النص المفهرس

صفحات 221-240

١٢٨ - باب يهوي بالتكبير حين يسجد
الحديث: ٨٠٤،٨٠٣
وقال قتادةُ: فيضعُ أهونَ ذلك عليه(١).
خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ حديثين:
الحديث الأول :
٨٠٣، ٨٠٤ - ثنا (٢) أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو
بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ المكتوبَةِ وَغَيْرِهَا، فِي رَمَضَانَ
وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ:(سَمِعَ اللهُ لَنْ
حَمِدَهُ)، ثُمَّ يَقُولُ: (رَبَّنَا، وَلَكَ الحَمْدُ، قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللهُ
أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْقَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، {ثُمَّ
يُكَبِّرُ حِينَ يسجد، ثُمَّيُكَبُِّ حِيْنَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجودِ](٣)، ثُمَّ يُكبِّرُ حِينَ
يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ في الاثْنَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِك في كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى(٤) يَغْرُغَ
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٦٣/١)، وفيه: (يضع ... )).
ونختم بكلمة قالها النووي في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف في النزول على اليدين
أولا أم الركبتين؟ وساق أقوال العلماء فيها قال: ((ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث
السنة)). يريد أنه لا يثبت في هذا الباب حديثًا مرفوعًا ولذا أورد البخاري في هذا الباب
قول ((نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه)) ليُشير إلى أنه لم يصح في الباب حديثٌ
مرفوعٌ. والله أعلم.
(٢) في ((م)): ((نا)).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥) و((م))، واستدركناه من ((اليونينية)) وغيرها؛ إذْ لم يُشر
أحد إلى عدم وروده في إحدى الروايات، وغالب الظن أن الناسخ انتقل نظره لتشابه
الجُمَلِ هنا، والله أعلم.
(٤) في ((ك))): ((حين)).
٢٢١

الحديث: ٨٠٤
كتاب الأذان
مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَقْرَبُّكُمْ شَبَهَا
بِصَلاةِ رَسُولِ اللهِوَّهَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاَتَهُ حَتَّى (١) فَارَقَ الدُّنْيَا.
قَالَا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكَانَ رَسُولُ الله ◌ِ (١٧١ - ١/ ٢٥) حِينَ يَرْفَعُ
رَأْسَهُ يَقُولُ: (سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ رَّبَّنَا وَلَكَ الْحَمدُ» يَدْعُو لِرِجَال،
فَيُسَمِّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ
هِشَامٍ، وَعَّاشَ بْنَ أَبِي رَبَيْعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُهُ
وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرَ(٢)، وَاجْعَلُهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِيّ(٣) يُوسُفَُ(٤). وَأَهْلُ
الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ (٥) مُخَالِفُونَ لَهُ).
مقصودُه من هذا الحديث في هذا الباب: التكبيرُ للسّجود حينَ یھوي
ساجدًا، وقد فعلَه أبو هريرةَ، وذكرَ أنَّ هذه الصَّلاةَ كانتْ صلاةَ رسول
الله ◌َخُلُ حتى (٦)فارقَ الدنيا.
وقد خرَّجَه مختصرًا - فيما تقدَّمَ - من رواية مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ،
عن أبي سلمةَ وحدَه(٧)، ومن روايةٍ عُقيل، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ وحدَه (٨).
(١) في ((ك٢)): ((حين)) بالتاء، والياء معًا.
(٢) في ((ك٢)) و((م): ((مصر)) بالصاد المهملة.
(٣) في ((ك٢)): ((كسنين)).
(٤) ((يوسف)) ليست في ((ك٢)).
(٥) في ((ك٢)): ((مِصرٍ)) كذا بميم مكسورة، وصاد مهملة، وتنوين بالكسر على حرف الراء.
(٦) في ((م)): ((حين)).
(٧) سبق (٧٨٥).
(٨) سبق (٧٨٩).
٢٢٢

١٢٨ - باب يهوي بالتكبير حين يسجد
الحديث : ٨٠٤
وفي هذه الروايةِ زيادةُ القنوت بعدَ الركوع، للدَّعاءِ(١) على المشركينَ،
والدُّعاءُ للمستضعفينَ من المؤمنين، فأما القنوت(٢) فيأتي الكلامُ عليه في
موضعه إنْ شاءَ الله تعالى. وأمَّا تسميةُ الرِّجالِ المدعوِّ لهم وعليهم في
الصَّلاَةِ فجائزٌ عندَ أكثرِ العلماءِ منهم: عُرْوَةُ (١١١/ م)، والأَوْزَاعِيُّ
والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ وغيرُهم(٣).
ورُوِيَ عن أبي الدرداءِ(٣).
وكرهَه عطاءٌ(٤)، والنَّخعيُّ(٥)، وأحمدُ في روايةٍ.
وعندَ الثوريّ، وأبي حنيفةَ أَنّ ذلك كلامٌ يُبْطِلُ الصَّلاةَ(٦)، واستدلَّ
لهُم بأنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صرفَ أصحابَه عن سلامهم في التَّشهد على جبريلَ
وميكائيلَ، وأمرَهم أن يُسلِّمُوا(٧) على عباد الله الصَّالحينَ عمومًا.
ولا حجةَ في ذلك، لأنَّه إنَّما قصدَ جوامع الكلمِ، واختصارَه، وسيأتي
ذلك في موضع آخر (٨) إنْ شاءَ اللهُ سبحانَه تعالى.
وَقَوْلُهُ: ((وأهلُ المشرق من مُضَرَ(٩) مخالفونَ لهُ))، يريدُ قبائلَ من
٩
ضَرَ(٩) كانوا مشركينَ وكانت إقامتُهم بأرضِ نَجْدٍ ومَا وَلاهَا، لأنَّ ذلكَ
(١) في ((ك))): ((الدعاء)) .
(٢) في ((٢٥)): ((الفتون)).
(٣) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣ / ٢٤٢، ٢٤٤).
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢ / ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٥٠) وغير ذلك، و((المغنى)) (٢ /٢٣٨).
(٥) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٤/٣)، و((المغني)) (٢ /٢٣٨ - ٢٣٩).
(٦) راجع («الأوسط)) (٣ / ٣٤٤) لابن المنذر، و ((المغني)) (٢ /٢٣٩).
(٧) في ((ك)): ((سلموا)).
(٨) في ((ك)): ((مواضع أُخر)).
(٩) في ((ك)) و((م)): ((مصر)) بالصَّاد المهملة.
٢٢٣

الحديث : ٨٠٥
كتاب الأذان
مشرقُ المدينة؛ ولهذا قالَ له عبدُ القيس عند(١) قدوم وَفْدهمْ عليه: بيننا
وبينَك هذا الحيَّ من مُضر(٢)، ولن نصلَ إليكَ إلا في شهرِ حرامٍ، وكانَ
عبدُ القيسِ يسكنونَ بالبحرينِ، وَرُوِيَ عن النَّبِيِّ وَّ أَنَّه (٣) قالَ فيهم:
هِم(٤) خيرُ أهلِ المشرقِ(٥).
الحديث الثاني :
٨٠٥ - ثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا سُفْيَانُ - غَيْرَ (٦) مَرَّةَ -، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِك يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللهٍَِّ عَنْ فَرَس - وَرَّبَّمَا
قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ فَرِسِ - فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَ نَعُودُهُ،
فَحَضَرتِ الصَّلاةُ فِصَلَّى بِنَا قَاعِدًا فَقَعَدْنَا - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَيْنَا فُعُودًا
- فَلِمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. فَإِذَا كَرَ فَكَبِّرُوا.
وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا (٧)، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ
الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)). وكَذَا(٨) جَاءَ بهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
(١) في ((ك٢)): ((عتد)) بالمثناة الفوقية.
(٢) في ((ك))): ((مَضِر)» بميم مفتوحة، وضاد معجمة مكسورة.
(٣) في ((م)): ((أنهم)) .
(٤) ((هم)) ليست في ((٢٥)).
(٥) ذكر ابن عبد البر في ((الأنباه على قبائل الرواة)) (ص: ٣٨): أنَّ مُضَر هي شَعب النبي
وَّة، ولا خلاف بين العلماء أن الصريح من ولد إسماعيل عليه السلام: مُضَر وربيعة،
ابنا نزار بن معد بن عدنان، ثم ذكر في فضلها حديثين ليس هذا منهما.
(٦) في ((م)): ((عن)).
(٧) زاد في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((وإذا رفع فارفعوا)).
(٨) في ((م): ((كذا))، وفي ((اليونينية)) ((قال سفيان: كذا جاء به معمر)» وأشار في الهامش إلى أنَّ
لفظة ((قال سفيان)) ليست عند أبي ذر والأصيلي.
٢٢٤

١٢٨ - باب يهوي بالتكبير حين يسجد
الحديث : ٨٠٥
لَقَدْ حَفِظَ(١). كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: ((وَلَكَ الْحَمْدُ)، حَفظْتُ مِنْه (٢) ((شقُّهُ
(١٧١ - ب/ ث٢) الأَيْمَنُ). فَلَمَّا خَرَجْنَا (٣) مِنْ عِنْدِ الزُّهَرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ
وَأَنَا عِنْدَهُ: ((فَجُحْشَ سَاقُهُ الأيمنُ)).
هذا الحديثُ خرَّجَه البخاريُّ عن شيخِهِ عَلِيٍّ بنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ
ابن عيينةَ، وذكرَ أَنَّ سُفْيَانَ لَّا حدَّثَه به سألَه: أهكذا جاءَ به معمر؟ فقالَ
ابنُ المدينيِّ: نعم، فقالَ سُفْيَانُ: لقد حفظ (٤).
فأثنى ابنُ عُيَيْنَةَ على معمرٍ بالحفظِ(٥) حيثُ وافقَه على روايةِ هذا
الحديثِ، عن الزُّهريِّ، وذكرَ ابنُ عيينةَ أنَّ الزُّهريَّ قَالَ في هذا (١١٢/م)
الحديث ((ولكَ الحمدُ)) - يعني: بالواوِ - وأنَّه حفظ(٦) منه ((فَجُحشَ شقَّهُ
الأيمنُ))، فلمَّا خرجوا من عندَ الزُّهرِيِّ قَالَ لهم ابنُ جريجٍ إنَّما هو
((فَجُحِشَ (٧) ساقُه الأيمنُ)).
والمقصودُ من إيراد هذا الحديثِ في هذا البابِ أن سجودَ المأمومِ يكونُ
عَقِيبَ سجودِ الإمامِ، وكذلك سائرُ أفعاله تكونُ عَقيبَ أفعالِ الإمامِ،
وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلكُ مُسْتَوْفِى، وعلى بقيةِ فوائدِ هذا الحديثِ من
الصَّلاة خلفَ الجالسِ، وهل يصلِّي مَنْ خلفَه من قعودٍ أو قيام؟ بما فيه
كفايةٌ(٨) - إنْ شاءَ اللهُ سبحانَه تعالى.
(١) في ((ك٢)): ((حفض)).
(٢) في ((اليونينية)): ((من)).
(٣) في ((م)): ((خرجا)».
(٤) في ((ك٢)»: ((حفض)).
(٥) في ((ك٢)»: ((بالخفض)).
(٦) في ((ك٢)): ((خفض)).
(٧) قال أبو عُبيد في ((الغريب)) (١ / ١٤٠): ((قال الكسائي في ((جُحش)): هو أن يُصيبه شيء
فينسحج منه جلده، وهو كالخدش أو أكبر من ذلك.
(٨) تحت شرحه للحديث رقم: (٦٨٨، ٦٨٩).
٢٢٥

الحديث : ٨٠٦
كتاب الأذان
١٢٩ - بَابُ
فَضْلِ السُّجُودِ
٨٠٦ - حَدَّثَ(١) أَبُو الْيَمَانِ: نَا(١) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ
ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّهِيُّ، أَنَّأَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّالنَّاسَ قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ فَرَى رَبَّا يَوْمَ القيامَةُ؟ قَال: ((هَلْ تُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةً
البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ(٢) سَحَابٌ؟)) قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((هَلْ (٣) ثُمَارُونَ
في رؤية الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)) قَالُوا: لا، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ(٤) تَرَوْنَهُ
كَذَلَكَ(٥)، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقولُ: من كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلَّعْ(٦)،
فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، ومِنْهُمْ من يَتَّبِعُ القَمَرَ، ومنهم مَنْ يَتَبِعُ
الطَّوَاغيتَ(٧)، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقوُهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقولُ: أَنَا
رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْيَنَا رَبِّنَا فإذا جَاء رَبِّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِهِمُ
اللهُ عَزَّ وجَلَّ (٨) فيقولُ: أَنَا رَبَّكُمْ فيقولونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ وَيُضْرَبُ
(٢) في ((٢٥)): ((دوينه)).
(١) في (ك٢)»: «ثنا)).
(٣) كذا في ((ك٢) و ((م)وفي ((اليونينية))، والقسطلاني: ((فهل))، ولم يُشر إلى خلاف في ذلك.
(٤) في ((م): ((فاتكم)).
(٥) في ((م): ((لذلك))، وسقطت من ((ك))، وتصويبها من ((اليونينية)).
(٦) كتب في هامش ((م)): ((في نسخة: فليتبعه))، وهي رواية أبوي ذر، والوقت.
(٧) في ((ك٢)): ((الطواغيث)) بالمثلثة.
(٨) ((عز وجل)) ليست في ((اليونينية)).
٢٢٦

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ. فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرَسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا
يَتَكَلَّمُ يُؤْمَئِذٍ (١) إِلا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي
جَهَنَّمَ كَلَالِبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوَّكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ،
قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَان؛ غَيْرَ أَنَّه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلا الله،
تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ (٢) ثُمَّ
يَنْجُو(٣)، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الله عزَّ وجلَّ(٤)
[الْمَلائِكَةَ](٥) أَنْ يُخْرِجوا مِنَ النَّارِ (٦) مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ،
وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ (٤) عَلَى النَّارِ أَن تَأْكُلَ أَثَرَ
السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ [فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأَكُلُهُ النَّارُ إِلا أَثَرَ السُجُود،
فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ](٧) قَدِ امْتَحْشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُونَ
(١١٣ / م) كَما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)). وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ في
آخر من يدخل الجنة .
وقد خرَّجَه بتمامه - أيضاً - في كتابِ («التوحيدِ))(٨)، ويأتي في
موضعه - إنْ شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى. فإنَّ هذا القدرَ من الحديث فيه
(١) زاد في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((أحد)».
(٣) ((ينجو)) ليست في ((٢٥)).
(٢) في ((ك)): ((يتخردل)).
(٤) ((عز وجل)) ليس في ((اليونينية)).
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (ك)) و((م))، واستدركناه من ((اليونينية))وغيرها، ولم يُشر أحد
إلى سقوطها في إحدى نسخ البخاري.
(٦) ((من النار)) ليست في ((اليونينية)) ولا في ((الفتح)) لابن حجر، ولا في ((إرشاد الساري)) ولا
في ((عمدة القاري))، وهي ثابتة في ((٢٥)) و((م)).
(٧) بين المعقوفتين سقط من ((٢٥)) وهو مثبت في ((م)). (٨) (فتح: ٧٤٣٧).
٢٢٧

الحديث : ٨٠٦
كتاب الأذان
هاهنا كفايةٌ. فأمَّا ما يتعلق (١٧٢ - أ/ ك٢) برؤية الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ
من أولِ الحديثِ فقد سبقَ الكلامُ على ألفاظه ومعانيه في ((مواقيتِ
الصَّلاةِ) في بابِ((فضلِ صلاةِ العصرِ))(١)، وفي بابِ ((فَضْلِ صلاةِ
الفجر))(٢) فلا حاجة إلى إعادته هاهنا.
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ المشركينَ الذينَ كانوا يَعْبدونَ في الدَّنَيا مِنْ
دون الله آلهةً يَتَّبِعونَ آلهتَهم التي كانوا يَعبدُونَ يومَ القيامةِ فيردنهم(٣) الثَّارَ
كَمَا قَالَ تعالى في حقٍّ فرعونَ ﴿يقدمُ قومَه يومَ القيامةِ فأوردَهُمُ النَّارَ﴾
[هود: ٩٨]، ويبقى مَنْ كانَ يعبدُ اللهَ وحدَه ظاهرًا (٤)، مؤمنًا كانَ أو منافقًا
فهؤلاء يَنْظرونَ مَنْ كانوا يعبدونَه في الدُّنيا، وهو اللهُ وحدَه لاشريكَ لَهُ.
١
ففي هذا الحديثِ: أنَّ اللهَ يأتيهم أولَ مرةٍ فلا يَعْرفونَه ثُمَّ يأتيهم في
المرَّةِ الثَّانيةِ فَيعرفونَه، وفي الحديثِ السََّبقِ اختصارٌ، وقد ساقَه في
مواضعَ أُخَر بتمامِه، وقد دلَّ القرآنُ على ما دلَّ عليه هذا الحديثُ في
مواضعَ كقولِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّن الغَمَامِ
والملائكةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقَالَ: ﴿هل يَنظُرُونَ إلا أن تَأْتِيَهُمُ الملائكَةُ
أوٍ يَأْنِيَ ربُّك أو يأتيَ بعضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقَالَ ﴿وجاءَ
ربُّك والْمَلَكُ صَفّا صفّا﴾ [الفجر: ٢٢]. ولم يتأوَّل الصَّحابةُ ولا
التابعونَ شيئًا من ذلكَ، ولا أخرجوه عن مدلولِهِ؛ بل رُوِيَ عنهم ما يدلُّ
على تقريرِه، والإيمانِ به، وإمرارِه كما جاء.
(١) تحت شرحه للحديث رقم (٥٥٤).
(٢) تحت شرحه للحديث رقم (٥٧٣).
(٣) في ((ك))): ((فتردنهم))، وهي عائدة على العبادة، وبالياء عائدة على الآلهة التي كانوا
يعبدونها .
(٤) في ((م)) ((طاهرًا)) بالطاء المهملة.
٢٢٨

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
وقد رُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ أنّه قالَ في مجيئِه: هو مجيءُ أمرِهِ.
وهذا مما تفرَّدَ به حنبلٌ، عنه، فمنْ أصحابِنَا من قالَ: وَهِمَ حَنْبَلٌ
فيما رَوَى، وهو خلافُ مذهبِه المعروفِ المتواترِ، عنه (١).
وكانَ أبو بَكْرِ الْخَلالُ وصاحبُه لا يثبتان بما تفرَّدَ به حَنْبَلٌ، عن أحمدَ
رواية .
ومِنْ متأخِّربهم مَنْ قال: هو روايةٌ عنه بتأويلٍ كلِّ ما كان من جنسٍ
المجيءِ، والإتيانِ، ونحوهما.
ومنهم من قالَ: إنَّما قالَ ذلك إلزامًا لمن ناظرَه في القرآنِ؛ فإنّهم
استدلّوا على خلقه بمجيءٍ القرآنِ، فقالَ: إنَّما يجيءُ ثوابُه، كقوله:
﴿وجاءَ ربك﴾ أي كما تقولونَ أنتم في مجيءِ اللهِ أنَّه مجيءٌ(٢) أمرِه.
وهذا أصحُّ المسالكِ في هذا المرويِّ(٣).
وأصحابُنا في هذا على ثلاثِ فِرقٍ:
فمنهم (٤): من يثبت المجيء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في مجيء (٢)
المخلوقات، وربَّما ذكروه عن أحمدَ من وجوهِ لا تصحَ (٥) أسانيدُها
عنه. (١١٤/م).
ومنهم: من يتأوَّلُ ذلكَ على مجيءٍ أمرِهِ.
(١) ذكر ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (١٦ /٤٠٥) أن أبا إسحاق بن شَاقلا قال: ((هذا
غلط من حنبل لاشك فيه)) ا. هـ. وقد سبق الكلام على غرائب حنبل (٣٦٨/٢).
(٢) ((مجيء)) ليست في ((ك)).
(٣) راجع ((مجموع الفتاوى)) (١٦ / ٤٠٥) حيث ذكر الأقوال الثلاثة.
(٤) في ((ك٢)»: ((منهم)).
(٥) في ((ك٢)): ((لا يصح)).
٢٢٩

الحديث : ٨٠٦
كتاب الأذان
ومنهم: من يُقُرُّ ذلك ويُمِرُّهُ كما جاءَ ولا يُفسِّرُه، ويقولُ: هو مجيءٌ
وإتيانٌ يليقُ بجلالِ اللهِ، وعظمته سبحانَه .
وهذا هو الصحيحُ عن أحمدَ، ومَنْ قبلَهُ من السَّلْف، وهو قولُ
إسحاقَ وغَيْرِهِ من الأئمةِ.
وكان السَّلْفُ ينسبونَ تأويلَ هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى
الجهمية لأنَّ جهمًا وأصحابَه أولُ من اشْتُهِرَ عنهم أنَّ الله تعالى مُتَزَّهُ عمَّا
دلَّتْ (١) عليه هذه النصوصُ بأدلةِ العقولِ التي سَمَّوهَا أدلةً قطعيةً هي
المحكمات(١)، وجعلوا ألفاظَ الكتاب والسّنّةِ هي المتشابهاتٍ(١)، فعرضوا
ما فيها على تلك الخيالات(١)، فقبلوا ما دلَّتْ(١) على ثبوتِه بزعمهم،
وردُّوا ما دلَّتْ(١) على نفيهِ بزعْمِهِم، ووافقَهم على ذلك سائرُ طوائف
أهلِ الكلامِ من المعتزلةِ وغيرِهم، وزعموا أنَّ ظاهرَ ما يدلُّ عليه الكتابَ
والسّنَةُ تشبيهٌ، وتجسيمٌ، وضلالٌ، واشتقُوا من ذلك - لمن آمنَ بما أنزلَ اللهُ
على رسولِه - أسماءَ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ؛ بل هي افتراءٌ على اللهِ
يُنْفِّرُونَ بها عن الإيمانِ باللهِ ورسولِه، وزعموا أنَّ ما وردَ في الكتاب
والسُّنة من ذلكَ مع كثرتِه وانتشاره من بابِ التَّوسّعِ، والتجوَّزِ وأَنه يُحملُ
على مَجازات اللُّغةِ المُسْتبعدةِ، وهذا من أعظمٍ أبوابِ القدحِ في الشريعةِ
المحكمةِ المُطَهَّرةِ(٢)، وهو من جنسِ حملِ الباطنيةِ نصوصَ الإخبارِ عن
الغيوب(٣) كالمعادِ، والجنةِ، والنَّارِ على التوسُّعِ والمجازِ دونَ الحقيقةِ،
وحملهم نصوصَ الأمرِ، والنَّهي عن مثلٍ ذلك.
(١) آخرها في ((٢٥)) ثاء مثلثة.
(٢) في ((م)): ((المظهرة)).
(٣) في ((ك)) و((م)): ((العيون))، والتصويب من عندنا.
٢٣٠

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
وهذا كلُّهُ مُرُوقٌ عن دينِ الإسلامِ، ولم ينهَ علماءُ السَّلْفِ الصالح،
وأئمةُ الإسلامِ كالشافعيِّ، وأحمدَ، وغيرِهما عن الكلامِ، وحذَّوا عَنْهُ
إلا خوفًا من الوقوعِ في مثلِ ذلك، ولو علمَ هؤلاءِ الأئمةُ أَنَّ حملَ
النُّصوصِ على ظاهرِها كفرٌ لوجبَ عليهم تبيينُ ذلك، وتحذيرُ الأُمَّةً منه؛
فإنَّ ذلك من تمام نصيحةِ المسلمينَ، فكيفَ كان ينصحونَ الأمَّةَ فيما يتعلَّقُ
بالأحكامِ العمليةِ (١٧٢ - ب/ ك٢) ويَدَعونَ نصيحتَهم فيما يتعلَّقُ بأصولِ
الاعتقادات(١)، هذا من أبطلِ الباطلٍ.
قالَ أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلميُّ الصُّوفيُّ(٢): سمعتُ عبد الرحمن(٣) بن
محمد بن جابر السُّلْميَّ يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ عَقيل بن (١١٥ / م)
الأزهرِ(٤) الفقيه يقولُ: جاءَ رجلٌ إلى الْمُزَنِيِّ يسألُه عن شيءٍ منِ الكلامِ
فقالَ: إني أكره هذا؛ بل أنهى عنه كما نهى(٥) عنه الشافعيّ، فإنِّي
سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: سُئِلَ مالكٌ عن الكلامِ والتوحيدِ؟ فقالَ مالكٌ:
مُحَالٌ أن يُظنَّ بالنبيِّ ◌َ ◌ّ أَنَّه علَّم أمته الاستنجاءَ، ولم يعلِّمهم التوحيدَ.
وُ
فالتَّوحيدُ: ما قالَه النبيُّ وَّهِ: ((أمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا:
(١) في ((ك))): ((الاعتقاد)).
(٢) ((الصوفي)) ليست في ((٢٥))، وهو صاحب ((السؤالات عن أحوال الرجال للدارقطني))،
مترجم في ((تاريخ بغداد)) (٢٤٨/٢)، و((الأنساب)» (٢٧٩/٣)، و((السير» (٢٤٧/١٧)
وغيرهم.
(٣) ((عبد الرحمن)) ليست في ((ك))).
(٤) في ((ك)): (الأذهى)) وضبب الناسخ عليها، والصواب: ((الأزهر)) وهو مترجم في (السير))
(١٤ / ٤١٥) .
(٥) في ((ك٢)»: ((ینھی)).
٢٣١

الحديث: ٨٠٦
كتاب الأذان
لا إلَهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها عَصمُوا مِنِّي دماءَهم، وأموالَهم))(١). فما
عصمَ الدمَ، والمالَ فهو حقيقةُ التوحيدِ. انتهى.
وقد استوفَيْنَا الكلامَ على ذلك في أوائلِ كتابِ ((العلمِ)) في الكلامِ
على أول الواجبات(٢).
وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) أنَّه أنكرَ على(٤) من استنكرَ شيئًا من هذه
النُّصوصِ وزعمَ أَنَّ اللهَ مُتَزَّهُ عما تدلُّ عليه .
فَرَوَى عبدُ الرزَّق في ((كتابِ))(٥) عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طَاوس، عن أبيه
قالَ: سمعتُ رجلا يحدِّثُ ابن عبّاسٍ بحديث أبي هُرِيرَةَ: ((تحاجَّتِ الجنَّةُ
والنَّارُ))، وفيه: ((فلا تَمْتلىء حتى يَضَعَ رِجْلَه - أو قال: قَدَمَه - فيها)).
قالَ: فقامَ رجلٌ فانتفضَ فقالَ ابنُ عبّاسٍ: ما فرق هؤلاء(٦)؟ يجدونَ
رقةً(٧) عند محكمِهِ، ويَهْلكونَ عند متشابِهِه؟!
وخرَّجَهَ إسحاقُ بنُ راهويه في ((مسندِه))، عن عبدِ الرزاق.
ولو كانَ لذلك عنده تأويلٌ لذكرَه للنَّاسِ، ولم يَسعه كتمانهُ.
وقد قابلَ هؤلاء المتكلمينَ طوائفُ آخرون، فتكلَّموا في تقريرِ هذه
النصوصِ بأدلةٍ عقليةٍ، وردُّوا على النُّفَاةِ، ووسَّعوا(٨) القولَ في ذلك،
(١) (فتح: ٢٥)، ومسلم (٢١ -٢٢).
(٢) ولمعرفة أصول أهل السنة التي اعتمدها الأئمة راجع آخر ورقة من ((مسند الحميدي))
(٥٤٦/٢).
(٣) في ((ك٢)): ((ابن مسعود)).
(٤) أقحم في ((ك٢)) هنا: ((من أنكر)) بين ((على)) و((من)).
(٥) («المصنف» (١١ / ٤٢٣).
(٦) في ((المصنف)): ((ما فرق من هؤلاء)).
(٧) ((رقة)) ليست في المطبوع من ((المصنف)).
(٨) في ((ك ٢)): ((وسَّعُوا)).
٢٣٢

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
وبيَّنوا أن لازمَ النفيِّ التعطيلُ المحضُ.
وأمَّا طريقةُ أئمةِ أهلِ الحديثِ، وسلفِ الأُمَّةِ: فهي الكفُّ عن الكلامِ
في ذلك من الطَّرفينِ وإقرارُ النُّصوص وإمرارُها كما جاءتْ، ونفي الكيفيةِ
عنها والتَّمثيل، وقد قالَ الخطابي في ((الأعلام))(١): ((مذهب السلف في
أحاديث الصفات: الإيمان(٢)، وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية
عنها)).
ومن قالَ: الظَّاهِرُ منها غيرُ مراد، قيلَ له: الظَّاهِرُ ظاهران:
ظاهرٌ يليقُ بالمخلوقين ويختصُّ بهم، فهو غيرُ مرادٍ.
وظاهرٌ يليقُ بذي الجلالِ والإكرامِ، فهو مُرَادٌ، ونفيُه تعطيلٌ.
ولقد قالَ بعضُ أئمةِ الكلامِ والفلسفةِ من شيوخِ الصّوفيةِ الذي
13
يُحْسنُ به الظنَّ المتكلمون: إنَّ المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهتِه
الأجسامَ فوقعوا في تشبيهِهِ (١١٦ / م) بالمعاني.
والمعاني محدثةٌ كالأجسامِ، فلم يخرجوا عن تشبيههِ بالمخلوقات،
وهذا كلُّه إنَّما أتى من ظنِّ أَنَّ تفاصيلَ معرفةِ الجائزِ على الله [و](٣)
المستحيلِ عليه يُؤخذُ من أدلةِ العقول، ولا يُؤخذُ مما جاءَ به الرسولُ.
وأمَّا أهلُ العلم والإيمان فيعلمونَ أنَّ ذلك كلَّه متلقّى مما جاء به
الرسولُ وَّله، وأنَّ ما جاءَ به من ذلك عن ربِّه فهو الحقَّ الذي لا مزيدَ
عليه ولا عدولَ عنه، وأنّه لا سبيلَ لتلقي الهدي إلا منه، وأنَّه ليسَ في
(١) ((أعلام الحديث)) (١ / ٦٣٧).
(٢) في ((الأعلام)): ((الإيمان بها)).
(٣) ما بين المعقوفين ليس في (ك٢)) و((م))، ووجوده لازم هنا.
٢٣٣

الحديث: ٨٠٦
كتاب الأذان
كتاب الله ولا سُنَّة رسوله الصَّحيحة ما ظاهرهُ كفرٌ أو تشبيهٌ، أو
مُسْتحيلٌ، بل كلُّ ما أثبتَه اللهُ لنفسه أو أثبته له رسولُه، فإنَّه حقٌّ وصدقٌ
يجبُ اعتقادُ ثبوتِه مع نفي التمثیلِ عنه.
فكما أَنَّ اللهَ ليسَ كمثله شيءٌ في ذاته فكذلك في صفاته، وما
أُشْكِلَ فهمُهُ من ذَلِكَ فإنَّه يُقَالُ فيه ما مدحَ اللهُ الراسخينَ من أهلِ العلمِ
أَنَّهم يقولونَه عِنْدَ المتشابهاتِ: ﴿آَمنَّا بِهِ كلٌّ مِّنْ عِندِ ربِّنَا﴾ [آل عمران:
٧]، وما أَمَرَ (١) به رسولُ الله ◌َّله في متشابه الكتاب أنه يُردَّ إلى عالمه
واللهُ يقولُ الحقَّ ويهدي السبيلَ.
وكلمةُ السَّلف وأئمة أهلِ الحديثِ متَّفَقةٌ على أنَّ آيات الصفات
١٩
وأحاديثَها الصحيحةَ تُمَرّ كما جاءت من غير تشبيهِ، ولا تمثيلٍ، ولا
تحريف، ولا تعطيلٍ .
قال أبو هلال: سألَ رجلٌ الحسنَ عن شيءٍ من صفة الربِّ عزَّ
وجلَّ، فقال: أَمرُّوهَا بلا مثالٍ.
وقال وكيعٌ: أدركتُ إسْمَاعِيلَ بنَ أبي خَالد، وسُفْيَانَ ومسْعَرًا
يُحدِّثُونَ بهذه الأحاديث ولا يفسِّرُونَ شيئًا (١٧٣ - أ / ك٢).
وقال الأوزاعيَّ: سُئِلَ مكحولٌ، والزَّهريُّ عن تفسير هذه الأحاديث،
فقالا: أَمِرَّهَا على ما جاءتْ (٢).
وقالَ الْوليدُ بنُ مسْلِمٍ: سألتُ الأَوْرَعيَّ، ومَالِكًا (٣)، وسُفْيَانَ، ولَيْئًا
(١) في ((ك))): ((أخر)).
(٣) في ((ك٢)): ((ومالك)).
(٢) ((أعلام الحديث)) (١ / ٦٣٧).
٢٣٤

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
عن هذه الأحاديث التي فيها الصفةُ، والقرآنُ، فقالوا: أَمرُّوهَا بلا كَيْف.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ما وصفَ اللهُ به نفسَه فَقرأتُه: تفسيرُهُ، ليسَ لأحد أن
يفسِّرَهَ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
وكلامُ السَّلْفِ في مثلِ هذا كثيرٌ جدّاً.
وقالَ أشهبُ: سمعتُ مالكًا يقولُ: إِيَّكم وأهلَ البدعِ. فقيل: يا أبا
عبد الله! وما البدعُ؟ قالَ: أهلُ البدع (١١٧/ م) الذين يتكلّمونَ في أَسماءِ
الله، وصفاته، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتونَ عمَّا سكتَ عنه الصَّحابةُ،
والتابعونَ لهم بإحسان.
خرَّجَهَ أبو عبدِ الرحمنِ السُّلميُّ الصُّوفيُّ في كتابِهِ ((ذم الكلام)) ورَوَى
- أيضًا - بأسانيدِه ذمَّ الكلامِ وأهلِه، عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ،
ومحمدٍ، وابنِ مَهْدِيٍّ، وأبي عبيدٍ، والشَّافعيِّ، والمُزنيِّ، وابن خزيمةَ.
وذكرَ ابنُ خُزَيْمَةَ النَّهيَ عنه، عن مالكٍ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ،
والشَّافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وصاحبيه، وأحمدَ، وإسحاقَ، وابنِ المبارك(١)،
ويحيى بنٍ يحيى، ومحمدِ بنِ يحيى الذهليِّ.
ورَوَى السُّلميُّ - أيضًا - النهيَ عن الكلامِ وذمِّه، عن الْجُنَيْدِ،
وإبراهيمَ الخَوَّاصِ .
فتبيَّنَ بذلك أَنَّ النهيَ عن الكلامِ إجماعٌ من جميعِ أئمةِ الدين من
ـو
المتقدِّمين من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ والصَّوفيةِ، وأنَّه قولُ أبي حنيفةَ،
ومَالك، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وغيرِهم من أئمةِ
المسلمين .
(١) في ((ك٢)): ((وابن مبارك)).
٢٣٥

الحديث: ٨٠٦
كتاب الأذان
ومن جملة(١) صفات الله التي يؤمنُ بها، وَتُمَرُّ كما جاءتْ عندهم
قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبِّك والملكُ صَفّا صفّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ونحو ذلك
مما دلَّ على إتيانِه، ومجيئه يومَ القيامةِ، وقد نصَّ على ذلك أحمدُ،
وإسحاقُ، وغيرُهما، وعندهما أَنَّ ذلك من أفعال الله الاختياريةِ التي
يفعلُها بمشيئته، واختيارِهِ، وكذلك قاله الفُضَيْلُ بنُ عياض، وغيرُه من
مشايخِ الصّوفيةِ أهلِ المعرفةِ .
وقد ذكرَ حربٌ الكرمانيُّ أَنَّه أدركَ على هذا القولِ كل من أخذ عنه
العلمَ في البلدانِ. وسَمَّى منهم أحمدَ، وإسحاقَ، والحميديَّ، وسعيدَ
ابنَ منصورٍ، وكذلك ذكَرَه أبو الحسنِ الأشعريّ في كتابِه المسمّى بـ
((الإبانة))، وهو من أَجَلِّ(٢) كتبه، وعليه يعتمدُ العلماءُ، وينقلونَ منه
كالبيهقيِّ، وأبي عُثْمانَ الصَّابونيِّ، وأبي القاسمِ بنِ عَسَاكِر، وغيرهم،
وقد شرحَه القاضي أبو بكر بنُ الْبَاقِلانيِّ.
وقد ذكرَ الأَشْعَرِيُّ في بعضٍ كُتْبه أَنَّ طريقَةَ المتكلمينَ في الاستدلالِ
على قِدَمِ الصَّانِعِ، وحدوثِ العَالَم بالجواهرِ والأجسامِ، والأعراضِ،
مُحَرَّمَةٌ عندَ عُلماءِ المسلمينَ.
وقد رُويَ (١٧٣ - ب/ ث٢) ذمُّ ذلك، وإنكارُه، ونسبتُه إلى الفلاسفة،
عن أبي حنيفةَ.
وقالَ ابنُ سريجٍ(٣) : توحيدُ أهلِ العلمِ، وجماعةِ المسلمينَ: الشَّهادتان،
(١) في ((ك٢)): بالحاء المهملة.
(٢) في ((ك٢)): ((أحل)) بالحاء المهملة.
(٣) في ((ك٢)): ((سريح) بدون إعجام الياء، وفي ((م)): ((سريح)) والصواب بالجيم وهو أبو العباس
أحمد بن سُريج البغدادي، مترجم في ((تاريخ بغداد)) (٤ / ٢٨٧)، و((طبقات الشافعية))
(٢١/٣)، و((السير)) (١٤ / ٢٠١).
٢٣٦

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
وتوحيدُ أهلِ الباطنِ من المسلمينَ: إنما (١) الخوضُ في الأعراضِ والأجسامِ،
وإنَّما بُعثَ النبيّ (١١٨ /م) وَّ بإنكارِ ذلك.
خرَّجَهَ أبو عبدِ الرَّحمنِ السُلَميُّ، وكذلك ذكرَه الخطّبيُّ في رسالتِهِ
في (الغُنّةِ عن الكَلامِ وأَهْلِه)(٢).
وهذا يدلُّ على أَنَّ ما يُؤخذُ من كلامِه في كثيرٍ من كتبه مما يُخالفُ
ذلك، ويوافقُ طريقةَ المتكلِّمين فقد رجعَ عنه، فإنَّ نفيَ كثيرٍ من الصِّفاتِ
إنَّما هو مَبْنِيٌّ على ثبوتِ هذه الطريقةِ.
قال الخطَّبيُّ في هذه الرِّسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع: إنَّما
هو شيءٌ أخذَه المتكلِّمونَ عن الفلاسفة، وإنَّما سلكت الفلاسفةُ هذه
الطريقةَ لأنَّهم لا يثبتون النُّبوات، ولا يرونَ لها حقيقةً، فكان أقوى شيءٍ
عندهم في الدَّلالةِ على إثبات هذه الأمورِ ما تعلَّقوا به من الاستدلال
بهذه الأشياءِ.
فأمَّا مُثْبتوا(٣) النُّبوات فقد أَغْنَاهُم اللهُ عن ذلك، وكفَاهُمْ، كُلفةَ المؤنة
في ركوبِ هذه الطريقةِ الْمُنْعَرِجةِ التي لا يُؤْمَنُ العنتُ على من ركبها (٤)،
والإبداعُ، والانقطاعُ على سالِكِها، ثُمَّ ذكرَ أنَّ الطريقَ الصحيحةَ في ذلك
الاستدلالُ بالصَّنْعَةِ على صانعها كما تضمَّنَه (٥) القرآنُ، وَنَدَبَ إلى
الاستدلالِ به في مواضعَ، وبه تَشْهدُ الفِطَرُ السَّلِيمةُ المستقيمةُ.
(١) كذا في ((ك)): ((إنما))، وضبب عليها، ولم يظهر منه في (م)) إلا حرف الألف.
(٢) ذكره الذهبي في ((السير)) (٢٦/١٧) ضمن كتب الخطابي.
(٣) في ((ك٢)): ((متبتوا)).
(٥) في ((ك))): ((تطمنه)) بالطاء المهملة.
(٤) في ((ك)): (ركها)).
٢٣٧

الحديث: ٨٠٦
كتاب الأذان
ثُمَّ ذكرَ طريقتَهم التى (١) استدلُّوا بها، وما فيها من الاضطراب،
والفساد، والتَّناقضِ، والاختلاف.
ثُمَّ قالَ: فلا تشتغلْ رَحِمَك اللهُ بكلامِهم، ولا تغترَّ بكثرةٍ مقالاتهم
فإنها سريعةُ التَّهافت، كثيرةُ التَّنَّاقضِ، ومَا مِنْ كلام تسمعُه لفرْقَةٍ منهم
إلا ولخصومِهِم عليه كلامٌ يوازيه ويفارقه(٢)، فكلٌّ بكلّ معارضٌ، وبعضُهم
ببعضِ مُقَابلٌ. قال: وإنَّما يكونُ تقدُّمُ الواحدِ منهم وفلجُه على خصمِهِ
بقدر حظّه من الثَّباتِ، والحذقِ في صنعةِ الجدلِ والكلامِ، وأكثرُ ما يظهرُ
به بعضُهم على بعضِ إنَّمَا هو إلزامٌ من طريقِ الجدلِ على أصولٍ موصلةٍ
... ] (٣) نفودها (٤)،
لهم، ومناقضات على مقالات حَفظُوها عليهم !.
وطردها، فمن تقاعدَ عن شيءٍ منها سموه من طريق [ .. ](٥) جعلوه
مبطلا، وحكموا بالفلج(٦) (١١٩ / م) لخَصْمِهِ عليه، والجدلُ لا يقومُ به
حقٌّ [ ...... ] (٧) به حجة، وقد يكونُ الخصمان على مقالتينِ مختلفتينِ
كلاهما باطلٌ، ويكونُ الحقُّ في ثالثٍ غيرِهِما، فمناقضة(٩) أحدهما
صاحبَه غير مُصحِّح مذهبَه، وإن كانَ مُفْسدًا به قولَ خصمه، لأنهما
مجتمعان معًا في الخطأ مشتركان فيه كقول الشَّاعر: (١٧٤ - أ/ ك٢).
حُجْجٌ تَهَافتُ(٩) كالزُّجَاجِ تَخالُها(١٠) وكلٌّ وَاهِنٌ مكسور١١ٌ
(٢) في ((م): ((ويقاربه)).
(١) في ((ك٢)): ((الذي))
(٣) في ((٢٥)) و ((م)) بياض قدر ثلاث كلمات.
(٤) في ((ك٢)): ((نعودها)» بالعين.
(٥) بياض في ((ك٢)) و((م)) قدر كلمتين.
(٧) بياض في ((ك٢)) و((م)) قدر كلمتين.
(٦) في ((ك))): ((بالفتح)).
(٨) في ((ك)): ((مُناقضة)).
(٩) في ((ك٢)): ((تهافت)) بالمثلثة.
(١٠) في ((٢٥)): ((نخالها)) بالنون.
(١١) في ((ك٢)): ((مكسورٌ)) هذا وكتب الناسخ في الهامش: ((حاشية: الزجاج: رعاع الناس))ا. هـ .=
٢٣٨

١٢٩ - باب فضل السجود
الحديث : ٨٠٦
ومتى كانَ الأمرُ كذلك فإنَّ أحدًا من الفريقين لا يعتَمدُ في مقالتِهِ
التي نصرَهَا أصلا صحيحًا. وإنَّما هو أوضاعٌ، وآراءٌ تتكافأ وتتقابلُ فيكثرُ
المقالُ، ويدومُ الاختلافُ، ويقلُّ الصَّوابُ، كما قالَ تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
فَأَخبرَ تعالى أَنَّ ما كَثُرَ فيه الاختلافُ فليسَ من عنده، وهو من أدلِّ
الدليلِ على أَنَّ مَذاهبَ المتكلِّمينَ مذاهبُ فاسدةٌ، لكثرة ما يوجدُ فيها من
الاختلافِ المُغْضِي بهم إلى التَّكفيرِ، والتَّضليلِ، وذكرَ بقيةَ الرِّسالة.
وهي حسنةٌ متضمنةٌ لفوائدَ جليلة.
وإنَّما ذكرنا هذا القدرَ منها ليتبيَّن به أَنَّ القواعدَ العقليةَ التي يَدْعِي
أهلُها أنَّها قطعياتٌ لا تقبلُ الاحتمالَ فيردُّ لأجلها - بزعمهم - نصوص
الكتاب والسُّنّةِ، وتُصْرفُ عن مدلولاتها، إنَّما هي عندَ الرَّاسخينَ شبهاتٌ
جهلياتٌ(١) لا تساوي سماعَها، ولا قراءَتَها، فضلا عن أن يُردَّ لأجلها ما
جاءَ عنِ الله ورسوله أو يُحَرَّفَ شيءٌ من ذلك عن مواضِعِهِ.
وإنَّما القطعياتُ ما جاءَ عنِ الله ورسولِهِ من الآياتِ المحكمات
البيناتِ، والنُّصوصِ الواضحاتِ فَتُرَّدُ إليها المتشابهاتُ، وجميعُ كتب الله
المُنَزَّلَةِ متفقةٌ على معنى واحد، وإنَّما فيها مُحكماتٌ ومتشابهاتٌ،
فالرَّاسخونَ في العلم يؤمنونَ بذلك كلِّه، ويردُّونَ المتشابهَ إلى المحكمِ،
= وهذا البيت من بحر الكامل، وشطره الأول مستقيم، وأما شطره الثاني فتفعيلاته ناقصة
وغير مكتملة، وقد سقطت منه كلمة، ويغلب على الظن أن صحته:
[حقّا] وكل واهن مكسور
حجج تهافت کالزجاج تخالها
(١) في ((ك٢)): ((شبهات جهليات))، وفي ((م)): ((تشبهات)) بزيادة تاء.
٢٣٩

الحديث: ٨٠٦
كتاب الأذان
ويَكَلُونَ ما أُشْكِلَ عليهم فهمُه إلى عالِهِ، والذينَ في قلوبهم زيغٌ يَتْبِعونَ
ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله فيضربونَ كتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ،
ويردُّونَ المحكمَ، ويتمسَّكونَ بالمتشابهِ ابتغاءَ الفتنة، ويُحَرِّفُونَ المحكمَ عن
مواضعِه ويعتمدونَ على شبهاتٍ وخيالاتٍ لا حقيقةً لها، بل هي من
وَسَاوسِ الشَّيطانِ وخيالاتِهِ يقذفُها في القلوبِ، فأهلُ العلمِ والإيمانِ
يمتثلون(١) في هذه الشُّبهاتِ ما أُمِرُوا به من الاستعاذة بالله، والانتهاءِ عمَّا
ألقاه الشيطانُ، وقد جعلَ النَّبِيُّ وَلِّ ذلك من علامات الإيمان. (١٢٠ / م)
وغيرهُم(٢) فيصغون إلى تلك الشَّبهات، ويُعبِّرونَ عنها بألفاظ مشتبهات(٣)
لا حرمة لها في نفسِها، وليسَ لها معنّى يَصحَّ، فيجعلونَ تلك الألفاظَ
محكمةً لا تقبلُ التَّأويلَ فيردُّونَ كلامَ الله ورسوله إليها ويعرضونَه عليها،
ويُحرِّفُونَه عن مواضعه لأجلها، هذه طريقةُ طوائفِ أهلِ البدعِ المحضةِ
من الجهمية، والخوارجٍ، والروافضٍ، والمعتزلةِ ، ومَنْ أشبهَهُم، وقد وقعَ
في شيءٍ من ذلك كثيرٌ من المتأخِّرِينَ المنتسبينَ إلى السُّنَةِ (٤) من أهلِ
الحديث، والفقه، والتّصوفِ من أصحابنا، وغيرِهم في بعضِ (١٧٤ -
ب / ك٢) الأشياءِ دونَ بعضٍ .
وَأَمَّا السَّلْفُ وأئمةُ أهلِ الحديثِ فعلى الطريقةِ الأولى وهي الأيمانُ
بجميعِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِهِ في كتابِهِ، أو صحَّ عن رسول الله وَّهِ أَنَّهِ أثبتَه
له، مع نفي التمثيلٍ، والكيفية عنه كَمَا قالَه ربيعةُ ومالكٌ، وغيرُهما من
(١) ((يمتثلون)) ليست في ((ك))).
(٢) كذا في ((ك٢) و((م))، ولعل الأليق: ((وأمَّ غيرهم)).
(٣) في ((ك٢)): ((متشابهات)).
(٤) في ((ك٢)) و((م): ((السننة)).
٢٤٠