحْدى الرِّوايتين (١) ((تهذيب الكمال)) (١٣٩/٢٩ - ١٤٢). (٢) فى ((المجتبى)) (٣/ ١١٣). (٣) كذا في ((م)) والمعنى غير قويم، ولعل الصواب: ((وقد روى غير واحد عن أيوب ... )) والله أعلم . (٤) ((المصنف)) (٢٤٦/٣)، و((الجامع)) (٣٩٩/٢). (٥) (٨٨٣). ٣٢٧ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة للبخاريِّ: (ثُمَّ راحَ))؛ والرَّواحُ حقيقةً لا يكونُ حقيقةً إلا بعدَ الزوال - كما سبقَ ذكرُه(١) - فعلى هذا يكونُ ترغيبًا في الصلاةِ بعدَ زوالِ الشمسِ يومَ الجمعةِ من غيرِ تقديرٍ للصلاةِ فيكونُ أقلُّ ذلك ركعتينِ والزيادةُ عليهما بحسبِ اليسيرِ . وإنْ قيلَ: إنَّ الرَّواحَ هنا بمعنى: الذهابَ؛ فإنَّه يدلُّ على استحباب الصلاة يومَ الجمعةِ قبلَ خروجِ الإمامِ من غيرِ تفصيلٍ بينهما(٢) قبلَ زوال الشمسِ وبعده . ورَوَى (٣٤٥/م) ابنُ عليةَ، عن أيوبَ، عن نافع قالَ: كانَ ابنُ عمرَ يطيلُ الصلاةَ قبلَ الجمعةِ، ويصلِّي بعدها ركعتينِ في بيته، ويحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ وَلّ كانَ يفعلُ ذلكَ. خرَّجه أبو داودَ، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) من طريقٍ وهيبٍ، عن أيوبَ، عن نافع أنَّ ابنَ عمرَ كانَ يغدو إلى المسجدِ يومَ الجمعةِ فيصلِّي ركعاتِ يطيلُ فيهن المقام(٤)، فإذا انصرفَ الإمامُ رجعَ إلى بيته فصلَّى ركعتينٍ، وقالَ: هكذا كانَ رسولُ اللهِ بَ لَهِ يَفعلُ. وظاهرُ هذا يدلُّ على رفعٍ جميعِ ذلكَ إلى النبيِّ بَّهِ: صلاتُه قبلَ الجمعة وبعدها في بيتِهِ؛ فإنَّ اسمَ الإشارةِ يتناولُ كلَّ ما(٥) قبلَه مما قَرُبَ وبَعُدَ، صرَّح به غيرُ واحد من الفقهاء والأصوليينَ، وهذا فيما وُضعَ (١) (٩١٠). (٢) ضرب عليها في ((م)) وكتب بعدها: ((بينما)) ولعل المثبت هو الصواب، والله أعلم. (٣) ((السنن)) (١١٢٨)، و((المسند)) (١٠٣/٢). (٤) كذا في ((م)) وفي المطبوع من ((المسند)): ((القيام)) وهو المناسب. (٥) في ((م): ((كلما)). ٣٢٨ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ للإشارة إلى البعيد أظهرُ مثلَ لفظة (ذلكَ)) فإنَّ تخصيصَ القريب بها دونَ البعيد يخالفُ وضعَها لغةً. وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن نافع قالَ: كانَ ابنُ عمرَ يصلِّي قبلَ الجمعةِ اثنتي عشرةَ ركعةٍ (١). وعن ابنِ جريج أنَّه قالَ لعطاء: بَلَغني أنَّك تركعُ قبلَ الجمعةِ ثنتي عشرةَ ركعةً، فما بَلَغك في ذلكَ؟ فذكَر له حديثَ أمِّ حبيبةَ المرفوعَ: ((مَنْ ركعَ ثنتي عشرةَ ركعةً في اليومِ والليلةِ سوى المكتوبةِ بنى اللهُ له بيتًا في الجنة))(٢). وقد تقدَّمَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كانَ يأمرُ أنْ يُصلَّى قبلَ الجمعةِ أربعًا . وروى الطحاويُّ(٣) بإسنادِهِ عن جَبَلَةَ بنِ سُحيمٍ قَالَ: كانَ ابنُ عمرَ يصلِّي قبلَ الجمعةِ أربعًا لا يفصلُ بينهنَّ بسلامٍ، وبعدَ الجمعةِ ركعتينٍ، ثمّ أربعًا . وروى ابنُ سعدٍ في (طبقاتِهِ))(٤) بإسنادِهِ عن صفيةَ بنتِ حُيَيِّ - أمِّ المؤمنينَ - أَنَّها صلَّتْ الجمعةَ مع الإمام، فصلَّتْ قبلَ خروجه أربعًا . وقالَ النَّخعيُّ: كانوا يحبونَ أنْ يصلُّوا قبلَ الجمعة أربعًا. خرَّجِه ابنُ أبي الدنيا في ((كتابِ العيدينِ)) بإسنادٍ صحيحٍ. (١) انظر (الأوسط)) لابن المنذر (٤ /٩٧)، ولم أقف على الأثر في مظانه من ((مصنف)) عبدالرزاق . (٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٤٦/٣). (٣) في (شرح المعاني)) (٣٣٥/١). (٤) (٨/ ٤٩١) . ٣٢٩ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة وقد رَوى ابنُ أبي خيثمةَ في ((تاريخِهِ)) من طريقِ الأعمشِ، عن النخعيِّ قالَ: ما قلتُ لكمْ كانوا يستحبونَ فهو (٣٤٦/م) الَّذي أجْمعوا عليه . وثمَّنْ ذهبَ إلى استحبابِ أربعِ ركعاتٍ قبلَ الجمعةِ: حبيبُ بنُ أبي ثابت، والنَّخعيُّ، والثوريُّ، وابنُ المباركِ، وأحمدُ، وإسحاقُ (١). وروى حربٌ بإسناده عن ابنِ عباسٍ أَنَّه كانَ صلَّى يومَ الجمعةِ في بيتِهِ أربعَ ركعاتٍ، ثُمَّ يأتي المسجدَ فلا يصلِّي قبلَها ولا بعدَها. وهذا يدلُّ على أنَّ سنَّةَ الجمعةِ عندَ ابنِ عباسٍ قبلَها لا بعدَها. واعلمْ أنَّ التطوعَ بالصلاةِ يومَ الجمعةِ قبلَ الجمعة لهُ أربعةُ أوقات. أحدُها: ما قبلَ طلوعِ الشمسِ لَمنْ بَكَّرَ إلى الجمعةِ حينئذٍ، فهذا الوقتُ وقتٌ نُهيَ عن التطوعِ فيه بما لا سببَ لهُ، وما له سببٌّ كتحيَّةٍ المسجد، فيه اختلافٌ سبقَ ذكرُه في ذكرٍ أوقات النهي(٢) إلا مَنْ يقولُ: إنَّ يومَ الجمعةِ كلَّه صلاةٌ ليسَ فيه وقتٌ يُنْهَى عنِ الصلاة فيه بالكليّةِ كما هو ظاهرُ كلامٍ طاوس؛ فإنَّه قالَ: يومُ الجمعةِ كلُّهَ صلاةٌ(٣). وقد قيلَ: إِنَّه إنما أرادَ به وقتَ استواءِ الشمسِ خاصةً. وُ أمكنَ، وخصوصًا لمن بكَّرَ إلى الجمعةِ . والثاني: ما بينَ ارتفاعِ الشمسِ واستوائها، فيستحبَّ التطوعُ فيه بما (١) انظر ((المغني)) (٢٥٠/٣). (٢) تحت شرحه للحديث رقم (٥٨٨)، وانظر شرح الحديث رقم (٤٤٤). (٣) ((مصنف)) عبد الرزاق (٢٠٤/٣، ٢٠٥)، ومصنف ابن أبي شيبه (١٣٩/٢). ٣٣٠ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ والثالثُ: وقتُ استواءِ الشمسِ، وقيامِها في وسط السماء، وقد اختلفوا هل هو وقتُ نهي عنِ الصلاةِ في يومِ الجمعةِ أم لا؟ فمنهم من قالَ: هو وقتُ نهي، كأبي حنيفةَ، وأحمدَ. ومنهم من قالَ: ليس بوقتِ نهي، وهو مذهبُ مكحولٍ، والأوزاعيِّ والشافعيِّ، ومن أصحابِهِ من خصَّه بمن حضرَ الجمعةَ دون من هو في بيتِهِ، ومنهم مَنْ خصَّه بمن بكَّرَ إلى الجمعة، وغلبه النعاسُ، ومنهم من قالَ: هو وقتُ نهي يومَ الجمعةِ في الصيفِ دونَ الشتاءِ، وهو قولُ عطاء، وقتادةً(١)، ومنهم من لم يرَه وقتَ نهي في جميعِ الأيامِ كمالكٍ(٢). وقد سبق الكلامُ عليه في ذكرِ أوقاتِ النهي(٣). والرابعُ: بعدَ زوالِ الشمسِ، وقبلَ خروجِ الإمامِ، فهذا الوقتُ تستحبُّ الصلاةُ فيه بغيرِ خلافٍ نعلمُهُ بينَ العلماءِ سلفًا وخلفًا . ولم يقلْ أحدٌ من المسلمينَ: إنَّه يكرَه الصلاةَ يومَ الجمعة؛ بل القولُ بذلك خَرْقٌ لإجماع (٣٤٧/م) المسلمينَ؛ إنما اختلفوا في وقتِ قيامِ الشمسِ كما سبقَ. قالَ مالكٌ: لا أكرَه الصلاةَ نصفَ النهارِ في جمعةٍ ولا غيرِها(٢)، وقد رَوى في ((الموطأ)) حديثًا مرفوعًا في النهي عنه ثم تركه لأنه رأى عمل العلماء وأهل الفضل على خلافه. فأما الصلاةُ بعدَ زوال الشمسِ، فلم يزلْ عملُ المسلمينَ على فعله. (١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ /٩٢). (٢) المصدر السابق (٤ /٩١). (٣) تحت شرحه للحديث (٥٨٨). ٣٣١ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة وقد ذكرَ مالكٌ في ((الموطأ))(١) عن الزهريِّ، عن ثعلبةَ بنِ أبي مالكٍ القرظيِّ أنَّهم كانوا في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ يصلونَ حتَّى يخرجَ عمرُ ويجلسُ على المنبرِ، فإذا خرجَ عمرُ وجلسَ على المنبرِ وأذَّنَ المؤذنونَ جلسوا يتحدثونَ، فإذا سكتَ المؤذِّنُ وقامَ عمرُ سكتوا ولم يتكلم أحدٌ. وهذا تصريحٌ باستمرارِهم في الصلاةِ إلى ما بعدَ زوالِ الشمسِ، وهو ◌َمَّا يُستدلُّ به على الصلاةِ وقتَ استواءِ الشمسِ وقيامِها يومَ الجمعةِ . وقد وردتْ آثارٌ أُخرُ تدلُّ على أنَّهم كانوا يتركونَ الصلاةَ وقتَ قيامٍ الشمسِ يومَ الجمعةِ، فإذا زالتْ قاموا إلى الصلاة، فرَوَى الأثرمُ بإسناده عن عمرو بنِ سعيدِ بنِ العاصِ قالَ: كنتُ أبقى - يعني أنتظرُ أصحابَ رسول الله بَّ - فإذا زالتِ الشمسُ قاموا فصلوا أربعًا . وبإسناده عن أبي بكرِ بنِ عياشٍ قال: كنّا نكونُ مع حبيبِ بنِ أبي ثابت في الجمعة، فيقولُ: أزالت الشمسُ بعدُ، ويلتفتُ فينتظرُ، فإذا زالتِ الشمسُ قامَ فصلى الأربعَ قبلَ الجمعةِ . وبإسنادِه عن حمادِ بنِ زيدِ قالَ: كنتُ أمرٌّ بابنِ عونِ يومَ الجمعةِ، فنمضي إلى الجمعة، فيقولُ لي: الشمسُ عندكم أبينُ منها عندنا فنرى الشمسَ زالتْ، قال حمادٌ: كأنَّه يكره الصلاةَ حتى تزولَ الشمسُ. قالَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ هانىء في ((مسائله))(٢) للإمامِ أحمدَ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ - يعني: أحمدَ - إذا كانَ يومُ الجمعةِ يصلِّي إلى أنْ يعلم أنَّ الشمسَ قد قاربتْ أنْ تزولَ، فإذا قاربتْ أمسكَ عن الصلاة حتّى يؤذنَ (١) (ص: ٨٥). (٢) (١/ ٨٨). ٣٣٢ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ المؤذنُ، فإذا أخذَ في الأذانِ قامَ فصلَّى ركعتينِ أو أربعًا يفصلُ بينهما بالسلامِ . وقالَ أيضًا: رأيتُ أبا عبد الله إذا أذنَ المؤذنُ يومَ الجمعة صلَّى ركعتينٍ وربما صلَّى أربعًا على صفة الأذان وطوله . ومما يدلُّ على استحبابِ الصلاةِ في هذا الوقتِ يومَ الجمعة أنَّه وقتٌ تُرجَى فيه (٣٤٨/م) ساعةُ الإجابةِ، فالمصلِّي فيه يدخلُ في قوله وَّهِ: ((لا يوافقُها عبدٌ قائمٌ يصلِّي يسألُ اللهَ شيئًا إلا أَعْطاهُ) (١). وقد اختُلفَ في الصلاة قبلَ الجُمعةِ هَل هيَ مِنَ السُّنْنِ الرواتب كَسُنة الظهرِ قَبَلهَا أَم هِي مُستحبةٌ مُرَغَّبٌ فيها كالصلاةِ قبلَ العَصرِ؟ وأكثرُ العلماء على أنَّها سنةٌ راتبةٌ، منهم: الأوزاعيَّ، والثوريَّ، وأبو حنيفةً وأصحابُهُ، وهو ظاهرُ كَلامٍ أَحمدَ، وقد ذكرهُ القاضي أَبو يَعلى في ((شرح المذهب))، وابنُ عقيلٍ، وهُو الصحيحُ عند أصحابِ الشافعيِّ، وقالَ كثيرٌ من متأخري أصحابنا: ليستْ سُنةً راتبةً؛ بَل مُستحبةٌ. وقَد زعمَ بعضُهُم أن حديثَ ابنِ عمرَ المخرجَ في هذا البابِ يدلُّ على أَنَّ النبيَّ وَّهُ لَم يَكُن يُصلِّي قَبَلَ الجُمعةِ شَيْئًا؛ لأنَّه ذَكرَ صَلاتَهُ بعدَ الجُمعةِ، وذَكَر صَلاتَهُ قبلَ الظُّهرِ وبَعدَها فَلَّ على الفرقِ بَيَنْهُمَا. وهذا ليسَ بِشيءٍ؛ فإِنَّ ابنَ عُمرَ قَدْ رُويَ عَنَهُ مَا يدلُّ على صلاة النبيِّ وَّهُ قَبَلَ الجُمعةِ - كَما سبقَ -، ولعلَّهُ إنما ذكرَ الركعتينِ بعدَ الجُمعةِ؟ لأنَّ النبيَّ وَّ كان يُصلِّيهِما في بيتِه بخلافِ الركعتينِ قَبَلَ الظُّهرِ وبَعدَهَ، (١) سبق برقم (٩٣٥). ٣٣٣ الحديث: ٩٣٧ كتاب الجمعة فإنَّهَ كَان أَحيانًا يُصليها فِي المسجدِ، فَبهذا يظهرُ الفرقُ بينَهُما . وقَدَ ثَبتَ أنَّ النبيَّ نَِّ كَانَ إِذا عَمِلَ عَمْلا دَاومَ عَليهِ، ولَم يَكُنْ يَنْقصُهُ يومَ الجمعة ولا غيرَها؛ بل كانَ الناسُ يَتَوهَّمُونَ أَنْه كانَ يزيدُ في صلاته يَومَ الجمعة لخُصوصه، فَكانتْ عَائشةُ تُسئَلُ عن ذَلك، فتقولُ: لاَ ، بَلَ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً. وقَد صَحَّ عنهُ نَِّ أنّهُ كانَ يُصلي قبلَ الظهرِ ركعتينِ أو أربعًا(١). كيا الله وَسَم وفي ((صحيح ابن حبانَ))(٢)، عن عائشةَ قالتْ: كانَ رسولُ الله إذَا خرجَ صلَّى ركعتينِ. ورويناهُ من وَجه آخرَ عَن عائشةَ قالتْ: مَا خرجَ رسولُ اللهِ وَخَلّ من عندي قَطُّ إلا صلَّى ركعتينٍ . وقَد كانَ من هَدي المسلمينَ صلاةُ ركعتينِ عندَ خُروجهم من بيوتِهِم وم مِن الصحابةِ ومَن بعدَهُم وخصوصًا يومَ الجمعةِ . ومِمن كانَ يفعلُهُ يومَ الجمعةِ: ابنُ عباسٍ، وطَاوسٌ، وأبو مِجَزِ، ورَغَّبَ فيه الزهريُّ، وقال الأوزاعيُّ: كَانَ ذلكَ من هَدْي (٣٤٩/م) المسلمينَ . وقَد سبقَ في بابِ الصلاةِ إذا دخلَ المسجدَ والإِمامُ يخطبُ (٣) ما يدلُّ على ذَلك - أيضًا -، وحينئذٍ فَلا نستنكرُ أَن يكونَ النبيُّ نَّ كانَ يُصلّي في بَيْتِهِ ركعتينِ قَبلَ خُروجه إلى الجُمعة . (١) انظر ((المسند)) (٦/ ٤٢)، وابن ماجه (١١٥٦). (٢) (٦ / ٢٦٠ - إحسان). (٣) هو الباب (٣٢) من كتاب ((الجمعة))، وهو ساقط من النسخ التي بين أيدينا. ٣٣٤ ٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها الحديث : ٩٣٧ فإن قيلَ: فهُو كانَ يخرجُ إِلى الجمعةِ عقبَ الزوالِ من غير فصلٍ بدليلِ مَا سبقَ مِن الأَحاديثِ مِن صلاتِهِ الجمعةَ إِذا زالتِ الشَّمسُ، قيلَ : هَذه دَعوى باطلةٌ لا بُرهانَ عَلَيهَا، ولَو كانتْ حَقّا لكانتْ خُطبتُهُ دَائمًا أو غالبًا قبلَ الزوال إذا كانتْ صلاتُهُ عقبَ زوالِ الشمسِ مِن غيرِ فَصلٍ وَلَم يَقُل ذلك أحمدُ - وأيضًا - فقَدْ رُويَ أنَّهُ كانَ يُصلي الظهرَ إذا زالت الشمسُ - كما تقدمَ في ((المواقيت))(١) - فَلم يَقُل - أحدٌ أنهُ يدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َّ كانَ لا يُصلي قبلَ الظهرِ شيئًا، وقد كتبتُ في هذه المسألةِ جُزءًا مُفردًا سميتُهُ: (نَفيُ البدعةِ عَنِ الصلاةِ قبلَ الجُمعةِ)) ثم اعترضَ عليه بعضُ الفقهاء المُشارِ إليهِ في زماننا، فأجبتُ عما اعترضَ بهِ في جزءٍ آخرَ سميتُهُ: ((إزالةُ الشنعة عَن الصلاة قبلَ الجُمعة)) فمنَ أَحبَّ الزيادةَ على مَا ذَكرْنَا هَاهُنَا فَليقفْ عليهمَا إن شاءَ اللهُ تعالى. (١) تحت شرح الحديث (٥٤٠). ٣٣٥ الحديث: ٩٣٩،٩٣٨ كتاب الجمعة ٤٠ - بابُ قَوْل الله عَزَّ وَجَلَّ(١) ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة: ١٠] . ٩٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: ثَنَا أَبُوٍ غَسَّانَ: حَدَثِنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنَ سَعْد قَالَ: كَانَتَّ فِينَ امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَّهُا سلْقًا، فَكَّانَتَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ(٢) تَنزِعُ أُصُولَ السِّقَ فَتَجَّعَلُهُ فِى قَدْر، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهَ قَبْضَةً من شَعير تَطَحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ. وَكُنَا نَنْصَرَفُ مِن صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَلْعَقُهُ، فَكُنَّا(٣) نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ. ٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: نَا ابْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ◌َهْلِ بْنِ سَعْدِ (٤) بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَ بَّعْدَ الْجُمُعَةِ. المقصودُ مِن هَذا الحديث هَاهُنَا: أَنَّ الصحابةَ لَم يَكونوا يجلسونَ بَعدَ صَلاة الجمعة في المسجد إلى العَصرِ لانتظارِ الصلاةِ كما وَرَدَ في الحديثِ المرفوعِ أَنَّهُ يعدلُ عمرةً، وقَد (٣٥٠/م) خَرَّجهُ البيهقيُّ(٥) بإسنادٍ ضعيفٍ - سَبْقَ ذِكرُهُ -، وإِنَّمَا كَانُوا يَخرجونَ مِن المسجدِ فَيَنتشرونَ في الأرضِ، (١) في ((اليونينية)): ((قول الله تعالى)). (٢) هكذا في ((م)) وفي («اليونينية)): ((جمعة)). (٣) هكذا في ((م)) وفي ((اليونينية)): ((وكنا). (٤) قوله ((بن سعد)) ليست في اليونينية)). (٥) في ((سننه الكبرى)) (٢٤١/٣). ٣٣٦ ٠ ٤ - باب قول الله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا﴾ الحديث: ٩٣٩ فمنهم مَن كان يَنصرفُ لتجارة، ومنهم مَن كان يَزُورُ أَصحابَهُ وإخوانَهُ، وكَانُوا يَجتمعونَ عَلى ضيافةِ هذهِ المرأةِ. وقد ذهبَ بعضُهُمْ إِلى الأمرِ بالانتشارِ بعدَ الصلاةِ للاستحباب. كانَ عراكُ بنُ مالكِ إِذا خرجَ مِن المسجدِ يومَ الجمعةِ (١): اللَّهُمَّ أَجبتُ دَعوتَكَ وقَضيتُ فَرِيضَتَكَ وانتشرتُ كَما أَمرتني فَارزُقْني مِن فَضِلِك وأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. خرجه ابن أبي حاتم وغيره. وهذا يدلُّ على أنَّه رأى قولَهُ تعالَى ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ أَمْرًا عَلَى ظاهره. وخَرَجَ - أيضًا - بإسناده، عن عمرانَ بنِ أنيسِ قالَ: مَن باعَ واشترى يومَ جمعة بَاركَ اللهُ لهُ سَبعينَ مَرَةً. قال بعضُ رُواته: وذَلكَ بعدَ صَلاة الجمعة لهذه الآيةِ . وذهب الأكثرونَ إلى أنَّهُ لَيس بأمرٍ حَقيقةً؛ وإنَّما هُو إِذنٌ وإياحةٌ حيثُ كَانَ بعدَ النهي عنِ البيعِ، فَهُو إِطلاقٌ مِن مَحظورٍ فَيفيدُ (٢) الإباحةَ خاصةً. وكَذا قالهُ عطاءٌ ومجاهدٌ والضحاكُ ومقاتلُ بنُ حَيَانَ وابنُ زيد وغیرُهُم(٣) . ورَوى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتاب ((الشافي)) (٤) - بإسناد لا (١) كذا في ((م)) ولعل كلمة ((قال)) قد سقطت منها، والله أعلم. (٢) فى ((م)) ((فيقد)) بالقاف وهو خطأ. (٣) انظر ((مصنف)) ابن أبى شيبة (١٥٧/٢). (٤) وكذلك ابن جرير في ((تفسيره)) (٦٧/٢٨). ٣٣٧ الحديث: ٩٣٩ كتاب الجمعة يصح -، عن أنسٍ مرفوعًا في قوله تعالى ﴿فانتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ قال: (ليسَ بِطلبِ دُنيا؛ ولكنْ عيادةُ مريضٍ وتَشِيعُ جِنازةٍ وزيارةُ أَخٍ في اللّهِ)). وفي حديثِ سهلٍ : دليلٌ عَلى زيارةِ الرجالِ للمرأةِ وإجابتهِم لدَعوتِها وعَلى استحبابِ الضيافةِ يومَ الجمعةِ خُصوصًا لفقراءِ المسلمينَ، فإِطعامُ الفقراء فيهِ حَسنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ . وفيهٍ: أَن فَرحَ الفقيرِ بوجودِ مَا يأكلُهُ وتَمنِيَهُ لِذلك غيرُ قادحٍ فِي فَقْرِهِ ولا مُنَافٍ لصبرِهِ؛ بَل ولاَ لِرِضَاهُ. وفي الحديث ألفاظٌ تُسْتَغْرَبُ؛ فالأربعاءُ جَداولُ المَاءِ في الأرضِ، واحدها: رَبِيعٌ(١). وقوله: ((فَيَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ)) - وفي رواية: ((عُراقَهُ)) -، وهُو بالعَينِ المهملةِ والقَاف، والعَرق والعُراق (٣٥١/م): اللَّحمُ (٢)، والمعنى: أن أصولَ السِّلْقِ تَصيرُ في هذا الطعامِ، كاللَّحمِ لِما يطبَخُ باللحمِ مِنَ الأطعمة . ورَوَاهُ بَعضُهُم (٣) ((غَرفه)) - بالغينِ المُعجمةِ والفَاءِ -، وفُسِّرَ بالمَرَقَةِ(٤)؛ فإِنها تُغرفُ باليدِ؛ وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ أُصَولَ السَّلْقِ لا تَصيرُ تُغرفُ. وقولُه: ((فَتَلْعَقُهُ) أي: نَلْحَسُهُ، وهذا يَدِلُّ على أنَّهُ كانَ قَد ثَخُنَ. وقيل: الفَرْقُ بينَ اللَّحسِ واللَّقِ: أنَّ اللَّحسَ يَختصُّ بِالإِصَعِ، واللَّعقَ يكونُ بِالإصبعِ وبِآلَةِ تَلعقُ بِهَا كالمِلْعَقة . (١) انظر ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٤٣/٣). (٢) انظر ((النهاية)) لابن الأثير (٢٢٠/٣). (٣) الكشميهني في روايته، انظر ((إرشاد الساري)) (١٩٤/٢). (٤) المصدر السابق و((النهاية))(٣٦٢/٣) ٣٣٨ الحديث: ٩٤٠، ٩٤١ ٤١ - بَابُ و ور الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَة ٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ: نَا أَبُو إِسحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَّيْدٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُّعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. ٩٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: نَا أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا نُصَّلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌َالْجُمُعَةَ، ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَّةً. هذا مِن أَوضحِ دَليلٍ عَلى أنَّهم كَانُوا يُبَكِّرُونَ إِلى الجُمعةِ مِن أولِ النهارِ فيمنعهُم التبكيرُ مِن القَائِلةِ فِي وَقَتِها فلا يَتمكَّنُونَ مِنها إلا بَعد الصَّلاةِ، ولَو كَانُوا يَأْتُونَ الجُمعةَ بعدَ الزوالِ لَم يَمتنعُوا مِنِ القَائِلةِ بِإِیانِ الجُمعةِ، وقَد تَعلَّقَ بِذلكَ مَن يَقولُ: إِنَّ الجُمعةَ كَانتْ تُقَامُ قَبَلْ زَّوَالِ الشَّمسِ لأَنَّها لاَ تُسمَّى قَائلةً إِلا قبلَ الزَّوَالِ، وكَذا الغَداء. وقَد مَضى في البابِ الذي قبلَهُ عن سَهلِ بنِ سَعدِ قالَ: مَا كُنَا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إِلا بعدَ الجُمعة. وربما أَشارَ الإِمامُ أحمدُ إِلى ذلك، وأمَّا الْجُمهورُ: فقالُوا: سَمَّى نَومَهُم وأكلَهُمْ بعدَ الزوالِ في الجمعةِ قائلةً وغَداءً باعتبار أنهُ قَضاءٌ لما يَعتادونَهُ في غيرِ الجمعةِ مِن النومِ والأكلِ قبلَ الزوالِ، فَلَمَّا أَخَّرُوهُ يُومَ الجُمعة إلى بعد ذلك سمِّي ذلك باعتبارِ مَحلِّهِ الأصلِّي الذي أُخِّرَ عنهُ ويُشْبهُهُ تسميةُ السَّحورِ غداءً؛ لأنَّهُ يَقومُ مَقامَ الغداءِ، وإِن تقدمَ عليهِ فِي وقته، ويدلُّ - أيضًا - نومُهم وغَداؤُهم بعدَ الجمعةِ على أنهم لم يكونُوا - ٠ ٠ ٣٣٩ الحديث : ٩٤١ كتاب الجمعة كلُّهم - ينتظرونَ صلاةَ العصرِ في المسجدِ بعدَ الجمعةِ فإنهم إِن واصلُوا الجلوسَ لانتظارِ العصرِ مِن غيرِ نومٍ ولا أكلِ (٣٥٢/ م) شقّ عليهم وحصلَ لَهُم ضررٌ ويَومُ الجُمعةِ يَومُ عيدٍ فَيُنهى عن إِفرادِهِ بِالصيامِ، وإِن تأخَّرُوا لأجلِ انتظارِ العصرِ في المجيءِ إلى الجمعةِ فَاتَهُم التبكيرُ إِليها، وهُو أَفضلُ مِن انتظارِ العصرِ، فكانَ المحافظةُ على التبكيرِ إلى الجمعةِ مَع الانصرافِ عَقِيبَ صلاتِهَا أَوْلَی. وكان الإِمامُ أحمدُ يُبكرُ إلى الجمعةِ ويَنْصرفُ أولَ الناسِ . ذكرهُ الخلالُ في ((الجامع))، واللهُ سبحانهُ وتَعالى أعلمُ. ٣٤٠