النص المفهرس
صفحات 301-320
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٧
خرّج فیه حدیثینِ :
الحديث الأول :
٨٢٧ - ثَنَا(١) عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ
القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّه أَخْبَرَهَ أَنَّهَ كَانَ يَرَى ابْنَ عُمَرَ (٢) يَتَرَبَّعُ
في الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذِ حَدِيثُ السِّنِّ، فَتَهَنِي عَبْدُ الله بْنُ
عُمَرَ، وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى، وَتَشْنِيَ رِجْلَكَ(٣)
الْيُسْرَى، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنَّ رِجْلِيَّ لَا تَحْمِلاني.
وخَرَّجه النَّسائيُّ(٤) من رواية يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسم بن
محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمرَ، عن أبيه قالَ: مِنْ سُنَّة الصَّلاة
أن تَنْصِبَ القَدَمَ الْيُمْنَى واستقباله بأَصَابِعِهَا القِبْلَةَ، وَالْجُلُوسُ عَلَىَ
الْيُسْرَى.
في رواية - أيضا - بهذا الإسناد(٥): من سُنّة الصَّلاة أن تضجَع(٦)
رِجْلَكَ الْيُسْرَى، وتنصبَ الْيُمْنَى.
وَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْفوعِ لقولِهِ: مِنْ سُنّةِ الصَّلاةِ.
ءُ
وَقَدْ رَوَاه مالكٌ، عن يحيى بن سعيد، فجَعَلَه عن ابنِ عَمرَ من
فعْلُه، ولم يَذْكُر السُّنة.
م
(١) في ((م): ((نا)).
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)).
(٣) قوله: ((رجلك)) ليس في ((اليونينية)) ولا ذكرها القسطلاني.
(٤) (٢ / ٢٣٦).
(٥) (٢ / ٢٣٥).
(٦) في ((ك))): ((تضع))، والمثبت من ((م)) والرواية.
٣٠١
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
خرَّجَهُ أبو داودَ(١)، وذَكرَ فيه الجُلُوسَ على وركِه الأيسرِ، وسَيَأْتي
لَفْظُه فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى.
وظَاهِرُ الرِّواياتِ التي قبلَ هَذِهِ إِنَّمَا تَدِلُّ على الافْتِراشِ لا على
التَّورك، وروايةُ النسائيِّ صَرِيحةٌ بذلكَ. (١٨٤ - أ / ك٢).
الحديث الثاني:
٨٢٨ - ثَنَا(٢) يَحْبَى بْنُ بُكَيْرِ: حدثَنا(٢) اللَّيْتُ، عَنْ خَالِدِ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَةَ، عن مُحمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ.
ح(٣)، وثنا (٢) اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِبٍ، ويَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ، أَنَّهْ كَانَ
جَالِسَا فِي نَفَرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّ، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِِّ﴿َ، فَقَالَ أَبُو
حُمَيَدِ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاةِ رَسُولِ اللهِِّ رَأَيْتُهُ إِذَا كَّرَ
جَعَلَ يَدَيّهِ حِذَاءَ مَنْكِبَّهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ (١٤٤/م)
هَصَرَ ظَهْرَهُ(٤)، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارِ(٥) مَكَانَهُ، فَإِذَا
سَجَدَ وَضَعَ يَدَيّهِ غَيْرِ مُفْتَرِشٍ ولا قَابِضِهِمَا، واسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافٍ رِجْلَيْهِ(٦)
القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، ونَصَبَ
(١) (٦١ ٩ ) .
(٢) في ((م)): ((نا)).
(٣) قوله: ((ح) ليس في ((اليونينية)). ونبه القسطلاني على وجوده في بعض الأصول.
(٤) في (ك٢)): ((ظهر)). (٥) في ((ك)): ((قفار))، من غير إعجام الفاء، وسيأتي آخر الحديث.
(٦) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((بأطراف أصابع رجليه)).
٣٠٢
١٤٥ _ باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
الْيُمْنَى، فَإِذَا(١) جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرةِ(٢) قَدَّمَ رَجْلَهُ الْيُسْرَى، ونَصَبَ
الأُخْرى، وقَعَدَ عَلَى مقْعَدته.
وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أبِي حَبِيبٍ، ويَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنُ حَلْحَلَةٍ (٣)،
وابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارِ(٤). وَقَالَ ابْنُ الْبَارَكِ، عَنْ يَحْبَى
ابْنِ أَبُوبَ: حَدَّثَنِيَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ
حَدَّثَهُ: كُلُّ فَقَارِ (٤).
مقصودُ البُخاريِّ بما ذكره اتِّصالُ إسْنادِ هَذَا الحَديثِ، وأَنَّ اللَّيْتَ سَمِعَ
مِنْ يَزِيدَ ابنِ أبِي حَبِيبٍ، وأَنَّ يَزِيدَ(٥) سَمِعَ من محمدِ بنِ عَمرِو بِنِ
حَلْحلةَ، وأنَّ ابنَ حَلْحَلَةً سَمِعَ منَ مُحمدِ بنِ عمرو بنِ عَطَاءٍ.
وفي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ التي عَلَّقَهَا التَّصْرِيحُ بِسَمَاعٍ يَزِيدَ (٦) مِنْ
مُحمد بن عمرو بن حلحلة.
وأما سَماعُ مُحمدِ(٧) بن عَطَاءٍ من أبي حُميدٍ، والنقَّرِ مِنَ الصَّحَابَةِ
الَّذِينَ معه: ففي هذه الرّوايةِ أنه كانَ جالسًا معهم، وهذا تَصْرِيحٌ بالسّماءِ
(١) في ((اليونينية)): ((وإذا))، وكذا القسطلاني. (٢) في ((اليونينية)) والقسطلاني: («الآخرة)).
(٣) في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((ويزيد من محمد بن حلحلة)) وفي رواية الأصيلي: ((ويزيد
ابنُ محمد محمدَ بنَ حلحلة)). والمعنى واحد.
(٤) في ((ك٢)): ((قفار)) بتقديم القاف من غير إعجام الفاء، وهي رواية الأصيلي، وهو
تصحيف. انظر ((المشارق)) (١٦٢/٢) مع ("إرشاد الساري))، مع ما سبق (٧/ ٢٠٤) الباب (١٢٧).
(٦) يعني: ابن أبي حبيب.
(٥) يعني: ابن محمد.
(٧) قوله: ((محمد)) ليس في ((٢٥)»، ومحمد بن عطاء هو: ابن عمرو بن عطاء.
٣٠٣
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
من أبي حميد .
وقد صَرَّح (١) البُخاريَّ في ((تاريخِه)) بسَماعٍ محمدٍ بن عمرو بن عطاء
من أبي حُميدٍ كَذَلكَ(٢).
وقد رَوَى هذا الحديثَ: عبدُ الحميد بن جعفر: حدثنا (٣) محمدُ بن
عَمرو بن عطاء قال: سمعتُ أبا حُميدِ السَّاعديَّ فِي عَشْرةٍ من أصحابِ
النَّبِيِّ بِّهِ، فمنهم(٤): أبو قَتَادَةَ بنُ رِبْعِيِّ، فذكر الحَدِيثَ، وفي آخره:
قالوا: صَدَقتَ، هَكَذَا صَلَّى النَّبِيُّ وَلِلـ
خرجه الإمام أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنسائيَّ، وابن ماجه،
وقَالَ التِّرمذيُّ: حَسنٌ صحيحٌ(٥).
وسماعُ محمد بن عمرو بن عطاء من أبي قتادةَ قد أثبتَه البخاريّ(٢)،
والبيهقيُّ، ورَدَّ على الطحاويِّ في إنْكَارِه له، وبَيْنَ ذَلِكَ بيانًا شافيًا(٦).
وأَنْكَرَ آخَرُونَ سَماعَ محمدِ بن عمرو بنِ عطاءٍ لهذا الحديثِ من أبي
(١) كتب في صلب ((م): ((خرج))، وأصلحها إلى: ((صرح)) ولم يقنع بها، فكتب في
الهامش: ((صرح)) وفوقها حرف (ن) يعني: بيان لها. ومن ثَمَّ كتبها في «ك)): ((خرج)).
(٢) («تاريخ البخاري)) (١٨٩/١).
(٣) في ((م)): ((نا)).
(٤) كذا، ولعلها: فيهم، أو: منهم.
(٥) أحمد (٤٢٤/٥) وأبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) والترمذي (٣٠٥) والنسائي (٣٤/٣ - ٣٥)
وابن ماجه (١٠٦١) وإنما هذه الزيادة عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، فقط ليست
عند النسائى ولا أحمد. وسبق أن أشرنا إلى ذلك تحت الباب (٨٥) من كتاب ((الأذان))
قبل الحديث (٧٣٨).
(٦) انظر ((المعرفة)) للبيهقي (٤٢٨/٢ - ٤٣٤) وكذا (٤٨/٣)، و((شرح معاني الآثار))
(٢٢٧/١ - ٢٢٨، ٢٥٩).
٣٠٤
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
حُميد - أيضًا -، وقالوا: بينهما رَجلٌ، وممَّنْ قَالَ ذَلِكَ: أبو حاتمٍ
الرازيُّ، والطحاويُّ(١)، وغَيْرُهما - ولعلَّ مسلمًا لم يُخرِّجْ في ((صَحِيحه)
الحَديثَ لذلك - واسْتَدِلُّوا (١٨٤ - ب/ ك٢) لذَلكَ بأَنَّ عطافَ بنَ خَالد(٢)
رَوَى هَذَا الحديثَ عن محمدِ بنِ عَمرو بنِ عطاء: حدثنا(٣) رجلٌ أَنَّه وجد
عشرةً من أصحابِ النَّبِيِّ وَ جُلُوسًا، فذكرَ الحديث (٤).
ورَوَى الحسن بن الحُر الحديثَ بطولِه عن عبدِ الله بن عيسى بن
مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس - أو عياش - بن سهل
(١٤٥/م) الساعديِّ أَنَّه كَانَ في مَجْلسِ فيهم أَبُوه، وكَانَ من أَصْحاب
النَّبِّ ◌ََّ، وفي المجلسِ أَبُو هُرَيْرةَ، وأبو أسيد، وأبو حُميدِ السَّاعديُّ،
فذكرَ الحَديثَ.
خرجه أبو داودَ مختصرًا(٥).
وخرجه - أيضا مختصرًا (٦) - من روايةٍ بقية بن الوليدِ: حدثني عتبةٌ
ابن أبي حكيم(٧): حدثني عبدُ الله بن عيسى، عن العباسِ بن سهلٍ،
عن أبي حُميد الساعديِّ، فذكره، وكذلك رَوَاه إسماعيل بن عياش(٨)،
عن عتبة - أيضًا .
(١) انظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٦٣/١) و((شرح معاني الآثار)) (٢٢٨/١، ٢٥٩).
(٢) في ((ك)): ((عطا، وبن جلد)) خطأ، وفي ((م)) على الصواب.
(٤) أخرجه الطحاوي (٢٥٩/١).
(٣) في ((م)): ((نا)).
(٦) أبو داود (٧٣٥).
(٥) أبو داود (٧٣٣).
(٧) في ((ك٢)) و((م)): ((حليم)) باللام، خطأ، وقد تكرر.
(٨) في ((ك٢)) و((م)) بالباء الموحدة، والسين المهملة، وزاد علامة الإهمال في ((م))، وهو
خطأ، صوابه ما أثبتناه.
٣٠٥
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
خرَّجه من طريقه بقيّ بن مخلد في ((مَسنده)) .
ءُ
وقال إسماعيلُ، عن عتبةَ، عن عيسى بن عبد الله، وهو أَصحّ.
ورَوَاه ابنُ المبارك، عن عتبةَ، عن عباس بِغَيْرِ وَاسطةٍ .
وخَرَّجه أبو داودَ (١) - أيضًا - مِنْ روايةٍ فُليح بن سُليمان: حَدَّثني
عباسُ بن سهلٍ قال: اجْتَمعَ أبو حُميد، وأبو أُسيد، وسهلُ بن سعد،
ومحمد بن مسلمةَ فذكروا صَلاةَ النَّبِيِّ بَِّ، فقال أبو حُميد: أنا أَعْلَمُكُمْ
بصَلاة رَسُولِ اللهِ وَّهَ، فذكرَ الحَديثَ.
وخرَّجَ بعضَه ابنُ ماجه، والتِّرمذيُّ، وصَحَّحه(٢).
قال أبو داود(٣): ورَوَاه ابنُ المبارك: أخبرنا (٤) فليح قال: سمعتُ
عباس بنَ سهلٍ يُحدِّثُ، فلَمْ أَحْفَظْه، فحدثنيه - أراه عيسى بن عبد الله -
أَنَّهِ سَمِعَه من عباسِ بن سهلٍ قَالَ: حَضرتُ أبا حُميدِ السَّاعديَّ، فذكره.
وخرَّجَه الإمامُ أحمد (٥) من طريقِ ابنِ إسحاقَ: حدثني عباسُ بن
سهل بن سعد قال: جلست بسوق المدينة الضحى مع أبي أُسيد، وأبي
حُميدٍ، وأبي قتادةَ، فذكر الحديثَ.
قال أبو حاتم الرازيُّ: هذا الحديث إنَّما يُعرف من رواية عَبَّاسٍ بن
سهلٍ، وهو صَحيحٌ [من] (٦) حديثه، كذا رواه فليحٌ وغيرُهُ(٧)؛ فيتوجه أن
(٢) ابن ماجه (٨٦٣) والترمذي (٢٦٠).
(١) (٧٣٤) .
(٣) بعد الحديث (٧٣٥).
(٤) في ((م): ((أنا))، والمثبت من ((ك)))، وفي ((السنن)): ((حدثنا)).
(٥) ((المسند)) (٤٢٤/٥).
(٦) لفظة ((من)) سقطت من ((٢٥)).
(٧) انظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٦٣/١)، ولعل المصنف ذكره بالمعنى.
٣٠٦
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
يكون محمدُ بن عَمرو إنَّما أَخذَه عن عباسٍ فتصيرَ روايةُ عبد الحميد بن
٠
جعفر مُرْسلةً، وكذا روايةُ ابنِ حلحلةَ [التي خرَّجَها البُخاريّ هاهنا.
ويُجَابُ عن ذلك بأن محمدَ بنَ عمرو بنِ حلحلة] (١) الديلي قَدْ رَوَى
هذا الحديثَ عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عطاء أَنَّه سمع أبا حُميد يُحدِّثُه.
فكيف يعارضُ ذلك برواية عَطَّافِ بن خالد عن محمد بن عمرو بن
عطاء، وعطاف (٢) لا يقاوم ابنَ حلحلةَ ولا يُقَاربُه؟ وقد تَابعَ ابنَ حلحلةَ
على ذكرِ سماع ابن عمرو له من أبي حُميدٍ: عبدُ الحميد بن جعفرٍ، وهو
ثقَةٌ جَليلٌ مُقَدَّمٌ على عطاف (١٨٥ - أ/ ك٢) وأمثاله.
وأما روايةُ عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، فعيسى ليسَ
بذلكَ المشهورِ؛ فلا يُقْضَى بِروايته على رِوَايَةِ الثَّقَاتِ الأثباتِ؛ فَإِنَّ روايةً
عيسى كَثِيرةُ الاضطرابِ، وَالأكثرونَ رَوَوْه عن عيسى، عن عباسٍ بغيرِ
واسطةٍ، منهم: عتبةُ بنُ أبي حكيم، وفليحُ بن سليمانَ.
واخْتُلفَ فيه عن الحسنِ بن الحرِّ، فرُوِيَ عنه، عن عيسى بنِ عبد الله،
عن محمدٍ بن عمرو بن عطاء: أخبرني مالكٌ، عن (١٤٦/ م) عياش -
أو عباس (٣) - بن سهل، أنَّه كان في مجلسٍ فيه أبوه.
ففي هَذِهِ الرِّوايةِ بينَ محمد بن عمرو، وبين أبي حميدٍ رَجُلانِ.
وقد خرَّجَه البيهقيُّ (٤)كذلك، ثُم قال: رُوي - أيضًا - عن الحسن بن
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)).
(٢) قوله: ((وعطاف)) تكرر في ((ك)).
(٣) في ((م): ((عياس أو عباس))، وفي ((ك٢)): ((عباس أو عياس)) كذا بالسين المهملة فيهما، وهو
خطأ وسبق على الصواب، وسيأتي أيضا على الصواب، وما أثبتناه من ((السنن)) للبيهقي.
(٤) البيهقي في ((السنن)) (١٠١/٢ - ١٠٢).
٣٠٧
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
الحر، عن عيسى، عن محمد بن عمرو بن عطاء - أحد بني مالك - عن
عباسٍ.
وقوله: ((عباس أو عياش)): يدلُّ على عدم ضَبْطه لهذا الاسم، وإنّما
هو ((عباسٌ» بغير شكِّ.
- وفي حديثِ الحسنِ بن الحر وهمٌّ في هذا الحديث، وهُوَ أَنَّهُ ذكر أنَّه
تَورَّكَ في جُلوسه بينَ السَّجدتينِ دُونَ التَّشهد، وهذا مما لا شك أنَّه خطأٌ،
فتبيَّنَ أَنَّه لم يحفظْ متنَ هذا الحديثِ ولا إسنادَه.
والصَّحِيحُ في اسمِ هذا الرجلِ أَنَّه عيسى بنُ عبد الله بن مالك الدار،
وجَدَّهُ مولى عمر بن الخطاب، ومَنْ قالَ فيه: عبدُ الله بن عيسى - كما
وَقَعَ في روايتين لأبي داودَ - فقد وهم(١).
وزعم الطَّبرانيُّ أَنَّهَ (٢): عبدُ الله بنُ عيسى بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، وهو وهمٌ - أيضًا -؛ وإنما هو عيسى بنُ عبد الله بن مالك الدار،
قَالَه الْبُخَارِيُّ في ((تَارِيخِهِ))، وأبو حاتم الرازيُّ، وغيرُهُمَا من الحُفَّظ
المتقدِّمِينَ والمُتَأْخِّرِينَ، وقَالَ ابنُ المدينيِّ فيه: هو مجهولٌ(٣) .
وحينئذ فلا يُعْتَمدُ على روايتِهِ مَعَ كَثْرةِ اضْطرابِها ويعلل بها رواياتُ
الحفّاظِ الأَثَّاتِ.
فَظَهَرَ بهذا أَنَّ أصحَّ رواياتِ هذا الحديثِ روايةُ ابْنِ حَلْحَلَةَ، عن
(١) وانظر ((تهذيب الكمال)) (٦٢٤/٢٢).
(٢) في ((م): ((أنه)) وطالت الهاء فاشتبهت بالواو، ومن ثَمَّ كتبها في ((ك)): ((أبو)).
(٣) انظر ((التاريخ الكبير)) (٣٨٩/٦) و((الجرح والتعديل)) (٢٨٠/٦) و((تهذيب الكمال))
(٢٢ /٦٢٤).
٣٠٨
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
محمدٍ بن عَمرو التي اعتمدَ عليها البخاريُّ، وروايةُ عبد الحميد المتابعةُ
لَهَا، وروايةُ فليحِ وغيرِه عن عباس بن سهل، مَعَ أَنَّ فليحًا ذكرَ أَنَّه سَمعَه
من عباسٍ ولم يَحْفَظْهِ عَنْه، إِنَّما حَفِظَه عن عيسى، عنه.
وأَمَّا ما تَضمَّنْه حديثُ أبي حميدٍ من الفِقْهِ في أَحْكامِ الصَّلاة: فقد
سبقَ ذكرُ عَامَّةٍ ما فيه من الفوائدِ مُفَرَّقًا في مَوَاضِعَ مُتَعدِّدةٍ (١)، وبقي ذكرُ
صفةٍ جُلُوسِهِ لَلتَّشهدِ وهو مقصودُ البُخاريِّ في هذا البابِ .
وقد دلَّ الحديثُ على أَنَّ النَّبِيَّ نَ ◌ّهُ كَانَ يَجْلسُ في الَّشهِدِ الأولِ
مُفْترشًا، وفي التَّشْهد الثَّاني مُتَورِّكًا. خَرَّجه أبو داودَ من روايةِ ابنِ
لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ بإسنادِه (١٨٥ - ب/ ك٢)، ولفظُه: «فإذا
قَعدَ في الرَّكْعتينِ قَعدَ على بطنٍ قَدمِه اليُسْرَى، ونَصبَ الْيُمْنَى، فإذا كَانَ
في الرَّابعةِ أَفْضَى بوركِه اليُسْرَى إلى الأَرْضِ، وأَخْرجَ قَدَمَيَه من نَاحية
واحدة))(٢).
ولم یذکُرْ أحدٌ من رواة حدیث أبي حُميد التَّشهدین في حديث سوى
ابنِ حَلْحَلَةِ(٣)، عن محمدٍ بن عمرو بن عطاء.
وقد ذكرَ غيرُهُ من الرُّوَاةِ النَّشهدَ(٤) خاصَّةً، وبعضُهم ذكرَ الأَخيرَ
و
خَاصَّةً، ففي رواية فليحٍ، عن عباسِ بن سهلٍ، عن أبي حُميدٍ، فذكر
(١) أوله - والله أعلم - تحت الباب (٨٥) من كتاب الأذان.
(٢) أبو داود (٧٣١).
(٣) في ((م)): (طلحة))، وفي ((ك٢)): ((حللحة)) وطالت رأس الحاء فاشتبكت مع اللام فجاءت
كما في ((م))، ووضع حرف الحاء (ح) تحت الطاء، دلالة على أنها حاء. والصواب ما
أثبتناه .
(٤) لعله سقط: ((الأول)).
٣٠٩
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
الحديثَ، وفيه: ((ثُمَّ جَلَسَ، فافْتَرشَ رِجْلَه الْيُسْرَى، وأَقْبلَ (١٤٧/ م)
بِصَدْرِ الْيُمْنَى على قبلتِهِ، ووضَعَ كَفَّه اليُّمْنَى على رُكْبَتِهِ(١) الْيُمْنَى، وكَفَّه
الُسْرَى على رُكْبِه(١) الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بإِصْبعه.
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وصَحَّحَه(٢).
ورواه - أيضًا - عتبةُ بن أبي حكيم(٣)، عن عيسى - أو ابنِ عيسى -،
عن العباسِ بمعناه - أيضًا.
في هَذِهِ الرِّوايةِ ذكرُ التَّشْهُدِ الأولِ خَاصَّةً.
وأما ذكر التشهد الأخير: فَفِي رِوَايةِ عبدِ الحميد بن جعفرٍ، عن
محمدٍ بن عمرو، عن أبي حميد، فذكرَ الحديثَ، وفيه: ((حتى إذا كانت
السَّجدةُ التي فِيهَا التَّسليمُ أَخْرجَ (٤) رِجْلَه الْيُسْرَى، وقَعدَ متوركا على
شقِّه(٥) الأيسرِ)).
خَرَّجَهَ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتّرمذيُّ، وابنُ ماجه،
وصَحَّحه التِّرمذيُّ(٦).
وقد خرجَه الجوزجانيّ في كتابه المترجم، عن أبي عاصم، عن
(١) في (ك٢)) و((م)): ((ركبتيه))، والمثبت من الرواية.
(٢) أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٩٣)، ولم نجده في ((مسند أحمد))، ولا في ((أطرافه)).
(٣) في ((م): ((عتبة، عن أبي حكيم))، وضرب على كلمة: ((عن)) وألحق بالهامش: ((بن))،
ومن ثم جاءت في ((ك)): ((عتبة أبي حكيم)).
(٤) في الرواية: ((أَخَّرَ)).
(٥) في ((ك٢)): ((شقها))، والمثبت من ((م))، والرواية.
(٦) أحمد (٤٢٤/٥)، وأبو داود (٧٣٠)، والنسائي (٣/ ٣٤)، والترمذي (٣٠٤)، وابن
ماجه (١٠٦٦).
٣١٠
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
٠٠٠) في الثنتين، يثني رجله اليسرى (١)، فَيَقْعُدَ عليها مُعْتَدلا
.. . ]
حَتَّى يقرَّ كُلّ عَظْمٍ منه مَوْضعَه، ثُمَّ ذكرَ تَورُّكَه في تَشْهُدِه الأخير، وهَذه
زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ.
وقد خَرَّجَ أبو داودَ، وابن ماجه(٢) الحديثَ من رواية أبي عاصمٍ،
وخرجه الإمامُ أحمدُ(٣) عن أبي عاصمٍ، ولم يذكروا صِفَةَ جُلوسِه في
الرَّكعتينِ؛ إِنَّما ذَكَروا ذَلِكَ في جُلُوسِهِ بينَ السَّجدتينِ .
وفي حديثِ عبدِ الحميدِ زيادةُ ذكرِ رفعِ اليَدِينِ إذا قَامَ مِنَ النَّشهدِ
الأول، وكذلك في حديثِ عتبة بن أبي حكيم - أيضًا .
وقد أَخذَ بهذا الحديثِ في التَّفريقِ بينَ الْجُلوسِ في التَّشهد الأول
والآخر في الصَّلاة نُقْهاءُ الحديثِ كالشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، ثُمَّ
اخْتلفُوا، فَقَالَ الشَّافعيُّ: يَتَوَرَّكُ في التَّشهدِ الَّذي يَعْقَبُهُ السَّلامُ بكلِّ حَال
سواء كَانت الصَّلاةُ فيها تشهدٌ واحدٌ أو تَشْهُّدان، لأنَّ التَّشْهِدَ الذي يُسَلِّمُ
فيه يطولُ بالدعاء فيه فيَتَورَّكُ فيه؛ لأَنَّ النَّورَّكَ أهون من الافتراش.
وقال أحمد وإسحاق: إن كان فيها(٤) تشهدان تورك في الأخير منهما،
(١) من قوله: ((وقعد متوركا على شقه)) إلى هنا ملحق بهامش ((م))، ولم يظهر منه قوله:
((عن أبي عاصم، عن)) من جراء التصوير، وفي «ك٢)» بياض مكان المعقوفين بقدر كلمة.
ولعله: عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء.
(٢) أبو داود (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠٦١).
(٣) لم نجده في ((المسند))، وقد سبق ذلك. وضرب في ((ك٢)) على قوله: ((الإمام أحمد، عن
أبي عاصم))، وأيضا - قوله بعده: ((إنما ذكروا ذلك في جلوسه بين السجدتين في
الركعتين)» .
(٤) من قوله: ((أهون من الافتراش)) إلى هنا لم نتبينه في ((م)) من جراء التصوير، وذلك لأنه
لحق جاء على حافة الورقة .
٣١١
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
وإن كانَ فيها تشهَّدٌ وَاحِدٌ لم يَتَورَّكْ فيه، بل افْترش(١).
فيكونُ (١٨٦ - ٢ / ٢٥) التَّرُّكُ للفَرْقِ بَيَن التَّسْهدينِ، ويَكُونُ فيه
فائدتان :
نَفِيُ السَّهِ عن المُصلِّي، ومعرفةُ الدَّاخلِ مَعَه في التَّشهدِ هل هو في
الأول أو الثاني؟ واتَّفقوا - أعني هؤلاء الثَّلاثةَ - على أَنَّهُ يفرشَ في
التَّشهد الأول الَّذِي لا يُسَلِّمُ فيهِ.
وقد خَرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتّر مذيُّ من حديثِ
وائل بن حُجْرٍ أَنَّه رَأَى النَّبِيَّ وَهِ يُصَلِّي، فلمَّا جَلَسَ افْتَرشَ (٢).
لكنِ اخْتَلفتْ أَلْفاظُ الرِّواياتِ فيهِ:
ففي رواية الترمذيِّ: يعني للتشهد، وهَذَا تَفْسِيرٌ من بَعْضِ الرُّواةِ.
وفي رِوَايَةٍ للإمامِ أَحْمِدًا(٣) أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي جُلُوسِهِ بينَ السَّجدتينِ .
وفي روايةٍ للنَّسائيّ(٤) أَنَّهَ كَانَ يفعلُ ذَلكَ إذا جَلسَ في الرَّكْعتينِ.
وهَذِهِ الرِّوايةُ إِنَّما تدلُّ على افْتِراشِه في جُلوسِهِ بعدَ الرَّكعتينِ.
وأحمد وإسحاقُ يَقُولانِ بذلك.
وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة قالت: كَانَ النَّبِيُّ نَّه يقولُ(٥) في
كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحيَّةَ، وكَانَ يفرشُ رِجْلَه الْيُسْرَى، ويَنْصبُ (١٤٨/م)
(١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٠٣/٣ - ٢٠٤)، و((الأم)) للشافعي (١١٦/١).
(٢) أحمد (٣١٦/٤، ٣١٧، ٣١٨)، وأبو داود (٧٢٦، ٩٥٧)، والنسائي (١٢٦/٢)،
(٣٤/٣ - ٣٥، ٣٧) والترمذي (٢٩٢).
(٣) (٤/ ٣١٧).
(٥) كلمة (يقول)) ليست في ((ك))).
(٤) (٢٣٦/٢).
٣١٢
١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
الْيُمْنَى(١).
وهو محمولٌ على صَلاة الركعتينِ بدلالةِ سِيَاقِ أَوَّلِ الكَلامِ .
وَهِ قَالَ
وخَرَّجَ أَبُو داودَ(٢) من حديث رفاعةً بن رافعٍ أَنَّ النَّبِيِّ
للمُسيءِ فِي صَلاتِه: ((إِذَا قعدتَ فاقْعُدْ عَلَى فَخذك الْيُسْرَى)).
وفي رواية أخرى لَهُ - أيضًا (٣): ((فَإِذَا جَلستَ في وسطِ الصَّلاةِ
فَاطْمَثَنَّ، وافْتَرَشْ فَخِذِكَ الْيُسْرَىَ، ثُمَّ تَشَهَّدْ)) .
وهَذه الرِّوايةُ تدلُّ على أنَّه إنَّما أَمَرَه بالافْتراشِ في التَّشهدِ الأولِ
خَاصَّةً .
وفي ((المسندِ))(٤) من طريقِ ابنِ إِسْحاقَ: حدثني عبدُ الرحمن بنُ
الأسود، عن أبيه، عن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمني رسولُ اللهِ وَهِ الَّشْهِدَ
في وسطِ الصَّلاةِ، وفي آخرِهَا. فَكُنَّا نَحْفَظُ عن ابنِ مَسْعُودٍ حين(٥)
أخبرنا(٦) أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ عَلَّمَه إِيَّه، فَكَانَ يقولُ إِذَا جَلسَ في وَسطِ
الصَّلاة وفي آخرِها على وركِه الْيُسْرَى: التَّحيات لله، إلى آخرِ النَّشهد.
والظَّاهرُ أَنَّ قولَه: ((عَلَى وركِه)) يَعُودُ إِلى قَوْلِه: ((وفي آخرِهَا خاصةً)).
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ من أَهْلِ العلمِ إلى أَنَّه يَفْتَرِشُ في جَميعِ النَّشْهداتِ،
(١) مسلم (٤٩٨). وهو من رواية أبي الجوزاء، عن عائشة، ولم يسمع منها، وسبق أن
أشرنا إلى إعلال هذه الرواية تحت الحديث (٧٣٤)، (٧٤٤).
(٢) (٨٥٩)، وفيه: (إذا رفعت فاقعد)). والمعنى واحد - يعني: ((إذا رفعت من السجود)).
(٤) (١ / ٥٩ ٤ ) .
(٣) (٨٦٠).
(٥) في ((ك٢)»: بالتاء والياء معا.
(٦) في ((م)): ((أنا)). وهي اختصار ((أخبرنا)) كذا.
٣١٣
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والثَّوريِّ، والحسنِ بن صالحٍ، وابنِ المباركِ،
وحكَاه التِّر مذيُّ(١) عن أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقَالَ طائفةٌ: يَتَورَّكُ في جَمِيعِها، وهو قولُ مَالكِ. وكذا قَالَ في
الجلوسِ بينَ السَجْدتينِ، وجَمِيعَّ مَن سَبْقَ ذِكْرُه من العُلماءِ قَالُوا: إِنَّه
يَفْتَرِشُ فِيهِ(٢).
وفي (صحيحِ مسلمٍ)) (٣)، عن ابن الزُّبِيرِ قَالَ: كَانَ رسولُ الله ◌َّهِ إِذا
فَعدَ في الصَّلاةِ جعلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بِينَ فَخذه وسَاقه، وفَرشَ قَدَمَه
اليُمْنَى.
وقد فَسَّرَه بالتَّورك: حربٌ الكرمانيُّ، وغيرُهُ.
وقد رُويَ التَّوركُ في الجلوسِ في الصَّلاةِ عن ابنِ عُمرَ - ذَكرَه مالكٌ
في ((الموطأ))(٤)، عن يحيى بنِ سَعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، أَنَّه أراهم
الْجُلُوسَ في النَّشهدِ، فَنَصْبَ رِجْلَهَ الْيُمْنَى، وثَنَىَ رِجْلَه الْيُسْرَى، وجَلَسَ
(١٨٦ - ب/ ك)) على وركِه الأيسرٍ، ولم يَجْلِسْ على قَدَمِه، ثُمَّ قَالَ: أَرَاني
هذا عبدُ الله بنُ عبد الله بن عمرًا(٥)، وأَخْبَرني أَنَّ أباه كَانَ يَفْعلُ ذَلِكَ.
وخَرَّجه أبو داودَ من طريقه(٦).
وقال ابنُ جريرِ الطَّبِرِيُّ: كُلُّ ذلك جَائِزٌ؛ لأَنَّه يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ،
فِيُخَيَرُ الْمُصَلِّي بَيْنَه، فيفعلُ منه ما شَاءَ، ومَال(٧) إلى قوله ابنُ عبد البرّ.
(١) في ((الجامع)) (٨٦/٢) عقب الحديث (٢٩٢).
(٢) انظر ((الأوسط)) (٢٠٢/٣ - ٢٠٤). (٣) (٥٧٩).
(٤) (ص / ٧٧).
(٥) في ((م): ((عبد الله بن عبد بن عمر))، خطأ.
(٦) (٩٦١) .
(٧) كلمة: ((مال)) ليست في ((٢٥))، وضبب فوق كلمة: ((إلى)).
٣١٤
٤٥ ١ - باب سنة الجلوس في التشهد
الحديث: ٨٢٨
وقد نَصَّ أحمدُ في روايةِ الأثرمِ على جوازِ التَّوركِ في التَّشهدِ الذي
(٢/١٤٩) يُسَلّمُ فيه من رَكْعتينِ مَعَ قوله: إِنَّ الافتراشَ فيه أَفْضَلُ (١).
وقد رُوِيَ النَّهيُ عن التَّوركِ في الصَّلاةِ، ولا يَثْبتُ، وفيه حديثان:
أَحَدُهما: من رواية يحيى بنِ إسحاقَ، عن حماد بن سلمةَ، عن
قتادةَ، عن أنسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَ نَهَى عَنِ الثَّوركِ والإِقِعاءِ فِي الصَّلاةِ.
خَرَّجَه أبو داودَ في كتاب ((التَّفْرد))، وقال: هَذَا الحديثُ ليسَ
بالمعروفِ(٢).
وخَرَّجه البزارُ في ((مسنده))(٣)، وقَالَ: لا يُرْوَى عن أنس إلا من هذا
الوجهِ، وأَظنَّ يحيى أَخطأً فيه .
وقال أبو بكر البرديجي في كتابِ ((معرفةِ أُصولِ الحديثِ)) (٤) له: هذا
(١) انظر ((الأوسط)) (٢٠٢/٣ - ٢٠٤).
(٢) كتب في هامش ((م)): ((عزاه في شرح ((الهداية)) إلى ((المسند.
كلام غير مقروء.
(٣) (٢٦٦/١ - كشف).
. )) ومكان النقط
(٤) هو: أبو بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي، صاحب المصنفات، قال عنه الذهبي
في ((السير)) ((جمع وصنف)).
وكتابه هذا: ((معرفة أصول الحديث)) لعله ما ذكره ابن خير في ((فهرسته)) (ص/ ٢٠٧)
باسم: ((معرفة المتصل من الحديث، والمرسل، والمقطوع، وبيان الطريق الصحيحة))،
وسماه ابن حجر في ((الفتح)): ((بيان المرسل))، وقال الزبيدي في ((تاج العروس)) (٨/٢ -
٠
دار صادر): ((له كتاب بمعرفه المتصل والمرسل)).
وانظر مقدمة كتاب البرديجي ((طبقات الأسماء المفردة))، و((معجم المصنفات الواردة في فتح
الباري)) (ص/ ٩٦).
٣١٥
الحديث: ٨٢٨
كتاب الأذان
حديثٌ لا يثْبتُ؛ لأنَّ أصحاب حماد لم يجاوزوا به قتادةً (١).
كَأَنَّه يُشيرُ إلى أَنَّ يحيى أخطأَ في وَصْلِهِ بذكرِ أنسٍ، وإِنَّما هو
مرسل.
وثانيهما: مِنْ روايةِ سعيدٍ بن بَشِيرٍ، عن الحسن، عن سَمُرة أَنَّ
رسولَ الله ◌ِّ نَهَى عنِ التَّوركِ والإقعاءِ، وأَنْ لا نَسْتوفز(٢) في صَلاتِنا.
ءُ
خَرَّجه البزارُ(٣)، وقَالَ: سعيدُ بن بشيرِ لا يحتجّ به.
وخَرَّجه الإمامُ أحمدُ(٤)، ولفظُه: أَمَرنا رسولُ اللهِّ أَنْ نَعْتَدِلَ في
الْجُلوسِ، وأن لا نَسْتَوْفِز (٥).
(١) وانظر خطأ آخر ليحيى بن إسحاق على حماد، تحت الحديث (٩٩٦).
(٢) في ((م)) بالراء في آخره، والصواب: بالزاي، وهو من عدم الاطمئنان، كأنه يتهيأ
للوثوب.
(٣) (٢٦٦/١ - ٢٦٧ - كشف).
(٥) في ((ك٢)) بالراء آخره.
(٤) (٥/ ١٠).
٣١٦
الحديث: ٨٢٩
١٤٦ - بَابُ
مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاَجِبًا؛ لأَنَّ النَِّيَّ ◌َ
قَامَ مِنَ الرَّكْمَتَيْنِ وَلَمْ بَرْجِعْ
٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أخبرنا (١) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَني
عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُرْمُزٍ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ - وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ
الحارث - أَنَّ عَبّدَ اللهِ أَبْنَ بُحَيِّنَةَ - وهُوَ مِنْ أَزْدِ شَنُؤَةَ، وهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ
مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿َ- أَنَّ النَّبِّ ◌َ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَمَ
فِي الرِّكْعَتين الأُولَيَيْن لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَه حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ
وانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ
سَلَّمَ.
عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمز هو: الأعرجُ، وهو مَوْلَى ربيعةَ بنِ الْحَارثِ بنِ
عبد المطلب، فَلذَلكَ (٢) نَسَبَه الزَّهريَّ مرةً إلى ولاءِ بني عبدِ الْمُطلبِ،
ومَرَّةً إلى مَوْلاه.
وقَد اسْتَدِلَّ بَهَذَا الحَديث كَثِيرٌ منَ العُلَماء - كَمَا أَشَارَ إليه البُخاريُّ -
على أَنَّ الَّشْهِدَ الأولَ ليسَ بواجبٍ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ نَسِيَه ولم يَرْجِعْ إِلَيْه
بعدَ قِيَامِه إلى الرَّكْعة الثَّالثة.
ومِمَّنْ ذَهبَ إلى أَنَّ التَّشْهِدَ الأولَ، والْجُلوسَ له سُنَّةٌ لا تَبْطلُ الصَّلاةُ
(٢) في ((٢٥)): ((فكذلك)).
(١) في ((م): ((أنا)).
٣١٧
الحديث: ٨٢٩
كتاب الأذان
(١٨٧ - أ/ ك٢) بتَرْكهمَا (١) عمدًا: النَّخعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأَّوْزاعيّ،
ومَالِكٌ، والشَّافعيُّ، وحُكِيَ رِوَايةً عن أحمدَ، والمنصوصُ عن أحمدَ:
إنكار تَسْميته سنة(٢)، وتَوقَّفَ في تَسْميته فرضًا(٣)، وقَالَ: هو أَمْرٌ أَمرَ به
رسولُ الله وَاجِهِ .
وقَالَ الثَّورِيُّ، وأحمدُ في ظَاهرِ مَذْهِبهِ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، ودَاودُ:
إِنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنْهما عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاتُه وإن تَرَكَهُ سَهْوًا سَجَدَ لسهوٍ .
وحَكَى الطَّحاويُّ مثلَه عن مَالِكٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ◌َّهِ كَانَ يُدَاومُ عليه،
وقال: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُموني أُصَلِّي))(٤)، وإِنَّمَا تَرَكَه نِسْيانًا وجَبَرَه بسُجود
السّھو.
وَقَدْ رُويَ عنه الأَمرُ به كما خرَّجَه أبو داودَ من حديثٍ رفاعةَ بن رافعٍ
أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَّهِ قَالَ للمُسيءِ فِي صَلاتِه: ((فَإِذَا جَلَستَ في وسطِ الصَّلاة
فَاطْمَئِنَّ، واقْتَرِشْ فَخْذَكَ الْيُسْرَى(٥)، ثُمَّ تَشْهَّدْ)(٦).
والعَجبُ أَنَّ مِنَ المخالفين في ذَلِكَ من يقولُ في خُطْبَتَي الجمعة: إذا
لم يَجْلِسْ بينهما لم تَصحَّ الْخُطْبَةُ، وهو يقولُ: لو صَلَّى الظُّهرَ أَرْبَعًا من
غيرِ جُلُوسٍ فِي وَسَطِها صَحَّتْ صَلاتُه ( ١٥٠/م).
وأَمَّا التَّشهدُ (٧) الآخرُ والجلوسُ بهِ (٨): فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلماء: إنَّهما
(٢) قوله: ((سنة)) ليس في ((ك))).
(١) في ((٢٥)»: ((تركها)).
(٣) قوله: ((فرضا)) ليس في ((٢٥)).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.
(٥) في ((ك)): ((اليسبري)) خطأ.
(٦) أبو داود (٨٦٠).
(٧) تكرر قوله: ((وأما التشهد)) في ((م)).
(٨) قوله: ((به)) غير واضح في ((م)) ولعل الصواب: ((فيه)).
٣١٨
١٤٦ - باب من لم ير التشهد الأول واجباً
الحديث: ٨٢٩
مِنْ فَرائضِ الصَّلاةِ، ومَنْ تَركَهَا لم تصح صَلاتُه وهو قولُ الحسن،
ومكحول، ونافع مولى ابن عمر، والشَّافعيِّ، وأحمدَ في ظَاهرِ مذهبه،
وإسحاقَ، وأبي ثور، وداودَ، وحكى ابنُ المنذرِ مثلَه عن مالك؛ إلا أنَّه
قَالَ: إذا نَسِيَه خلفَ الإمامِ حَمَلَه عنه. ورُوِيَ عن الأوزاعيِّ نحوه، ونَقَلَ
مهنَّا عن أحمدَ ما يدلُّ على مثلِ ذَلِكَ، وقال أبو مصعبٍ: مَنْ تَركَ
التَّشْهدَ بَطَلَتْ صَلاتُه، ونَقَلَه من مالكٍ وأهْلِ المَدينةِ.
وقَالَتْ طَائِفةٌ: هو سَنَّةٌ كالنَّشهدِ الأولِ لا تَبْطِلُ الصَّلاةُ بَتَرْكِهِ(١)،
منهم: النَّخْعِيُّ، وقَتَادةُ، وحَمَّادٌ، والأوزاعيُّ، وهو المشهورُ عن مَالكِ.
ونَقلَ محمدُ بن يحيى الكحالُ عن أحمدَ - فيمن سَلَّمَ ولم
يَتَشهدْ(٢) .: لا إِعَادةَ، واستدلَّ بحديثِ ابنِ بُحينةَ.
ونَقلَ ابنُ وهبٍ، عن مَالكِ قَالَ: كُلُّ أَحد يُحْسِنُ التَّشهدَ، وإذا ذَكرَ
الله أَجْزاً عنه .
وقَالَ أحمدُ في روايةٍ عَنْه نَقَلَها حربٌ: إذا لم يَقْدِرْ أَنْ يَتَعلَّمَ الَّشْهدَ
يدعو بما أحبَّ(٣).
وأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجُلوسَ له بقدر التَّشْهُّد دونَ التَّشهد، وهو روايةٌ
عنِ الثَّورِيِّ، ورُوِيَ عنه: إِنْ أَحْدثَ قبلَ النَّشهدِ تَمَّتْ صَلاَتُهُ.
وحُكِيَ القَولُ بَأَنَّه سُنَّةٌ روايةً عن أحمدَ - أيضًا -، حكَاه عنه التِّرمذيّ
ءِ
(١) تكرر قوله: ((بتركه)) في ((م))، وكتب في ((ك٢)» مكان الكلمة المكررة كلمة غير مقروءة.
(٢) فى ((ك٢)): (يشهد)).
(٣) قوله: ((يقدر أن)) إلى هنا لم يظهر في هامش ((م)) من جراء التصوير.
٣١٩
الحديث: ٨٢٩
كتاب الأذان
في ((جامعه)) (١)، فإنَّه قَالَ في روايةِ ابنِ مَنْصورِ وقَدْ قِيلَ له: فَإِنْ لم
يَتَشهدْ وسلم؟ قَالَ: التَّشْهدُ أَهْونُ؛ قَامَ رسولُ اللهِ وَه فِي ثِنْتِينِ ولم
يَتَشهدْ؛ فحَملَه هَؤُلاء عَلَى أَنَّ النَّشْهِدَ غيرُ وَاجبٍ. ومنهم من حَمَلَه على
التَّشهد الأول لاسْتدلاله عليه بالحَديث (١٨٧ - ب/ ك٢)، والحديثُ إنَّما
وَرَدَ في الأولِ، وقَالُوا:َ قَد فَرَّقَ بينَ الأولِ والثَّاني في رِواياتٍ أُخْرَ عنه.
وَقَالَتْ طَائفةٌ: هُوَ وَاجبٌ تَبْطِلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا، ويَسْجِدُ لسَهْوِهِ،
وهو قولُ الزُّهريِّ، والثَّوريِّ، وحكي عن الأوزاعيِّ - أيضاً -، ونَقَلَه
إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، وأبو طالبٍ، وغيرُهما عن أحمدَ، وذَكَرَ أبو حفصٍ
البرمكيُّ من أصحابِنَا أَنَّ هذا هو مذهبُ أحمدَ، وأَنَّه لا فرقَ عِنْدَه بينَ
الَّشْهدِ الأولِ والثَّاني، وأَنَّهما وَاجِبَانِ تَبْطِلُ الصَّلاةُ بَتَرْكِهِمَا عَمْدًا،
ويسجدُ لِسَهْوِهِمَا .
وهُوَ - أيضًا - قولُ أبي خَيْئِمَة، وسليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ، وابنٍ
أبي شيبةً(٢).
واستدلَّ من قالَ: إنه فرضٌ: بما رُوِيَ عن ابنِ مَسْعود أَنَّه قَالَ: كُنَّا
نقولُ قبل أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشهدُ: ((السَّلامُ على الله)) الحديث، وذَكَرَ فيه
أمرَ النَّبِيِّ وَّ لهم بالنَّشهدِ، وتَعْلِيمَه لهم.
خَرَّجَه الدار قطنيُّ، وقَالَ: إسنادهُ صحِيحُ(٢)
وخَرَّجَ البزارُ، والطبرانيُّ من حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ عَلَّمهم
(١) إثر الحديث رقم: (٤٠٨).
(٢) وانظر ((الأوسط)) (٢١٧/٣ - ٢١٩) وكذا ((المدونة)) (١٣٤/١ - ١٣٥).
(٣) الدار قطني (٣٥٠/١).
٣٢٠