النص المفهرس

صفحات 421-440

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
وممَّن رُوي عنه أَنَّه كان لا يجهرُ بها: بكرٌ المزنيُّ، والحسنُ، وابنُ
سيرينَ، والشعبيَّ، وأبو إسحاقَ السبيعيَّ، وعمرُ بنُ عبد العزيزِ - في
رواية عنه رَوَاها الوليدُ بْنُ مسلمٍ، عنِ عبدِ اللهِ بْنِ العلاءِ، عنه - وقتادةٌ،
وابنُ أبي ليلى، وابنُ شيرمةً، والحسنُ بن حيٍّ.
وقال الحسنُ: الجهرُ بها أعرابيةٌ. خرَّجَه حربٌ الكرمانيُّ.
ورُوِيَ عنه من وجه آخر قالَ: الجهرُ بها قراءةُ الأعرابِ .
وأكثرُ هؤلاء يكرهونَ الجهرَ كما أنكره عبدُ الله بْنُ مُغَفَّل وكما أنكره
مَن قال: ذلكَ قراءةُ الأعراب، ومن قال: هو بدعةٌ، ونصَّ أحمدُ على
كراهته .
ورُوِيَ عن طائفةٍ أنه يُخيَّرُ بينَ الجهرِ والإسرارِ، ولا يُكْرِهُ الجهرُ وإن
كانَ الإسرارُ أفضلَ. وحُكي هذا عن ابن أبي ليلى، وإسحاقَ، ورجَّحه
طائفةٌ من أهلِ الحديثِ .
ومنهم من قالَ: الجهرُ أفضلُ.
وقالت طائفةٌ: يجهرُ بها وهو السُّنةُ. وهو قولُ الشافعيِّ وأصحابِهِ
وأبي ثورٍ، ورُوِيَ عن الليثِ بْنِ سعدٍ. قال ابنُ المنذرِ (١): وروينا عن
عمرَ، وابنِ عبَّاسِ أَنَّهما كانا يستفتحانِ بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾.
انتھی .
ءِ
وليسَ عن ابنِ عمرَ تصريحٌ بالجهرِ؛ بل بقراءة البسملةِ. وأما المرويّ
عن عمرَ: فقد ثبتَ عنه في ((صحيحِ مسلمٍ) (٢) من حديث أنسٍ أَنَّه لم
(١) في ((الأوسط)) (١٢٦/٣).
(٢) (٣٩٩).
٤٢١

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
يكنْ يجهرُ بها؛ فلعلَّه جهرَ بها مرةً ليبيِّنَ جوازَ ذلك.
وخرَّجَ ابنُ أبي شيبةً(١) بإسناد جيدٍ، عن الأسودِ قال: صَلَّيتُ خلفَ
عمرَ سبعينَ صلاةً فلم يجهر فيها بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾.
قال ابنُ عبدِ البر: رُوِيَ عن عمرَ، وعلي، وعمار بن ياسر أنَّهم
كانوا يجهرونَ بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾. والطّرقُ ليست بالقوية.
وقد قدّمنا الاختلافَ عنهم في ذلك.
قال: ورُويَ عن عمرَ فيها ثلاثُ روايات، أحدُها: أنَّه كان لا
يقرؤها، والثّانيةُ: أَنَّه كانَ يقرؤها سرّاً، والثالثةُ: أَنَّه جهرَ بها.
ولذلكَ اخْتُلِفَ عن أبي هريرةَ في الجهرِ والإسرارِ وعن ابنِ عبَّاسٍ -
أيضًا - والأكثر عنه الجهرُ بها، وعليه جماعةُ أصحابِهِ .
وذكر ابنُ عبد البرِّ جماعةً ممَّن كان يرى الجهرَ بها، منهم:
مكحولٌ، وعمرُ بْنُ عبدِ العزيزِ، ومحمدُ بْنُ كعبِ القرظيُّ.
قال: وهو أحدُ قولي ابنِ وهبٍ؛ إلا أنّه رجعَ عنه إلى الإسرار بها.
وعن عطاءِ الخراسانيِّ قالَ: الجهرُ بها حسنٌ.
وقال الزهريَّ: من سنة الصَّلاة: أن يقرأَ ﴿بسم الله الرحمنِ الرحيمٍ﴾
ثم فاتحة الكتابِ، ثم يقرأَ ﴿بسم الله الرحمنِ الرحيمِ﴾، ثم يقرأ بسورة.
وكان يقولُ: أولُ من قرأَ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ سِرّاً بالمدينةِ: عمرو
ابْنُ سعيدٍ بنِ العاص.
(١) (١ / ٤١١).
٤٢٢

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
خرَّجَه البيهقيُّ (١) .
ومراسيلُ الزهريِّ من أردٍ المراسيلِ؛ وإنما عَنَى أولَ من أسرَّ بها ممَّنْ
أدركَه، فقد ثبتَ عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ الإسرارُ بها فلا عبرةَ
بمن(٢) حدَثَ بعدهم وبعدَ انتقالِ عليِّ بنِ أبي طالب من المدينة؛ فإنَّ
هؤلاء هم الخلفاءُ الراشدونَ الذين أَمَرَنَا رسولُ اللهِ وَلَه باتِّبَاعِ سنتهم،
وهم كانوا لا يجهرونَ بها .
قال البيهقيُّ: وروينا الجهرَ بها عن فقهاءِ مكةَ: عطاءِ، وطاوسٍ،
ومجاهد، وسعیدِ بنِ جُبیر .
وقال الإمامُ أحمدُ في رواية مُهَنَّا: عامةُ أهلِ المدينةِ يجهرُ بها،
الزُّهريُّ وربيعةُ، وذكرَ ابنَ عبَّاسٍ وابنَ الزُّبِيرِ.
وأما ما ذَكَره الخطيبُ في ((كتابِهِ)) في الجهرِ بالبسملةِ من الآثارِ الكثيرةِ
في المسألةِ حَتَّى اعتقدَ بعضُ مَنْ وقفَ عليه أنَّه قولُ الجمهورِ فغالبُ آثارِهِ
أو كثيرٌ منها معلولٌ لا يصحُّ عندَ (١٣٤ - أ/ ك٢) التحقيقِ، وكثير منهم
يروي الجهرَ والإسرارَ.
وقد حُكِيَ عن الدار قطنيِّ أَنَّه قالَ في المنقولِ عن الصحابة منهم
عمرو بن دينارٍ، وابنُ جُرِيجٍ، ومسلمُ بْنُ خالد وعن بعضِ أهلِ المدينةِ
دونَ سائرِ الأمصارِ ولقلةٍ من كان يجهرُ بها اعتقدَ بعضُهم أَنَّ الجهرَ بها
بدعةٌ وأَنَّه من شعارِ أهلِ الأهواءِ كالشيعةِ حَتَّى تركه بعضُ أئمة الشَّافعية،
منهم ابنُ أبي هريرةَ لهذا المعنى.
(١) البيهقي (٢ / ٥٠).
(٢) كذا في ((٢٥))، ولعل الصواب: (بما)).
٤٢٣

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
وكان سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ من أئمةِ الأمصارِ يعدونَ الإسرارِ بالبسملةِ
من جملةِ مسائلِ أصولِ الدينِ التي يتميَّزُ بها أهلُ السُّنةِ عن غيرِهِم
كالمسح على الخفينِ ونحوِهِ حَتَّى قالَ سفيانُ لشعيبِ بْنِ حرب: لا ينفعُكَ
ما كتبتَ حتَّى ترى أنَّ إخفاءَ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ أفضلُ من
الجهر بها .
وقال وكيعٌ: لايُصلَّي خلفَ من يجهرُ بها.
وقال أحمدُ في الصَّلاةِ خلفَ من يجهرُ بها: إن كانَ يتأوَّلُ فلا بأسَ
به، وإن كانَ غيرَ ذلك فلا يُصلَّي خلفَه - يشيرُ إلى أنه يُصلَّى خلفَ من
جَهَرَ بها من أهلِ العلمِ والحديثِ دونَ من يجهرُ بها من أهلِ الأهواءِ؛
فإِنّهم المعروفون بالجهرِ بها.
ونقلَ أبو طالبٍ، عن أحمدَ وسأله يُجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن
الرحيم﴾؟ قال: بالمدينة نعم، وها هنا من كانَ يرى أنها آيةٌ من كتاب الله
مثل ما قال ابنُ عباس، وأبو هريرةَ، وابنُ الزُّبيرِ كانوا يجهرونَ بها
ويتأوَّلونها من كتاب الله.
قال القاضي أبو يعلى: ظاهرُ هذا أنه أجاز الجهرَ لمن كان بالمدينة دونَ
غيرِها من البلادِ. قال: ولعلَّه ذهبَ في هذا إلى أَنَّ أهلَ المدينةِ يرونَ
الجهرَ بها، فإذا خافَتَ استنكروا فعلَه وامتنعوا من الصَّلاة خلفَه .
قلتُ: إنما مرادُ أحمدَ: الإخبارُ عن الجهرِ بها أَنَّه سائغٌ لمثلِ أهلِ
المدينة ومن يتأولُ من غيرِهم من أهلِ الحديثِ والعلم؛ وليسَ مرادُه أَنَّه
يرى الجهرَ بها بالمدينةِ. وقد حكى أبو حفصِ العكبريّ روايةَ أبي طالبٍ
عن أحمدَ بلفظ صريح في هذا المعنى وهو: أَنَّه قالَ: سُئِلَ أحمدُ: هل
٤٢٤

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
يُصلِّي الرجل خلفَ من يجهرُ بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾؟ قالَ:
بالمدينةِ نعم، وهاهنا من كان يتأولُ. وذكرَ بقيةً الروايةِ .
وهذا تصريحٌ بالمعنى الذي ذكرناه، وهو: أنَّه إنما يسوغُ الخلافُ في
هذه المسألةِ من مثل هؤلاءِ العلماءِ المجتهدينَ دونَ أهلِ الأهواءِ الذينَ
كانت هذه المسألةُ مشهورةً عنهم. ولذلكَ نقلَ مُهَنَّا، عن أحمدَ أن عامةً
أهلِ المدينةِ يرونَ الجهرَ بالبسملةِ. ونقلَ صالحُ بْنُ أحمدَ، عن أبيه قال:
نحنُ لا نرى الجهرَ ولا نقنتُ فإن جهرَ رجلٌ وليس بصاحب بدعةٍ يتبعُ ما
رُوِيَ عن ابنِ عباس، وابنِ عمرَ فلا بأسَ بالصَّلاة خلفَه والقنوت هكذا.
ونقل عنه يعقوبُ بن بُخْتَان قال: يُصَلّى خلفَ من يجهرُ من الكوفيينَ إلا
أن یکون رافضیًا .
واختلفتِ الروايةُ عن أحمدَ في قراءةِ البسملةِ بينَ السُّورتينِ في قيامِ
رمضانَ. فرُوِيَ عنه أنه يُسرُّ بها ولا يجهرُ. ورُوِيَ عنه أَنَّه قال: أرجو .
وظاهرُ هذه الرواية يدلُّ على أنَّه لا يكرهُ الجهرَ بها في هذا الموطنِ
خاصَّةً؛ فإن النفلَ يسامحُ فيه وخصوصًا قيامُ الليلِ، فإنه لا يكرهُ الجهرُ
بالقراءة فيه للمنفردِ. وإلى هذا القول ذهبَ أبو عبيدٍ، وعليّ بنُ المدينيُّ -
حكاه عنهما الأثرمُ.
وذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّه لا يقرأُ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ في
الصَّلاة سرّاً ولا جهرًا. هذا قولُ مالك وأصحابه، ورخَّصَ فيه (١٣٤ -
ب / ك٢) في السّور بعد الفاتحة في قيامِ رمضانَ خاصَّةً. وحُكي عنه
إجازتُه في أول الفاتحة وغيرِها للمتهجدينَ وفي النَّوافلِ. ورُوِيَ عنه أَنَّه لا
بأسَ بقراءتِها في الفرائضِ والنَّوافلِ. ذكره القاضي إسماعيلُ في
٤٢٥

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
((مبسوطِهِ)) من طريقِ ابْنِ نافعٍ، عن مالك.
قالَ ابْنُ عبد البرِّ: لا يصحُّ هذا عندنا عن مالك؛ إنَّما هو عن
صاحبه عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ.
وكذلكَ رُوِيَ عن عمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ أَنَّه لا يقرؤُها سِرّاً ولا جهرًا
من وجه فيه نظرٌ .
ذكره ابنُ سعدٍ في ((طبقاتِه)(١).
وكذلك قال الأوزاعيَّ: لا يقرأُ بها سرّاً ولا جهرًا. نقلَه عنه الوليدُ
ابْنُ مسلم، قال الوليدُ: فذكرتُ ذلك لخليد فأخبرني أَنَّ الحسنَ كانَ لا
يقرؤها. فقالَ الذي سألَه: أكانَ رسولُ اللهِ وَلِّ يُسْرُّهَا؟ فقال الحسنُ: لو
أسرَّ قراءتَها فيما يُسرُّ بها لجهرَ بها فيما يجهرُ؛ ولكنَّها أعرابيةٌ.
قال الوليدُ: وأقولُ أنا: إن قرأتَها فحسنٌ؛ وذلك لما أخبرنا به عبدُالله
ابنُ عمرَ بن حفص، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أَنَّه كان لا يدعُ قراءةَ ﴿بسم
اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ حينَ يستفتحُ الحمدَ، والسورةَ التي بعدها.
خرَّجَه حربٌ الكرمانيُّ، واختارَه ابنُ جرير الطبريّ، وهو مذهبُ
ے
مالكٍ والأوزاعيِّ.
وبهذا المرويِّ عن ابنِ عمرَ استدلَّ أحمدُ على قراءتها .
وبالمرويِّ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبيرِ، وأبي هريرةَ، ومالك ومن
وافقه تأولوا ظاهرَ حديث أنسٍ .
وعند التحقيقِ في التأمل إِنَّما يدلّ على نفي الجهرِ لا على قراءتها
(١) (٣٦٠/٥ - ٣٦١) عن الواقدي وفي (٣٣٥/٥) عن الواقدي - أيضًا -: كان لا يجهر بها.
٤٢٦

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
سرّاً، وبذلكَ تجتمعُ ألفاظُ الحديث وعامةُ الأدلة في هذه المسألة، واللهُ
أعلم.
ءِ
وأكثرُ من يرى قراءتَها في الصَّلاةِ يرى قراءتَها في الفاتحة والسّورة
التي بعدها. وقالت طائفةٌ قليلةٌ منهم: إنما يقرأُ بها في ابتداء الفاتحة دونَ
السّورةِ التي بعدها. رُوِيَ عن طاوسٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ،
ta3
وسليمانَ بن داودَ الهاشميِّ، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةً. ورَوَى يوسفُ
ابْنُ أسباط، عن الثوريِّ قال: من قرأ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم﴾ في
أولِ القرآن أجزأه لكلِّ القرآن.
واعلم أَنَّ الجهرَ بقراءة البسملة مع الفاتحة ليس مبنيًّا على القول بأنَّ
البسملةَ آيَةٌ من سورة الفاتحةِ وغيرِها كما ظَنَّه طائفةٌ من الناس من
أصحابِنا وغيرِهم؛ وإنَّما الصَّحيحُ عند المحقِّقِينَ من أصحابنا وأصحاب
الشَّافعيِّ وغيرِهم: أَنَّه غيرُ مبنيٍّ على ذلكَ.
ولهذا اختلفت الروايةُ عن أحمدَ هل البسملةُ آيَةٌ من الفاتحة أو لا؟
وأكثر الروايات عنه على أنَّها ليستْ من الفاتحةِ (١). وهو قولُ أكثرِ
أصحابه .
ولم يُخْتلفْ عنه في أنَّه لا يجهرُ بها. وكذا قال الجوزجانيُّ وغيرُهُ
من فقهاءِ الحديثِ .
واختلفَ قولُ الشَّافعيِّ هل البسملةُ آيَةٌ من كلِّ سورة سوى الفاتحة؟
وهو يرى الجهرَ بها في السّورِ - أيضًا.
(١) انظر ((المسائل)) لعبد الله (ص / ٧٦ - ٧٧)، ولأبي داود (ص/ ٣٠ - ٣١) ولابن هانىء
(٥١/١ - ٥٢).
٤٢٧

الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
وحينئذ فلا يصحّ أن يؤخذَ الجهرُ بها من القول بأنَّها آيةٌ من الفاتحة
كما يفعله كثير من الناس، فإنهم يحكون عمن قال: هي آية من الفاتحة
الجهر بها. وليس ذلك بلازم.
ومما يُستحبُّ الإتيانُ به قبلَ القراءة في الصَّلاةِ: التعوَّذُ عند جمهور
العلماء، واستدلّوا بقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من
الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] والمعنى: إذا أردتَ القراءةَ، هكذا فسَّرَ
الآيةَ الجمهورُ .
وحُكِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ، منهم: أبو هريرة، وابن سيرين،
وعطاء: التعوذ بعد القراءة.
والمرويُّ عن ابنٍ سيرينَ: قبلَ قراءة أمِّ القرآن، (١٣٥ - أ/ ك٢) وبعدها،
فلعلَّه كان يستعيذُ لقراءة السُّورةِ كما يقرأُ البسملةَ لها - أيضًا.
وَّهِ كان يتعوَّذُ قبلَ القراءةِ في
وقد جاءت الأحاديثُ بأنَّ النبيّ
الصَّلاة.
فروى عَمرو بْنُ مرةَ، عن عاصمِ العَنَزيِّ، عن [ابن](١) جبير بن
مطعمٍ، عن أبيه أنَّه رأى النبيَّ ◌َّهِ يصلِّي صلاةً قال: ((اللهُ أكبرُ كبيرًا،
اللهُ أكبرُ كبيرًا، اللهُ أكبرُ كبيرًا والحمدُ لله كثيرًا، سبحانَ الله بكرةً وأصيلا
- ثلاثًا - أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ من نفخِه ونفثِهِ وهمزِه)) قال(٢):
نفتُه: الشِّعْرُ، ونفخُه: الكبرُ، وهمزُهُ: الموتةُ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه، وابن حبان في
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)) واستدركناه من الرواية، ومن كلام ابن رجب بعد.
(٢) القائل هو: عمرو بن مرة.
٤٢٨

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
(صحيحِهِ))، والحاكم وصحَّحَه(١).
وابنُ جبيرٍ هو نافعٌ وقع مسمّى في روايةٍ كذلك، وعاصم العَنَزِيُّ قال
أحمدُ: لا يعرف. وقال غيرُهُ: رَوَى عنه غيرُ واحد. ذكره ابنُ حبان في
«ثقاتە))(٢)
٠٠
وروى عطاءُ بْنُ السَّائبِ، عن أبي عبد الرحمن السُّلُميِّ، عن ابنِ
مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه كانَ إذا دخلَ في الصَّلاةِ يقولُ: ((اللهمّ إِنِّي
أعوذُ بكَ من الشَّيطانِ وهمزِه ونفخِه ونفتِهِ».
خرَّجَهَ ابنُ ماجه، والحاكمُ (٣) - وهذا لفظه - وقال: صحيحُ الإسنادِ؛
فقد استشهدَ البخاريّ بعطاءِ بْنِ السَّائبِ .
ورَوَى عليّ بنُ علي الرفاعيَّ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيد
الخدريِّ قال: كانَ رسولُ اللهِ إِ لهَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ بالليلِ كَبَّرَ، ثم
يقولُ: ((أعوذُ باللهِ السَّمِيعِ العليمِ من الشَّيْطانِ الرجيمِ من همزِه ونفخِه
ونفثه)).
خَرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ(٤)، وقال: كانَ يحيى بْنُ
سعيدٍ يتكلّم في عليٍّ بْنِ عليٍّ. وقالَ أحمدُ: لا يصحُّ هذا الحديثُ.
(١) أحمد (٤/ ٨٥) وأبو داود (٧٦٤) وابن ماجه (٨٠٧) وابن حبان (إحسان - ٥/ ٨٠)، والحاكم
(٢٣٥/١) وفي إسناده اختلاف، وانظر ((العلل)) للدار قطني (٤/ ق ١٠١ - أ). والله أعلم.
(٢) ((الثقات)) (٢٣٨/٥).
(٣) ابن ماجه (٨٠٨) والحاكم (١ / ٢٠٧). وإسناده ليس بالصافي، فيه إرسال، وهو من
رواية ابن فضيل، عن عطاء، وسمع منه بعد اختلاطه، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي
من ابن مسعود فيه كلام.
(٤) هو نفس الحديث الذي تكلمنا عنه قبل: حديث أبي سعيد في استفتاح الصلاة فراجعه
أول هذا الباب.
٤٢٩

الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
كذا قال؛ وإنَّما تكلّم فيه يحيى بْنُ سعيدٍ من جهةٍ أَنَّه رماه بالقدر،
وقد وثّقه وكيعٌ ويحيى بْنُ معين وأبو زرعةَ، وقال أحمدُ: لا بأسَ به،
إلا أنَّه رفعَ أحاديث. وقالَ أبو حاتمٍ: ليس به بأسٌ، ولا يحتجُّ بحديثِهِ.
وإنما تكلّم أحمدُ في هذا الحديثِ لأنَّه رُوِيَ عن علي بن علي، عن
الحسنِ مرسلا، وبذلك أعلَّه أبو داودَ وخرَّجَ في «مراسيلِهِ))(١) من طريقِ
عمرانَ بنِ مسلمٍ، عن الحسن أنَّ رسولَ اللهِ بَّهَ كانَ إذا قامَ من الليلِ
يريدُ أن يتهجدَ يقولُ قبل أن يكبِّرَ: ((لا إلهَ إلا اللهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ
أكبرُ كبيرًا، اللهُ أكبرُ كبيرًا، أعوذُ باللهِ من الشَّيطانِ الرجيمِ من همزِه
ونفخِه ونفثِه))، ثم يقولُ: (اللهُ أكبرُ)).
وفي الباب أحاديثُ أُخر مرفوعةٌ فيها ضعفٌ، واعتمادُ الإمامِ أحمدَ
على المرويِّ عن الصَّحابةِ في ذلك؛ فإنه رُوِيَ التعوذُ قبلَ القراءةِ في
الصَّلاة عن عمرَ بْنِ الخطّابِ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ،
وهو قولُ جمهورِ العلماءِ - كما تقدَّمَ. والجمهورُ على أنَّه غيرُ واجب.
وحُكي وجوبُهُ عن عطاءٍ، والثوريِّ، وبعضِ الظَّاهريةِ، وهو قولُ ابنِ
بطةَ من أصحابِنَا.
والجمهورُ على أنّه يُسرُّهُ في الصَّلاةِ الجهريةِ. وهو قولُ ابنِ عمرَ،
وابنِ مسعودٍ والأكثرينَ.
ورُوِيَ عن أبي هريرةَ الجهرُ به. وللشَّافعيِّ قولان. وعن ابن أبي
ليلى: الإسرارُ والجهرُ سواءٌ.
(١) ((المراسيل)) (ص: ٨٨).
٤٣٠

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
واختلفوا هل يختصُّ التعوذُ بالركعة الأولى أم يستحبُّ في كلِّ
ركعة؟ على قولين : .
أحدُهما: يستحبُّ في كلِّ ركعة. وهو قولُ ابنِ سيرينَ، والحسنِ،
ے
والشَّافعيِّ، وأحمدَ في روايةٍ.
والثَّاني: أَنَّه يختصُّ بالركعة الأولى. وهو قولُ عطاء، والحسنِ،
والنخعيِّ، والثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ في روايةٍ عنه. وقال هشامُ بَنُ
حسَّان: كان الحسنُ يتعوَّذُ في كلِّ ركعة، وكانَ ابنُ سيرينَ يتعوَّذُ في كلِّ
ركعتين .
وذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّه لا (١٣٥ - ب/ ك٢) يتعوذُ في الصَّلاة
المكتوبةِ؛ بل يفتتحُ بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة ولا بسملة
واستدلوا بظاهر حديث أنسٍ: كان النبي بَّله يفتتحُ الصَّلاةَ بالحمد لله
ربِّ العالمين، وهو الحديثُ الذي خرَّجَه البخاريّ في أولِ هذا البابِ.
ويجابُ عنه: بأنَّه إنَّما أرادَ أَنَّه يفتتحُ قراءةَ الصَّلاةِ بالتكبيرِ والقراءة
بالحمد لله ربِّ العالمين.
وافتتاحُ القراءة بالحمد لله: إمَّا أَنْ يرادَ به افتتاحُها بقراءة الفاتحة كما
يقولُه الشافعيُّ، أو افتتاحُ قراءة الصَّلاةِ الجهريةِ بكلمة ((الحمد)) من غير
بسملة كما يقولُه الآخرونَ، ودلَّ عليه حديثُ أنسِ الذي خرَّجَه مسلمٌ
صريحًا. وعلى التقديرين فلا ينفي ذلك أن تكون(١) يقول قبلَ القراءة
ذكراً أو دعاءً أو استفتاحًا أو تعوذًا أو بسملة؛ فإنه لا يخرجُ بذلك عن أن
يكونَ افتتحَ القراءةَ بالفاتحةِ، أو افتتحَ الجهرَ بالقراءةِ بكلمةِ الحمد. ولا
(١) المناسب للسياق: ((یکون)).
٤٣١

الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
يمكنُ حملُ الحديث على أنَّه كانَ أولَ ما يفتتحُ به الصَّلاةَ قراءةُ كلمة
الحمد؛ فإنَّه لو كان كذلك لكانَ لا يفتتحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ، وهذا باطلٌ
غيرُ مرادٍ قطعًا واللهُ أعلمُ(١).
(١) قد أطال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - في هذه المسألة وأوعب، ولا غرو؛ فقد أفردها
الأئمة قديمًا بالتصنيف، حتى قال ابن القيم: «وهذا موضع يستدعي مجلدًا ضخمًا)).
(٢٠٧/١) ((زاد المعاد)).
٤٣٢

الحديث : ٧٤٥
٩٠ - بَاب
٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةً،
عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةٍ(١) أَبِي بَكْرِ أَنَّالنَّبِيَّّهِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ
الْقِيَامَ، ثُم رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ
الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ
السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ
الْقِيَامَ، ثُم رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوَعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ
سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: ((قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ
اجْتَرَاتُ عَلَيْهَا لَجِثْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا. وَدَنَتْ مِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ:
أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَةٌ - حَسِبَتُ أَنَّه قَالَ - تَخَدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: مَا
شَأَنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لا هِيَّ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ
أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ)) - قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُهُ[ أنه قال](٢)(مِنْ خَشِيشِ الأَرْضِ أَوْ
خَشَاش))(٣).
قال الخطّبيُّ: خَشِيش ليسَ بشيءٍ؛ إنَّما هو خَشَاشُ مفتوحةُ الخاءِ،
وهو حشراتُ الأرضِ وهوامّها، فأما الخشاش بكسرِ الخاءِ، فهو العودُ
الذي يُجعل في أَنْفِ البعير (٤) .
(١) في ((اليونينية)): ((بنت)).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)) واستدركناه من ((اليونينية)).
(٣) في ((اليونينية)): ((من خشيش - أو خشاش))، وزاد في نسخة: ((الأرض)) و((خشاش)) مثلثة الخاء.
(٤) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٨٩).
٤٣٣

الحديث : ٧٤٥
كتاب الأذان
وفي ((الفائق)(١): خشاش الأرضِ: هوامُّها، الواحدةُ: خَشاشة؛ سُمِيتْ
بذلكَ لاندساسِهَا في التَّرابِ من خَشَّ في الشيءِ إذا دخلَ فيه، وخشَّهُ
غيرُهُ يخشه، ومنه الخشَاشُ؛ لأنه يخشى(٢) في أنفِ البعيرِ. انتهى.
وفي هذا الحديث فوائدٌ كثيرةٌ:
منها ما يتعلقُ بصفة صلاة الكسوف، ويأتي الكلامُ عليه في موضعه
إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى.
ومنها: أَنَّه يدلُّ على وجودِ الجنَّةِ والنَّارِ كما هو مذهبُ أهلِ السُنّةِ
والجماعة .
ومنها: ما يدلّ على تحريمٍ قتلِ الحيوانِ غيرِ المؤذي لغيرِ مأكلة.
ومنها - وهو مقصودُه بإيرادِ الحديثِ في هذا البابِ -: أَنَّ المصلِّيَ له
النَّظرُ في صلاتهِ إلى ما بينَ يديه وما كانَ قريبًا ولا يقدحُ ذلك في
صلاته؛ ولكنَّ المنظورَ إليه نوعانِ:
أحدُهما: ما هو من الدنيا الملهية. فهذا يُكْرُهُ النَّظرُ إليه في الصّلاة؛
فإِنَّه يُلْهِي. وقد دلَّ عليه حديثُ الأَنْبِجَانِيَّة، وقد سبق.
والثَّاني: ما يُنظرُ إليه مما يكشفُ من أمورِ الغيبِ، فالنظرُ إليه غيرُ
قادحٍ في الصَّلاةِ؛ لأنَّه كالفكرِ فيه بالقلبِ، ولو فَكَّرَ في الجنَّةِ والنَّارِ
بِقلبِهِ في صلاتِهِ كان حسنًا، وقد كان ذلك حالَ كثيرٍ من السَّفِ. (١٣٦ -
أ/ ك٢) ومنهم من كان يُكْشفُ لقلبِهِ عن بعضِ ذلكَ حَتَّى ينظر إليه بقلبهِ
(١) (١ / ٣٧٠)، وانظر (١ /٢٣٥).
(٢) في ((ك٢)): ((يخشوا)) والتصويب من ((الفائق)).
٤٣٤

٩٠ - باب
الحديث: ٧٤٥
بنورِ إِيمانِهِ، وهو من كمالِ مقامِ الإحسانِ .
وأما النبيُّ بِّهِ: فإنه كُشِفَ ذلك له فرآه عيانًا بعينِ رأسِهِ.
هذا هو الظَّاهرُ.
ويُحتملُ أن يكونَ جُلِّيَ ذلك لقلبِهِ.
وقوله: ((أَيْ ربِّ وأنا معهم؟» يشيرُ إلى قولِهِ ﴿وما كانَ اللهُ ليعذّبَهم
وأنتَ فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] فخشي أن يكون إدناؤها منه عذابًا أُرسلَ
على الأممِ فاستفهمَ عن ذلكَ وقال: أتعذبهُم وأنا معهم؟ بحذف همزة
الاستفهامِ، وهذا القولُ الظَّاهرُ أنه كان بقلبهِ دونَ لسانه، وكذلكَ سؤالُه
عن المرأة؛ فإنَّ عالمَ الغيبِ في هذه الدارِ إنَّما تدركُه الأرواحِ دونَ
الأجساد غالبًا، وقد تُدْرَكُ بالحواسِّ الظَّاهرة لمن كشفَ اللهُ له ذلكَ من
أنبيائه ورسله
ويحتملُ أن يكونَ قولُه ((وأنا فيهم)) بلسانه؛ لأنَّ هذا من بابِ
الدُّعاء، فإنَّه إشارةٌ منه إلى أنَّه موعودٌ بأنَّه لا يعذِّبُ أُمته وهو فيهم.
يدلُّ على ذلك: ما رَوَى عطاءُ بْنُ السَّائبِ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ
عمرو بن بنِ العاص قال: كَسفتْ الشَّمسُ على عهد رسولِ اللهِ ◌َِّ،
فذكر الحديثَ بطولِهِ وفيه: فجعلَ ينفخُ في آخرِ سجودِه في الركعة الثّانية
ويبكي ويقول: ((لَمْ تَعِدني هذا وأنا فيهم، لَمْ تعدني هذا ونحنُ نستغفركَ))
وذكر بقيةَ الحدیثِ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيّ(١).
(١) أحمد (٢ / ١٥٩) وأبو داود (١١٩٤) والنسائي (٣ / ١٣٧).
٤٣٥

الحديث : ٧٤٥
كتاب الأذان
وأما سؤالُه عن المرأة فلا يحتملُ أن يكونَ بلسانه، واللهُ أعلمُ.
وفي الجملة، فإن كانَ البخاريُّ ذكر هذا البابَ للاستدلال بهذا
الحديث على أَنَّ نظرَ المصلِّي إلى ما بين يديه غيرُ قادحِ في صلاته؛ فقد
٠٠
ذكرنا أَنَّ الحديثَ لا دليلَ فيه على النَّظرِ إلى الدنيا ومتعلقاتها.
وإن كان مقصودُه الاستدلالَ به على استحبابِ الفكرِ للمصلِّي في
الآخرة ومتعلقاتِها وجعل نظرَ النبيِّ وَّجله فيه إلى الجنَّةِ بقلبه كان حسنًا؛
لأنَّ المصلِّيَ مأمورٌ بأن يعبدَ اللهَ كأنَّه يراه، فينبغي له أن يستغرقَ فكرَه في
قربِهِ من الله وفيما وعدَ اللهُ أولياءَه، وتوعَّدَ به أعداءَه وفي الفكرِ في
معاني ما يتلوه من القرآنِ.
وقد كانَ السَّلْفُ الصَّالِحُ يتجلَّى الغيبُ لقلوبهم في الصَّلاةِ حَتَّى
كأنهم ينظرونَ إليها رأيَ عينٍ، فمن كانَ يغلب عليه الخوفُ والخشيةُ ظهرَ
لقلبِهِ في الصَّلاةِ صفاتُ الجلالِ من القهرِ والبطشِ والعقابِ والانتقامِ
ونحو ذلك فيشهدُ النَّارَ ومتعلَّقاتها وموقفَ القيامة كما كان سعيد بن عبد
و
العزيزِ صاحبُ الأوزاعيُّ يقولُ:
ما دخلتُ في الصَّلاةِ قطُّ إلا مُثِّلتْ لي جهنّمُ.
ومن كانَ يغلبُ عليه المحبَّةُ والرجاءُ فإنَّه يستغرقُ في مطالعة صفاتٍ
الجلال والكمال والرأفة والرحمةِ والودِّ واللطفِ ونحو ذلك فيشهد الجنةَ
ومتعلقاتِها، وربّما شَهِدَ يومَ المزيد وتقريبَ المحبِّينَ فيه.
وقد رُوِيَ عن أبي ريحانةَ - وهو من الصَّحابةِ - أَنَّه صلَّى ليلةً فما
انصرفَ حتَّى أصبحَ وقالَ: ما زالَ قلبي يهوي في الجنَّةِ وما أعدَّ اللهُ فيها
٤٣٦

٩٠ - باب
الحديث: ٧٤٥
لأهلها حتَّى أصبحتُ.
وعن ابنِ ثوبان - وكانَ من عُبَّادِ أهلِ الشَّامِ - أَنَّه صلَّى ليلةً ركعةً
الوترِ فما انصرفَ إلى الصَّبْحِ وقال: عرضت لي روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ
فجعلتُ أنظرُ إليها حتَّى أصبحتُ - يعني: ينظرُها بعينِ قلبِهِ .
٤٣٧

الحديث: ٧٤٦
كتاب الأذان
٩١ - بَابُ
رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلاةِ
وَقَالتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ (١٣٦ - ب/ ٢٥) في صَلاةِ الكُسُوف(١):
((رَأَيْتُ (٢) جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ).
حديثُ عائشةَ يأتي في ((أبوابِ الكسوفِ)) إن شاءَ اللهُ تعالى، وليسَ
فيه رفعُ البصرِ إلى الإمامِ في الصلاةِ، إنما فيه مدَّ البصرِ إلى ما بينَ يدي
المصلِّي، وقد سبقَ القولُ في هذا في البابِ الماضي وأن النظرَ إلى الآخرةِ
ومتعلقاتِها في الصلاة حسنٌ سواءً كانَ نظر عَينِ أو قلبٍ .
وقد خرَّجَ في هذا البابِ أربعةَ أحاديثَ:
الأول :
٧٤٦ - حَدَّثْنَا مُوسَى: ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
عُمَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا لِخَّبِ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ
والعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا: بِمَ كَثُم تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْتِهِ.
فهذا فيه دليلٌ على أن المأمومَ ينظرُ إلى إمامِهِ ويراعِي أحوالَهُ في
قيامه؛ لأنهم إنما شاهدُوا اضطرابَ لحيةِ النبيِّ وَِّ في صلاتِهِ بِمَدِّهم
بصرهم إليه في قيامه، وهذا قد يقالُ: إنه يختصّ بالصلاة خلفَ النبيّ
(١) قوله: ((في صلاة الكسوف)) من ((اليونينية)).
(٢) وفي بعض نسخ ((الصحيح)): ((فرأيت)).
٤٣٨

٩١ - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة
الحديث: ٧٤٧
وَالله لما ترتبَ على ذلكَ من معرفةِ أفعالِهِ في صلاته فيقتدى به، فأما
غيرُهُ منَ الأئمة فلا يحتاجُ إلى النظرِ إلى لحيتِهِ، فالأولى بالمصلِّي وراءَهُ
أن ينظر إلى محلٌّ سجودِه - كما سبقَ.
الحديثُ الثاني:
٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: ثَنَا شُعْبَةُ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَاللهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا
صَلَّوْا مَعَ النَِّّ ◌َ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيامًا حَتَّى يَرَوْهُ قَدْ سَجَدَ.
قد سبقَ هذا الحديثُ في بابِ ((متى يسجدُ مَنْ وراءَ الإمامِ))(١) من
حديثٍ سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، وهاهنا خرَّجهُ من رواية شعبةَ قالَ:
أنبأنا أبو إسحاقَ.
ومرادُ شعبةَ بقوله ((أنبأنا)) كقوله: أخبرنا - أو - حدثنا؛ وليسَ مرادُهُ -
كما يقوله المتأخرونَ - الإجازةَ.
وفي الحديثِ دليلٌ على أن المأمومَ يراقبُ حال إمامِهِ في ركوعِهِ
وسجودِهِ ليسجدَ بعد سجودِهِ وتقعَ أفعالُهُ بعدَ أفعال إمامِهِ .
وهذا حكمٌ عامٌّ في جميعِ الناسِ؛ فإن اقتداءَ المأمومِ بأفعالِ إمامِهِ التي
يشاهدها أولى من الاكتفاءِ بمجردِ سماعٍ تكبيرِهِ، فإنه قد ينهي تكبيره قبل
أن ينهي فعلَه فلذلكَ كانوا يراعونَ تمام سجودِ النبيِّ نَ له واستقرارَهُ على
الأرضِ حتى يسجدوا بعدَهُ.
قالَ أصحابنا وغيرُهُم: ولهذا المعنى كُرُه أن يكونَ موقفُ الإمامِ أعلى
(١) رقم (٦٩٠).
٤٣٩

الحديث : ٧٤٨
كتاب الأذان
من المأمومٍ؛ لأن المأمومَ يحتاجُ إلى رفعٍ بصرِهِ إلى إمامه فإذا كانَ عاليًا
٠٠
عليه احتاجَ إلى كثرةِ رفعٍ بصرِهِ، وهو مكروه في الصلاةِ.
الحديث الثالث :
٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ
ابْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدَ اللهِ بَنِ عَبَّاسَ(١) قَالَ: خَسَفَتَ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدَ
رَسُولَ اللهِّ فَصَلَّى قَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله! رَأَيْنَاكَ تَنَاوَّلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ،
ثُمَّ رَأَيَّنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ قَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُّ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ
أَخَذَتُهُ لأَكَلُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدَُّا)).
قَالَ الخَطِّيُّ: التكعكعُ: التأخرُ وأصلُهُ في الْجُبْنِ: كَعَّ الرجلُ عنِ
الأمرِ إذا جبنَ وتأخرَ، وأصلُهُ: تكعَّعَ فأدخلَ الكافَ لئلا يجمعَ بينَ
حرفينٍ، ويقالُ: كاعَ يكيعُ مثلُهُ (٢). انتهى
وفي الحديث: دليلٌ على أن رفعَ بصرِ المصلِّي إلى ما بينَ يديهِ ومدّ
يدِهِ لتناولِ شيءٍ قريبٍ منه لا يقدحُ في صلاته (١٣٧ - أ/ ك٢)، وليس فيه
نظرُ المأمومِ إلى إمامِهِ؛ إنما فيهِ نظرُ الإمامِ إلى ما بينَ يديهِ، وقد تقدمت
الإشارةُ إلى أن هذا النظرَ والتناولَ ليس هو مما يكرهُ في الصلاة؛ لأنه
نظرٌ إلى الآخرةِ لا إلى الدنيا، ومدُّ يدِهِ إلى العنقودِ كانَ فيه مصلحةٌ دينيةٌ
لِيُرِيَ أصحابَهُ بعضَ ما وُعِدُوا به عيانًا في الجنةِ؛ لكنه أُوحِيَ إليه أن لا
يفعلَ فإنه كانَ يصيرُ الغيبُ شهادةً فتزولُ فائدةُ التكليفِ بالإيمانِ بالغيبِ .
وقوله: ((فتناولتُ منه عُنقودًا)) معنى(٣) أنه مدَّ يدَهُ يريدُ تناولَ العنقودِ؛
(١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)).
(٣) كذا، لعله سقط من أولها حرف الباء.
(٢) ((أعلام الحديث)) (١/ ٤٩٠).
٤٤٠