النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
الحديث: ٩٣٥
((المسند)(١).
قال أبو بكر الأثرمُ: أما وجهُ اختلاف هذه الأحاديث فلن يخلو من
وجهين :
إما أن يكونَ بعضُها أصحَّ من بعضٍ. وإما أن تكونَ هذه الساعةُ
تنتقلُ في الأوقاتِ كانتقالِ ليلةِ القدرِ في ليالي (٢) العشرِ.
قال: وأحسنُ ما يعملُ به في ذلكَ أن تُلتمسَ في (٣٣١/ م) جميعِ
هذه الأوقات احتياطًا واستظهارًا. انتهى.
فأما القولُ بانتقالها فهو غريبٌ.
وقد رُويَ عن كعبِ قال: لو قسَّم إنسانٌ جمعةً في جمعٍ أتى على
تلك الساعة(٣) - يعني أنه يدعو كلّ جمعة في ساعة ساعة حتى يأتي
عَلَى جميعِ ساعاتِ اليومِ.
قال الزهريُّ: ما سمعنا فيها شيء(٤) عن أحد أحدثَه إلا هذا(٥).
وهذا يدلُّ على أنها لا تنتقلُ، وهو ظاهرُ أكثرِ الأحاديثِ والآثارِ.
وأما التماسُهَا في جميعِ مظانِّها، فقد رُويَ نحوه عن أبي هريرةَ،
فحكى ابنُ المنذر (٦) عنه أنه قالَ: هيَ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ
الشمسِ، وبعدَ صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ (٧).
(١) انظر ((تهذيب الكمال)) (١٣٧/٢٤ - ١٣٩).
(٢) في ((م)): ((ليال)) كذا.
(٣) خرَّجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٦١/٣).
(٤) كذا في ((م)) والجادة: ((شيئًا)).
(٥) خرّجه عبد الرزاق في «المصنف)) (٢٦١/٣).
(٦) فى ((الأوسط)) (٩/٤).
(٧) ذكره ابن عبد البر في التمهيد» (٤٦/٢٣).
٣٠١

الحديث: ٩٣٥
كتاب الجمعة
وهذا رواه ليثُ بنُ أبي سليمٍ، عن مجاهد، وطاوسٍ، عن أبي هريرةَ
وفي ليثٍ مقالٌ؛ لا سيما إذا جمعَ في الإسنادينِ (١) الرجالَ.
ولم يرد أبو هريرةَ - والله أعلم - أنها ساعتانِ في أولِ النهارِ وآخرِه،
إنما أرادَ أنها تُلتمسُ في هذينِ الوقتينِ، ونقله ابنُ منصورٍ عن إسحاقَ
قال: بعدَ العصر لا أكادُ أشكُّ فيه، وتُرجى بعدَ زوالِ الشمسِ .
كذا نقله ابنُ منصورٍ في ((مسائله)) عنه، ونقلَهُ الترمذيُّ فِي ((جامعِهِ))(٢)
عن أحمدَ؛ وإنما نقله ابنُ منصورٍ عن أحمدَ (٣)، والترمذيَّ إنما ينقلُ كلامَ
أحمدَ وإسحاقَ من مسائلِ ابنِ منصورِ عنهما كما ذكرَ ذلك في آخرِ
(٤)
كتابه (٤) .
ولا أعلمُ في التماسِهَا في أولِ النهارِ عن أحدٍ منَ السلف غيرَ هذا،
والمشهورُ عنهم قولانِ :
أحدُهُمَا: أنها تُلتمسُ بعدَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ، وقد سبقَ عن
أبي هريرةَ، وعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ.
وروى سعيد بن منصورِ بإسناده عن أبي سلمةَ قالَ: اجتمعَ ناسُ من
(١) كذا في ((م)) ولعل الصواب: ((لا سيما إذا جمع في الإسناد بين الرجال)). والله أعلى
وأعلم.
(٢) (٣٦١/٢).
(٣) في هذا السياق غموض وكأنه أراد أن يقول: نسبة هذا الكلام لإسحاق بن راهويه خطأ،
وإنما هو من قول الإمام أحمد، ثم دلل على ذلك بأن الترمذي نقل هذا القول في
(الجامع)) عن أحمد - لا إسحاق -، والترمذي إنما ينقل في ((جامعه)) ما ينقله عن أحمد
وإسحاق بواسطة ابن منصور والله أعلم بالمراد.
(٤) انظر ((علل الترمذي)) الذي فى آخر ((جامعه)) (٧٣٧/٥).
٣٠٢

٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
الحديث: ٩٣٥
أصحاب رسول الله وَّل فتذاكروا الساعةَ التي في يوم الجمعة، فتفرقوا
ولم يختلفوا أنها آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعةِ(١) .
وروى سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه سُئُلَ عن تلكَ الساعةِ التي
في الجمعةِ، فقال: خلقَ اللهُ آدمَ بعدَ العصرِ يومَ الجمعةِ، وخلقَه من أدیمِ
الأرضِ كلِّها، فأسجدَ له ملائكته، وأسكنَهُ جنتَهُ، فللَّه ما أمَسى ذلكَ
اليومَ حتى عصاهُ، فأخرجه منها. خرَّجه عبدُ (٣٣٢/م) الرزاقِ (٢)
و
وغيره .
وهذا يدلُّ على ترجيحِ ابنِ عباسٍ لما بعدَ العصرِ في وقتِ هذا الساعة
لخلقِ آدَمَ فيها وإدخالِهِ الجنةَ وإخراجه منها، وهو يشبهُ استنباطَهُ في ليلةٍ
القدرِ أنها ليلةُ سابعة، ولذلك كانَ طاوسٌ يتحرى الساعَة التي في يومٍ
الجمعة بعدَ العصر(٣)، وعنه أنه قالَ: الساعةُ من يومِ الجمعةِ التي تقوم
فيها الساعة، والتي أنزلَ فيها آدمَ والتي لا يدعو اللهَ فيها المسلمُ بدعوةٍ
صالحة إلا استجيبت له: من حينٍ تصفر الشمسُ إلى أن تغرب (٤).
ء
وهذا يشبهُ قولَ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ: إنها آخرُ ساعة من نهار
الجمعة (٥) .
ورُويَ مثلُهُ عن كعبٍ - أيضًا .
(١) أخرجه من طريق سعيد بن منصور: ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٣/٤).
(٢) في ((المصنف)) (٢٦٣/٣).
(٣) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٤٤/٢)، وعبد الرزاق (٢٦١/٣).
(٤) انظر ((مصنف)) عبد الرزاق (٢٦٤/٣) و((التمهيد)» (٤٦/٢٣).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٣/٢).
٣٠٣
-

الحديث: ٩٣٥
كتاب الجمعة
فأهلُ هذا القولِ منهم من جعلَ وقتَ التماسِها ما بينَ العصرِ إلى
غروبِ الشمسِ، ومنهم من خصّه بآخرِ ساعةٍ من الساعاتِ.
وقالَ أحمدُ - في روايةِ ابنِ منصورٍ -: أكثرُ الأحاديثِ: بعدَ
العصرِ(١).
وقالَ في رواية الميمونيِّ كذلك، وزادَ: قيل له: قبل أن تطفل
الشمسُ للغروب؟ قال: لا أدري، إلا أنها بعدَ العصرِ .
وظاهرُ هذا: أن ما بعدَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ كله في التماسها
سواء .
والقولُ الثاني: أنها بعدَ زوالِ الشمسِ، وقد تقدمَ عنِ ابنِ عمرَ،
وأبي بردةَ أنها ساعةُ صلاة الجمعة.
وروى عبدُ اللهِ بنُ حجيرةً(٢)، عن أبي ذرٍّ أنها من حين - تزيغُ
الشمسُ بشبرٍ إلى ذراعِ (٣).
وعن عائشةَ أنها إذا أذنَ المؤذنُ بصلاة الجمعة .
(١) نقله الترمذي عن أحمد في ((جامعه)) (٣٦١/٢) بواسطة ابن منصور.
قال الترمذي في كتاب ((العلل)) الذي في آخر ((الجامع)): ((وما كان من قول أحمد بن
حنبل وإسحاق بن إبراهيم فهو ما أخبرنا به إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق، إلا
ما في أبواب الحج والديات والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور، وأخبرني به
محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق)) ا. هـ.
(٢) كذا في ((م)) والصواب: ((عبد الرحمن بن حجيرة)) كما هو في ((التمهيد)» (٢٣/١٩)،
وغيره وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٤١٨/٢): ((رواه ابن المنذر وابن عبد البر
بإسناد قوي» ا. هـ.
(٣) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٩/٤).
٣٠٤

٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
الحديث: ٩٣٥
وقالَ عوفُ بنُ مالكِ: اطلبوا ساعةَ الجمعةِ في إحدى ثلاثِ ساعاتٍ :
عند تأذينِ الجمعةِ، أو مادامَ الإمامُ على المنبرِ، أو عند الإقامة .
خرَّجه محمدُ بنُ يحيى الهمدانيَّ في ((صحيحه)).
وعنِ الحسنِ وأبي العاليةقالا: عندَ زوالِ الشمسِ(١).
وعن الحسنِ قالَ: هي إذا قعدَ الإمامُ على المنبرِ حتى يفرِغَ (٢).
وعن أبي السوارِ العدويِّ قال: كانوا يرونَ أن الدعاءَ مستجابٌ ما بينَ
أن تزولَ الشمسُ إلى أن تدركَك كلُّ الصلاةِ(٣).
وعنِ ابنِ سيرينَ قال: هي الساعةُ التي كانَ يصلِّي فيها رسولُ الله
وَ ي (٤) .
ـ(٥)
وعن الشعبيِّ قال: هي ما بينَ أن يحرمَ البيعُ إلى أن يحلّ(
٠
وعنه قالَ: ما بينَ خروجِ الإمامِ إلى انقضاءِ الصلاةِ(٦).
وعن الشعبيِّ، عن عوفِ بن حَصيرةَ قالَ: هي من حينَ تقامُ الصلاةُ
إلى (٣٣٣/م) انصرافِ الإمامِ(٦).
ورُوي أن عمرَ سألَ ابنَ عباسٍ عنها؟ فقالَ: أرجو أنها الساعةُ التى
يخرجُ لها الإمامُ.
(١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٩/٤).
(٢) ((المصنف)) لابن أبى شيبة (١٤٣/٢ - ١٤٤).
(٣) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١١/٤) مع اختلاف في بعض ألفاظه.
(٤) انظر ((التمهيد)) (٢٢/١٩).
(٥) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٤٤/٢).
(٦) ((التمهيد)) (٢٢/١٩).
٣٠٥

الحديث: ٩٣٥
كتاب الجمعة
خرجه الإسماعيليُّ في مسندٍ عمرَ بإسنادٍ ضعيفٍ، وذكرَ عن ابن(١)
القاسمِ البغويِّ أنه قالَ: هذا واهٍ، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ خلافُهُ - يشيرُ
إلى أن المعروفَ عنه أنها بعدَ العصرِ كما رواه عنه سعيد بن جبيرٍ، وقد
(٢)
تقدم(٢).
فهذه الأقوالُ متفقةٌ على أنها بعد زوال الشمس، ومختلفةً - في
الظاهرِ - في قدرِ امتدادها .
فمنهم من يقولُ: وقتَ الأذان، ومنهم من يقول: ما دامَ الإمامُ على
و
المنبرِ، ومنهم من يقولُ: عندَ الإقامةِ، ومنهم من يقول: من حينَ تقامُ
الصلاةُ إلى انصرافِ الإمامِ منها، ومنهم من يقولُ: ما بينَ أن يحرمَ البيعُ
بالنداء أو تزولَ الشمسُ، على اختلافِ لهم فيما يحرمُ به البيعُ إلى أن
يحلّ بانقضاء الصلاة.
وهذا القولُ - أعني أنها بعدَ زوالِ الشمسِ إلى انقضاء الصلاة [وهذا
القولُ](٣): أو أنها ما بينَ أن(٤) تقام الصلاةُ إلى أن يفرغَ منها - أشبه
بظاهرِ قولِ النبيِّ وَّةِ: ((لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ قائم يُصلي يسألُ الله فيها
شيئًا إلا أعطاه إيَّاه))؛ فإنه إن أُرِيدَ به صلاةُ الجمعة كانت من حين إِقامتِها
إلى الفراغ منها، وإن أُريدَ به صلاةُ التطوعِ كانت من زوالِ الشمسِ إلى
خروجِ الإمامِ فإن هذا وقتُ صلاةٍ تطوعٍ، وإن أُريدَ به أعمُّ من ذلكَ -
وهو الأظهرُ - دخلَ فيه صلاةُ التطوعِ بعد زوالِ الشمسِ وصلاةُ الجمعة
إلى انقضائها .
(١) كذا والصواب: ((أبي)).
(٢) قبل قليل.
(٣) كذا في ((م)) وبإثبات ما بين المعقوفين لا يصفو المعنى.
(٤) حرف ((أن)) ليس في ((م)) والسياق يقتضيه.
٣٠٦

٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
الحديث: ٩٣٥
وليسَ في سائرِ الأوقاتِ التي قالها أهلُ القولِ الأول وقتُ صلاة؛
ء
فإنَّ بعدَ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ، وبعد الفجرِ إلى طلوع الشمسِ
وقت نُهي عن الصلاةِ فيه، اللهم إلا أن يرادَ بقولهم: ((بعدَ العصرِ))
دخولَ وقتِ العصرِ، والتطوعَ قبلها، ومرسلُ يحيى بنِ إسحاقَ بن أبي
طلحةَ يشهدُ له، وقول من قال: إن منتظرَ الصلاةِ في صلاةٍ: صحيح؛
لكن لا يقالُ فيه قائمٌ يصلي؛ فإن ظاهرَ هذا اللفظِ حملُه على القيامِ
الحقيقي في الصلاة الحقيقية(١).
وقد روَى عبدُ الرزاقِ في كتابه (٢): نا يحيى بنُ ربيعةَ: سمعتُ عطاءً
يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسول اللهِ وَلّ (٣٣٤/ م): ((في يومٍ
الجمعة ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ وهو يصلِّي أو ينتظرُ الصلاةَ يدعو الله فيها
بشيءٍ إلا استجابَ له)).
وهذا غريبٌ، ويحيى بنُ ربيعةً هذا غيرُ مشهورٍ، ولم يعرفه ابن أبي
حاتم(٣) بأكثرَ من روايته عن عطاء وراويه عبدُ الرزاق عنه .
وهذه الروايةُ تدلُّ على أن المرادَ بالصلاة حقيقةُ الصلاة؛ لأنه فَرَّقَ
بينَ المصلي ومنتظرِ الصلاةِ وجعلَهما قسمين، وتدلُّ على أن ساعةَ الجمعة
يمكن فيها وقوعُ الصلاة وانتظارُها، وهذا بما بعد الزوال أشبهُ؛ لأن أولَ
تلك الساعة تُنْتَظَرُ فيها الصلاةُ ويُتنفلُ فيها بالصلاة، وآخرُها تصلَّى فيه
الجمعةُ.
(١) في ((م)): الحقيقة)).
(٢) (٢٦٦/٣ - ٢٦٧).
(٣) ((الجرح)) (١٤٤/٩).
٣٠٧

الحديث: ٩٣٥
كتاب الجمعة
وخرجَ ابنُ أبي شيبةً (١) بإسنادِه، عن هلال بنِ يسافِ قالَ: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن(٢) في الجمعة لساعةً لا يوافقُها رجلٌ مسلمُ يسألُ اللهَ
فيها خيرًا إلا أعطاه)) فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! فماذا أسألُ؟ فقالَ: ((سلِ
اللهَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ)) .
وهذا مرسلٌ.
٠
(١) في ((المصنف)) (٢٠٨/١٠).
(٢) ((إن)): طُمست في (م)).
٣٠٨

الحديث: ٩٣٦
٣٨ - بَابٌ
إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
فَصَلَاةُ الإِمَامِ وَمَا (١) بَقِيَ تَامَّةٌ
٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ
أَبِي الْجَعْدِ: ثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْتَمَّا نَحْنُ نُصَلِّي مَّعَ النَِّّ ◌َِّهِ إِذْ
أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالتََّتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِّ ◌َةٍ إِلا اثْنَا
عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَاَ انفَضُّوا إلَيْهَا
وَتَرَكُوكَ قَائمًا﴾. [الجمعة: ١١].
وخرجه في ((التفسيرِ)) (٢)عن حفصِ بنِ عمرَ قالَ: ثنا خالدُ بنُ
عبد الله: أبنا (٣) حُصينٌ، عن سالمٍ بِن أبي الجعدِ، وعن أبي سفيانَ، عن
جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، فذكره بمعناه .
وفي هذه الروايةِ متابعةُ أبي سفيانَ لسالمٍ بنِ أبي الجعدِ على روايته
عن جابرٍ. وإنما خرجَ لأبي سفيانَ متابعةً.
وقد خرَّجهُ مسلمٌ (٤) بالوجهينِ - أيضًا -، وفي أكثرِ رواياتِه أنَّ النبيَّ
وَ ظَلَه كانَ يخطبُ
وَّ كانَ يخطبُ يومَ الجمعة، وفي(٥) روايةٍ له أنّ النبيّ
قائمًا يومَ الجمعة (٣٣٥/ م) فذكره بمعناه(٦).
(١) كذا في ((م))، وفي ((اليونينية)): ((ومن)).
(٢) (الفتح: ٤٨٩٩).
(٣) في ((اليونينية)): ((حدثنا))، وفي إحدى النسخ: ((أخبرنا)). (٤) (٣٧/٨٦٣).
(٥) حرف الواو قبل ((في)) سقط من ((م)).
٣٠٩
(٦) (٣٦/٨٦٣).

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
وفي رواية له: فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلا أنا فيهم(١).
وفي روايةٍ له أيضًا: فيهم أبو بكرٍ، وعمرُ رضي الله عنهما(٢).
وقولُه في الروايةِ التي خرجها البخاريُّ: بينا نحنُ نصلّي مع النبيِّ
(وَظِِّ)) لم يرد به أنهم انفضوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - والله أعلم -
أنهم كانوا مجتمعينَ للصلاة فانفضوا وتركُوه، ويدلُّ عليه حديثُ كعب
ابن عجرةً(٣) لما قالَ: انظروا إلى هذا الخبيث يخطبُ قاعدًا، وقد قالَ الله
تعالى ﴿انفضَّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
وكذلك استدلالُ ابن مسعودٍ، وخلقِ منَ التابعينَ بالآية على القيامِ
في الخطبةِ .
وروَى عليّ بنُ عاصمٍ هذا الحديثَ عن حصينٍ وقال فيه: فلم يبقَ
معه إلا أربعونَ رجلا أنا فيهم، خرَّجهُ الدار قطنيُّ، والبيهقيُّ(٤).
وعليٌّ بنُ عاصمٍ ليسَ بالحافظِ، فلا يُقُبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتَ.
وقد استدلَّ البخاريُّ وخلقٌ من العلماءِ على أن الناسَ إذا نفروا عنٍ
الإمام وهو يخطبُ للجمعة وصلى الجمعةَ بمن بقيَ جازَ ذلك، وصحتْ
جمعتهم .
وهذا يرجعُ إلى أصلٍ مُخْتَلَف فيه، وهو العددُ الذي تنعقدُ به
الجمعةُ، وقد اخْتُلِفَ في ذلكَ(٥).
(١) (٣٧/٨٦٣).
(٢) (٣٨/٨٦٣).
(٣) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (٨٦٤).
(٤) الدارقطني في ((سننه)) (٤/٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٨٢/٣). وقال - على إثره -:
((قال علي: لم يقل في هذا الإسناد: إلا أربعين رجلا غير علي بن عاصم عن حصين
وخالفه أصحاب حصين فقالوا: لم يبق مع النبي بَّ إلا اثني عشر رجلا)) انتهى.
(٥) انظر هذا الخلاف وتجميع كل هذه الأقوال القادمة في ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٨/٤ -
٣٠)، والمغني)) (٢٠٢/٣ - ٢٠٦).
٣١٠

٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
الحديث: ٩٣٦
فقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلا، رُويَ ذلك عن
عبيدِ بنِ عبدِ اللهِ بن عتبةَ، وعمَرَ بنِ عبد العزيزِ، وهو قولُ الشافعيِّ،
وأحمدَ في المشهورِ عنه، وإسحاقَ، وروايةٌ عن مالك.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بخمسينَ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا -
وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بثلاثة، منهم ابنُ المباركِ، والأوزاعيّ،
ءِ
والثوريُّ، وأبو ثورٍ، ورُوي عن أبي يوسفَ، وحُكي روايةً عن أحمدَ.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بأربعة، وهو قول أبي حنيفةً وصاحبيه في
المشهورِ عنهما، والأوزاعيِّ، ومالك، والثوريِّ في روايةٍ عنهما، والليث
ابن سعد، وحُكي قولا قديمًا للشافعيِّ، ومنهم من حكاه أنها تنعقدُ
بثلاثة ۔۔۔
وقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ، وثلاثةٌ في القُرَى، وحكي
روايةً عن أحمدَ صححها بعضُ المتأخرينَ من أصحابِهِ .
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، ورواية عن أحمدَ.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ باثني عشرَ رجلا، حُكيَ عن ربيعةَ، وقد قالَ
الزهريَّ: إن مصعبَ بنَ عميرِ أولُ ما جمّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني عشرَ
رجلا، وتعلق (٣٣٦/م)(١) بعضُهُم لهذا الحديث بحديثِ جابرٍ المخَرَّجِ
(١) كُتبت هنا حاشية - في أعلى الورقة من جهة اليمين لم نتبين بعضها وإليك نصها: ((قال
الفاشاني: لا يشترط لها جماعة، فتصح من .... )).
والفَاشَاني: ((بفتح الفاء، والشين المعجمة، وفي آخرها النون)) هكذا جوده صاحب ((الأنساب))
(٣٣٨/٤)، وهو الإمام أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، وكان من =
٣١١

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
في هذا البابِ .
وقال طائفةٌ: تنعقدُ الجمعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ: وهو رجلان وهو
قولُ الحسنِ بنِ صالحٍ وأبي ثورٍ في روايةٍ وداودَ، وحُكيَ عن مكحولٍ.
وتعلق القائلونَ بالأربعين بحديث كعب بن مالك أن أولَ جمعة
جمّعَ بهم أسعدُ بنُ زرارةَ كانوا أربعينَ - وقد سبقَ ذكره في أولِ كتابٍ
الجمعةِ (١).
وقد ذكر القاضي أبو يعلَى وغيرهُ وجهَ الاستدلال به أنَّ الجمعةَ
فرضت بمكةً وكان بالمدينة من المسلمينَ أربعةٌ وأكثرُ ممن هاجرَ إليها وممن
أسلمَ بها، ثم لم يصلوا سنين لذلكَ حتى كملَ العددُ أربعينَ، فدلَّ على
أنها لا تجبُ على أقل منهم.
ولم يثبت أبو بكر الخلالُ خلافًا عن أحمدَ في اشتراط الأربعينَ،
قال: وإنما يُحْكَى عن غيره أنه قالَ: بثلاثة وبأربعة وبتسعة، ولم يذهب
إلى شيءٍ من ذلك.
وهذا الذي قاله الخلالُ هو الأظهرُ، والله أعلم.
وفي عددٍ الجمعة أحاديثُ مرفوعةٌ لا يصحّ فيها شيءً، فلا معنى
لذكرها(٢).
:
= أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وقد ترجمه السبكي فى ((الطبقات)) (٧١/٣ - ٧٧).
(١) (ص٦٤).
(٢). نقل الزيلعي في ((نصب الراية)) وكذلك العيني في ((عمدة القاري)) (٢٧٢/٥)، عن
عبدالحق في ((أحكامه)) أنه قال: ((لا يصح في عدد الجمعة شيء)) ا. هـ.
٣١٢

٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
الحديث: ٩٣٦
فإذا تقررَ هذا الأصلُ فمن قالَ: إن الجمعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلا أو
بدونهم فلا إشكالَ عنده في معنى حديث جابرٍ؛ فإنه يحمله على أن
النبيِوَّهِ صلَّى الجمعةَ بمن بقيَ معه وصحت جمعتهم.
ومن قالَ: لا يصحّ الجمعةُ بدون أربعينَ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ
جابر.
وقد أجابَ بعضهم بأن الصحيحَ أنهم انفضوا وهو في الخطبة، قالَ:
فيحتمل أنهم رجعوا قبلَ الصلاةِ أو رجع من تم به الأربعونَ فجمع بهم،
قالَ: والظاهرُ أنهم انفضوا ابتداءً سوى اثني عشر رجلا، ثم رجعَ منهم
تمام أربعينَ فجمّع بهم، وبذلك يُجمعُ بينَ روايةٍ عليٍّ بنِ عاصمٍ وسائرٍ
الروايات .
وهذا الذي قاله بعيدٌ؛ وروايةُ عليٍّ بنِ عاصم غلطٌ محضٌ لا يُلتفتُ
إليها .
وسلك طائفةٌ مسلكًا آخر - وظاهرُ كلام البخاريِّ هاهنا وتبويبه يدلّ
عليه - وهو أن انفضاضَهُم عن النبيِّ وََّ كانَ في نفسِ الصلاةِ، وكانَ قد
افتتحَ بهم الجمعةَ بالعددِ المعتبرِ، ثم تفرقُوا في أثناءِ الصلاةِ فأتم بهم
صلاةَ الجمعة؛ (٣٣٧/م) فإن الاستدامةَ يُغتفرُ فيها ما لا يُغتفرُ في
الابتداء، وهذا قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، منهم أبو حنيفةَ وأصحابه،
والثوريُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ في القديمِ، وإسحاقُ، وهو وجهٌ
لأصحابنا .
وعلى هذا فمنهم من اعتبرَ أن يبقى معه واحدٌ فأكثرُ؛ لأن أصلَ
٣١٣

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
الجماعة تنعقدُ بذلك، ومنهم من شرطَ أن يبقَى معه اثنان، وهو قولُ
الثوريِّ، وابنِ المباركِ، وحكي قولا للشافعيِّ.
وقال إسحاقُ: إن بقيَ معه اثنا عشرَ رجلا جمّع بهم؛ وإلا فلا
لظاهرِ حديثٍ جابرٍ، وهو وجهٌ لأصحابنا.
ولأصحابنا وجهٌ آخرُ: يتمُّها الإمامُ جمعةً ولو بقيَ وحده، وهذا بعيدٌ
ءِ
جدّاً؛ فرّقَ مالكٌ بين أن يكون انفضاضهم قبلَ تمامٍ ركعةٍ فلا تصح
جمعتهم، ويصلونَ ظهرًا، وبينَ أن يكونَ بعدَ تمام ركعة فيتمونها جمعةً،
ووافقه المزنيُّ، وهو وجهٌ لأصحابنا .
وقالَ أبو حنيفةَ: إن انفضوا قبلَ أن يسجدَ في الأولى فلا جمعةً
لهم، وإن كانَ قد سجدَ فيها سجدةً أتموها جمعةً.
وقال صاحباه: بل يتمونها جمعةً بكلِّ حال ولو انفضوا عقب تكبيرة
الإحرامِ.
ومذهبُ الشافعيِّ في الجديدِ، وأحمدَ، والحسن بن زياد أنه لا جمعةً
لهم حتى يكملَ العددُ في مجموعِ الصلاةِ.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: لم يختلف قولُ أحمدَ في ذلك.
کانَ قد
مناالله
عادي
وقد وجدتُ جوابًا آخرَ عن حديث جابرٍ، وهو أن النبيّ
وَسيِّلم
صلَّى بأصحابه الجمعةَ ثم خطبهم فانفضوا عنه في خطبتِهِ بعد صلاة
الجمعةِ، ثم إن النبيَّ وَّ بعدَ ذلك قدَّم خطبة الجمعة على صلاتها .
فخرَّجَ أبو داودَ في ((مراسيله))(١) بإسنادِهِ عن مقاتلِ بنِ حيانَ قالَ: كانَ
(١) (ص: ١٠٤ - ١٠٥).
٣١٤

٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
الحديث: ٩٣٦
رسولُ اللهِ وَله يصلِّي الجمعةَ قبل الخطبةِ مثلَ العيدِ حتى إذا كانَ يومُ
جمعةٍ والنبيُّ ◌َّهَ يخطبُ وقد صلَّى الجمعة فدخلَ رجلٌ فقالَ: إن دحيةَ
ابنَ خليفةَ قد قدمَ بتجارته - وكان دحيةُ إذا قدمَ تلقاه أهلُهُ بالدفاف -
فخرجَ الناسُ، لم يظنوا إلا أنه ليسَ في تركِ الخطبةِ شيءٌ، فأنزلَ اللهُ عزَّ
وجلَّ (٣٣٨/م) ﴿وَإِذَا رَأَوا تجَارَةً أو لهوًا﴾ [الجمعة: ١١] فقدّمَ النبيّ
وَه الخطبةَ يومَ الجمعةِ وأخَّر الصلاةَ.
وهذا الجوابُ أحسنُ مما قبله.
ومن ظنَّ بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خلفَ النبيِّ وَّةِ بعد
دخولهم معه فيها، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشرَ
رجلا فقد أساءَ بهم الظن، ولم يقع ذلكَ بحمد الله تعالى.
وأصلُ هذه المسائل: أن الجمعةَ يشترطُ لها الجماعةُ، فلا تصحّ مع
ءِ
الانفراد، وهذا إجماعٌ لا نعلمُ فيه خلافًا إلا ما تقدمَ حكايتُه عن أبي
جحيفةَ أنه صلَّى ركعتين عند تأخير(١) بعض الأمراء للجمعة، وقالَ:
أشهدكم أنها جمعةٌ.
وحُكيَ مثله عن القاشانيّ(٢)، والقاشانيُّ (٢) ليسَ ممن يعتدُّ بقوله بينَ
الفقهاء .
وذهبَ عطاءٌ إلى أن من حضرَ الخطبةَ فقد أدركَ الجمعةَ، فلو أحدثَ
بعدَ حضوره الخطبةَ فذهبَ فتوضأً، ثم رجعَ وقد فرغَ الإمامُ من صلاةٍ
الجمعة أنه يصلّي ركعتين؛ لأنه قد حضرَ الخطبةَ.
(١) فى ((م)): ((تأخر)).
(٢) كذا في ((م)) والصواب بالفاء كما هو في الحاشية السابقة الذكر قبل قليل.
٣١٥

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
نقله عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابن جريجٍ، عنه، وخالفه جمهورُ العلماء،
فقالوا: يصلّي أربعًا .
وفي مراسيلٍ يحيى بنِ أبي كثيرٍ: من أدركَ الخطبةَ فقد أدركَ الصلاةَ.
خرَّجهُ عبدُ الرزاق(٢)، ومراسيلُ يحيى ضعيفةٌ جدّاً.
واختلفوا فيمن جاءَ والإمامُ(٣) قد فرغَ من الخطبةِ .
فقالت طائفةٌ: لم يدرك الجمعةَ، ويصلي أربعًا، رُويَ ذلكَ عن
عُمَر، وعن طاوسٍ، وعطاءِ، ومجاهدٍ، ومكحول، وقالوا: الخطبةُ بدل
.. (٤)
على الركعتينِ (٤) .
قال عطاءٌ: إن جلسَ قبلَ أن ينزلَ الإمامُ من المنبرِ فقد أدركَ الخطبةَ
فيصلي جمعةً وإلا صلَّى أربعًا .
وظاهرُ كلامِ عطاءِ أن الجمعةَ ظهرٌ مقصورةٌ؛ فإنه يقولُ: إن أدركَ
الخطبةَ قصرَ، وإلا لم يقصر .
وقالَ سعيدُ بنُ جبير: كانت الجمعةُ أربعًا، فجعلت الخطبةُ مكانَ
الركعتينِ (٥) .
وذهبَ طائفةٌ: إلى أن من أدركهم في التشهدِ قبل السلامِ فقد أدركَ
(٢) (٢٢٣/٣ - ٢٢٤).
(١) في ((المصنف)) (٢٣٨/٣).
(٣) العبارة في ((م)): ((واختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب [فيمن فقد] قد فرغ من الخطبة))
وضرب على ما بين المعقوفين، وكلمة ((يخطب)) ينبغي الضرب عليها - أيضًا - والمعنى لا
يستقيم بها .
(٤) انظر ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٢٨/٢) و((مصنف))عبد الرزاق (١٧١/٣).
(٥) انظر ((السنن الكبرى)) (١٩٦/٣).
٣١٦

٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
الحديث : ٩٣٦
الجمعة ، وهو قول الحكم ، وحماد، وأبي حنيفةً وأصحابه، وحُكىَ
روايةً عن النخعيِّ(١)، ورواية عن أحمدَ - ولا تكادُ تصحّ عنه -، ورُويَ
عن ابنِ مسعود أنه قالَ لأصحابه وقد أدركَ الناسَ جلوسًا في الجمعةِ: قد
أدركتم إن شاءَ اللهُ. قال قتادةُ: إنما أرادَ أدركتم الأجرَ (١).
وذهبَ أكثرُ (٣٣٩/م) العلماء إلى أنه إن أدركَ ركعةً من الجمعةِ مع
الإمامِ فقد أدركَ الجمعةَ ويتمَّها جمعةً، وإن فاتته الركعةُ الثانيةُ صلَّى
أربعًا، ورُوِيَ ذلك عن: ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وأنسٍ، وهو قولُ:
علقمةَ، والأسودِ، والحسن، والنخعيِّ، والزهريِّ، والأوزاعيِّ، والليث،
والثوريِّ، ومالك، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ (٢)، واستدلوا بحديث:
((مَنْ أدركَ ركعةً منَ الصلاة)) .
ثم إن أكثرهم قالوا: يصلِّي من أدركَ التشهدَ معَ الإمامِ الظهرَ خلفه
أربعًا، وهذا على قول من يقولُ: يصحُّ اقتداءُ من يصلي فرضًا خلف من
يصلِّي فرضًا آخرَ.
فأما من قالَ: لا يجوزُ ذلكَ فهو مشكلٌ على أصولهم؛ فلهذا قالَ
طائفةُ: لا يجزئه أن يصلِّيَ الظهرَ خلفَ من يصلي الجمعةَ، بل يستأنفُ
الظهرَ، وهو اختيارُ بعضِ أصحابنا في المسبوقِ وفيما إذا نقصَ العددُ فى
أثناء الجمعة، وهو قولُ بعضِ فقهاء أهلِ المدينةِ إلا على قولٍ من يقول:
الجمعةُ ظهرٌ مقصورة، فيكون كمقيمٍ صلَّى خلف مسافرٍ، فلهذا قالَ
بعضهم: ينوي في دخولهِ معه الجمعةَ، ثم يصلِّي ظهرًا إذا فارقه، وهو
(١) انظر ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٣١/٢).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ /١٠٠ - ١٠١).
٣١٧

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
بعيدٌ، وحُكيَ عن ابنِ شَاقلا(١) من أصحابنا.
وقد صنفَ ابنُ شَاقلا في المسألة جزءًا مفردًا، وقد تأملته فوجدته
يقولُ: إن من أدركَ التشهدَ خلفَ الإمامِ في يومٍ الجمعةِ فإنه يصلِّ جمعةً
أربعَ ركعاتٍ، قالَ: وإنما كانت جمعةُ هذا أربعًا لاتفاق الصحابة عليه
على خلافِ القياسِ، وكان القياسُ أن يصلِّيَ الركعتين.
وأخذَ ذلكَ من قولِ أحمدَ في روايةٍ حنبلٍ: لولا الحديث الذي في
الجمعةِ لكان ينبغي أن يصلِّ ركعتين إذا أدركهم جلوسًا، حتى قالَ ابنُ
شاقلا: لو كانَ الإمامُ قد صلَّى الجمعةَ قبلَ زوالِ الشمسِ فأدركه في
التشهد صلَّى أربعًا وأجزأه وكانت جمعةً(٢).
وقد قالَ سفيانُ الثوريُّ: إذا نوى الجمعةَ وصلَّى أربعًا أجزأته جمعتُهُ،
وإن لم ينوِ الجمعَة فلا أراه تجزئه .
والشافعيةِ فيما إذا نوَى بصلاة الجمعة صلاةَ (٣٤٠/ م) الظهر
المقصورة هل تصحَ(٣) جمعته؟ وجهان على قولهم إن الجمعةَ ظهرٌ
(٤)
مقصورة
(٤) .
فهل يشترطُ نيَّةُ القصر؟ فيهِ وجهان لهم على قولهم: إنَّ الجمعةَ ظهرٌ
(١) ابن شَاقَلا هو: إبراهيم بن أحمد بن عُمر بن حمدان. انظره في ((طبقات الحنابلة))
(١٢٨/٢ - ١٣٨) وغيره.
(٢) سيأتي ذكر هذا القول في (٧٨/٩) باب (٢٥) من كتاب العيدين.
(٣) في ((م)): ((يصح)) بالمثناة الفوقية والتحتية.
(٤) هنا حاشية في الهامش غير مقروءة.
٣١٨

٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
الحديث: ٩٣٦
مقصورةٌ، أصحُّهما: لا يُشترطُ ولو نوى الظهرَ مطلقًا مِن غيرِ تَعرُّضٍ
للقصرِ لم يصحّ عندهم بغيرِ خلافٍ .
وقالَ مالكٌ - فيما نقلَه عنه ابنُ عبدِ الحكمِ - في الإمامِ ينزلُ بقرية لا
تُقَامُ فيها الجمعةُ فيجمّعُ فيها: إنهُ لا يكونُ جمعةً؛ بل يكونُ ظهرًا
و
مقصورةً فتصحّ له ولمن معهُ من المسافرينَ ويتمُّ أهلُ تلكَ القريةِ صلاتَهم
إذا سلّم.
وهو ظاهرُ ما ذكرَهُ في ((الموطأ))(١) ونقلَهُ عنه ابنُ نافعٍ - أيضًا.
وظاهرُ هذا يدلُّ على صحةِ صلاةِ الظهرِ المقصورةِ بنيَّةِ الجمعةِ .
قالَ ابنُ القاسمِ في ((المدونةِ)): لا جمعةَ للإمامِ ولا لمن خلفه وُيُعيدُ
ويُعيدونَ؛ لأنه جهرَ عامدًا.
وهذا تعليلٌ عجيبٌ، وهو يقتضي أنَّ مَنْ جهرَ في صلاة السرِّ عَمْدًا
تبطُلُ(٢) صلاتُهُ. والتعليلُ بأنّهُ لا يصحّ صلاةُ الظهرِ بنيةِ الجمعةِ أظهرُ.
وذكرَ ابنُ الموازِ (٣)، عن ابنِ القاسمِ: أمَّا هو فصلاتُهُ تامةٌ، وأمَّا همْ
فعليهم الإعادةُ.
واختلفَ السلفُ في هذه المسألة، فقالَ عطاءٌ - فيمَنْ دخل قريةً لا
ينبغي أن تقامَ فيها الجمعةُ - وهي القريةُ التي ليستْ جامعةً عنده - فأقامَ
(١) (ص: ٨٧).
(٢) في ((م)): ((يطلب)) كذا.
(٣) هو محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني مترجم في ((الديباج المذهب)) (١٦٦/٢)،
و((السير)) (٦/١٣) وغيرهما.
٣١٩

الحديث: ٩٣٦
كتاب الجمعة
أهلُها الجمعةَ فجمّع معهم -: إنه يُتُمُّ صلاتَهُ، فإذا سلَّم إمامهُم أتمَّ
صلاتَهُ بركعتَيْنِ ولا يقصر معهم(١).
وقالَ الزهريُّ: يجمّعُ معهم ويقصرُ (١).
ومذهبُ أصحاب الشافعي: إنّ المسبوقَ في صلاة الجمعة يتم
صلاتَه(٢) إذا سلَّم الإمامُ ظهرًا.
ثم منهم مَنْ قطعَ بذلكَ - وهم جمهورُ العراقيينَ -، ومن الْخُراسانيينَ
من بَناه على القول في أنَّ الجمعةَ هل هي صلاةٌ مستقلةٌ أو ظهرٌ
مقصورةٌ؟ فإن قيل: هي ظهرٌ مقصورةٌ أمَّها ظهرًا كالمسافرِ إذا امتنعَ عليه
القصرُ لسبب، وإنْ قيل: هي صلاةٌ مستقلةٌ فهل (٣٤١/م) يُتمّها ظهرًا؟
فيه وجهان: أصحُهما: يُتْمِّها ظهرًا لأنها بدلٌ منها أو كالبدل، فعلى هذا
هل يشترطُ أنْ ينوي قبلها ظهرًا أو تنقلبُ بنفسها؟ فيه وجهانِ أيضًا .
وهذا كلُّه تُفريعٌ على قولهم: ينوي الجمعةَ موافقةً للإمامِ .
ولهم وجههٌ آخرُ: ينوي الظهرَ؛ لأنه لا يصحُّ له غيرُها، وهو قولُ
الخرقي وأكثرِ أصحابنا، ومنهم من قال: هو ظاهرُ كلام أحمدَ، وحكاه
أيضًا عن مالك، والشافعيّ.
وفي حكايته عن الشافعيِّ نظرٌ.
(١) ((مصنف)) عبد الرزاق (٣/ ١٧٠).
(٢) في ((م)): ((صلاة)) .
٣٢٠