النص المفهرس

صفحات 101-120

الحديث: ٧٨١
١١٢ - بَابُ
فَضْلِ النَّأْمِينِ
٧٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفُ: نَا (١) مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ
وقَالَتِ (٣) الْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَفَقَتْ (١٥٣ - ب/ك)) إِحْدَاهُمَا
الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدََّ مِنْ ذَنْبِهِ».
وخرَّج مسلمٌ (٤) من رواية أبي يونسَ، عن أبي هريرةَ أَنَّ رسولَ الله
وَه قالَ: ((إذا قالَ أحدُكم في الصَّلاة: آمين، والملائكةُ في السّماء:
آمين، فوافقَ إحداهما الأخرى غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ)».
ومن رواية سهيل(٥)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أَنَّ رسولَ الله وَه
قالَ: ((إذا قالَ القارئُ: غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ فقال مَن خلفَه:
آمين، فوافقَ قولُه قولَ أهلِ السَّماءِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبهِ)».
ورَوَى إسحاقُ بْنُ رَاهُويه: حَدَّثَنَا (٦) جريرٌ: ثنا (٦)ليثٌ، عن كعبٍ،
عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا قالَ الإمامُ: غيرِ المغضوبِ
عليهم ولا الضَّالين فقال: آمينَ، فوافقَ آمين أهلِ الأرضِ آمين أهلِ
(١) في ((ك٢): ((ثنا)).
(٢) زاد في ((اليونينية)) ((رضي الله عنه)).
(٣) حرف الواو قبل كلمة ((قالت)) ليس في ((ك٢))، و((ك))، وأثبتناه من ((اليونينية)).
(٥) (٧٦/٤١٠).
(٤) (٤١٠ / ٧٤).
(٦) في «ك٣)): ((نا)).
١٠١

الحديث: ٧٨١
كتاب الأذان
السَّماءِ غَفَرَ اللهُ للعبدِ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومَثَلُ من لا يقولُ آمين كمثلِ
رجلٍ غزا مع قومٍ فاقترعوا فخرجتْ سهامُهم ولم يخرجْ سهمُهُ فقالَ: لِمَ
لَمْ يخرج سهمي؟ فقيلَ: إنَّكَ لم تقلْ: آمين)). قال أبو هريرةَ: وكانَ
الإمامُ إذا قالَ: ولا الضَّالِينَ جهرَ بآمين (١).
كعبٌ هذا قال أحمدُ: لا أدري من هو. وقالَ أبو حاتمٍ: مجهولٌ،
لا يُعرفُ (٢).
وقد ذكرْنَا - فيما تقدَّمَ - أَنَّ الحديثَ على ظاهرِهِ، وأَنَّ الملائكةَ في
السَّماء تُؤمِّنُ على قراءةِ المصلِّينَ في الأرضِ للفاتحةِ .
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٣) من رواية العلاء(٤)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((قال اللهُ عزَّ وجلّ: قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي
نصفينٍ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين قالَ اللهُ:
حَمِدَني عبدي، فإذا قالَ: الرحمن الرحيمِ قالَ اللهُ: أَثْنى علىَّ عبدي، فإذا
قالَّ: مالكِ يومِ الدِّينِ قال: مَجَّدني عبدي - وقالَ مرةً: فوَّضَ إليَّ عبدي
- فإذا قالَ: إِيَّاكَ نعبدُ وإِيَّكَ نستعينُ قال: هذا بيني وبينَ عبدي، ولعبدي
ما سألَ، فإذا قالَ: اهْدنَا الصِّرَاطَ المستقيمَ، صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم
غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّالينَ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ)).
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى(٥) يستمعُ لقراءة المصلِّي حيثُ
(٢) ((الجرح)) (١٦١/٧).
(١)((مسند إسحاق))(٣١٥/١).
(٣) (٣٨/٣٩٥). وأورده ابن عدي في ترجمة العلاء من ((الكامل)) (٢١٨/٥)، وقد تكلم
الفخر الرازي في هذا الحديث في ((أحكام البسملة)) (ص: ٣٣)، ورد عليه الزيلعي في
(نصب الراية)) (٣٣٩/١ - ٣٤٠) وانظر ((علل الدارقطني)) (١٧/٩ - ٢٤)، و((أطراف
الغرائب)) (٥٢٩٠) بتحقيقنا.
(٤) في (٢٥))، و((ك٣)): ((ابن العلاء))، و((ابن)) زائدة.
(٥) ((تعالى)) ليست في ((٢٥)).
١٠٢

١٢ ١ - باب فضل التأمين
الحديث: ٧٨١
كان مناجيًا له، ويردُّ عليه جوابَ ما يناجيه به كلمةً كلمةً، فأولُ الفاتحة
حمدٌ، ثم ثناءٌ، وهو تثنيةُ الحمد وتكريرُهُ، ثم تمجيدٌ - وهو: الثَّنَاءُ على
الله بأوصافِ المجدِ والكبرياءِ والعظمة - ثُمَّ ينتقلُ العبدُ من الحمد والشَّاء
والتمجيدِ إلَى خطابِ الحضورِ كأنَّه صلحَ حينئذٍ للتقريبِ من الحظوة (١)
فخاطبَ خطابَ الحاضرينَ فقالَ: إِيَّاكَ نعبدُ وإِيَّاكَّ نستعينُ.
وهذه الكلمةُ قد قيلَ: إنَّها تجمعُ سرَّ الكتب المنزَّلة من السماء كُلِّها؛
لأنَّ الخلقَ إنَّما خُلِقُوا لِيُؤْمَرُوا بالعبادةِ كما قالَ ﴿وما خَلقتُ الجِنَّ وَالإنسَ
إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنَّما أُرْسِلتِ الرُّسْلُ وأُنْزِلتِ الكُتُبُ
لذلك؛ فالعبادةُ حقُّ الله على عباده، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدونِ إعانة
الله لهم، فلذلكَ (١٤ - أ/ ك٣) كانت هذه الكلمةُ بينَ الله وبين عبدِه؛
لأنَّ العبادةَ حقُّ الله على عبده، والإعانةَ من اللهِ فضلٌ من اللهِ عَلَى
عبده. وبعد ذلكَ الدُّعاءُ بهدايةِ الصِّراطِ المستقيمِ صراطِ الْمُنْعَمِ عليهم -
وهم: الأنبياءُ، وأتباعُهُم من الصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحينَ - كما ذكرَ
ذلك في سورةِ النِّساءِ - فمن استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ
الدُّنيا والآخرة، واستقامَ سيرُهُ على الصِّرَاطِ يومَ القيامةِ، ومن خرجَ عنه
فهو إمَّا مغضوبٌ عليه - وهو: من يعرفُ طريقَ الهدى ولا يتبعُهُ -
كاليهودٍ - أو ضالٌّ عن طريقِ الهدى (١٥٤ - أ/ ك٢) كالنَّصارى، ونحوهم
من المشركينَ - فإذا ختمَ القارئُ في الصَّلاةِ قراءة الفاتحة أجابَ اللهُ دعاءَه،
وقَالَ: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ - وحينئذٍ تُؤمِّنُ الملائكةُ على دعاء
المصلِّي، فَيُشْرَعُ للمصلِّينَ موافقتُهم في التأمينِ معهم؛ فالنَّأْمينُ مِمًَّ
يستجابُ به الدُّعاءُ.
(١) في ((ك٣)): ((الخظرة)). خطأ.
١٠٣

الحديث: ٧٨١
كتاب الأذان
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (١)، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النَّبِىِّ وَه
قَالَ: ((إذا قال الإمامُ: غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِينَ فقولُوا: آمينَ،
يُحِبْكُمُ اللهُ).
ولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءة الإمامِ مأمورًا بالتَّأمينِ على
دعائِهِ عند فراغ الفاتحة لم يكنْ عليه قراءةٌ؛ لأنَّه قد أنصتَ للقراءة وأمَّنَ
على الدُّعاءِ فكأنَّه دعا، كما قالَ كثيرٌ من السَّلِفِ في قولِ اللهِ تعالى (٢)
لموسى وهارونَ ﴿قَدْ أُجيبتْ دَعْوتُكما﴾ [يونس: ٨٩] قَالُوا: كانَ موسى
يدعو، وهارونُ يُؤْمِّنُ فَسمَّاهُمَا دَاعِيْنِ.
(١) (٤٠٤ / ٦٢).
(٢) في ((ك(٢)) كما هو مثبت، وفي ((ك)): ((قول الله عز وجل)).
١٠٤

الحديث: ٧٨٢
١١٣ - بَابُ
جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتأمِينِ
٧٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ(١)، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي
بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِبَِّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّلِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَفَقَ قَوْلُه
قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
تَبَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
وَنُعَيٌّ المُجْمِرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢).
حديثُ محمد بن عمرو الذي أَشارَ إليه: خرَّجَه البيهقىُّ(٣)، ولفظُه:
((إذا قالَ القَارِئُ: ولا الضَّالِينَ فقالَ مَن خلفَه: آمينَ، فوافقَ ذلك قولَ
أهلِ السَّماءِ آمين غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ».
وحديثُ نعيمٍ المجمرِ، عن أبي هُرَيرةَ: خرَّجَهَ النَّسائيُّ(٤)، ولفظُه: عن
نُعيم قالَ: صَلَّيتُ وراءَ أبي هُرَيْرةَ فقرأَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحِيمِ، ثم قرأ
بأمِّ القرآنِ حتَّى بلغَ ﴿غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقالَ:
آمينَ، فقالَ النَّاسُ: آمينَ ويقولُ كُلَّما سجدَ: اللهُ أكبرُ، وإذا قامَ من
الجلوسِ من الاثنتين: اللهُ أكبرُ، وإذا سَلَّمَ . قال: والّذي نفسي بيده إني
(١) في ((ك)): ((سلم)) خطأ .
(٢) زاد في ((اليونينية)) الترضية.
(٣) في ((السنن الكبرى)) (٥٥/٢)، وانظر ((تغليق التعليق)) (٣٢٠/٢).
(٤) (١٣٤/٢)، وانظر ((تغليق التعليق)) .
١٠٥

الحديث: ٧٨٢
كتاب الأذان
لأشبهُكم (١) صلاةً برسول الله ◌َّر. (١٤ - ب/ كم)
وحديثُ أبي صالحِ الذي خرَّجَه البخاريُّ، وحديثُ محمدِ بنِ عمرو
الذي أشارَ إليه: استدلَّ بهما مَنْ يقولُ: إنَّ الإمامَ لا يؤمِّنُ ولاَ يجهرُ
بالنَّأمين؛ فإنَّه أمرَ المأمومَ أن يؤمِّنَ عَقِيبَ فراغِ الإمامِ من قراءةٍ: ولا
الضَّالينَ.
وأجابَ عنه من قالَ: يؤمِّنُ جهرًا بأَنَّه إشارةٌ إلى أنَّ تأمينَه يكونُ مع
تأمينِ الإمامِ لا بعدَه؛ فإنَّه قد سبقَ في روايةٍ بأنَّ(٢) الإمامَ يقولُ: آمين،
والملائكةَ تقولُ: آمين .
وأجابَ بعضُهم - كالخطَّبيِّ - بأَنَّه يحتملُ أن يكونَ هذا محمولا على
مَن بَعُدَ عن الإمامِ ولم يسمعْ تأمينَه وسمعَ قراءتَه؛ فإنْ جهرَ الإمامُ
بالتَّامينِ دون جهرِهِ بالقراءةِ فقد يَسمعُ قراءتَه من لا يسمعُ تأمينَه.
وأما حديثُ نُعيمٍ، عن أبي هريرةَ فلا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ أبا هريرةَ أمَّنَ
على قراءة نفسِه حيثُ كان إمامًا، وقالَ: إنِّي أشبهُكم (٣) صلاةً برسول الله
وفي استدلالِ البخاريِّ بقوله: ((فقولوا: آمين)) على جهرِ المأمومِ
بالنَّأمين نظرٌ؛ إلاَ أَنْ يقالَ: قد سَوَّى النبيُّ وَّ بينَ قولِ الإمامِ: ولا
الضَّالينَ، وقولِ المأموم: آمينَ، وسمَّهما (٤) قولا وجعل قولَ المأمومِ
كالمجاوبةِ للإمامِ، وقولُ المأموم إنَّما يكونُ جهرًا؛ لأنَّ هذا الخطابَ
مختصّ بالصَّلاة الجهرية بالاتفاق فيكون مجاوبتُه بالتَّأمين جهراً - أيضًا.
(١) في ((٢٥)): ((لأشهكم)) كذا.
(٣) في ((ك))): ((أشهكم)) كذا.
(٢) في ((ك٣)): ((فإن)) .
(٤) في ((ك٣): ((وسماها)).
١٠٦

الحديث: ٧٨٣
١١٤ - بَابٌ
إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
٧٨٣ - حَدَثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا (١) هَمَّمٌ، عَنِ الأَعْلَمِ - وَهُوَ
زِيَادٌ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّه انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّبَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ
قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ بِّهِ فَقَالَ: ((زَادَكَ اللهُ
حِرْصًا، وَلا تَعُدْ».
في إسنادٍ هذا الحدیث شيئانٍ :
أحدُهما: أنَّه اخْتُلفَ فيه على الحسن، فرواهُ زيادٌ (١٥٤ - ب/ ك٢)
الأعلمُ، وهشامٌ، عن الحسنِ، عن أبي بكرةً(٢).
وفي روايةٍ: عن زياد، عن الحسنِ أَنَّ أبا بكرةَ حدَّثَه، فذكره. خَرَّجَه
أبو داود(٣) .
ورَوَاه يونسُ وقتادةُ، واخْتُلفَ عنهما فقيل(٤): عنهما كذلكَ(٥)،
وقيلَ: عنهما، عن الحسنِ مرسلا(١) أَنَّ النبيَّ ◌ِ ◌ِّ قاَلَ لأبي بكرةَ.
(١) في ((ك٣)): ((نا)).
(٢) رواية زياد: أخرجها البخاري، ورواية هشام: عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٨٣/٢)،
وعنه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤٦/٥).
(٣) (٦٨٣)، والنسائي في ((المجتبى)) (١١٨/٢ - ١١٩).
(٤) في ((ك٣)): ((قيل)) بدون فاء.
(٥) روى عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٨٢/٢) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، أن أبا بكرة
دخل المسجد - الحديث، ورواه عن عبد الرزاق الإمام أحمد في ((المسند)) (٤٦/٥).
(٦) روى عبد الرزاق (٢٨٣/٢)، عن الثوري، عن يونس، عن الحسن قال: سمع النبي
رجلا- الحديث .
١٠٧

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
وكذا رُوِيَ عن حمَّادِ بْنِ سلمةَ، عن زيادِ الأعلم - أيضًا - خرَّجَه من
طريقِهِ أبو داود(١).
والثَّاني: أنَّه اخْتُلِفَ في سماعِ الحسنِ من أبي بكرةَ. فأثبته(٢) ابنُ
المدينيٌّ، والبخاريَّ وغيرُهما، وكذلك خرَّجَ حديثَه هذا(٣).
ونفاه يحيى بنُ معينٍ. نقله عنه ابنُ أبي خيثمةً (٤).
ويؤيِّدُهُ أَنَّهِ رُويَ عن الحسنِ مرسلا، وأَنَّ الحسنَ رَوَى عن الأحنف،
عن أبي بكرةَ حديثَ: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)).
وهذا مما يُستدلُّ به على عدمٍ سماعِهِ منه، حيثُ أدخلَ بينَه وبينَه في
حديث آخر واسطةً (٥).
وقد رَوَى هشامُ (١٥ - ٢/ ث٢) بْنُ حسّان، عن الحسنِ أَنَّه دخلَ مع
أنسِ بنِ مالكٍ على أبي بكرةَ وهو مريضٌ.
(١) (٦٨٤) .
(٢) في ((ك٢)، و((ك)): ((فاتهمه)) خطأ - وهو يخالف صنيع البخاري
في ((الصحيح))، وما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن المديني - والصواب ما أثبتناه.
(٣) البخاري بإدخال حديثه عنه في ((الصحيح))، وابن المديني لما نقله عنه البخاري إثر الحديث
رقم (٢٧٠٤ - الفتح): ((قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة
بهذا الحديث)) انتهى، والإمام مسلم فى ((الكنى)) (ق٤٣).
(٤) وكذا الدوري في ((التاريخ)) (٣٢٢/٤) وقال المصنف - رحمه الله - في ثنايا شرحه على
الحديث رقم (٦٤٠): ((وحديث الحسن عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم
يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين)) انتهى.
وما ذكره ابن رجب في هذا الموضع مع ما ذكره هنا يُشعر بأنه يتبنى مذهب من نفى سماع
الحسن من أبي بكرة والله أعلم.
ونفاه - أيضًا - الحافظ الدارقطني، وعليه أورد هذا الحديث في ((التتبع)) (ص: ٢٢٢-٢٢٣).
(٥) انظر تعليق الشيخ الفاضل أبي تراب: عادل بن محمد - حفظه الله - على كتاب ((شرح
مذاهب أهل السنة)) (ص: ٢٦٣).
٠
١٠٨

١١٤ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
ورَوَى مباركُ بنُ فضالَة، عن الحسنِ قال: أخبرني أبو بكرةَ، فذكر
حديثَ صلاة الكسوفِ. إلا أَنَّ مباركَ بْنَ فضالةَ ليسَ بالحافظِ المتقنِ (١).
وقالَ الشَّافعيُّ في حديثِ أبي بكرةَ هذا: إسنادُه حسنٌ (٢).
وقد اسْتُدلَّ بهذا الحديثِ على مسألتينِ :
المسألةُ الأولى:
من أدركَ الرُّكوعَ معَ الإمامِ فقد أدركَ الركعةَ، وإن فاتَه معه القيامُ
وقراءةُ الفاتحة. وهذا قولُ جمهور العلماء(٣)، وقد حكَاه إسحاقُ بن
رَاهُوْيَه وغيرُهُ إجماعًا من العلماء. وذكرَ الإمامُ أحمدُ في روايةِ أبي
طالبٍ أَنَّه لم يخالف في ذلك أحدٌ من أهلِ الإسلامِ - هذا مع كثرةٍ
اطّلاعه وشدةٍ وَرعِهِ في العلم وتحرِّيِّه.
وقد وُرِيَ هذا عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ(٤)، وزيدِ بْنٍ
ثابتٍ، وأبي هريرةً في رواية عنه رَوَاها عبدُ الرحمنِ بْنُ إسحاقَ المديني،
عن المقبريِّ، عنه(٥).
وذكرَ مالكٌ في ((الموطّا)) (٦) أنَّه بلغَه عن أبي هريرةَ أَنَّه قالَ: من أدركَ
(١) قيل لابن معين: فإن مبارك بن فضالة قال: عن الحسن قال: حدثنا أبو بكرة، قال: ليس
بشيء. الدوري (٣٢٢/٤).
(٢) نقله عنه البيهقي في ((المعرفة)) (١٨١/٤).
(٣) وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٣/٧): ((وقال جمهور العلماء: من أدرك الإمام
راكعًا، فكبر وركع وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فقد
أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة) انتهى.
(٤) في ((٣٥)): ((وعُمر)) كذا، وانظر مصادر التعليق التالية.
(٥) ((القراءة خلف الإمام)) (ص: ٥٨)، وابن أبي شيبة (٢٤٢/١).
(٦) (ص: ٣٣).
١٠٩

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
الرَّكعةَ أدركَ السَّجدةَ. وهو قولُ عامة علماء الأمصارِ.
ثم مَنْ رأى أَنَّ القراءةَ لا تجبُ على المأموم استدلَّ به على أنَّ القراءةَ
غيرُ لازمةِ للمأمومِ بالكليةِ .
ومن رأى لزومَ القراءة له كالشَّافعيِّ (١)قالَ: إِنَّها تسقطُ هاهنا
للضَّرورةِ (٢) وعدمِ التمكينِ منها.
وجعلَه إسحاقُ دليلا على أَنَّ القراءةَ لا تجبُ إلا في ثلاث ركعاتِ
من الصَّلاة.
ولازمُ هذا: أَنَّه لو أدركَ الركوعَ في ركعةٍ من الصَّبح أَنّه لا يعتدّ بها؛
لأَنَّه فاتتْهُ القراءةُ في نصفِ الصَّلاة.
1
وهذا التفصيلُ مُحدَثٌ، مخالفٌ للإجماعِ.
ـوُ
وقد رُويَ أَنَّ الصَّلاةَ التي ركعَ فيها أبو بكرةَ هي صلاةُ الصّبح،
وسيأتي إن شاء اللهُ.
وذهبتْ طائفةٌ إلى أَنَّه لا يُدركُ الركعةَ بإدراكِ الركوعِ معَ الإمامِ؛ لأنَّه
فاتهَ معَ الإمامِ القيامُ وقراءةُ الفاتحة.
وإلى هذا المذهب ذهبَ البخاريَّ في كتابِ ((القراءةِ خلفَ الإمامِ))(٣)
وذكرَ فيه عن شيخِه عليٍّ بنِ المدينيِّ أَنَّ الذين قالوا بإدراكِ الركعةِ بإدراكِ
الركوعِ من الصّحابةِ كانوا مِمَّنْ لا يوجبُ القراءةَ خلفَ الإمامِ .
فأمَّا من رأى وجوبَ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ فإنَّه قالَ: لا يدركُ الركعةَ
(١) الشطر الأخير من اسم ((الشافعي)) ذهب من جراء التصوير في ((ك٣)).
(٣) (ص: ٥٨).
(٢) في ((ك٣)»: (للصروة)) كذا.
١١٠

١١٤ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
بذلك كأبي هريرةَ فإنَّه قالَ للمأمومِ: اقرأْ بها في نفسكَ، وقالَ: لا تُدْرَكُ
ـوُ
الركعةُ بإدراكِ الركوعِ.
وخرَّجَ البخاريُّ في كتابِ «القراءةِ)) (١) من طريقِ ابنِ إسحاقَ: أخبرني
الأعرجُ قالَ: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: لا يجزئُك إلا أن تدركَ الإمامَ
قائمًا قبل أن تركعَ. ثم ذكرَ أَنَّه رأى ابنَ المدينيِّ يحتجُّ بِحديثِ ابنِ
إسحاقَ(٢)، ثم أخذ يُضعّفُ عبد الرحمنِ بنَ إسحاقَ المدينيّ الذي رَوَى
عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ خلافَ روايةِ ابنِ إسحاقَ، ووَهَّنَ أمرَهَ
جدّا (٣).
وقد وافقَه على (١٥ - ب/ ث٢) قوله هذا وأَنَّ من أدركَ الركوعَ لا
يُدْرِكُ به الركعةَ قليلٌ من المتأخِّرِينَ من أهلِ الحديثِ، منهم: ابنُ خزيمةَ،
وغيرُهُ من الظَّاهريةِ وغيرُهم (١٥٥ - أ/ ك٢).
وصنَّفَ فيه أبو بكرِ الصِّغيُّ(٤) من أصحابِ ابنِ خزيمةَ مُصنَّفًا.
(١) (ص/ ٥٧) ووقع في إسناد المطبوع من جزء ((القراءة)) - بتحقيق سعيد زغلول - إسحاق
بدون ((ابن)) قبلها، وهو غلط ظاهر وكثيرٌ مثله في هذه الطبعة، وحسبك مثالا واحدًا
منها؛ وهو ما في عنوان الكتاب حيث كُتب على طُرَّتِهِ: ((الصلاة خلف الإمام)) كذا،
والصواب المشهور عند أهل العلم: ((القراءة خلف الإمام)) وإذا كان هذا حال العنوان
فناهيك عما بداخله والله المستعان.
(٢) المصدر السابق (ص: ٦٠).
(٣) المصدر السابق (ص: ٥٩).
(٤) هذا هو الصواب؛ ووقع في (٥ ٣): (الصبعي)) - بالصاد والعين المهملتين - وفي ((ك))):
((الضبعي)) وكلاهما خطأ، والصواب ((الصِّبغي)): بكسر الصاد المهملة، وسكون الباء
المنقوطة بواحدة وفى آخرها الغين المعجمة.
هكذا جوّده صاحب ((الأنساب)) (٥٢١/٣) وأورده تحت هذه النسبة فقال: ((الإمام أبو بكر
أحمد بن إسحاق بن أيوب ... )) إلخ وضبطه كذلك ابن ناصر الدين في ((التوضيح))
(٤٠٥/٥). وذكر الذهبي في ترجمته من ((السير)) (٤٨٦/١٥) قوله في هذه المسئلة=
١١١

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
وهذا شذوذٌ عن أهلِ العلمِ ومخالفةٌ لجماعتِهم.
وقد رُوِيَ عن زيدٍ بْنِ وهبِ أَنَّه أدركَ الركوعَ وقَضَى تلك الركعةَ،
وهذا يحتملُ أنه شكّ في إدراكها إدراكًا يُعتدَّ به، فلا يُنْسَبُ به إليه
مذهبٌ.
وقد رُويَ عن ابن عمرَ أَنَّه إذا امترى هل ركعَ قبلَ رفعٍ إمامِه أم لا؟
لم يعتدَّ بتلكَ (١) الركعة. وهو قولُ جمهورِ العلماءِ.
وأيضًا - فقد قالَ زيدُ بْنُ وهب أَنَّه كانَ هو وابنُ مسعود وأَنَّهما ركعا
دونَ الصفِّ قال: فلمَّا فرِغَ الإمامُ قمتُ أقضي وأنا أرى أَنِّي لم أدركْ،
فقالَ ابنُ مسعودٍ: قد أدركتَهُ(٢) .
فتمامُ الروايةِ تدلُّ(٣) على أنَّ ما فعلَه قد أنكره عليه ابنُ مسعودٍ، ولم
يكن أحدٌ من التَّابعينَ يُصِرَّ على فعلِه مع إنكارِ الصّحابةِ عليه.
والمرويَّ عن أبي هريرةَ قد اخْتُلِفَ عنه فيه، وليسَ عبدُ الرحمنِ بنُ
إسحاقَ المدينيّ عندَ العلماءِ بدون ابنِ إسحاقَ؛ بل الأمرُ بالعكسِ؛ ولهذا
ضعّفَ ابنُ عبد البَرِّ وغيرُه روايةَ ابنِ إسحاقَ ولم يُثبتوها، وجعلوا روايةَ
عبد الرحمن مُقدَّمَةً على روايته.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في المرويِّ عن أبي هريرةَ: في إسناده نظرٌ (٤). قالَ:
= فقال: ((وسئل عمن يدرك الركوع ولم يقرأ الفاتحة، فقال: يعيد الركعة)) - ولم يحك أن له
مصنفًا مستقلا في هذه المسئلة .
(١) في ((ك)): ((بذلك)).
(٢) خرّجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٥٥/١).
(٣) كذا في ((ك))، و((٣))، ولعل الصواب: ((يدل)).
(٤) ((التمهيد)» (٧٢/٧ - ٧٣) وللكلام تتمة فانظره.
١١٢

١٤ ١ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
ولا نعلمُ أحدًا من فقهاء الأمصارِ قالَ به. وقد رُويَ معناه عن أشهب (١).
وعبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ هذا يُقَالُ له: عبادٌ وثَّقَه ابنُ معين، وقالَ
أحمدَ: صالحُ الحديثِ، وقال ابنُ المدينيِّ: هو عندَنَا صالحٌ وسطٌ. نقلَه
عنه أبو جعفرِ بْنُ أبي شيبةً(٢)، وأَنَّه قال في محمدٍ بْنِ إسحاقَ كذلك:
إنَّه صالحٌ وسطٌ .
وهذا تصريحٌ منه بالتَّسوية بينهما.
ونقلَ الميمونيُّ، عن يحيى بْنِ معينٍ أَنَّه قال - في محمدِ بْنِ إسحاقَ -:
ضعيفٌ، وفي عبد الرحمنِ بْنِ إسحاقَ الذي يروي عن الزَّهريِّ: ليسَ به
بأس.
فصرَّحَ بتقديمِهِ على ابنِ إسحاقَ.
و
وقال النسائي: ليسَ به بأسٌ.
وقال أبو داودَ: محمدُ بنُ إسحاقَ قدريٌّ معتزليٌّ، وعبدُ الرحمنِ بنَ
إسحاقَ قدريٌّ إلا أنَّه ثقةٌ.
وهذا تصريحٌ من أبي داودَ بتقديمِه على ابنِ إسحاقَ؛ فإنه وثَّقَه دونَ
ابنِ إسحاقَ، ونسبَه إلى القدرِ فقطْ، ونسبَ ابنَ إسحاقَ إلى القدر مع
الاعتزال، وعامةُ ما أُنكرَ عليه هو القدرُ، وابنُ إسحاقَ يشاركُه في ذلك،
ويزيدُ عَليه ببدعٍ أُخر كالتَّشُّحِ والاعتزالِ(٣).
ولهذا خرَّجَ(٤) مسلمٌ في ((صحيحِه)) لعبدِ الرحمنِ بْنِ إسحاقَ، ولم
(١) ((التمهيد)) (٧/ ٧٢ - ٧٣) وللكلام تتمة فانظره.
(٢) في ((سؤالاته)) (ص: ١١١ - ١١٢).
(٣) جَمَّع الحافظ المزّي هذه الأقوال فيهما في ترجمتيهما من ((تهذيب الكمال)».
(٤) في ((ك)): ((خرجه)) وهذا غير لائق.
١١٣

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
يخرِّجْ لمحمدِ بْنِ إسحاقَ إلا متابعةً.
وأيضًا - فأبو هريرةَ لم يقلْ: إنَّ من أدركَ الركوعَ فاتَتْهُ الركعةُ لأَنَّه لم
يقرأ بفاتحة الكتاب - كما يقولُه هؤلاء - إنَّما قالَ: لا يجزئُك إلا أَنْ تدركَ
الإمامَ قائمًا قبلَ (١٦ - أ/ ك٢) أن يركعَ، فعلَّلَ بفواتِ لحوقِ القيامِ معَ
الإمامِ، وهذا يقتضي أنَّه لو كَبَّرَ قبلَ أن يركعَ الإمامُ ولم يتمكَّنْ من
القراءة فركعَ معه كانَ مدركًا للركعة. وهذا لا يقولُه هؤلاء، فتبيّنَ أن
قولَ هؤلاءِ مُحْدَثٌ لا سلفَ لهم به.
وقد رُوِيَ عن سعدِ (١)، وعائشةَ: لا يركعُ أحدُكم حَتَّى يقرأَ بأمِّ
القرآنِ .
وهذا إن صحَّ محمولٌ على من قدرَ على ذلكَ وتمكَّنَ منه .
وقد أجابَ البخاريُّ في كتابِ ((القراءةِ))(٢) عن حديثِ أبي بكرةَ
بجوابين :
أحدُهما: أَنَّه ليسَ فيه تصريحٌ بأنَّه اعتدَّ بتلك الركعة .
والثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ نهاهُ عن العودِ إلى ما فعلَه.
فَأَمَّا الأولُ فظاهرُ البطلان؛ ولم يكنْ(٣) حرصُ أبي بكرةَ على الركوعِ
(١) هكذا في ((٢٥))، وفي (ك)): ((سعيد)) - بياء قبل الدال - وقال الإمام البخاري في كتاب
((القراءة)) (ص: ٥٧ - ٥٨): ((حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني اللّيث قال: حدثني
جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز قال: قال أبو سعيد رضي الله عنه: ((لا يركع
أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن)) انتهى، فعلى هذا لعل الصواب: ((سعيد)) وسقطت ((أبو)) من
النسختين والله أعلم. ثم قال الإمام البخاري: ((وكانت عائشة تقول ذلك)) انتهى.
(٢) (ص: ٥٨).
(٣) في ((ك)): ((يمكن)).
١١٤

١١٤ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
دونَ الصَّفِّ إلا لإدراك الركعة، وكذلك كلَّ من أَمَرَ بالركوعِ دونَ الصفِّ
من الصحابةِ ومَن بعدَهم إِنَّما أَمَرَ به لإدراكِ الركعةِ، ولو لم تكن الركعةُ
تدركُ به لم يكن فيه فائدةٌ بالكليةِ؛ ولذلك لم يقلْ منهم أحدٌ: إنَّ من
أدركَه ساجدًا فإنه يسجدُ حيث أدركتْه السجدةُ ثم يمشي بعد قيامِ الإمامِ
حتَّى يدخلَ الصفَّ.
ولو كانَ الركوعُ دونَ الصفِّ للمسارعة [إلى متابعة الإمام فيما لا
يعتد من الصلاة (١) لم يكن فرق بين الركوع والسجود في ذلك](٢).
وهذا أمرٌ يفهمُه كلُّ أحد من هذه الأحاديث والآثارِ الواردةِ في
الركوعِ خلفَ الصفِّ - فقولُ القائل: لم يُصرِّحوا بالاعتداد (١٥٥ - ب/ ك٢)
بتلك الركعة هو من التعنَّتِ والتشكيكِ في الواضحاتِ.
ومثلُ هذا إنَّما يحملُ عليه الشُّدُوذُ عن جماعةِ العلماءِ، والانفرادُ
عنهم بالمقالاتِ المنكرةِ عندهم؛ فقد أنكرَ ابنُ مسعودٍ على من خالفَ في
ذلك، واتَّفْقَ الصَّحابةُ على موافقتِهِ ولم يخالفْ مِنْهم أحدٌ إلا ما رُوي
عن أبي هريرةَ، وقد رُوِيَ عنه من وجهِ أصحَّ منه أنَّه يعتدُّ بتلك الركعة.
وأما الثَّاني: فإنَّما نهى النَّبِيُّ وَّهِ أبا بكرةَ عن الإسراع إلى(٣) الصَّلاة
كما قالَ: ((لا تَأْتُوُها وأنتم تسعون)). كذلك قالَه الشَّافعيُّ وغيرُه من الأئمة.
وسيأتي الكلامُ على ذلكَ فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
وكان الحاملُ للبخاريِّ رحمه الله (٤) على ما فعلَه شدةَ إنكارِه على
(١) في ((ك)): ((الصلام)) كذا.
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥))، ولعل هذا السقط حدث بسبب انتقال نظر ناسخ ((٢٥))
والناظر في المخطوطتين - عند هذا الموضع - يشعر - ولا يستطيع أن يجزم - بأن النسخة
((كم)) نسخت عن النسخة ((ك٣)) والله أعلم.
(٣) في ((ك٢)): ((في))، والأليق ما أثبتناه وهو الموافق لـ ((ك٣).
(٤) قوله ((رحمه الله)) من ((ك٣)).
١١٥

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
فقهاء الكوفيينَ أَنَّ سورةَ الفاتحةِ تصحُّ الصلاةُ بدونها(١) في حقِّ كلِّ أحد،
فبالغ في الردِّ عليهم ومخالفتهم حَتَّى التزمَ ما التزمَه مما شذَّ فيه عن
العلماءِ، واتبع فيه شيخَه ابنَ المدينيِّ؛ ولم يكنِ ابنُ المدينيِّ من فقهاءٍ
أهلِ الحديث، وإنَّما كان بارعًا في العللِ والأسانيدِ .
وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ وَلِ﴿ِ أَنَّ من أدركَ الركوعَ فقد أدركَ الركعةَ من
حديث أبي هريرةَ، وله طرقٌ متعددةٌ عنه، ومن حديث معاذ، (١٦ -
ب/ ك ٣) وعبد الرحمنِ بنِ الأزهرِ، وغيرِهم، وقد ذكرناها مستوفاةً(٢) في
كتابِ ((شرحِ الترمذيِ).
وأكثرُ العلماء على أنَّه لا يكونُ مدركًا للركعة إلا إذا كبَّرَ وركعَ قبل
أن يرفعَ إمامُه، ولم يشترطْ أكثرُهم أن يدركَ الطُّمأنينةَ معَ الإمامِ قبلَ
رفعِهِ. ولأصحابِنا وجهٌ باشتراطِ ذلكَ.
ومن العلماء من قالَ: إذا كَبَّرَ قبلَ أن يرفعَ إمامُه فقد أدركَ الركعةَ
وإن لم يركعُ قبلَ رفعِهِ. منهم: ابنُ أبي ليلى(٣)، والليثُ بْنُ سعدِ،
وزفرُ. وجعلوه بمنزلةٍ من تخلَّفَ عن إمامِهِ بنومٍ ونحوِهِ. ولكنَّ الجمهورَ
إنَّما قالوا بالمتخلِّف بالَّومِ ونحوِهِ: إنَّه يركعُ ثم يلحقُه؛ لأنَّه كان متابعًا له
قبلَ الركوعِ، فَيُغْتَفَرُ في الاستدامةِ ما لا يُغْتَفَرُ في الابتداءِ .
ورُوِيَ عن هؤلاءِ الثَّلاثةِ - أيضًا - وعن الحسنِ بْنِ زياد - أيضًا - أنه
إذا كبِّرَ بعدَ رفعٍ إمامِهِ رأسه من الركوعِ قبلَ أن يسجدَ اعتدَّ له بالركعة.
وقد تقدَّمَ عن الشَّعَبِيِّ أَنَّه قالَ: إذا انتهيتَ إلى الصفِّ المؤخَّرِ ولمٍ
يرفعوا رءُوسَهم وقد رفعَ الإمامُ رأسَه فركعتَ معهم فقد أدركتَ؛ لأنَّ
(١) في ((ك)): ((دونها)).
(٢) في ((ك)): ((مستوفًا)).
(٣) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٧٩/٢)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٩٧/٤).
١١٦

١١٤ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
بعضَهم أئمةٌ لبعضٍ(١).
المسألةُ الثَّانِيةُ:
أَنَّ من صَلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه فإنَّه يعتدُّ بصلاته ولا إعادةً (٢) عليه؛
فإِنَّ أبا بكرةَ ركعَ خلفَ الصَّفِّ وحدَه ولم يأمرُهُ النَّبِيُّ بَّ بإعادة صلاتِهِ.
وقد استدلَّ بذلك الشَّافعيُّ وغيرُه من الأئمةِ .
وممن رُوِيَ عنه الركوعُ دونَ الصَّفِّ والمشيُ راكعًا: ابنُ مسعود، وزيدُ
ابنُ ثابت، وابنُ الزَّبِيرِ (٣) _ وكانَ يُعلِّمُ النَّاسَ ذلك على المنبرِ - ورُوِيَ عنه
أَنَّه قالَ: هو السُنّةِ(٤) [ووردَ - أيضًا - أَنَّهُ فعله(٤)، ولم يصحِّحْهُ الإمامُ
أحمدُ عنه، وذكرَ أَنَّ](٥) الصَّحيحَ عنه: النهي عنه.
ورُوِيَ - أيضًا - فعلُه عن أبي بكرِ الصِّدِيقِ. خرَّجَه البيهقيُّ بإسنادٍ
منقطع (٦).
وهو قولُ سعيد بنِ جُبيرٍ، وعطاءٍ وقَالا: يركعُ وإِن لم يَصِل إلى
صفِّ النساءِ، ثم يَمشي. قَال عَطَاءٌ: ويرفَعُ مَعَ إِمامِهِ، ويَسَجِدُ حينَ تدركُهُ
السجدةُ، فإن تشهَّد إمامُهُ عقبَ ذلك تشهّد معهُ ثم قامَ إِذا قام إلى الثالثةِ
فدخلَ في الصفِّ حينئذٍ.
(١) خرّجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٤٣/١ - ٢٤٤).
(٢) في ((ك)): ((إعادته)).
(٣) انظر ((المصنف)) لعبدالرزاق (٢٨٣/٢-٢٨٤)، وكذلك ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢ /٩٠-٩١).
(٤) في ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٠٦/٣).
(٥) ما بين المعقوفين تآكل من طرف الهامش في ((ك))".
(٦) خرّجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٩٠)؛ وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث لم
یثبت له سماع من زید بن ثابت.
قاله علي بن المديني كما في الجزء المطبوع من ((علله)) (ص: ٤٥).
١١٧

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
ومَمَّنْ رأى الركوعَ دونَ الصفِّ والمشيَ راكعًا: زيدُ بنُ ثابت، وعروةُ،
ومجاهدٌ، وأبو سلمةَ، وأبو عبيدةَ بنُ عبد الله بْنِ مسعودٍ، وابنُ جُرِيجٍ،
ومعمرٌ(١)، وقالَه القاسمُ والحسنُ بشرطِ أَنَّ يَظَنَّ أَنَّه يدركُ الصفّ.
ووجه هذا: أَنَّ المشيَ في الصَّلاة عملٌ فيها فيغتفرُ فيه اليسيرُ دونَ
الكثير؛ فإنَّه مناف الصلاة (٢) فيبطلُها .
وهذا مخالفٌ لقول سعيد بن جبيرِ وعطاءِ أَنَّه يركعُ من حينِ دخولهِ
المسجدَ خلفَ صفوفِ النساءِ .
وحَكَى ابنُ عبد البرِّ، عن مالك، والليثٍ: لا بأسَ أن يركعَ الرَّجلُ
وحدَه دونَ الصفِّ ويمشي إلى الصفِّ إذا كانَ قريبًا قدرَ ما يلحقُ.
وذُكرَ عن القاضي إسماعيلَ أَنَّ ابنَ القاسمِ رَوَى (١٥٦ - أ/ ك٢) عن
مالك أَنَّه لا يركعُ دونَ الصَّفِّ إلا أَنْ يطمعَ أن يصلَ إلى الصفِّ قبلَ رفعٍ
الإمامِ رأسَه. قَالَ: وقالَ غيره: له أن يركعَ خلفَ الصفِّ ويتمَّ ركعتَه كما
لَه أَنْ يُصلِّيَ (١٧ - أ/ ك٣) خلفَ الصفِّ وحدَه. قالَ: وهو قولُ مالك
وأصلُ مذهبِهِ قبلَ أن يرفعوا رءوسَهُم .
وقالَ الزهريّ، والأوزاعيَّ: إن كان قريبًا من الصَّفْوفِ فعلَ، وإلا لم
فعلْ.
وكذلك قالَه الإمامُ أحمدُ - نقلَه عنه ابنُ منصورٍ .
وقالتْ طائفةٌ: لا يركع حَتَّى يقومَ في الصفِّ.
رواه محمدُ بنُ عجلانَ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ قالَ: إذا
(١) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٨٣/٢ - ٢٨٤).
(٢) كذا في ((ك٢)) و((كم))، ولعل الصواب: ((فإنه مناف للصلاة ... )).
ء
١١٨

١١٤ - باب إذا ركع دون الصف
الحديث: ٧٨٣
دخلتَ والإمامُ راكعٌ فلا تركعْ حَتَّى تأخذَ مصافَّكَ من الصفِّ.
ورُوِيَ مرفوعًا، ووقفُهُ أصحُّ.
ورُوِيَ - أيضًا - النهيُ عن ذلكَ (١)عن الحسنِ والنَّخعيِّ، وهي روايةٌ
عن أحمدَ نقلها عنه أبو طالبٍ، والحسنُ بنُ ثوابٍ، والأثرمُ وغيرُهم.
وقالت طائفةٌ: إن كانَ منفردًا لم يركعُ حتَّى يدخلَ الصفّ، وإن كان
مع غيرِهِ ركعوا دونَ الصفِّ. وهو قولُ إسحاقَ، وأبي بكر بنِ أبي شيبةَ،
ونقلَه إسحاقُ بنُ هانىءٍ(٢)، عن أحمدَ، وحكَاهُ ابنُ عبدِ البرِّ عن أبي
حنيفةَ.
ومن العجائب أَنَّ البخاريَّ ذكرَ في كتابِ ((القراءة خلفَ الإمام)) (٣)أنَّ
المرويَّ عن زيدِ بْنِ ثابتِ لا يقولُ به من خالفَه في هذه المسألة؛ فإنَّه قالَ:
رَوَى الأعرجُ، عن أبي أمامةَ بنِ سهلٍ قالَ: رأيتُ زيدَ بْنَ ثابت ركع
وهو بالبلاطِ لغير القبلةِ حتَّى دخلَ في الصفِّ ثم قالَ: وقالَ هؤلاءِ: إذا
ركعَ لغيرِ القبلةِ لم يجزئُهُ. انتهى.
وهذه روايةٌ منكرةٌ لا تصحُّ؛ وإنَّما ركعَ زيدٌ للقبلةِ .
كذلك رَوَاه الزهريُّ، عن أبي أمامةَ بْنِ سهلِ بنِ حُنْيْفٍ قَالَ: رأيتُ
زيدَ بنَ ثابتِ دخلَ المسجدَ والإمامُ راكعٌ، فَاستقبلَ فَكَبَّرَ ثمَّ ركعَ ثم دبَّ
راكعًا حتَّى وصلَ الصفَّ.
خرَّجه عبدُ الرزَّاق(٤)، عن معمرٍ، عنه.
(١) في ((ك)): ((وروي - أيضًا - عن النهي عن ذلك ... )) كذا.
-
(٢) في ((مسائله)) (٨٦/١).
(٤) في ((مصنفه)) (٢٨٣/٢) مختصراً.
(٣) (ص: ٨٥).
١١٩

الحديث: ٧٨٣
كتاب الأذان
ورواهُ ابنُ وهبٍ، عن يونسَ، وابنِ أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهاب:
أخبرني أبو أمامةَ بنُ سهلِ أَنَّه رأى زيدَ بنَ ثابتِ دحلَ المسجدَ والإمامُ
راكعٌ، فمشى حَتَّى إذا أمكنَه أن يصلَ الصفَّ وهو راكعٌ كَبِّرَ فركعَ، ثم
دبَّ وهو راكعُ حتَّى وصلَ الصفَّ(١).
وهذه الروايةُ تدلُّ - أيضًا - على أنَّه كَبَّرَ مستقبلَ القبلةِ [ولا يمكنُ غيرُ
ذلك البتةَ.
فأمَّا من قالَ: تصحُّ صلاةُ المنفرد خلفَ الصفِّ وحدَه: فـ
[ ........ ] (٢) حديث أبي بكرةَ على ذلكَ](٣). والقولُ بصحة الصَّلاة
فذًا خلفَ الصفِّ قولُ مالك، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ - في أشهرِ الروايتينِ
عنه - والشَّافعيّ(٤)، وابنِ المباركِ، والليثِ بْنِ سعدٍ، ورُوِيَ عن أبي
جعفرٍ محمد بنِ عليّ.
وأما القائلونَ بأنَّه لا تصحُّ صلاةُ الفَذِّ خلفَ الصفِّ: الحسنُ بنُ
صالحٍ، والأوزاعيَّ فيما(٥) حكاه ابنُ عبد البرِّ، وخرّجَه حربٌ بإسناده
عنه، وقولُ أحمدَ، وإسحاقَ، ووكيعٍ، ويحيى بن معينٍ، وابنِ المنذرِ،
وأكثرِ أهلِ الظَّهرِ(٦)، ورواية عن الثَّورِيِّ رَوَاها عصام، عنه.
ورُوِيَ - أيضًا - عن النَّخعيِّ، وحمادٍ، والحكمٍ، وابن أبي ليلى.
(١) خرّجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٩٠).
(٢) ما بين المعقوفين في ((٢٥)) بياض قدر كلمة.
(٣) ما بين المعقوفين تآكل من أطراف الورقة في ((ك٣)).
(٤) انظر ((التمهيد)) (٢٦٩/١).
(٥) في ((٢٥)): ((في ما)).
(٦) انظر ((مصنفي)) عبد الرزاق (٥٨/٢ - ٦٠)، وابن أبي شيبة (١٩٢/٢ - ١٩٣)،
و((الأوسط)) لابن المنذر (١٨٣/٤) و((معالم السنن)) (١٨٥/١).
١٢٠