النص المفهرس
صفحات 161-180
١٥- باب من أين تؤتى الجمعة؟ وقَالَتْ طَائفةٌ: تجبُ الجمعةُ على من بينَه وبينَها أربعةُ أَمْيالِ، وَرُوِيَ عن ابنِ المنكدرِ، والزُّهريِّ، وعكرمةَ، وربيعةً (١). ورُوِيَ عن الزُّهريّ(٢) - أيضًا - تحديدُه بستَّةِ أميالٍ، وهي فرسخانِ . ورُوِيَ عن أبي هريرةَ قال: تُؤْتَى الجمعةُ من فرسخينِ خَرَّجَهَ ابنُ أبي شيبةً(٣) بإسنادٍ ضعيفٍ . وروى عبدُ الرزاقِ(٤) بإسنادٍ منقطعٍ، عن مُعَاذِ أَنَّه كان يقومُ على منبرِه، فيقولُ لقومٍ بينَهم وبينَ دمشقَ أربعُ فراسخٍ، وخمسُ فراسخٍ: إِنّ الجُمعةَ لَزِمتكم، وأَنْ لا جُمعةَ إلا معنا . وبإسنادٍ منقطع، عن مُعَاويةً(٤) أَنَّه كان يأمر بشُهود الجمعة مَن بينَه وبينَ دمشقَ أربعةُ عشرَ (٥) ميلا. وقال بقيةُ، عن محمد بن زياد: أدركتُ النَّاسَ بحمص تبعثُ الخيلَ نهارَ الخميسِ إلى جُوْسِيَةَ (٦)، وحَماة، والرَّسْتَنِ يَجْلِبونَ النَّاسَ إلى الجمعةِ، ولم يَكُنْ يُجمّعُ إلا بحمصٍ . وعن عطاء أَنَّه سُئلَ: مِن كَمْ تُؤتى الجمعة؟ قال: من سبعة أميال، وعنه قال: يُقَالُ: من عشرة أميال إلى بريد(٧). (١) راجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ / ٣٧). (٢) عبد الرزاق (٣ / ١٦٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٣). (٤) ((المصنف)) (٣ / ١٦٤). (٥) الذي في ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣ /١٦٤): ((أربعة وعشرين ميلا)). (٦) في (م): ((حوسية)) بإهمال أولها، والصواب بالجيم - كما أثبتناه ، وانظر ((معجم البلدان)) (٢ /٢١٥)، و((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩١). (٧) ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٣)، وعبد الرزاق (٣ /١٦٢). ١٦١ كتاب الجمعة وعن النَّخعيِّ قال: تُؤْتَى من فرسخين(١). وعن أبي بكر [بن](٢) محمد بن عمرو بن حزم أَنَّه أَمرَ أهلَ قُباء، وأهلَ ذي الحليفة، وأهلَ القرى الصِّغار حولَه: لا يُجمِّعُوا، وأن يَشْهدوا الجُمعةَ بالمدينةِ(٣). وعن ربيعةً(٤) - أيضا - أَنَّه قَالَ: تجبُ الجمعةُ على من إذا نُودِيَ بصَلاةِ الجُمعةِ خرجَ من بيتِه ماشيًا أدركَ الجُمعةَ. وقالت طائفةٌ: تجبُ الجمعةُ على من أواه الليلُ إلى منزِلِهِ. قال ابنُ المنذرِ(٥): رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وأبي هريرةَ، وأنسٍ، والحسنِ، ونافعٍ (٢٦٩ / م) مولى ابنِ عمرَ، وكذلك قال عكرمةُ، والحكم، وعطاءٌ، والأوزاعيّ، وأبو ثورٍ. انتهى. وهو قولُ أبي خيثمةً(٦) زهيرُ بنُ حربٍ، وسليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ. وحكى إسماعيلُ بنُ سعيد الشَّالنجيّ عن أحمدَ نحوَه، واختاره ءِ الجوزجاني . (١) عبد الرزاق (٣ /١٦١)، وابن أبي شيبة (٢ / ١٠٢)، وراجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ / ٣٧). (٢) مابين المعقوفين سقط من ((م))، فأثبتناه من الرواية. (٣) عبد الرزاق (٣ / ١٦٩)، ومختصرًا عند ابن أبي شيبة (٢ / ١٠١)، والبيهقي (٣ / ١٧٥) . (٤) راجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ / ٣٧). (٥) راجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ / ٣٤ - ٣٥). (٦) وقع في ((م)): ((أبي خثيمة)) خطأ، والصواب بتقديم المثناة على المثلثة - كما أثبتناه - وقد تقدم مثله والتنبيه عليه (ص ١٣٢) تحت الحديث رقم: (٨٩١). ١٦٢ ١٥- باب من أين تؤتى الجمعة؟ وفيه حديثٌ مرفوعٌ من حديث أبي هُريرةَ، وقد ذكره التِّرمذيُّ، وبَيِّن ضعفَ إسنادِهِ، وأَنَّ أحمدَ أنكره أشدَّ الإنكارِ (١). وفيه - أيضًا - عن عائشةَ(٢)، وإسنادُه ضعيفٌ. وفيه - أيضًا - من مراسيل أبي قلابةً(٣)، وفي إسناده ضعفٌ. وقالت طائفةٌ: تُؤْتَى الجمعةُ مِنْ فرسخين، قَالَه النَّخْعِيُّ(٤)، وإسحاقُ (١) الترمذي (٥٠١ - ٥٠٢)، و ((العلل)) من آخر ((الجامع)) (٥ / ٧٤١ - ٧٤٢). ونقل عن أحمد ما يفيد: أنه ليس في الباب شيءٌ مرفوع، ونقل عنه أيضًا غضبه - رحمه الله - عندما سمع المرفوع من محدّثه وقال له: «استغفر ربك، استغفر ربك)» ا. هـ. ثم قال الترمذي بعدها: ((إنما فعل أحمد بن حنبل هذا لأنه لم يَعُدَّ هذا الحديث شيئًا، وضعفه لحال إسناده)» ا. هـ. وقبل هذا كله قال الترمذي: ((ولا يصح في هذا الباب عن النبي بَخل شيء)) ا. هـ قال أبو زرعة (٢ / ٣٦٩) في ((أجوبته على أسئلة البرذعي)): ((قلت: معارك بن عباد؟ قال: واهي الحديث جدّاً، ولا سيما إذا حدث عن عبد الله بن سعيد المقبري فيقع ضعف على ضعف)» ا. هـ. وراجع («العلل المتناهية)) (١ / ٤٦٠)، و ((المجموع)) (٤ /٤٨٨) للنووي. وراجع كلام المصنف على هذا الحديث في شرحه: ((علل الترمذي)) (١ / ٣٧٠ - ٣٧١). (٢) أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٢ / ١٤٠). وأخرج العقيلي (٣ / ٥١) طرفه في ترجمة عبد الواحد بن ميمون مولى عروة راوي الحديث عن عروة، عن عائشة. وقال ابن عدي في (الكامل)) (٥ / ٣٠١) في ترجمته - أيضًا -: إن له أحاديث ينفرد بها عن عروة. (٣) ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)) (٢٨ /١٤٥ - ١٤٦)، وقال: ((رواه لُوَيْن، عن محمد ابن جابر، وقال: سمعت رجلا يذكره لحماد بن زيد فتعجب منه وسكت، فلم يقل شيئًا» ا. هـ. (٤) أخرجه عبد الرزاق (٣ / ١٦١)، وابن أبي شيبة (٢ / ١٠٢)، وراجع ((الأوسط)) لابن المنذر (٤ / ٣٧). ١٦٣ كتاب الجمعة نقله عنه حربٌ؛ لكنَّهما لم يُصرِّحَا بوجوب ذلك. وقد تقدّمَ نحوُه عن غیرٍ واحد. وخرَّجَ حربٌ من طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ أَنَّه كان يُجمِّعَ من الزاويةِ وهي فرسخانٍ . ورَوَى عبدُ الرزاقِ (١) عن معمرٍ، عن ثابتٍ، عن أَنْسِ أَنَّه كَانَ يكونُ ء بينَه وبينَ البصرة ثلاثةُ أميال فيشهدُ الجمعةَ بالبصرةِ. وقد ذكر البخاريُّ عنه أَنَّه كَانَ أحيانا لا يجمعُ(٢). وكذلك روى عن أبي هريرةَ أَنَّه كان بالشجرة(٣)، وهي ذُو الحُليفة، فكانَ أحيانًا يجمعُ وأَحْيانًا لا يُجمِّعُ، وقد رُوِيَ عنه الأمرانِ جميعًا(٤). وكذلك سعدُ بنُ أبي وقاصٍ كَانَ في قصرِهِ بالعقيقِ، فكانَ أحيانًا يُجمّعُ، وأحيانًا لا يجمّعُ، وكان بينَه وبينَ المَدينةِ سبعةُ أميال أو ثمانيةٌ(٥) . وكذلك رُوِيَ عن عَائِشَةَ بنتِ سعدِ أَنَّ أباها كان يفعلُ(٦). (١) في ((المصنف)) (٣ / ١٦٣). (٢) كما هو في ترجمة هذا الباب. وراجع ((المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية)) (١ / ١٦٢)، و((التغليق)) لابن حجر - رحمه الله (٢ /٣٥٥). (٣) في (م)): ((بالسحرة)) بدون إعجام، وما أثبتناه هو الصواب، وانظر ((معجم البلدان)) وهي بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة على صاحبها أكمل صلاة وتسليم. (٤) راجع ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣ / ١٧٥). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٢)، وعبد الرزاق (٣ / ١٦٣) وعند الأخير: ((ستة أميال أو ثمانية)) . (٦) انظر التعليق السابق. ١٦٤ ١٥- باب من أين تؤتى الجمعة؟ الحديث : ٩٠٢ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ٩٠٢ - نَا أَحْمَدُ(١): نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارث، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ(٢) بنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَّوْجِ النبيَِّ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَبُونَ(٣) الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِم والعَوَلِي، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ، ويُصِيبُهُمُ (٤) الغُبَارُ(٥) والعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَنَى مِنْهُمْ (٦) إِنْسَانٌ مِنْهُمْ (٧) رَسُولَ الله ◌َهُ - وهُوَ عِنْدِي - فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا)). أحمدُ هذا قد سبقَ الاختلافُ فيه (٨) هل هو ابنُ أخي(٩) ابن وهب، أو ابنُ صالح، أو ابنُ عيسى التستريّ (١٠). (١) قال القسطلاني (٢ / ١٧١): ((غير منسوب، ولأبوي ذر والوقت ووافقهما ابن السكن: أحمد بن صالح - أي : المصري)) . (٢) في ((م)): ((عبد الله))، خطأ، وما أثبتناه من ((اليونينية)). (٣) زاد في ((اليونينية)): ((يوم))، وأشار إلى سقوطها عند أبي ذر وابن عساكر، وإلى هذا أشار القسطلاني - أيضًا . (٤) في ((اليونينية)) بدون واو، ولم يشر إلى خلاف في ذلك. (٥) قال القسطلاني (٢ / ١٧٢): ((كذا في الفرع، وهو رواية الأكثرين، وعند القابسي: فيأتون في العباء بفتح العين المهملة والمد جمع عباءة)) ا. هـ. وكذا قال الحافظ وتبعه العيني - كعادته - ، وسيشير المصنف - رحمه الله - إلى مثل هذا بعد قليل. (٦) كلمة: ((منهم)) ليست في ((اليونينية))، والمعنى بدونها لائق. (٧) السياق في ((م)) وقع فيه تقديم وتأخير، والذي في ((اليونينية)): ((فيخرج منهم العرق فأتى رسول الله ◌َلا إنسان منهم وهو عندي فقال ... )). (٨) تحت الحديث رقم: (٤٧١). (٩) في ((م)): ((حي)) بدون ألف وبحاء مهملة، خطأ، والصواب ما أثبتناه. (١٠) وانظر كلامًا نفيسًا جدًا حول الاختلاف فى نسبته سطره الإمام أبو على الجياني - رحمة= ١٦٥ الحديث : ٩٠٢ كتاب الجمعة وذَكرَ أبو نعيمٍ في ((مستخرجِه)) أَنَّه ابنُ عبدِ الله(١). كذا قالَ، ولم يُبيِّن من هو . وفي أَكْثر النسخِ ((فيأتونَ في الغبار))، وفي بعضِها ((في العباء))(٢) وهو الأشبه وفي النُّسْخِ ((فَيَخْرجُ منهم العرقُ))، وفي ((صَحِيحِ مسلم)(٣): ((فَيَخرجُ(٤) منهم (٢٧٠ / م) الرِّيحُ))، وفيه أيضا: ((العباء)). وهذا من أَوْضحِ الأَدلَّةِ على أَنَّ غُسْلَ الجمعةِ ليسَ بوَاجبٍ حَتَّى ولا على من له ريحٌ تخرج منه، وإنَّما يُؤمرُ به ندبًا واسْتحبابًا لقولِهِ: ((لو أَنَّكم تَطهَّرْتُمْ لَيَوْمَكُم هذا». ومقصودُ البخاريِّ من هذا الحديث: أَنَّ أهلَ العوالي كانوا يشهدونَ الجُمعةَ مع النَّبِىِّ وَّه وسام = الله عليه - في كتابه الحفيل: ((تقييد المهمل)) (ق: ١٩٩ ب - ٢٠٠ ب)، ولولا أن شرطنا في هذا الكتاب عدم التطويل، وإثقال الحواشي - إلا للضرورة الملحة - لنقلناه برمته جودته . وذكر الحافظ في ((هدي الساري)) (ص: ٢٢٢ - ٢٢٥) الاختلاف - أيضاً -، وطوّله ونبَّه على زيادة موضعين فوق ما ذكره الجياني . هذا، وقد نقل العيني في ((عمدة القاري)) (٥ / ٢٨٢) كلام الجياني مختصرًا. (١) كذا في ((م): ((ابن عبد الله))، والذي نقله الحافظ في ((الفتح)) (٢ /٣٨٦) والقسطلاني في ((الإرشاد)) (٢ / ١٧١) عن أبي نعيم في ((مستخرجه)): أنه ((ابن عيسى)). هذا، ولم نجد أحدًا ممن ذكر الخلاف في نسبة ((أحمد)) هذا من نسبه إلى: ((ابن عبد الله)). والذين ذكروا الخلاف في نسبته حصروها في ثلاث، وهي التي ذكرها المصنف في هذا الموضع، وتحت الحديث رقم: (٤٧١)، وليس منها: ((ابن عبد الله))، والله أعلم. (٣) مسلم (٨٤٧). (٢) وإلى هذا أشار القسطلاني (٢ / ١٧٢) وغيره. (٤) في ((صحيح مسلم)): ((فتخرج)). ١٦٦ ١٥- باب من أين تؤتى الجمعة؟ الحديث : ٩٠٢ وليسَ في هذا ما يدلُّ على وجُوبِ الجُمعةِ على من كَانَ خارجَ المِصرِ؛ فإنَّه ليسَ فيه أمرُ النَّبِيِّ وَّهِ لهم بشهود الجُمعةِ، وكذا ما خرَّجَه ابنُ ماجه(١) من حديث عبد الله بن عمرَ العمريِّ، عن نَافعِ، عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ أهلَ قباءٍ كَانُوا يُجمّعون معَ رسولِ اللهِ وَ. لكن قد رُوِيَ عنه أَنَّه أمرَهم بذلك. خَرَّجَهَ التِّرمذيُّ (٢) من رواية إسرائيلَ، عن ثويرِ - هو: ابنُ أبي فاختةَ -، عن رجلٍ من أهلِ قباء، عن أبيه - وكان من أصحابِ النَّبِيِّ وَّهِ - قَالَ: أَمَرَنا النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ أَن نَشْهِدَ الجُمعةَ من قباء. وقال: لا نَعْرفُه إلا من هذا الوجهِ . قال: ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ(٣). انتهى. وثويرٌ ضعيفُ الحديث، وشيخُهُ مجهولٌ. وقد خرَّجه وكيعٌ في كتابه، عن إسرائيلَ - به، ولفظُه: كُنَّا نُجمِّعُ من قباء. ولم يذكر أمرَهُمْ بذلك. وقال الزُّهريُّ: قال (٤): كانوا يَشْهدونَ الجُمعةَ مع النَّبِيِّ ◌َّ من ذي الحليفة . خَرَّجه ابنُ أبي شيبةَ، وغيرُه(٥). (١) ابن ماجه (١١٢٤). (٢) الترمذي (٥٠١). (٣) المصدر السابق وراجع ((المجموع)) (٤ / ٤٨٨). (٤) كذا في ((م)): ((قال)»، وبحذفها ينتظم السياق. (٥) ابن أبي شيبة (٢ /١٠٣)، وعبد الرزاق (١٦١/٣ - ١٦٢). ١٦٧ الحديث : ٩٠٢ كتاب الجمعة ومراسيلُ الزهريِّ ضعيفةٌ(١). وقد ذكرَ الإمامُ أحمدُ(٢) أَنَّ بينَ ذي الحليفة والمدينة فرسخين، وقال: كَانُوا يَتَطوَّعون بذلك من غيرِ أَنْ تجبَ عليهم، ويشهد لقوله أَنَّ أبا هريرةَ كَانَ بذي الحليفةِ، وكَانَ أحيانًا يأتي الجمعةَ، وأحيانًا لا يَأْتيها(٣). وكذلك ذَكَرَ عمرُو بنُ شعيبٍ أَنَّ عبدَ الله بنَ عمرو بنِ العاصِ كان يكونَ بالرهط (٤) فلا يشهدُ الجمعةَ مَعَ النَّاسِ بالطَّائفِ؛ وإِنَّما بينَه وبينَ الطائف أربعةُ أميال(٥) أو ثلاثة. خرَّجَه عبد الرزاق(٦). وروى عطاء بن السائبِ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أَنَّه كان يشهدُ الجُمعةَ بالطَّائفِ من الرهط (٤). (٧) وهذا يدلُّ على أنَّه كَانَ يشهدُهَا أحيانًا، ويتركُهَا أَحْيانًا كما فَعَل غيرُهُ مِنَ الصِّحَابَةِ رضي اللهُ عنهم . (١) وراجع ما سطره المصنف - رحمة الله عليه - في كتابه: ((شرح العلل)) (١ / ٥٣٥) بهذا الشأن . (٢) راجع ((مسائل ابن هانىء)) (١ /٨٩)، وقد سبق مذهب أحمد . (٣) سبق (ص ١٦٤). (٤) كذا في (م)) بالراء في الموضعين، وهو موضع كما أشار إليه ياقوت الحموي وغيره، وليس هو المراد في الأثرين. والذي في ((مصنف)) ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بالواو: ((الوهط))، وهو المراد في الأثرين، وهو موضع، ونقل ياقوت الحموي عن ابن موسى قوله: ((الوهط قرية بالطائف على ثلاثة أميال)). ا. هـ. (٥) في (م)): ((أمثال))، خطأ، والتصويب من ((المصنف)). (٦) عبد الرزاق (٣ / ١٦٣). (٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٤). ١٦٨ ٠ ١٦ - بَابٌ (٢٧١ /م) وَقْتُ(١) الْجُمُعَةِ إِذَا زَلَتِ الشَّمْسُ وَكَذَلَكَ يُرْوَى(٢) عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْث (٣). ء أَمَّا المرويُّ عن عُمرَ: فَرَوَى مالكٌ في ((الموطأ)) (٤)، عن عَمِّه أبي سهيلٍ، عن أبيه قَالَ: كنتُ أرى طِنْفِسَةً لعَقِيل بنِ أبي طالبٍ يومَ الجُمعة تُطْرِحُ إلى جدارِ المسجدِ الغربِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطَّنْفسةَ كُلَّها ظلُّ الجدار خَرَجَ عمرُ بن الخطابِ، فَصَلَّى الجُمعةَ، قال: ثم نَرجعُ بعدَ الجُمعةِ فَقِيلُ قائلةَ الضّحی. وأَمَّا المرويُّ عن عليٍّ: فمن طريقِ إسماعيلَ بن سميع، عن أبي رزين قال: صلَّيتُ خلف عليٍّ بن أبي طالب الجمعةَ حين زالت الشَّمْسُ(٥). وأَمَّا المرويُّ عن النُّعمان بن بشيرٍ، وعمرو بنِ حريث: فخرَّجَه ابنُ أبي شيبةَ من طريقِ سماكِ قَالَ: كَانَ النُّعمانُ بنُ بَشِيرٍ يُصَلِّي بنا الجمعةَ (١) هكذا بالضبطين في ((اليونينية)). (٢) قال القسطلاني (٢ / ١٧٢): ((ويروى في نسخة عن الأربعة: يذكر)) ا. هـ. (٤) ((الموطأ)) (ص: ٣٢). (٣) فى ((اليونينية)) زيادة الترضية. (٥) أخرجه ابن المنذر فى ((الأوسط)) (٤ / ٣٥١). وراجع ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢ / ١٠٨) وعبد الرزاق (٣ / ١٧٦). ١٦٩ الحديث : ٩٠٣ كتاب الجمعة بعدما تزولُ الشَّمسُ (١). ومن طريقِ الوليدِ بنِ العيزارِ قال: ما رأيتُ إِمَامًا كَانَ أَحْسَنَ صَلاةً للجُمعةِ من عمرو بنِ حريثٍ، وَكَانَ يُصَلِيها إذا زَالتِ الشَّمسُ(٢). وقد رُوِيَ هذا - أيضًا - عن معاذِ بنِ جبلٍ لكن من وجهٍ منقطعٍ(٣). وهو قولُ أكثرِ الفُقْهاءِ، منهم: الحسنُ، والنَّخعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وَالشَّافعيّ(٤). وذَهبَ كثيرٌ من العُلماءِ إِلى أَنَّه يَجُوزُ إقامتُها قبلَ الزَّوالِ، وسنذكرُ ذلك فيما بعد(٥) إن شاء الله تعالى. خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ ثَلاثةَ أَحاديثَ. الحديثُ الأولُ: ٩٠٣ - نَا عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ الله - هُوَ ابْنُ المبارك(٦) -: أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد أَنَّهِ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الْجُمعَةِ، فَقَالَت: قَالَتْ عَائِشَةُ (٧): كَانَ النَّاسُ مَهَنَةً(٨) أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. هذا مِمَّا يُستدلُّ به على أَنَّ الغسلَ للجُمعةِ غيرُ واجبٍ كما سبقَ. والمرادُ بالمهنة: الخدمةُ، وقضاءُ الحوائج، والأشغالُ، وذلك يوجبُ (٢) ابن أبى شيبة (٢ / ١٠٩). (١) ابن أبي شيبة (٢ /١٠٨). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ /١٠٨)، وعبد الرزاق (١٧٦/٣). (٤) راجع ((الأوسط)) (٤ / ٣٥٢ - ٣٥٣). (٥) عند شرحه للحديث رقم: (٩٠٥). (٦) ((هو ابن المبارك)) ليست في ((اليونينية)). (٧) زاد في ((اليونينية)): ((رضى الله عنها)). (٨) وأشار في ((اليونينية)) إلى أنها في نسخة بالكسر، وراجع القسطلاني (٢ / ١٨٣). ١٧٠ ١٦ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس الحديث : ٩٠٤ الوسخَ والشعثَ. ووجهُ احتجاجٍ البخاريِّ به في هذا البابِ أَنَّ فيه ذكرَ رواحِ النَّاسِ إلى الجمعةِ، والرواحُ إِنَّما يكونُ بعدَ الزَّوالِ، فَدَّلَ على أَنَّ الجُمعةَ إِنَّمَا كَانتْ تُقَامُ فِي عَهْدِ النَّبِّ ◌َّهِ بعد الزَّوالِ. وقد يُقَالُ: ذكرُ الرواح في (٢٧٢ / م) هذا الحديثِ كذكرِ الرَّواح في قوله: ((مَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الأولى فكَأنَّما قَرِبَ بَدَنَةً)) الحديث. ولم يَحْمِلْه أكثرُ العلماءِ على ما بعدَ الزوال كما سبقَ، فالقولُ في هذا كالقولِ في ذَاكَ. الحديثُ الثَّاني: ٩٠٤ - نَا سُرَيَجُ بْنُ النُّعْمَانِ: نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عُثْمانَ التَِّمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ (١) أَنَّالنّبِيَّ : ﴿ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. ومعنى تَمِيلُ أى: تزولُ عن كبدِ السَّماءِ بعدَ اسْتوائها في قَائمِ الظَّهيرة . وهذا يدلُّ على أنَّ هذه كانت عادةَ النَّبيِّ نَّهِ الغالبةَ، ولا يدلُّ على أَنَّه لم يكُنْ يُخِلُّ بذلك، وقد قَالَ أنسٌ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصلِّي العصرَ وَلَةُ- يُصلِّي العصرَ ءُ والشَّمسُ مُرْتفعةٌ (٢)، وقالت عائشةُ: كَانَ النبيّ صَلى الله والشَّمسُ في حجرتي(٣)، وقال أبو برزةَ: كَانَ النَّبِيِّ يُصلِّي الهَجِيرَ وَستا (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٣) وقد سبق برقم: (٥٤٦). (٢) وقد سبق برقم : (٥٥٠). ١٧١ الحديث : ٩٠٥ كتاب الجمعة حين تَدحضُ الشَّمسُ(١)، الحديثُ بطوله، وإنَّما أَرَادُوا أَنَّ ذلك كَانَ الغالبَ عليه وإلا فقد يُؤْخِّرُهَا عن ذلكَ أحيانا كما أخرَها لَّا سألَه السَّائِلُ عن مَواقيت الصَّلاة وأَخَّرها يومَ الخندق وغير ذلك. الحديثُ الثالثُ: ٩٠٥ - نَا عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ: أَنَا حُمَيَدٌ، عَنْ أَنَس قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ بالجُمُعَة ونَقيلُ بَعْدَ الجُمعَة. هذا مما يَستدلُّ به من يقولُ بجوازِ إقامةِ الجُمعةِ قبلَ الزَّوالِ؛ لأنَّ التَّبكيرَ والقائلةَ لا يكون إلا قبلَ الزَّوال. وقد تقدَّمَ أَنَّهم كانوا في عهد ءِ عمرَ يصلُّون معه الجمعةَ ثم يرجعون فيقيلون قائلةَ الضّحى، وهذا يدلّ على أنَّ وقتَ الضُّحى كَانَ بَاقيًا . وكلُّ ما استدلَّ به من قَالَ: تمنعُ إقامةُ الجمعةِ قبلَ الزَّوال ليس نصّاً صريحًا في قوله، وإنَّما يدلُّ على جَوَازِ إقامةِ الجُمَعةِ بعدَ الزَّوَالِ أو على استحبابه، أَمَّا منعُ إقامتها قبلَه فلا، فالقائلُ بإقامتها قبل الزَّوال يقولُ بجميعِ الأدلةِ، ويجمعُ بينها كُلِّها ولا يردُّ منها شيئًا؛ فروى جعفرُ بنُ برقانَ، عن ثَابتِ بنِ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ سيدانَ قَالَ: شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكر الصديقِ فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصف النَّهار، ثُمَّ شهدتُها مع عمرَ فكانت صلاتُه وخطبتُه إلى أن نقولَ: انتصفَ النَّهارُ، ثم شهدتُها (٢٧٣ / م) مَعَ عثمانَ فكانت صَلاتُه وخطبتُه إلى أن نقولَ: مالَ النَّهارُ، فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلك ولا أنكرَه(٢). (١) وقد سبق برقم: (٥٤٧). (٢) كتب في ((م)) أعلى الصفحة في بدايتها حاشية بخط مقارب استظهرنا بعضها: ((وهم = ١٧٢ ١٦ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس الحديث : ٩٠٥ خرَّجه وكيعٌ في كتابِهِ، عن جعفرٍ به، وخرَّجه عنه ابنُ أبي شيبةَ في كتابه، وخرّجه عبدُ الرزاق في كتابِهِ، عن معمرٍ، عن جعفرٍ - به، وخرَّجَه الأثرمُ، والدار قطنيُّ(١). ورواه الإمامُ أحمدُ في رواية ابنهِ عبدِاللهِ، عن وكيعٍ، عن جعفرٍ، واستدلَّ به(٢). وهذا إسنادٌ جيدٌ، وجعفرٌ حديثُه عن غيرِ الزُّهريِّ حجة يحتج به قَالَه الإمامُ أحمدُ، والدارقطنيُّ، وغيرُهما، وثابتُ بنُ الحجاجِ جزريٌّ تابعيٌّ معروفٌ، لا نعلمُ أحدًا تكلّم فيه، وقد خرَّجَ له أبو داودَ، وعبدُ اللهِ بنُ سِيْدَانَ السلميُّ المَطْرُودِيُّ قِيلَ: إِنَّه من الربذةِ، وقيل: إِنَّه جزريٌّ، يروي عن: أبي بكرٍ، وحذيفةَ، وأبي ذرٍّ، وثَّقه العجليَّ، وذكره ابنُ سعدٍ في طبقةِ الصحابةِ مِمَّنْ نزلَ الشامَ، وقال: ذكروا أنَّه رأى النبيَّ ◌ََِّ، وقال القشيريُّ في: ((تاريخ الرقة)): ذكروا أنه أدركَ النبيَّ وَّةِ، وَأَمَّ البخاريُّ فقال: لا يتابعُ على حديثِهِ(٣) كأنَّ يشيرُ إلى حديثه هذا (٤). وقولُ ابنِ المنذرِ: إِنَّ هذا الحديثَ لا يثبتُ(٥)؛ هو متابعةٌ لقول = صاحب ((المهذب)) أن أحمد رواه في: ((مسنده)) فوهم والله أعلم)) انتهى ما بهامش ((م))، وليست هي من أصل ((م))، ولا السياق يقتضيها، والله يعلم لمن تكون . (١) ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٧)، وعبد الرزاق (١٧٥/٣)، والدارقطني (٢ /١٧). (٢) راجع ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٢٥ - ١٢٦)، و ((الانتصار في المسائل الكبار)) (٢ / ٥٨١) لأبي الخطاب الكلوذاني، وراجع ما كتبه محققه الفاضل بشأن رواية أحمد للحديث (٢ / ٥٨٠). (٣) ((التاريخ)) (٥ /١١٠). (٤) وبمثل هذا قال ابن عدي في ((الكامل)) (٤ / ٢٢٢)، وذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٥ /٦٨) في ترجمة ابن سيدان هذا الحديث. (٥) ((الأوسط)) (٢ / ٣٥٥). ١٧٣ الحديث : ٩٠٥ كتاب الجمعة البخاريِّ، وأحمدُ أعرفُ بالرجال منْ كلِّ من تَكلَّم في هذا الحَديث، وقد استدلَّ به، واعتمدَ عليه. وقد عَضَّدَ هذا الحديثَ أَنَّه قد صحّ من غيرِ وَجْهِ أَنَّ القَائِلةَ في زمنِ عُمرَ وعثمانَ كانت بعدَ صَلاةِ الجُمعةِ، وَصَحّ عن عثمانَ أَنَّه صَلَّى الجمعة بالمدينة، وصلَّى العصرَ بِمَلَل(١). خَرَّجَه مالكٌ في ((الموطأ)(٢). وبينَ المدينةِ ومَلَل(١) اثنان وعشرون ميلا، وقيلَ: ثمانية عشرَ ميلا، ويبعدُ أن يلحقَ هذا السيرَ بعدَ زوالِ الشَّمسِ. وروى شعبةُ، عن عمرو بنِ مرةً، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ قَالَ: صَلَّى بنا عبدُ الله بن مسعود الجمعةَ ضحِّى، وقال: خَشيتُ عليكم الحرَّ. وروى الأعمشُ، عن عمرو بنِ مرةً، عن سعيد بنِ سويدٍ قَالَ: صلَّى بنا معاويةُ الجمعةَ ضحِی. وروى إسماعيلُ بنُ سميعٍ، عن بلالِ العبسيِّ أَنَّ عمارًا صَلَّى للنَّاس الجمعةَ والنَّاسُ فريقان: بعضُهم يقولُ: زَالتِ الشَّمسُ، وبعضُهم يقول: لم تَزُلْ. خَرَّجَ ذلك كلَّه ابنُ أبي شيبةً(٣) . (١) رسم فوقها في الموضعين حرف: ((حـ)) هكذا، وكتب في الهامش بإزاء الأولى: ((ملل بلامين)) على وزن جمل)) ا. هـ. من الهامش ورسم فوق الهامش حرف ((حـ)) ممدودة دلالة على أنها حاشية. ولم نتبين صاحبها . (٢) ((الموطأ)) (ص: ٣٣). (٣) ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٧ - ١٠٨). ١٧٤ ١٦- باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس الحديث: ٩٠٥ وخرج - أيضًا - من طريقِ الأعمش، عن مُجاهد قال: ما كانَ للنَّاس عيدٌ إلا أول النهار (١). ومن طريق يزيد بن أبي زياد، عن عطاء قال: كَانَ من كان قبلكم يُصلُّونَ الجمعةَ، وإِنَّ ظلَّ الكعبة كما هو (١). وروى عبدُ الرزاقِ في (٢٧٤ / م) كتابِهِ (٢)، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءِ قالَ: كلُّ عيدِ حينَ يمتدُ(٣) الضحَى: الجمعةُ والأضحَى والفطرُ، كذلكَ بلغنا . ورَوَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن جعفرِ بنِ بُرْقَانَ، عن حبيبِ بنِ أبي مرزوقٍ، عن عطاءٍ قالَ: كلُّ عيدٍ في صدرِ النهارِ. وعن شعبةَ، عن الحكم، عن حمادِ قالَ: كلَّ عيدٍ قبلَ نصفِ النهارِ. وروى أبو سعد البقالُ، عن (٤) أبي عبيدةَ، عنِ ابنِ مسعود قالَ: ما كانَ عيدٌ قطُّ إلا في صدرِ النهارِ(٥)، ولقد رأيتُنَا وإنا لنجمعُ مُعَ رسولِ ء اللهِ وَّ له في ظل الخطبة(٦). مے أبو سعيد (٧) فيه ضعفٌ. (١) ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٧ - ١٠٨). (٢) عبد الرزاق (٣ / ١٧٤). (٣) كلمة ((يمتد)) عند عبد الرزاق: ((يشتد)). وَرَسم ((يمتد)) في ((م)) لا يحتمل إلا ما أثبتناه. (٤) كلمة ((عن)) تكررت في ((م)). (٥) في ((م)) كأنه ضرب على الألف واللام من كلمة ((النهار)). (٦) كذا في ((م)): ((الخطبة)) ولعل الصواب: ((الكعبة)). (٧) كذا في ((م))، خطأ، وقد سبق على الصواب: ((أبو سعد)). ١٧٥ الحديث: ٩٠٥ كتاب الجمعة وحكَى الماورديُّ في كتابِهِ ((الحاوي)) عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ تجوزُ صلاةُ الجمعةِ قبلَ الزوال. وهوَ مذهبُ أحمدَ وإسحاقَ، نقلَهُ عنهما ابنُ منصور، وهو مشهورٌ عن أحمدَ حتَّى نُقلَ أنه لا يختلفُ قولُهُ في جوازِ إقامة الجمعة قبلَ الزوال. كذا قالَهُ غيرُ واحد من أصحابِهِ، فمنهم ابن وَ شاقلاً وغيرُهُ. وقد روَىَ حنبلٌ، عن أحمدَ قَالَ: صلاةُ الجمعة تُعجلُ: يؤذنُ المؤذنُ قبلَ أن تزولَ الشمسُ، وإلى أن يخطبَ الإمامُ وتقامُ الصلاةُ قد(١) قامَ قائمُ الظهيرةِ ووجبتِ الصلاةُ. ويقالُ: إنَّ يومَ الجمعة صلاةٌ كلُّهُ، لا يُتَحرَّى(٢) فيها الصلاةُ، وكانَ أصحابُ رسول الله وَّةٍ يتحرونَ بصلاة الجمعة؛ إلا أنه لا ينبغي أن تصلَّى حتَّى تزوَّلَ الشمسُ لأولِ الوقتِ. هذه السنةُ التي لم يزلِ الناسُ يعملونَ عليها بالمدينةِ والحجازِ، ورسولُ اللهِ وَله وأصحابُهُ على ذلكَ. وظاهرُ هذه الروايةِ: أنه إنما يقدمُ على الزوال: الأذانُ والخطبةُ خاصةً، وظاهرُها: أنه تجوزُ الصلاةُ في وقتِ الزوالِ يومَ الجمعةِ خاصةً. وقالَ صالحُ بنُ أحمدَ: سألتُ أبي عن وقتِ الجمعة فقالَ: إذا زالت الشمسُ (٣). ونقلَ صالحٌ - أيضًا -، عن أبيهِ في موضع آخرَ أنه قال: إن فعل ذلكَ قبلَ الزوال فلا أعيبُهُ، فأما بعده فليسَ فيه شكَّ. ونحوه نقلَ وو ابنُ منصورِ، عن أحمد وإسحاقَ. ونقلَ أبو طالبٍ عنه قالَ: ما ينبغي أن يصلّى قبلَ الزوال، وقد صلَّى ابنُ مسعود. (١) كذا في ((م))، ولعل الصواب: ((فقد)). (٢) فى ((م): ((تحرى)) عارية عن النقط، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٣) راجع ((مسائل صالح)) (١ / ١٥٥ - ١٥٦) في معناه. ١٧٦ ١٦- باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس الحديث: ٩٠٥ ونقلَ عنهُ جماعةٌ ما يقتضِي التوقفَ. ونقلَ عنهُ عبدُ الله أنهُ قالَ: لا بأسَ أن تصلَّى (٢٧٥ / م) قبل الزوال، قد صلَّى ابنُ مسعودٍ(١). وقد نقلَ عنهُ ابنُ القاسمِ قالَ: وقتُ الجمعةِ قبلَ الزوالِ وبعدَ الزوالِ، أيُّ ذلك فعلَ جازَ. ونقلَ عنهُ أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ أنه قالَ - على ما جاءَ من فعلِ أبي بكرٍ وعمرَ -: لا أرَى به بأسًا؛ لأنها عيدٌ والأعيادُ كلُّهَا في أولِ النهار. وكذا نقلَ عبدُ الله، عن أبيه قالَ: يجوزُ أن تصلَّى الجمعةُ قبلَ الزوالِ - يذهبُ إلى أنها كصلاة العيدِ . قالَ أبو بكرٍ: وعلَى هذا استقرت الرواياتُ عنْهُ وعليهِ العملُ. واختلف أصحابُنَا في الوقتِ الذي يجوزُ فعلها فيه، فقالَ الخرقيُّ: في الساعةِ السادسةِ - وفي بعضِ النسخِ: الخامسة(٢). وقالَ القاضي وكثيرٌ من أصحابِهِ: يجوزُ فعلُها في وقتِ جوازِ صلاةٍ العيد؛ وهوَ إذا ارتفعتِ الشمسُ بعدَ طلوعِهَا وزالَ وقتُ النهي، وهو ظَاهِرُ روايةِ عبدِ اللهِ عن أبيهِ . ومن أصحابنا من قالَ: يجوزُ فعلها من وقتِ طلوعِ الفجرِ يومَ الجمعة إذا دخلَ وقتُ الفجرِ. حكاه ابنُ عقيلِ في ((مفرداتِهِ)) و((عُمِدَ (٣) الأدلة)). (١) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٢٥ - ١٢٦). (٢) راجع ((الانتصار في المسائل الكبار)) (٢ / ٥٧٦) لأبي الخطاب الكلوذاني. (٣) كذا هنا، وسبق مثله (ص ٦٦)، وفي ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٥٦/١): ((عمدة)). ١٧٧ الحديث: ٩٠٥ كتاب الجمعة وهذا القولُ غلوٍّ من قائله(١)، وكيفَ تجوزُ إقامةُ الجمعةِ في وقتٍ صلاة الفجرِ؟! وهل فعلَ هذا أحدٌ سلفًا أو خلفًا؟ وإذا كانت صلاةٌ لا تفعلُ قبلَ طلوع الشمسِ ووقتُها قبلَ الزوالِ دونَ ما بعده فكيفَ يصلَّى(٢) الجمعةُ قبلَ طلوعِ الشمسِ؟! وإنما جازَ تقديمُها على الزَّوال إلحاقًا لها بالعيد وتشبيهًا لها بها . وبكلِّ حال - فلا يجبُ فعلُها إلا بعدَ الزوالِ على الصحيحِ من المذهب، وعليه جمهورُ الأصحاب؛ وإنما يجوزُ تقديمُها قبلَهُ وتعجيلُهَا كما تعجلُ الصلاةُ المجموعةُ؛ فإن صلاةَ الجمعةِ سببُها اليومُ ولهذا تضاف إليه فيقالُ: صلاةُ الجمعة، وشرطُهَا الزوالُ، فيجوزُ تقديُهَا على شرطِهَا بعدَ وجودِ سبِها وهوَ اليَومُ كما يجوزُ تعجيلُ الزكاةِ بعدَ كمالِ النصابِ - وهو سببُ الوجوب - وقيل: الحولُ، وهو شرطُهُ، وهذا هو الذي تخيله من قالَ من الأصحاب: يجوزُ فعلُها في وقتِ صلاةِ الفجرِ؛ لكن الصحيحَ أنهُ غيرُ جائزٍ ما دامَ وقتُ الفجرِ باقيًا؛ لئلا يتداخلَ وقتُ الصلاتينِ فإذا خرجَ وقتُ صلاةِ الفجرِ وزالَ وقتُ النهي ودخلَ وقتُ صلاة العيد والضحَى جازَ تقديمُ صلاة الجمعة - حينئذٍ - ومعَ هذا فلا تصلَّى(٣) في حالِ استواءِ الشمسِ (٢٧٦/ م) في السَّماءِ ويجوزُ قبلَه، نصَّ عليه أحمدُ، وقال: ما يعجبُني، وأَتوقَّاه في صَلاتِها في قَائمِ الظَّهيرةِ، مع قوله: تجوزُ صلاتُها قبلَ الزَّوالِ . (١) وسيأتي إنكار المصنف لهذا القول في كتاب ((العيدين)) تحت الحديث رقم: (٩٦٨). (٢) كذا في ((م)) بالتحتانية، ولعل الصواب بالفوقية. (٣) ((تصلى)) في ((م)) بالفوقية والتحتانية معًا، ولعل الصواب ما أثبتناه. ١٧٨ ١٦- باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس الحديث: ٩٠٥ وأمَّا آخرُ وقتِ الجُمعةِ فهو آخرُ وقتِ الظُّهرِ . هذا هو قولُ جمهورِ العلماءِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والثَّوريِّ، والحسنِ ابنِ حِيٍّ، ومالكِ في روايةٍ، والشَّافعيِّ(١)، وأحمدَ، وعبدِ العزيزِ بنِ الماجشون . واتَّفقوا على أنَّه متى خرجَ وقتُ الظُّهرِ، ولم يُصلِّ الجُمعةَ فقد فَاتَتْ وتصلى الظهر، وأَمَّا إن صَلَّى الجمعةَ ثم خرجَ الوقتُ وهم في الصَّلاة فقال أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ: تبطلُ الصَّلاةُ إلا أَنْ يخرجَ قبلَ السَّلامِ على رأي أبي حَنِيفَة وحدَه، والمنصوصُ عن أحمدَ أَنَّه إن خرجَ الوقتُ وهم في التَّشهدِ أَتَمُوا الجُمعةَ، واعتبر الخرقيُّ من أصحابِنا أن يكونَ قد أدركَ في الوقتِ ركعةً فصَاعِدًا، فإن خرجَ الوقتُ قبل إدراك ركعة صَلَّوا ظهرًا، وحُكِيَ روايةً عن مالكِ كذلك. ومن أصحابِنَا من قَالَ: تُلحقُ الجمعةُ بتكبيرة الإحرامِ في الوقتِ كسائرِ الصَّلواتِ، ونقلَ ابنُ القاسمِ عن مالكِ أَنَّ آخرَ وقتها غروبُ الشَّمسِ، قَالَ ابنُ القاسمِ: مَنْ صلَّى من الجُمعةِ ركعةً، ثم غَربتِ الشَّمسُ صلَّى الركعةَ الثَّانِيَةَ بعد غروبِ الشَّمسِ، وكانت جمعةً (٢). والعجبُ ممَّنْ ينصرُ هذا القولَ ويحتجُّ له مع أَنَّه لا يُعْرفُ العملُ به إلا عن ظَلَمةِ بني أميةَ وأعوانِهم، وهو مِمَّا ابتدعوه في الإسلامِ ثم يُنْكرُ على مَنْ قَدَّمَ الجمعةَ على الزَّوالِ متابعةً لأصحابِ النَّبِيِّ مَّةِ، ولكثيرٍ من التَّابعين لهم بإحسانٍ . فإن قيلَ: فقد كان الصَّحابةُ يُصَلُّونَ مع من يُؤْخِّرُ الجمعةَ إلى بعد (٢) ((المدونة)) (١ /١٤٩). (١) كلمة ((والشافعي)) اشتبهت في ((م)) بـ ((وللشافعي)). ١٧٩ الحديث: ٩٠٥ كتاب الجمعة العصرِ، وإلى قريب من غُرُوبِ الشَّمس قيلَ: كانوا يُصَلُّونَ الظُّهرَ والعصرَ في بيوتِهم قبل مجيئهِم ثم يجيئونَ اتقاءَ شرِّ الظَّلمةِ كَمَا أمرهم النَّبِيُّ ◌َّهِ بذلكَ، ومنهم من كان يومىءُ بالصَّلاةِ وهو جَالِسٌ في المسجدِ إِذَا خَافَ فوتَ الوَقتِ، وسنذكرُ ذلك في البابِ الآتي إنْ شَاءَ اللهُ تعالى . : ١٨٠