النص المفهرس
صفحات 401-420
٥٥ ١- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٢م يَرْفعونَ أَصْواتَهم بالذِّكر، فإذا خفضت أصواتهم أَرسلَ إليهم عُمر بن الخطاب: أن كرروا الذكر. خرَّجه جعفر الفريابيُّ في كتابِ ((الذكر)) (١). وخَرَّج - أيضًا - من روايةِ ابنِ لَهيعةَ، عن زُهرةَ بن مَعْبَدٍ قال(٢): رأيتُ ابنَ عمرَ إذا انقلبَ من العشائين(٣) كبر حَتَّى يبلغَ منزلَه ويرفع صَوْتَه. ورَوَى محمدُ بن مسلمٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن جابر أَنَّ رجلا كَانَ يرفعُ صوتَه بالذِّكرِ فقالَ رجلٌ: لو أَنَّ هذا خفضَ من صَوْتُه، فقال رسولُ الله وَلَّهِ: ((دَعْهُ؛ فَإِنَّه أَوَّاهُ)(٤). وهذا يدلُّ على أنَّه يُحتملُ ذلك مِمَّنْ عُرف صدقُه وإخلاصُهُ دونَ غيرِه. وخَرَّج الإمَامُ أحمدُ من روايةٍ عقبةَ بنِ عامرٍ أَنَّ رسولَ الله وَهِ قَالَ لرجلٍ يُقَالُ له ذو (٢٠٤ - أ/ ث٢) البجادين(٥): ((إِنَّه أَوَّاهُ))؛ وَذَلِكَ أنَّه رجلٌ كان كثيرَ الذِّكرِ لله في القُرْآنِ ويرفعُ صوتَه في الدُّعاءِ(٦). وفي إسنادِهِ: ابنُ لَهيعةَ. وقَالَ الأوزاعيُّ في التَّكبيرِ في الحرس في سبيلِ اللهِ: أحبُّ إليَّ أن (١) وهو مرسل؛ عطية بن قيس لم يدرك عمر. (٢) تكرر قوله: ((قال)) في ((ك٢))، و(م)). (٣) كذا يمكن أن تقرأ في ((م))، واشتبهت على ناسخ (ك٢)) فكتبها: (العشاء كبر)). (٤) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٥٢٢/٣)، و((الدر المنثور)) (٢٨٥/٣). (٥) في ((ك٢)): ((التحادين))، خطأ. (٦) أحمد (١٥٩/٤). ٤٠١ الحديث: ٨٤٢م كتاب الأذان يَذْكر الله فِي نَفْسِهِ وإِنْ رَفِعَ صَوْتَه فلا بأسَ. فأمَّا قولُ ابنِ سِيرِينَ: يُكْرِه رفعُ الصَّتِ إلا في مَوْضعينِ: الأذانُ والنَّبيةُ، فالمرادُ به - والله أعلم - المبالغةُ في الرَّفْعِ كرفعِ الْمُؤذِّنِ وَالُلِّي. وقد رُوِيَ رفعُ الصَّتِ بالذِّكرِ في مواضعَ كالخروجِ إلى العِيدِينِ، وَأَيَّامِ العشرِ، وأَيَّامِ النَّشريقِ(١) بمنّى. وأَمَّ الدُّعاءُ: فالسُنَّةُ إِخْفَاؤُه. وفي ((الصَّحِيحينِ))(٢) عن عائشةَ في قولِه تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ ولا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أَنَّهَا نَزِلتْ فِي الدُّعاءِ. وكذا رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وعطاء، وعكرمةَ، وعُروةَ، ومجاهدٍ، وإبراهيمَ، وغيرِهم. وقَالَ الإمَامُ أحمدُ: يَنْبَغِي أَنْ يُسِرَّ دُعَاءَه لهذه الآية، قَالَ: وكان يكره أَنْ يَرْفَعُوا أَصْواتَهم بالدُّعاءِ. وقال الحسنُ: رَفْعُ الصَّتِ بالدُّعاءِ بِدْعٌ. وقال (١٩١/م) سعيدُ بنُ المسيب: أَحْدثَ النَّاسُ الصَّوْتَ عند الدّعاء. وكَرِهَه مجاهدٌ وغیرُ(٣). وروى وكيعٌ، عن الرَّبيعِ، عن الحسنِ، والربيعُ، عن يزيدَ بنِ أبانَ، عن أنسِ أنهما (٤) كرها أن يُسمعَ(٥) الرَّجلُ جَليسَه شيئًا من دُعَائِه. (١) في ((٢٥)»: بالفاء آخره. (٢) البخاري (٤٧٢٣ - فتح)، ومسلم (٤٤٧). (٣) انظر ((التفسير)) للطبري (١٢٢/١٥ -١٢٤)، وابن كثير (١٢٦/٥ - ١٢٨). (٤) يعني: الحسن، وأنس. (٥) في ((ك)): ((يستمع)). ٤٠٢ ٥٥ ١- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٢م ووَرَدَ فيه رخصةٌ من وجهٍ لا يصحُ(١). خرجه الطَّبرانيُّ من(٢) رواية أبي موسى: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّةِ إذا صَلَّى الصُّبْحَ يرفعُ صوتَه حتَّى يُسمِعَ أَصْحابَه يقولُ: ((اللَّهِمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَه عِصْمَةَ أَمْرِي)» - ثلاث مرات - ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتي جَعَلتَ فيها مَعَاشي)) - ثلاثَ مرات - («اللهُمَّ أَصْلحْ لي آخِرتي التي جعلتَ إِلَيْهَا مَرْجعي)» - ثَلاثَ مرَّاتٍ - وذكر دُعاءً آخر (٣). وفي إِسْنَادِهِ: يزيدُ بنُ عِياض: متروكُ الحديثِ، وإسحاقُ بنُ طلحةً: ضعيف . فأمَّا الحديثُ الذي خرَّجَه مسلمٌ، وغيرُهُ، عن البراءِ بنِ عَازبٍ قَالَ: كُنَّا إذا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُول اللّهِ وَلَّ أَحْبَيْنَا أن نكونَ عن يمينه ليُقْبِلَ علينا بوَجْهِهِ. قال: فسمعتُهُ [يقولُ)(٤): (رَبِّ قِنِي عَذَبَك يَوْمَ تَبْعتُ عِبَادَكَ)(٥). فهذا ليسَ فيه أَنَّ كَانَ يَجْهرُ بِذَلَكَ حَتَّى يسمعَه النَّاسُ؛ إِنَّما فيه أَنَّه كَانَ يقولُهُ بينَه وبين نفسه، وكَانَ يسمعُهُ منه أَحْيانًا جليسُه كَما كان يسمعُ منه مَن خلفَه الآية أحيانًا في صَلاةِ النَّهارِ . (١) ونبه على هذا - أيضًا - (ص٤٢١) آخر شرحه للحديث الثالث من هذا الباب، وراجع كلامًا مهما(ص ٤٤١) تحت الحديث رقم (٨٥٠)، وراجع ((التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث)) (ص: ٦٣ - ٦٤) للعلامة الشيخ بكر أبو زيد. (٢) وضع خطا في ((م)) فوق كلمة ((من)). (٣) ((الأوسط)) للطبراني (٧١٠٦). (٤) ما بين المعقوفين سقط من ((كم)) و ((م)) وهو ثابت في ((صحيح مسلم)). (٥) مسلم (٧٠٩). ٤٠٣ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان ورَوَى هلالُ بنُ يساف، عن زَاذَانَ: حدَّثَنَا (١) رجلٌ من الأنصار قَالَ: سمعتُ رسولَ اللهِّهَ يَقُولُ في دُبرِ الصَّلاةِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وتُبَ عليّ إِنَّكَ أَنْتَ النَّوابُ الغَفورُ)) مائةَ مَرَّةٍ . خَرَّجه ابنُ أبي شيبةً(٢)، وعنه بَقَيُّ بنُ مخلدٍ في (مُسنده). الحَديثُ الثَّاني: ٨٤٣ _ حَدَّثَنَا(٣) مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَنَا المُعْتَمِرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سُمَيٌّ عَنْ (٢٠٤ - ب / ٢٥) أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(٤) قَالَ: جَاءَ الْفَقَرَاءُ إلى النَّبِّ وَ﴿ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى، والنَّعِيمِ المُقِيمِ(٥)، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالِ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ (١٩٢/ م) وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ: ((أَلاَ أُحَدَثَّكُمْ بِها (٦) إِنْ أَخَذْتُمْ بِه أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمَ وَلَمْ يُدْرِكُكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ إِلا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟: تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةِ ثَلاَثًا وثَلاثِينَ)). فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، ونَحْمَدُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، (١) في ((م)): (نا))، وفي ((المصنف)): ((حدثني)). (٢) (٤٦٢/١٣)، وينظر سماع هلال من زاذان. (٣) في ((م)): ((نا))، وجاءت في ((٢)): ((حدثا)) والمثبت من ((اليونينية)). (٤) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)). (٥) في ((م)) و((ك٢)): ((والنعيم والمقيم))، وضرب في ((م)) على الواو الثانية، وفي ((ك ٢)) كشط الواو الأولى. (٦) وفي بعض نسخ الصحيح: ((بأمر)). ٤٠٤ ١٥٥- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، والْحَمْدُ لله، وَاللهُ أَكْبَرُ (١) حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلَّهِنَّ ثَلاثٌ وثلاثون(٢). ذَكرَ الخطَّبِىُّ(٣) أَنَّ لفظَ هَذه الرِّواية: ((ذَهبَ أَهْلُ الدُّور))(٤) وقَالَ: والصَّوابُ: ((الدُّثُورِ)) وذَكَرَ غيرُهُ أَنَّ هَذِهَ رِوَايَةُ الْمَرْوَزَيِّ، وأَنَّها تصحيفٌ. والرِّوايةُ المَشْهورةُ: ((أَهْلُ الدُّنُور)) على الصَّوَابِ (٥). والدُّنُورُ: جمعُ دَئر - بفتحِ الدالِ - وهو المالُ الكثيرُ. وفي الحَديثِ دليلٌ على قُوَّةِ رَغْبةِ الصَّحَابَةِ رضي اللهُ عنهم في الأَعْمالِ الصَّالحةِ الموجبةِ للدَّرجاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَكانُوا يَحْزِنونَ على العجزِ عن شيءٍ مِمَّ يَقْدرُ عَليه غَيْرُهم منَ ذَلِكَ، وقد وصَفَهم اللهُ فِي كِتَابِه بذلك بقولِه: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ(٦) ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْه تَولَّوا وأَعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حزنا ألا يَجِدُوا(٧) ما يُنْفِقُونَ﴾(٨) [التوبة: ٩٢]. ولهذا قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَينِ)) فذكرَ منهما: ((رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مالا فهو يُنْفِقُهُ فِي وَجْهِه، فيقولُ رجلٌ: لو أنَّ لي مَالا لفَعلتُ فيه كَمَا فعلَ ذلك))(٩)؛ فلذلكَ كانَ الفقراءُ إذا رَأَوا أَصْحابَ الأَمْوالِ (١) في ((ك٢)): ((والله وأكبر)). (٢) في ((اليونينية)): ((ثلاثا وثلاثين)). (٣) في ((أعلام الحديث)) (١/ ٥٥٠). (٤) في ((ك٢)): ((السدور)). (٥) وانظر ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢٥٣/١). (٦) في ((ك))): ((لاحد)»، خطأ. (٧) في ((م)): ((أن لا يجدوا))، وفي ((ك٢)): ((أن لا يجدون))، والمثبت على رسم المصحف. (٨) وانظر في هذا المعنى ((جامع العلوم والحكم)) للمؤلف (٣٥/٢) أول الحديث (٢٥). (٩) متفق عليه من حديث ابن مسعود. ٤٠٥ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان يَحْجُونَ ويَعْتَمِرونَ ويُجَاهِدونَ ويَتَصدَّقُونَ ويُنْفِقونَ حَزِنُوا على عَجْزِهم عن ذَلِكَ، وتَأسَّفوا على امتناعِهم من مُشَاركتِهم فيه، وشَكَوا ذَلِكَ إلى النبيِّ نِّهِ، فَدَلَّهم النبيُّ بِ ◌ّه عَلى عَمَلٍ إِن أَخَذُوا به أَدْرِكُوا مَنْ سَبَقَهم، ولم يُدركُهُمْ أَحدٌ بعدَهم، وكانوا خَيْرَ مَنْ هم (١) بين ظَهْرانيهم إلا مَنْ عَمِلَ مثلَه، وهُوَ: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ خلفَ كُلِّ صَلاة ثلاثًا وثلاثينَ. وهذا يدلُّ على أنَّ الذِّكرَ أفضلُ الأعمال، وأَنَّه أفضلُ من الجهاد والصَّدَقةِ والعتقِ، وغيرِ ذلك. وقد رُوِيَ هذا المعنى صَرِيحًا عن جماعةٍ كثيرةٍ من (١٩٣/ م) الصّحابةِ، منهم: أبو الدَّرداء، ومعاذٌ، وغيرُهما. ورُوِيَ مرفوعًا من وجوهِ مُتُعدِّدةٍ - أيضًا(٢). ولا يُعَارِضُ هذا حديثُ الذي سأل النَّبِيَّ وَِّ عمَّا يعدلُ الجهادَ؟ فقال (٢٠٥ - أ/ ك٢): ((هَلْ تستطيعُ إذا خَرجَ الْمُجَاهِدُ أن تصومَ ولا تُفْطرَ، وتقومَ فلا تَفْتُرَ)) الحديث المشهور (٣)؛ لأَنَّ هذا السَّائِلَ سأل عن عَمَلٍ يعملُه في مدةٍ جهادِ المُجاهدِ من حينِ خُرُوجه من بيتِه إلى قُدومِهِ فليسَ يُعدلُ ذلك بشيءٍ(٤) غير ما ذكره. والفُقَراءُ دلَّهم النَّبِيُّ بَِّ على عَمَلٍ يَسْتصحبونَه في مدةٍ عُمرِهم، (١) قوله: ((هم)) ليس في ((٢٥)). (٢) وقال المؤلف في ((جامع العلوم والحكم)) (٤٧/٢) تحت الحديث (٢٥): ((وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالماء وغيرها من الأعمال)) .... وساق النصوص الدالة على ذلك، فليراجع هناك. (٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٥ - فتح). (٤) في ((ك))): ((شيء)). ٤٠٦ ٥٥ ١- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ وهو: ذكرُ اللهِ الكثيرُ في أَدْبارِ الصَّلواتِ؛ وهذا أَفْضلُ من جهادٍ يقعُ في بعضِ الأحيانِ يُنْفِقُ صاحبُه فيه مالَه. فالنَّاسُ منقسمونَ ثلاثَة أقسامٍ : أهلُ ذكرٍ يَدُومونَ عليه إلى انقضاءِ أَجلِهِم. وأهلُ جهادٍ يُجَاهِدونَ، وليس لهم مثلُ ذلك الذكر. فالأَوَّلُونَ أفضلُ من هؤلاءِ. وقومٌ يجمعونَ بين الذِّكرِ والجهاد، فهؤلاء أفضلُ النَّاس. ولهذا لما سَمعَ الأغنياءُ الذين كانوا يَحْجُّونَ ويعتمرونَ ويُجَاهِدونَ وَيَتَصدَّقُونَ بِمَا عَلَّمَ النبيُّ ◌َّ الفُقْراءَ من ذلك عَمِلُوا بِهِ، فصَارُوا أفضلَ من الفُقراء حينئذٍ؛ ولهذا لَّا سألوا النَّبيَّ وَّ عن ذَلِكَ؟ قال: ((ذَلِكَ فضلُ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ)(١). ومَنْ زعمَ من الصُّوفيةِ: إِنَّه أرادَ أَنَّ الفقرَ فضلُ الله، فقد أَخْطأً، وقَالَ ما لا يعلمُ. وقَدْ دلَّ الحديثُ على فضلِ التَّسبيحِ والتَّحميدِ والتَّكبيرِ خلفَ كُلِّ صَلاة ثلاثا وثلاثين. وخَرَّجه مسلمٌ (١) من طريقِ ابنِ عَجْلانَ، عن سُميِّ، وذَكَرَ فيه أَنَّ المختلفينَ هُمْ سُميٌ وبعضُ أهله، وأَنَّ القَائِلَ له هو أبوه(٢): أبو صالحٍ (١) مسلم (٥٩٥). (٢) كذا في ((م)) و((ك))، والمعروف أن أبا صالح هو والد سُهيل، لا سُمي، ورواية سهيل، عن أبيه أبي صالح: أخرجها مسلم بعد حديث سمي مباشرة. ٤٠٧ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان السمانُ، وأنَّ ابنَ عَجْلانَ قَالَ: حَدَثتُ بهذا الحديث رَجَاءَ بنَ حَيْوَةَ، فحدثني بمثله، عن أبي صالحٍ. وَخَرَّجَهُ البخاريُّ في أواخرِ كتابِهِ «الصَّحِيحِ)) (١) - أيضًا - من طريق وَرْقَاء، عن سُمَيِّ بهذا الإسناد بنحوه؛ ولكن قَال فيه: ((تُسبِّحونَ في دُبرِ كُلِّ صَلاة عشرًا، وتحمدون عَشْرًا، وتُكبِّرونَ عشرًا)). وقَالَ: تَابعه عُيْدُ الله بنُ عُمَرَ، عن سُميٍّ. قال: ورَوَاهُ ابنُ عَجْلان، عن سُميِّ، ورجاءِ بنِ حَيْوةَ. ورواه جَرِيرٌ، عن عبدِ العزيزِ بنِ (١٩٤/م) رُفِيعٍ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي الدرداءِ. ورَوَاهِ سُهيلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ بِّهِ. انتهى. ومُرادُه: المتابعةُ على إسنادِهِ. وروايةُ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ: هي التي خرَّجَها في هذا الباب. وروايةُ ابنِ عَجْلانَ: هي التي خرَّجَها مسلمٌ كما ذكرناه. وروايةُ سهيلٍ: خرجها مسلمٌ(٢) - أيضًا - بمثل حديثِ ابنِ عَجْلانَ، عن سُميِّ، وزاد في الحديثِ: يقولُ سهيلٌ: إحدى عَشْرةَ، إِحْدى عشرةَ فجميع ذلك كُلِّه ثلاثةٌ وثلاثونَ. وأمَّا رِوَايَةُ جَرِيرِ التي أَشَارَ إليها البخاريُّ، وقوله: ((عن أبي صَالحٍ، و و عن أبي الدَّرداء))، فقد (٣) تَابَعه عليها - أيضًا - أبو الأحوصِ: سَلامَ بنَ (١) البخاري (٦٣٢٩ - فتح). (٢) مسلم (٥٩٥). (٣) قوله: ((فقد)) أصابه بعض التحريف في ((٢٥)). ٤٠٨ ١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ سُليمٍ، عن عبدِ العزيزِ. والظَّاهِرُ أنَّه وهمّ؛ فإنَّ أبا صالحٍ إنَّما يرويه، عن أبي هُريرة؛ لا عن أبي الدَّرداءِ (٢٠٥ - ب/ث٢)، كما رواه عنه سُميٌّ، وسُهيلٌ، ورَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ؛ وإِنَّمَا رواه عبدُ العزيزِ بنُ رُفيِعٍ، عن أبي(١) عُمَرَ الصيني(٢)، عن أبي الدَّرداء - كذلك رواه الثَّوريّ، عن عبد العزيز -، وهو أصحِّ قَالَه أبو زرعةً، والدَّار قطنيُ (٣). وأَمَّا ألفاظُ الحَديث: فهي مُخْتلفةٌ؛ ففي روايةٍ عُبيدِ اللهِ بن عُمرَ التي خَرَّجها البخاريُّ هاهنا: ((تُسبِّحونَ، وتَحْمدونَ، وتكبرونَ ثَلاثًا وثلاثين)) وفَسَّرَهَ بأَنَّه يقولُ: سُبْحَانَ الله، والحمدُ لله، واللهُ أكبرُ حَتَّى يكونَ مِنْهُنَّ(٤) كُلِّهن ثلاثًا وَثَلاثِينَ. وقد تَبَيَّنَ أَنَّ المُفسِّرَ لذلك هو أَبُو صَالحٍ. وهذا يحتملُ أمرين: أحدهما: أَنَّه يَجْمِعُ بينَ هَذِهِ الكَلماتِ الثَّلاثِ فِيقُولها ثَلاثًا وثلاثينَ مرةً، فيكون مَجْموعُ ذَلِكَ تِسْعًا وتِسْعِينَ. والثَّاني: أَنَّه يقولُها إحدى عشرةَ مرةً فيكون مجموع ذلك ثَلاثًا وثَلاثينَ. وهذا هو الذي فَهِمَه سُهيلٌ، وفسَّرَ الحديثَ به، وهو ظاهرٌ رواية سُمي، عن أبي صَالِحٍ - أيضًا. (١) في ((ك)): ((ابن)) خطأ . (٢) ضبب في (ك٢)) على قوله: ((الصيني)). (٣) انظر ((العلل)) للدارقطني (٢١٣/٦ - ٢١٤)، و((عمل اليوم والليلة)) (١٤٦، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١)، و((الفتح)) (١٣٤/١١ - ١٣٥). (٤) في ((ك٢)): ((تكون من منهن)). ٤٠٩ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان ولكن قد رُويَ حديثُ أبي هريرةَ من غيرِ هذا الوجهِ صَرِيحًا بالمعنى الأَوَّلِ؛ فخرَّجَ مسلم(١) من حديث سُهيلٍ، عن أبي عُبيدِ المَذْحِجِيِّ (٢). وهو مَوْلى: سُليمانَ بنِ عبد الملك، وحاجبه - عن عطاء بن يزيدَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبِيِّ بََّ قال: ((مَنْ سَبَّحَ(٣) في دُبْرِ كُلِّ صَلاةِ ثلاثًا وثلاثينَ، وحَمَدَ الله ثَلاثًا وَثَلاثين، وكَبَّرَ الله ثَلاثًا وثلاثينَ فتلكَ تسعةٌ وتسعونَ، وقَالَ تَمَامُ المائة: لا إلَهَ إلا اللهُ (١٩٥/ م) وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاه، وإن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ(٤) الْبَحْرِ)). وقد رُوِيَ عن سُهيلٍ بهذا الإسنادِ موقوفًا على أبي هُريرةَ، وكذا رَوَاه مالكٌ في ((الموطأ))(٥)، عن أبي عُبيدٍ موقوفًا . وخرَّجه ابنُ حبانَ في ((صحيحِه)) من طريقِ مالك مرفوعًا (٦). ءِ والموقوفُ عن مالك أصح. وخرَّجه النَّسائي في ((اليوم والليلة))(٧) بنحوٍ (٨) هذا اللفظ من رواية ابن عَجْلان، عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ مَرْفوعًا . وخَرَّجَ الإمَامُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ حبان في ((صَحِيحه)) من طريقِ الأوزاعيِّ: حدثني حسانُ بن عطيةَ: حدثني محمدُ بنُ أبي عائشة: حدثني أبو هريرةَ قَالَ: قال أبو ذَرٍّ: يا رسولَ الله !ذَهبَ أصحابُ الدَّثورِ بالأجورِ. (١) (٥٩٧). (٢) في ((٢٥)) و((م)) بالدال المهملة؛ وإنما هو بالمعجمة. (٤) في ((م)): ((زيد))، خطأ. (٣) كذا، وفي ((صحيح مسلم)): ((من سبح الله)). (٦) ابن حبان (٣٥٥/٥ - إحسان). (٥) (ص / ١٤٧). (٧) رقم (١٤٥). (٨) في ((٢٥)": ((بنحوه)) . ٤١٠ ١٥٥- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ فذكر الحديثَ بمعناه، وقَالَ فيه: ((تُكَبِّرُ اللهَ دبرَ كُلِّ صَلاة ثَلاثًا وثلاثينَ، وتَحْمَدُهُ ثَلاثًا وثَلاثينَ، وتُسبِّحُه ثَلاثًا وثَلاثين، وتَخْتَمُهَا بلا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهَ لا شَريكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ له ذُنُوبُهُ ولو كَانَتْ مثلَ زَبَدِ (١) البحرِ)»(٢). فَهَذَا ما في حديث أبي هريرةَ من الاختلافِ. وقد رُوِيَ عنه نوعٌ آخر، وهو: التَّسبيحُ مائة مرةٍ، والتَّكبيرُ مائة مرة، والتَّهليلُ مائة مرة، والتَّحميدُ مائة مرة. ے وخَرَّجَهَ النَّسائيُّ في كتاب ((اليوم والليلة))(٣) بإسناد فيه ضعفٌ)) ورُوي موقوفًا على أبي هريرة. وخرجه النسائي في ((السنن)) (٤) بإسنادٍ آخر عن أبي هريرةَ مرفوعًا: ء ((مَنْ سَبَّحَ في دُبرِ صَلاةِ الغَداة مائةَ تَسْبيحة، وهَلَّلَ مائةَ تَهْليلة غُفْرَ له ذُنُوبُهُ ولَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». ورُوِيَ عن أبي هريرةَ موقوفًا عليه(٥): التَّسبيحُ عشرٌ، والنَّحميدُ عشرٌ (٢٠٦ - أ/ ك٢)، والتَّكبيرُ عشرُ(٦). وقد تقدَّمَ أَنَّ البخاريَّ خرَّجَه في آخرِ کتابه عنه مرفوعًا . وقَدْ رُوِيَ عن النَّبِيِّ بَّ من غيرِ حديثِ أبي هُريرةَ في هذا الباب (١) في ((م)): ((زيد)). (٢) أحمد (٢ /٢٣٨)، وأبو داود (١٥٠٤)، وابن حبان (٥ / ٣٥٨ - إحسان). (٣) رقم (١٤١)، ورقم (١٤٠)، وهو نفس إسناد («السنن)) الآتي، ولفظهما واحد. (٤) (٣ / ٧٩). (٦) في ((ك٢)»: ((عشرة)) . (٥) انظر ((عمل اليوم والليلة)) (١٥٤). ٤١١ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان أنواعٌ أُخر من الذكرِ : فمنها: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ مائة؛ فالتَّسبيحُ والتَّحميدُ كلٌّ منهما ثَلاثٌ وثلاثون، والتَّكبيرُ وحدَه أربعٌ وثَلاثُونَ. خَرَّجَه مسلمٌ من حديثِ كعبِ بنِ عُجْرَةٍ(١). وخرَّجه الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ من حديثِ زَيدِ بنِ ثَابت(٢). وخرجه الإمامُ أحمدُ (١٩٦/م) من حديث أبي ذرٍّ؛ لكن عنده أَنَّ التَّحميدَ هو الأربع(٣) . وخرجه ابنُ ماجه وعنده أَنَّ ابنَ عُينةَ قال: لا أَدْرِي أَيتهنَّ أَرْبِعُ(٤). ومنها: التَّسبيحُ، والتَّكبيرُ، والتَّحميدُ، والتَّهليلُ مائة مرة: من كُلِّ واحد خَمسٌ وعشرونَ. خرجه الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ، والترمذيُّ من حديثِ زَيدِ بنِ ثَابتٍ(٢). وخرَّجَه النسائيُّ من حديثِ ابنِ عُمرَ (٥). ومنها: التَّسبيحُ ثلاثًا وثلاثين، والتَّحميدُ مثله، والتَّكبيرُ أربعًا وثلاثين، (١) مسلم (٥٩٦). (٢) أحمد (٥ /١٨٤)، والترمذي (٣٤١٣)، والنسائي (٣ / ٧٦). (٣) أحمد (٢٣٨/٢). (٤) ابن ماجه (٩٢٧). (٥) النسائي (٧٦/٣). ٤١٢ ١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ فذلك مائة، ويزيدُ عليهنَّ التَّهليلَ عشرًا. خرَّجه النَّسائيُّ، والترمذيُّ من حديث ابنِ عَبَّاسٍ (١). ومنها: التَّسبيحُ عشر مرات، والتَّحميدُ مثله، والتكبير مثله، فذَلكَ ثلاثون . خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(٢). وخَرَّجه النَّسائي في ((اليومِ واللَّيلةِ)) من حديث سَعْد(٣). ومنها: التَّكبيرُ إحدى عشرةَ مرةً، والتَّحميد مثله، والتَّهليلُ مثله، والتَّسبيحُ مثلُه فذلك أربعٌ وأربعونَ. خَرَّجه البزارُ(٤) من حديث ابن عُمرَ، وإسناده ضعيفٌ؛ فیه موسی ابن عُبيدةَ . ويَجوزُ الأخذُ بجَميعِ ما وردَ من أنواعِ الذِّكرِ عقبَ الصَّلوات؛ والأفضلُ أن لا ينقصَ عن مائةٍ؛ لأَنَّ أحاديثَها أصحُّ أحاديثِ البابِ . واخْتُلفَ في تَفْضِيلِ بَعْضها على بَعْضٍ؛ فَقَالَ أحمدُ - في روايةٍ الفضلِ بن زياد - وسُئِلَ عن التَّسبيحِ بعدَ الصَّلاة ثلاثةً وثلاثين أحبُّ(٥) إليك أم خمسةً وعشرينَ؟ قَالَ: كيفَ شئتَ. (١) النسائي (٧٨/٣)، والترمذي (٤١٠)، وعند النسائي: ((التكبير ثلاثا وثلاثين)). (٢) أحمد (٢ / ١٦٠ - ١٦١، ٢٠٤ - ٢٠٥)، وأبو داود (٥٠٦٥)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (٣ / ٧٤)، وابن ماجه (٩٢٦). (٣) النسائي (١٥٣). (٤) (٤ / ١٩ - ٠ ٢ - كشف). (٥) قوله ((أحب)) تكرر في ((٢٥)) و((م)) وضرب على الأولى في ((ك٢)". ٤١٣ الحديث: ٨٤٣ كتاب الأذان قَالَ القاضي أبو يعلى: وظَاهِرُ هذا: التَّخييرُ بينهما من غيرِ تَرْجِيحِ . ٠٠٠. وقَالَ في روايةِ عليٍّ بنِ سعيد (١): أَذْهبُ إلى حديث ثلاث وثلاثين. وظاهرُ هذا تفضيلُ هذا النَّوعِ على غيرِهِ؛ ولذلك قال إسحاقُ: الأفضلُ أن يُسَبِّحَ ثَلاثًا وثَلاثينَ، ويحمدَ ثلاثًا وثَلاثين، ويكبَرَ ثَلاثًا وثَلاثين(٢)، ويَخْتَمَ المائةَ بالتَّهليلِ. قال: وهو في دُبرِ صَلاةِ الفَجْرِ آكدُ من سائرِ الصَّلَواتِ؛ لِمَا وردَ من فضيلةِ الذّكرِ بعدَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ. ءِ نَقَلَ ذلك عنه حربٌ الكرمانيّ. وهل الأفضلُ أن يجمعَ بين التَّسبيحِ والتَّحميدِ والتَّكبيرِ في كل مرة (١٩٧ / م) فيقولهنَّ ثلاثًا وثلاثين مرة، ثم يَخْتِمُ بالتهليلِ؟ أم الأفضلُ أن يفرِدَ التَّسبيحَ والتَّحميدَ والتَّكبيرَ على حدة؟ قال أحمدُ - في رواية محمد بن ماهان(٣) - وسَأَلَه(٤): هل يجمعُ بينهما أو يفردُ؟ قال: لا يضيق. قال أبو يعلى: وظاهرُ هذا أَنَّه مُخيّرٌ بين الإفرادِ والجَمعِ . وقَالَ أحمدُ - في رواية أبي داودَ - (٢٠٦ - ب / ك٢): يقول هكذا: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلَهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا يَقْطعُه. (١) هو: علي بن سعيد بن جرير النسوي، أبو الحسن. ترجمه ابن أبي يعلى في ((الطبقات)) (١ / ٢٢٤) . (٢) قوله: ((وثلاثين)) سقطت من ((م))، وألحقها في ((٢٥))، وصححها. (٣) هو: محمد بن ماهان النيسابوري، له مسائل عن الإمام أحمد. ترجمه ابن أبي يعلى في ((الطبقات)) (١/ ٣٢١). (٤) في ((م)): ((سياله)) بغير إعجام. ٤١٤ ١٥٥- باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٣ وهذا ترجيحٌ منه للجمع - كما قَالَه أبو صَالح -؛ لكن ذكرُ التَّهليل فيه غرابةٌ. وقد رَوى عبدُ الرزاقِ (١)، عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَة مرسلا أنَّ النَّبِيَّ حَيَا الله وسام عليـ أمرهم(٢) أَنْ يَقُولوا دُبرَ كُلِّ صَلاة: لا إلَهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ (٣)، وسُبحانَ الله، والحمدُ لله عشرَ مراتٍ. وقَالَ إسحاقُ: الأفضلُ أن يفردَ كلَّ واحدٍ منها. وهو اختيارُ القَاضي أبي يعلى(٤) من أصحابنا، قال: وهُوَ ظَاهِرُ الأحاديث لوجهین: أحدهما: أنَّه قَالَ: يُسَبِّحونَ ويَحْمدونَ ويُكبِّرونَ ، والواو قد قيلَ: إِنَّها للتَّرتيبِ، فإن لم تَقْضِ وجُوبَه أَفَادَتِ استحبَابَه. والثَّاني: أَنَّ هذا مثلُ نقلِ الصَّحابةِ رضي اللهُ عنهم(٥) لوضوءِ النَّبِيِّ وَّهِ، وأَنَّه تَمضمضَ ثلاثًا، واسْتنشقَ ثَلاثًا، وغَسلَ وجْهَه ثَلاثًا وذراعيه(٦) ثَلاثًا، ولا خلافَ في (٧) المراد أنه غسل كُلَّ عُضوٍ من ذَلِكَ بانْفراده ثَلاثًا ثَلاثًا قبلَ شُرُوعِه في الَّذِي بَعْدَه ولم يغسلِ المجموعَ مرةً، ثم أعادَ مرةً ثانيةً وثالثةً . (١) في ((المصنف)) (٢ / ٢٣٣). (٢) قوله: ((أمرهم)) سقط من ((م)) وفي الهامش ((لعله: أمرهم)). (٣) قوله: ((والله أكبر)" ليس فى ((ك٢)). (٤) في ((ك))): ((أبو يعلى)). (٥) قوله: ((رضي الله عنهم)) ليس في ((٢٥))، ومكان الترضية: ((إنه الله أعلم))، وضرب عليه. (٦) في ((م)): ((ثلاثا، ذراعيه)). (٧) كلمة: ((في)) كذا يمكن أن تقرأ في ((٢٥)» وفي ((م)) بدونها. ٤١٥ الحديث: ٨٤٤ كتاب الأذان قلتُ: هذا على روايةٍ من رَوَى التَّسبيحَ ثلاثًا وثَلاثِينَ، والتَّحميدَ ثَلاثًا وثلاثين، والتَّكبيرَ ثَلاثًا وثَلاثين ظَاهرٌ. وأَمَّا روَايةُ مَنْ رَوَى: يُسبِّحونَ ويَحْمِدونَ ويُكَبِّرُونَ (١) ثلاثًا [وثلاثين](٢)، فمحتملةٌ؛ ولذلك وَقَعَ الاختلافُ في فهمِ المرادِ منها . الحَديثُ الثَّالثُ: ٨٤٤ - حَدَّثَنَا(٣) مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَُ: ثَنَا(٣) سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَّيْرِ، عَنْ وَرََّدِ - كَائِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ - في كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ فِي دُبْرِ كُلِّ صَلاةَ مَكْتُوبَةِ: ((لا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَّلَى كُلِّشَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا، وَعَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادِ بهَّذَا(٤). (١٩٨ / م). (١) كلمة ((ويكبرون)) سقطت من ((ك٢))، فألحقها بالهامش مصححة غير أنه وضع علامة اللحق بعد كلمة: ((ثلاثا))، وحقها أن توضع بعد كلمة: ((ويحمدون)) كما هو السياق في ((م)) والرواية . (٢) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، وجاء السياق في ((ك٢)» هكذا: ((وأما رواية من روى: يسبحون، ويحمدون ثلاثا، [وثلاثين ظاهر، وأما رواية من روى: يسبحون، ويحمدون، ويكبرون ثلاثا]، فمحتملة))؛ فضرب على ما بين المعقوفين للتكرار الذي حدث، (٣) في ((م): ((نا)). والصواب إثبات كلمة: ((وثلاثين)» - كما في رواية الباب. (٤) زاد هنا في بعض نسخ ((الصحيح)): ((وقال الحسن: الجد: غِنَّى))، وسينبه عليها المؤلف بعدُ إن شاء الله . ٤١٦ ١٥٦ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم الحديث: ٨٤٧ وخرَّجَ الإمَامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنسائيّ من حديث يزيدَ بنِ الأَسودِ قَالَ: صَلَّيتُ خلفَ رسول الله وَلَ(١)، فكان إذا انْصرفَ انْحَرَفَ (٢). وصحَّحه التِّرمذيّ. وفي روايةٍ بَعْضِهِم: فصَلَّى، ثُمَّ انحرفَ. وروى عبدُ اللهِ بن فَرُّوخٍ: أَنَا ابنُ جُرِيجٍ، عن عَطَاءِ، عن أنس بن مالكِ قَالَ: صَلَّيْتُ مع رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فكانَ ساعةَ يُسلِّمُ يقومُ، ثم (٢٠٠ /م) صَلَّيتُ مع أبي بكرٍ فَكَانَ إذا سَلَّم وثبَ مكانه كأَنَّه(٣) يقومُ علی رَضْفٍ. خرجَه البيهقيُّ(٤)، وقال: تفرَّدَ به عبدُ الله بن فَرُوخِ المِصري، وله أفراد ما الله أعلم(٥) . قلتُ: وثَّقه قومٌ، وخرَّجَ له مسلمٌ في «صحيحِه))، وتكلّم فيه آخرُونَ (٦). (١) في ((م): ((رسول الله وعليه وسلم)). (٢) أحمد (٤ / ١٦٠ - ١٦١)، وأبو داود (٦١٤)، والترمذي (٢١٩)، والنسائى (٣ / ٦٧). (٣) في ((ك٢)): ((كأن))، والمثبت من ((م)) و («السنن)). (٤) في ((السنن)) (٢ / ١٨٢) من طريق سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن فروخ. (٥) كذا، وفي ((السنن)): ((والله أعلم)). (٦) كذا قال المؤلف - رحمه الله - وهو وَهْمٌ؛ فإن عبد الله بن فروخ الذي خرج له مسلمٌ، قرشي، مولى لعائشة، ويروي عنها؛ فهو تابعي. وأما عبد الله في حديثنا هذا، فإنه یروي عن ابن جريج. وترجمهما المزي، وفرق بينهما، ورمز للأخير برمز أبي داود فقط. انظر ((تهذيب الكمال)) (١٥ / ٤٢٤، ٤٢٨). وكذا فرق بينهما البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٦٩/٥، ١٧٠)، وابن أبي حاتم في = ٤٢٥ الحديث: ٨٤٧ كتاب الأذان وقد رَوَاه عبدُ الرزاقِ في كتابه(١) عن ابن جُريجٍ قال: نُبِّئْتُ(٢) عن ءُ أنسٍ بن مَالكِ، فذكرَ الحديث بتمامِه، وهذا أصح. قال البيهقيُّ (٣): والمشهورُ عن أبي الضُّحى، عَن مَسروقٍ قَالَ: كَانَ أبو بكرِ الصِّديقُ إذا سلَّمَ قام كَأَنَّه جالسٌ على الرَّضفِ. قَالَ: وَرُوينا عن عَلَيٍّ أَنَّه سلَّمَ، ثم قامَ. ثم خرَّجَ بإسنادِه عن خارجةَ بن زيدٍ أَنَّه كان يعيبُ على الأئمة جُلُوسَهم بعدَ أن يُسَلِّمُوا، ويقول: السُنَّةُ في ذلك: أن يقومَ الإمامُ ساعةً يُسلِّمُ. قال: ورُوينا عن الشَّعْبِيِّ، والنَّخعيِّ أَنَّهما كرهاه، ويُذْكر عن عمرَ بنِ الخطاب، واللهُ أعلم. وروى عبدُ الرزاقِ بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابنِ عُمرَ قَالَ: كَانَ الإمامُ إذا سلَّمَ انْكفتَ وانْكَفتْنَا معه . وعن ابنِ مَسْعُودٍ قال: إذا سَلَّم الإمامُ فَلْيَقُمْ، ولَيَنْحَرِفْ عن مَجْلِسِه. وعنه أنه كان إذا سَلَّمَ قامَ عَنْ مَجْلِسِهِ أو انْحَرَفَ (٤). ومِمَّنْ رُوِيَ عنه أنَّ الإمامَ يَنْحَرِفُ ويستقبلُ القومَ بِوَجْهِهِ: عليٌّ بنُ ((الجرح والتعديل)) (٥ / ١٣٧)، وأما ابن حبان، فوضع صاحب حديثنا في طبقة تبع = الأتباع الذين يروون عن الأتباع (٨ / ٣٣٥)، وشتان بين هذا وذاك. وأورده ابن عدي في ((الكامل)) (٤ /١٩٩) وذكر روايته عن ابن جريج، وذكر كلام البخاري في ((تاريخه)) ثم ذكر له هذا الحديث، فهذا أكبر دليل على أنه غير الذي أخرج له مسلم، والحمد لله على توفيقه. (١) (٢ / ٢٤٦). (٢) في ((المصنف)): ((حدثت)). (٤) عبد الرزاق)) (٢ / ٢٤٢ - ٢٤٣). (٣) (٢ / ١٨٢). ٤٢٦ ١٥٦ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم الحديث: ٨٤٧ أبي طالبٍ، وطلحةُ، والزُّبِيرُ. وَقَالَ النَّخعيُّ: إذا سلَّمَ الإمامُ، ثم اسْتَقبلَ القِبْلَةَ فاخْصِبُوه. وكَره ذلك الثَّورِيُّ، وأحمدُ، وغيرُهما من العُلماءِ، ولم يُرَخِّصْ في إِطَالةِ استقبالِ الإِمامِ القِبْلةَ بعدَ سَلامِه للذكرِ والدُّعَاءِ إلا بعضُ الُتأخِّرِينَ مَمَّنَ لا يعرفُ السُّنُن والآثارَ. ومنهم مَنِ اسْتحبَّ في عَقِبِ صلاةِ الفَجْرِ أنْ يَأْتِيَ بالتَّهْلِيلِ عَشْرَ مَرَّات، ذَكره طَائفةٌ من أَصْحَابِنا، وغَيْرِهِم لِمَا رَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ، عن أبي ذَرٍّ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((مَنْ قَالَ في دُبُر صَلاةِ الفَجْرِ وهو ثَانِ رِجْلَهُ قَبْلَ أن يتكلَّمَ: لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُمِيتُ، وهُوَ على كُلِّ (٢٠١ / م) شَيءٍ قَدِيرٌ، عشرَ مرَّاتٍ، كُتب له عشرُ حَسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سَيِّئَاتٍ، ورُفعَ له عَشْرُ دَرَجات، وكَانَ يومَه ذَلِكَ في حِرْزِ من كُلِّ مَكْروهِ، وحُرِسَ من (٢٠٨ - ب / ث٢) الشَّيطانِ، وَلم ينبغ(١) لَذَنْبٍ أن يُدْرِكَه في ذلك اليومٍ إلا الشَّرك بالله)). خرَّجَه الترمذيُّ بهذا اللفظِ، وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ(٢). وخَرَّجه النسائيّ في ((اليوم والليلة)) بنحوه(٣). وخرجه - أيضًا(٤) - من وجه آخر من حديثٍ شَهْرٍ، عن عبد الرحمنِ، عن معاذ بن جبلٍ، عن النَّبِّ وَّهِ بنحوه، ولم يذكرُ: ((وهُوَ ثَانِ رجلَه))؛ (١) في ((م) بمثناة فوقية مكان النون، ولم يعجم باقي الحروف. (٣) النسائي (١٢٧). (٢) الترمذي (٣٤٧٤). (٤) (١٢٦). ٤٢٧ الحديث: ٨٤٧ كتاب الأذان إِنَّمَا قَالَ: ((قبلَ أن يتكلَّمَ) وذكر في صَلاةِ العَصرِ مثل ذلك. وخَرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١) من حديثِ شَهْرٍ، عن ابن غَنَمْ مرسلاً، وعنده: منْ قَالَ من قبلِ أن يَنْصرفَ وَيَثْنِي رِجْلَه من صَلاةِ المَغْرِبِ والصُّبْحِ، وذكر الحديثَ وشَهْرُ بن حوشبٍ مختلفٌ فيه، وهو كَثِيرُ الاضطرابِ، وقد اخْتُلِفَ عليه في إسنادِ هذا الحَديثِ كَمَا تَرى. وقِيلَ: عنه، عن ابن غَنْمٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وقيل: عن شهرٍ، عن أبي أُمَامةَ. قال الدار قطنيُ (٢) : الاضطرابُ فيه من قِبَلِ شَهْرٍ. وقد رُوِيَ نحوه عن النَّبِيِّ بَّهِ من وجوهِ أُخر كُلِّها ضَعِيفةٍ. وحَكَى بَعْضُ أصحابِ سُفْيَانَ الثَّوريِّ عنه أَنَّه قال: يُسْتحبُّ للإِمامِ إذا صَلَّى أن لا يَجْلِسَ مُسْتَقبِلَ القبلة؛ بل يَتحولَ من مَكَانه أو ينحرفَ إلا في العَصْرِ والفَجرِ . ولم يَأْخذ الإمامُ أحمدُ بحديث أبي ذرٍّ؛ فإنَّه ذُكرَ له هذا الحديثُ، فقال: أعجبُ إليَّ أن لا يجلسَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ إذا صلَّى الغَدَاةَ أقبلَ عليهم بوَجْهِهِ - يعني: أَنَّ هذا أصحُّ من حديثِ شَهْرٍ بن حَوْشَبٍ؛ هذا مع أَنَّه ليسَ في جميعٍ رواياتِه: ((قَبْل أَنْ يَثْنِيَ رجلَه))؛ بَلْ في بَعْضها. (١) (٤ / ٢٢٧). (٢) في ((العلل)) (٦ / ٤٤ - ٤٦). ٤٢٨