النص المفهرس
صفحات 401-420
٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ الصَّلاةَ أم نسيتَ؟ فَلمَّا صَلَّى بعد ذلكَ قرأ: ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ للسُّورةِ التي بعدَ أُمِّ القرآنِ، وكَبَّرَ حينَ يَهْرِي ساجدًا. ورَوَاهُ عبدُ الرزَّاقِ (١)، عن ابنِ جُرَيْجٍ بهذا الإسنادِ، وقالَ فيه: فلمْ يقرأُ: ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ لأمِّ القرآنِ ولم يقرأ بها للسُّورةِ التي بعدها . وخرَّجَهَ الشَّافعيُّ(٢) - أيضًا - عن إبراهيمَ بْنِ محمدٍ - هو: ابنُ أبي يحيى : حدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عثمانَ بْنِ خثيمٍ، عن إسماعيلَ بْنِ عبيدِ بْنِ رفاعةَ، عن أبيه أَنَّ معاويةَ قَدِمَ المدينةَ فصلَّى بهم ولم يقرأْ ﴿بسم الله الرحمن الرحيمِ﴾، ولم يكبِّر إذا رفع. ورَوَاه - أيضًا - عن يحيى بْنِ سُليم(٣)، عن عبدِ اللهِ بْنِ عثمانَ بن خُثَيمٍ، عن إسماعيلَ بْنِ عبيدِ بْنِ رفاعةَ، عن أبيه، فذكر بنحوِه (٤). قالَ الشَّافِعِيُّ: وأحسبُ هذا الإسنادَ أحفظ (٥) من الإسنادِ الأولِ. قالَ البيهقيُّ(٦): ورَوَاه إسماعيلُ بْنُ عَيَّش، عن ابنِ خثيمٍ، عن (١) (٢ / ٩٢)، وفيه: ((عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الله ابن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، أن معاوية صلى بالمدينة للناس .. ))؛ ونقله ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٠ /٢١١) عن عبد الرزاق، كذلك. وفي ((سنن البيهقي)) (٢ /٤٩) بإسناده عن الشافعي، بإسناده - كما ذكره المصنف -، وقال بعده البيهقي: وكذلك رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج. وانظر ((التمهيد)) (٢٠ / ٢١٢). فلعل ما في ((المصنف)) خطأ. والله أعلم. (٢) في ((الأم)) (١ /١٠٨). (٣) في ((ك٢): ((خثيم))، خطأ، وعلى الصواب في ((الأم)) و((سنن البيهقي)) (٢ /٥٠). (٤) ((الأم)) (١ / ١٠٨) و((سنن البيهقي)) (٢ /٥٠). (٥) جاء في ((الأم)): ((أخفض))، كذا، وما هنا هو الصواب، وعلى الصواب في ((سنن البيهقي)). (٦) (٢ /٥٠). ٤٠١ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان إسماعيلَ بنِ عبيدِ بْنِ رفاعةَ، عن أبيه، عن جَدِّ أَنَّ مُعاويةَ قَدمَ المدينةَ. قال: ويحتملُ أن يكونَ ابْنُ خثيمٍ سَمِعَه منهما، واللهُ أعلمُ. انتهى. فعلى طريقةِ الشَّافعيِّ في ترجيحِ الإسنادِ الثَّاني على الحديثِ ليس هذا الحديثُ من روايةِ أنسِ بنِ مالك بالكليةِ فلا يكونُ معارِضًا لروايات أنسِ الصَّحيحةِ الثَّابتةِ . وعلى التقديرِ الآخرِ: فليسَ هذا الحديثُ مرفوعًا، وإنَّما فيه إنكارُ مَنْ كانَ حاضرًا تلكَ الصَّلاةَ من المهاجرينَ، وإنَّما حضرَ ذلكَ قليلٌ منهم فإنَّ أكابرَهُم تُوقُّوا قبلَ ذلك، فغايةُ هذا أن يكونَ موقوفًا على جماعةٍ من الصَّحابةِ فكيفَ تُرُدُّ به الروايةُ المرفوعةُ وليس فيه تصريحٌ بإنكارِ تركِ الجهرِ بالبسملةِ؛ بل يحتملُ أنَّهم إنما أنكروا قراءَتَها في الجملةِ، وذلكَ مُحتملٌ بأن يكونَ معاويةُ وصلَ تكبيرة الإحرام بقراءة ﴿الحمدُ لله ربّ العالَمين﴾ من غير سكوت بينهما يتسع للبسملة، ثم وصلَ الفاتحةَ بقراءة سورةٍ من غيرِ سكوتٍ يَتَّسْعُ للبسملةِ. وروايةُ ابْنِ جريجٍ صريحةٌ في أَنَّ معاويةَ لم يقرأ البسملةَ مع الفاتحة - أيضًا - فيدلَّ هذا على اتّفاقهم على أَنَّ البسملةَ ليستْ من الفاتحة وإلا لأَمَرُوه بإعادة الصَّلاة أو لأعادوا هم صلاتَهم خلفَهُ. وبكلِّ حال: المضطربُ إسنادُه وألفاظُه لا يجوزُ أن يكونَ معارضًا ے لأحاديث أنس الصَّحيحةِ الصَّريحة، وقد تفرَّدَ بهذا الحديث عبدُ الله بْنُ عثمانَ بْنِ خُثَيُّم، وليسَ بالقويِّ، تركَ حديثَه يحيى القطَّنُ، وأَبَّنُ مهديّ(١). ومن العجب قولُ بعضهم: ((يكفي أَنَّ مسلمًا خَرَّجَ له)»، مع طعِنِهِ (١) انظر ((نصب الراية)) (١ / ٣٥٣ - ٣٥٤). ٤٠٢ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ في حديثِ الأوزاعيِّ الذي خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِه)) من حديث أنسٍ المصرّح بنفي قراءة البسملة، وقولُه: ((إنَّه معلولٌ غيرُ ثابتٍ)) بغيرِ حجةٍ ولا برهان نعوذُ بالله من اتِّباع (١٣٠ - ب/ ك٢) الهوى. فإن قيلَ: فقد رُوِيَ عن أنسِ أحاديثُ صريحةٌ في الجهرِ بالبسملةِ، فروى حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن شَرِيكِ بْنِ عبدِ اللهِ بْنِ أبي نَمِرٍ، عن أنسٍ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِِّ يجهرُ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. خَرَّجَه الحاكمُ في ((المستدركِ)(١) من طريقِ أصبغ بْنِ الفرجِ، عن حاتمٍ به. وقال: رواتُه ثقاتٌ. قلتُ: هذا لا يثبتُ؛ فقد خرَّجَه الدار قطنيُّ (٢) من طريقٍ آخر عن حاتم بن إسماعيلَ، عن شَريك بنِ عبدِ اللهِ، عن إسماعيل المكيِّ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، فذكره. فتبينَ بهذه الرواية أنَّه سقطَ من رواية الحاكمِ من إسناده رجلان، أحدُهما: إسماعيلُ المكيَّ - وهو: ابنُ مسلمٍ - متروكُ الحديث، لا يجوزُ الاحتجاجُ به. وخرَّجَ الدار قطنيُّ - أيضًا(٣) - من طريقِ معتمرٍ بْنِ سليمانَ، عن أبيه: عن أنسٍ قال: كانَ النبيُّ ◌َِّهِ يجهرُ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. وفي إسنادِهِ مجاهيلُ لا يُعْرفونَ. وخَرَّجَ - أيضًا (٢) - بإسنادٍ منقطعٍ وجادةً وجدَها في كتابٍ -، عن محمدِ بنِ أبي المتوكِّلِ بْنِ السَّريِّ العسقلانيِّ أَنَّه صَلَّى خلفَ المعتمرِ بنِ (١) (١ / ٢٣٣). (٣) (٣٠٨/١ - ٣٠٩). (٢) (١ / ٣٠٨) . ٤٠٣ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان سليمانَ فكانَ يجهرُ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وقال: إنِّي ما آلو أن أقتديَ بصلاة المعتمر (١). وقال أنسٌ: ما آلو أَنْ أقتديَ بصلاة رسولِ اللهِ وَاخله. وهذا لا يثبتُ لوجوه: منها : انقطاعُ أولِ إسنادِه(٢). ومنها: أَنَّه ليسَ فيه تصريحٌ بروايةِ معتمرٍ للجهرِ بالبسملةِ بهذا الإسناد؛ وإنما فيه اقتداءٌ كليٌّ في الصَّلاةِ، ومثل هذا لا يثبتُ به نقلُ تفاصيلِ أحكامِ الصَّلاة الخاصَّة . ومنها: أَنَّ المعتمرَ بْنَ سليمانَ إنَّما كان يروي حديثَ البسملة بإسناد آخر، عن إسماعيلَ بْنِ حَمَّدٍ، عن أبي خالدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ النبيُّ مَلٍ كان يفتتحُ صلاتَهَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. خرَّجَه من طريقه كذلك أبو داودَ(٣)، وقال: هذا حديثٌ ضعيفٌ؛ والترمذيُّ(٤) وقالَ: إسنادُه ليس بذاكَ، وقال: إسماعيلُ بْنُ حَمَّاد - هو ابنُ أبي سليمانَ -، وأبو خالد - هو الوالبيَّ. كذا قال! وقال الإمامُ أحمدُ في روايةٍ حنبلٍ : إسماعيلُ بْنُ حَمَّدٍ ليسَ به بأسٌ، ولا أعرفُ أبا خالد - يعني: إِنَّه غيرُ الوالبيِّ. (١) لفظه بتمامه: قال - يعني محمد بن أبي السري -: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب، وبعدها. وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس .. )). (٢) وصله الحاكم في ((المستدرك)) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤). (٣) كما في ((تحفة الأشراف)) (٥ / ٢٦٥). (٤) (٢٤٥). وانظر ((نصب الراية)) (١ / ٣٢٤). ٤٠٤ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ كذا قال العقيليُّ(١) قال: إسماعيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أبي سليمانَ حديثُه غيرُ محفوظ - يعني: هذا الحديث - ويحكيه عن مجهولٍ كوفيّ. وخرَّجَهَ ابنُ عدي في كتابِهِ (٢) من طريقِ معتمرٍ كما خرَّجَه أبو داودَ وغيره . وخرَّجَ - أيضًا(٢) - من طريقٍ آخر، عن معتمرٍ قال: سمعتُ ابْنَ حماد، عن عمرانَ بْنِ خالد، عن ابنِ عبّاسٍ . ثم قال: هذا الحديثُ لا يرويه غيرُ معتمر، وهو غيرُ محفوظ سواء قال: عن أبي خالد أو عمران بن خالد، جميعًا مجهولان. وقال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا الحديثُ - واللهُ أعلمُ - إِنَّه رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ من فعلِهِ،، لا مرفوعًا إلى النبيِّنَّهُ. ومنها: أَنَّ محمدَ بْنَ المتوكلِ لم يُخَرَّجْ له في ((الصَّحيح))، وقد تَكلَّمَ فيه أبو حاتم الرازيّ وغيرُه وليّنوه، وهو كثيرُ الوهم. وقد رُوي عنه هذا الحديثُ على وجهِ آخر: خَرَّجَه الطبرانيُّ عن عبدِ اللهِ بْنِ وهيب الغزي، عن محمدِ بنِ أبي السّريِّ، عن معتمرِ بنِ سليمانَ، عن أبيه، عن الحسن، عن أنسٍ أن النبيّ وَلَّ كان يُسرَّ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وأبو بكر وعمرُ (٣) . فهذه الروايةُ المتّصلةُ الإسناد أولى من تلك المنقطعةِ . وأعجبُ من هذا: ما خرَّجَه الحاكمُ(٤) من طريقِ سيفِ بْنِ عمرو أبي (٢) (١ / ٣١١). (١) في ((الضعفاء)) (١ / ٨٠). (٣) الطبراني في ((الكبير)) (١ /٢٥٥) وفى ((الأوسط)) (٨٢٧٧) من طريق آخر عن الحسن. (٤) ((المستدرك)) (١ /٢٣٤) وانظر ((الميزان)) (١ / ١١٤). ٤٠٥ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان جابر، عن محمد بنِ أبي السَّيِّ، عن إسماعيلَ (١٣١ - أ/ ك٢) ابْنِ أبي أويسٍ، عن مالكٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ نَّه وخلفَ أبي بكرٍ، وخلفَ عمرَ، وخلف عثمانَ، وخلفَ عليٍّ، فكلّهم كانوا يجهرونَ بقراءةٍ بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم. وتخريجُ هذا في ((المستدركِ)) من المصائبِ، ومن يخفى عليه أَنَّ هذا كذبٌ على مالك وأنَّه لم يحدِّثْ به على هذا الوجه قَطَّ؛ إنما رُوي عن حميد، عن أنسٍ أَنَّ أبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ كانوا لا يقرأونَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم . هكذا خرَّجَهَ في ((الموطَّا))(١)، ورَوَاه عنه جماعةٌ وذكروا فيه النبيّ - أيضًا - وقد سبقَ ذكرُ ذلك. كتا الله عَلى وَسيلم فمن اتَّقى وأنصفَ علم أن حديثَ أنسِ الصحيحَ الثابتَ لا يُدفَعُ بمثلِ هذه المناكيرِ والغرائبِ والشَّواذِّ التي لم يرضَ بتخريجها أصحابٌ (الصِّحاحِ))، ولا أهلُ ((السننِ)) مع تساهلِ بعضِهِم فيما يُخرِّجُه - ولا أهلُ المسانيد المشهورةِ مع تساهلِهِم فيما يخرِّجونه. وإنَّما جُمعَتْ هذه الطرقُ الكثيرةُ الغريبةُ والمنكرةُ لَّا اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بها، ودخلَ في ذلكَ نوعٌ من الهوى والتَّعصُّب؛ فإنَّ أئمةَ الإسلامِ المجتمعَ عليهم إِنَّما قصدوا اتباعَ مَا ظهرَ لهم من الحقِّ وسنةٍ رسولِ اللهِ مِِّ، لم يكنْ لهم قصدٌ في غير ذلك - رضي اللهُ عنهم - ثم حدث بعدَهم مَن كان قصدُه أن تكونَ كلمةُ فلان وفلان هي العليا - ولم يكن هذا قصدَ أولئكَ المتقدِّمِينَ -، فجمعوا وكَثَّروا الطُّرقَ والروايات (١) (ص / ٧٢). ٤٠٦ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ الضعيفةَ والشاذةَ والمنكرةَ والغريبةَ، وعامَّتُها موقوفاتٌ رفعها من ليسَ بحافظ أو من هو ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، أو مرسلاتٌ وصلَها من لا يحتجّ %3 به مثلُ ما وصلَ بعضُهم مرسلَ الزُّمريِّ في هذا فجعلَه عنه، عن ابن المسيّبِ، عن أبي هريرةَ. وَوَصْلُه باطلٌ قطعًا. والعجبُ ثَمَّن يعلِّلُ الأحاديثَ الصحيحةَ المخرجةَ في ((الصّحيحِ)) بعللٍ لا تساوي شيئًا؛ إنما هي تعنّتُ محضٌ، ثم يحتجَّ بمثلِ هذه الغرائبِ الشَّاذةِ المنكرةِ، ويزعمُ أنَّها صحيحةٌ لا علةَ لها (١). وقد اعتنى بهذه المسألة وأفردَها بالتَّصنيفِ كثيرٌ من المحدِّثينَ، منهم: محمدُ بْنُ نصرٍ، وابنُ خزيمةً، وابنُ حبان، والدَّارقطنيُّ، وأبو بكر الخطيبُ، والبيهقيُّ، وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهم من المتأخِّرِينَ. ولولا خشيةُ الإطالةِ لذكرنا كلَّ حديث احتجُوا به، وبيانَ أنه لا حجةً فيه على الجهرِ؛ فإنَّها دائرةٌ بين أمرينٍ: إما حديثٌ صحيحٌ غيرُ صريحٍ أو حديثٌ صريحٌ غيرُ صحيحٍ(٢). ومن أقوى ما احتجُّوا به: حديثُ خالد بن يزيدَ، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُعيمِ المَجْمِر أنه صلى وراء أبي هريرةَ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، ثم قال لما سَلَّمَ: إني لأشبهُكم صلاةً برسول اللّه ◌َله . (١) وانظر كلاما نفيسا جدًا حول مسألتنا هذه سطره الإمام الزيلعي - رحمه الله - في ((نصب الراية)) (٣٥٥/١ - ٣٥٦)، ولولا أن شرطنا في هذا الكتاب عدم التطويل، وإثقالِ الحواشي - إلا للضرورة الملحة - لنقلناه برمته لجودته، وقد سبق أن أشرنا إليه بشيء من الاختصار تحت الحديث (٣٨٠) أول الباب. (٢) وكما سبق فقد أوردها الزيلعي في ((نصب الراية)) وناقشها مناقشة علمية هادئة فجزاه الله خير الجزاء . ٤٠٧ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان خرَّجَه النسائيُّ، وابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وغيرُهم (١). وسعيدٌ وخالدٌ وإن كانا ثقتينٍ؛ لكن قال أبو عثمانَ البرذعيُّ في ((علله))، عن أبي زُرعةَ الرازيِّ أنه قالَ فيهما: رُبَّما وقع في قلبي من حسنِ حديثهما. قال: وقالَ أبو حاتم: أخافُ أن يكونَ بعضُها مراسيلَ عن ابن أبي فروةَ، وابن سمعان(٢) - يعني. مدلسه عنهما. ثم هذا الحديثُ ليسَ بصريحٍ في الجهر؛ إنَّما فيه أنَّه قرأَ البسملةَ، وهذا يصدقُ بقراءتها سرّاً. وقد خرَّجَه النسائيُّ في بابِ «تركِ الجهرِ بالبسملةِ))(٣). وعلى تقديرٍ أن يكونَ جهرَ بها: فيحتملُ أن يكونَ جهرَ بها (١٣١ - ب/ ك٢) لِيُعلِّمَ النَّاسَ استحبابَ قراءتها في الصَّلاة كما جهرَ عمرُ بالتعوَّذ (١) النسائي (١٣٤/٢) وابن خزيمة (٢٥١/١، ٣٤٢) والحاكم (٢٣٢/١) وابن حبان (١٠٠/٥) والدار قطني (٣٠٥/١_٣٠٦) والبيهقي (٤٦/٢، ٥٨) من طريق خالد بن يزيد، عن سعيد به. هذا هو المحفوظ لهذا الحديث. وأخرجه أحمد (٢ / ٤٩٧) عن رشدين - وهو ابن سعد -، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال. ورشدين ضعيف، فلا يعبأ بهذه المتابعة . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الدارقطني: هذا صحيح، ورواته كلهم ثقات. وقال البيهقي: إسناد صحيح، وله شواهد. وفي ((الخلافيات) للبيهقي - كما في ((نصب الراية)) -: رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في ((الصحيح)). (٢) راجع ((كتاب الضعفاء لأبي زرعة وأجوبته على أسئلة البرذعي)) (٢ / ٣٦١ - ٣٦٢)، ونقلها المصنف - رحمه الله في ((شرح العلل)) (٢ / ٨٦٧)، وفسرها هناك، فلتراجع. (٣) الذي في المطبوع من ((السنن)) تحت باب: ((قراءة بسم الله الرحمن الرحيم)). فالله أعلم. ٤٠٨ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ لذلك. وأيضًا - فإنَّه قالَ: قرأ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ثم قرأ بأمِّ القرآنِ. وهذا دليلٌ على أَنَّها ليستْ من أمِّ القرآن، وإنَّما تُقرأُ قبلَ أمِّ القرآن تبرَّكًا بقراءتها . وأيضًا - فليسَ في الحديثِ تصريحٌ بأنَّ جميعَ ما فعله أبو هريرةَ في هذه الصَّلاة نقلَه صريحًا عن النبيِّ وَّه، وإنَّما فيه أَنَّ صلاتَه أشبهُ بصلاة النبيِّ وَّ من غيرِه(١). وخرَّجَ الدار قطنيُّ من حديث أبي أويسٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ كانَ إذا أَمَّ النَّاسَ قرَأَ ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمٍ))(٢). وهذا مما تفرَّدَ به أبو أويس، وقد تُكُلِّمَ فيه وإن خرَّجَ له مسلمٌ ووثَّقَه غيرُ واحدٍ. وليس - أيضًا - بصريحٍ في الجهرِ؛ بل يحتملُ أَنَّه كانَ يقرؤها سرّاً. وقد رُوِيَ بهذا الإسنادِ بعينِه أَنَّ النبيَّ بَّ كان لا يجهرُ بها، وسنذكره. وخَرَّجَ ابنُ عبد البرِّ بهذا الإسناد التصريحَ بالجهرِ بها بإسناد فيه (١) وتوسع الزيلعي في بيان علله في ((نصب الراية)) (١ / ٣٣٦) فما بعدها. (٢) الدار قطني (١ / ٣٠٦) من طريق أبي طالب أحمد بن نصر، عن أحمد بن محمد بن منصور بن أبي مزاحم، عن جده منصور بن أبي مزاحم. ومن طريق أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الفارسي، عن عثمان بن خرزاذ، عن منصور قال: «من کتابه، ثم محاه بعد)) ا. هـ. ٤٠٩ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان النَّضرُ بْنُ سلمةَ - شاذان -، وهو متّهم بالكذب. وخرَّجَ الدار قطنيُّ(١) - أيضًا - من روايةِ أبي بكرٍ الحنفيِّ، عن عبد الحميدِ بنِ جعفر، عن نوحِ بنِ أبي بلال، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إذا قرأتُم الحمد فاقرءوا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم؛ إنَّها أحدٌ(٢) آياتها)) وذكر فيه فضلَ الفاتحة. قال الحنفيُّ: لقيتُ نوحًا فحدثني عن سعيد، عن أبي هريرةَ بمثلِه ولم يرفعُهُ. وذكرَ الدارقطنيُّ في ((علِهِ)(٣) أنَّ وقفَه أشبهُ بالصَّواب. قلتُ: ويدلُّ على صحة قوله: أَنَّ ابنَ أبي ذئبٍ روى الحديثَ في فضلِ الفاتحةِ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، ولم يذكرْ فيه البسملةَ. وروى إبراهيم بن إسحاقَ السَّراجُ، عن عقبةَ بن مكرمٍ، عن يونسَ ابْنِ بكير: ثنا مسعر، عن محمد بن قيس، عن أبي هريرةَ قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّلْوِ يجهرُ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. خرَّجَه الدار قطنيُّ، والحاكمُ (٤). وظنَّ بعضُهم أنه إسنادٌ صحيحٌ؛ وليس كذلكَ؛ فإنَّ السَّراجَ وهم في قولِهِ في إسنادِهِ: ((حَدَّثْنا مِسْعرٌ))؛ إنَّما هو أبو معشر. كذا قالَ الدَّار قطنيُّ، والخطيبُ، وقبلهما أبو بكر الإسماعيليّ في ((مسند مسعر))، وُ وحكاه عن أبي بكر بن عمير الحافظ. وقال البيهقيّ: الصّوابُ: ((أبو معشر))، (١) (١ / ٣١٢) . (٣) (٨ /١٤٩). (٢) كذا، ولعل الصواب: ((إحدى)). (٤) الدار قطني (١ /٣٠٧)، والحاكم (١ / ٢٣٢). ٤١٠ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ وأبو معشرٍ هو نجيحٌ السنديّ ضعيف جدّاً. وخرَّجَ الدار قطنيُّ(١) وغيرُهُ من حديثِ حميدٍ، عن الحسنِ، عن سمرةَ قال: كانتْ لرسولِ اللهِ وَله سكنتانِ: سكتةٌ إذا قرأ بسمِ اللهِ الرحمن الرحيمِ، وسكتةٌ إذا فرغَ من القراءة. فأنكر ذلك عمرانُ بْنُ حصين، فكتبوا إلى أُبيِّ بن كعب فكتبَ: أن صدقَ سمرةُ. ورواةُ هذا الحديثِ كلُّهم ثقاتٌ كما ذكره غيرُ واحد؛ لكن سماعُ الحسنِ من سمرةَ مختلفٌ فيه، وإن ثبتَ فهو دليلٌ على الإسرارِ بالبسملةِ لا على الجهر؛ لأنَّه صرَّحَ بأن سكتتَهُ الأولى كانت إذا قرأَ البسملةَ، ومرادُه: إذا أرادَ قراءتَها، فدلَّ على أنَّه كان يقرؤها في السكتةِ الأولى وإلا فلا يقولُ أحدٌ: إن السنة أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم جهرًا ثم يسكت بعد ذلك سكتةً ثم يقرأ الفاتحة، ولا نقل هذا أحدٌ عن النبيِّ وَِّ، ولا عن أحدٍ من أصحابِهِ، ولا قالَ به قائلٌ. وقد رَوَى هذا الحديثَ قتادةُ، عن الحسنِ، عن سمرةً، وفسَّرَ قتادةُ السكتتين (٢) إذا دخلَ في الصَّلاةِ، وإذا فرغَ من القراءةِ. وفي (١٣٢ - أ/ ٢٥) رواية قال: سكتةٌ إذا كَبَّرَ، وسكتةٌ إذا فرغَ. خرَّجَه أبو داودَ (٣) وغيرُهُ. وخرَّجَ - أيضًا(٤) - من حديثٍ يونسَ، عن الحسن، عن سمرة قال: حفظت سكتتين في الصَّلاة، سكتة إذا كبّرَ الإمامُ حتى يقرأَ، وسكتة إذا فرغَ. (١) (١/ ٣٠٩). (٢) فى ((ك٢)): ((السكتين)) بتاء واحدة. (٣) (٧٨٠). (٤) (٧٧٧) ٤١١ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان ففي هذه الروايات كلِّها تصريحٌ بأنَّ السكتةَ كانت بين التكبيرِ والقراءةِ كما في حديث أبي هريرةَ. وخرَّجَ الحاكمُ(١) من طريقِ عبدِ اللهِ بْنِ عمرِو بْنِ حسان، عن شَرِيكِ، عن سالمٍ الأَفْطَس، عن سعيدِ بْنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: كانَ رسولُ اللهِ نِّ يجهرُ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. وقال: صحيح، لیس له علةٌ. وهذه زلة عظيمةٌ؛ فإنَّ عبدَ الله بْنَ عمرو بن حسان هذا هو الواقعىُّ(٢)، نسبَهُ ابنُ المدينيِّ إلى الوضعِ، وقال الدارقطنيَّ: كان يكذبُ، وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: كان لا يصدقُ. وخرَّجَ الدارقطنيُّ(٣) هذا الحديث من طريق أبي الصَّتِ الهرويِّ، عن عبَّادِ بن العوَّام، عن شريك، وقال فيه: يجهرُ في الصَّلاة. وأبو الصَّلَت ١ هذا متروكٌ. وخرَّجَه الطبرانيُّ في ((أوسطِهِ))(٤) من طريقِ يحيى بنِ طلحةَ اليربوعيِّ، عن عباد بنِ العوام بهذا الإسنادِ ولفظُ حديثه: كان رسولُ الله وَّ إذا قرأْ بسم الله الرحمن الرحيمِ هزاً منه المشركونَ، وقالوا: محمدً يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمةُ يتسمَّى الرحمن، فلما نزلتْ هذه الآيةُ أُمِرَ النبيُّ وَِّ أن لا يجهرَ بها. (١) (١ / ٢٠٨). (٢) في ((ك٢)": ((الواقفي)) بالفاء بعد القاف، وهو خطأ صوابه: ((الواقعي)) بالعين المهملة بعد القاف قاله ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٤ /١٥٦) وابن ناصر في ((التوضيح)) (٩ / ١٦٥) و ((التبصير)) (٤ /١٤٧٦) لابن حجر. (٣) (١/ ٣٠٣). (٤) رقم (٤٧٥٦). ٤١٢ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ وهذا لو صحَّ لدلَّ على نسخِ الجهرِ بها؛ ولكنَّ الصحيحَ أنه مرسلٌ. كذلك رواه يحيى بن معين، عن عبادِ بن العوام: ثنا شَرِيكُ بْنُ عبدالله بن سنان(١)، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبير في قولِهِ تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتكَ ولا تخافتْ بها﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت في بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وذكر الحديثَ بمعناه مرسلا. كذا خرَّجَه عنه المفضل الغَلابِيُّ في («تاريخِه)). وكذا خرَّجَه أبو داودَ في ((المراسيل)) (٢)، عن عبادٍ بن العوام، وعنده: فَأُمرَ رسولُ اللهِ وَلَه بإخفائها فما جهرَ بها حتى مات. وكذا رواه يحيى بنُ آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد مرسلا، وهو أصحّ. وقد رُوِيَ عن إسحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، عن يحيى(٣) موصولا ولا يصحُّ. ذكره البيهقيّ في ((المعرفة)) (٤). ورَوَى عبيدُ الله بْنُ عَمرو الرقي، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزُّبيرِ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِ وَّ أنه كانَ إذا قام إلى الصَّلاة فأرادَ أن يقرأَ قال: ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾. قال ابنُ عبد البرِّ: قد رفعَه غيرُه - أيضًا - عن ابنِ عمرَ، ولا يصحّ؛ (١) هو: شريك النخعي. وسنان: جده. انظر («الميزان)) (٢ / ٢٧٠). (٢) ((المراسيل)) (ص: ٨٩ - ٩٠). (٣) في ((ك٢)): ((إسحاق))، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه. (٤) (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠) . ٤١٣ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان لأنه موقوفٌ على ابنِ عمرَ من فعله، كذلك رواه سالمٌ، ونافعٌ، ويزيدُ الفقيرُ، عن ابنِ عمرَ. وقال البيهقيُّ(١): الصَّوابُ موقوفٌ. وقد قالَ العقيليُّ في ((كتابِه))(٢): لا يصحُّ في الجهرِ بالبسملةِ حديثٌ مسندٌ - يعني: مرفوعًا إلى النبيِّ ◌َِل وحُكي مثلُه عن الدار قطنيٍّ (٣)، وما ينقلُ عنه في ((سنِه)) من تصحيحٍ أحاديثَ في هذا البابِ فلا توجد في جميعِ النُّسخِ؛ بل في بعضِها، ولعلَّه من زيادةٍ بعضِ الرواةِ . وفي تركِ الجهرِ بها: حديثُ عبدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل. وهو شاهدٌ لحديث أنسِ الذي خرجه مسلمٌ، وهو من رواية أبي نعامةَ الحنفيِّ عن ابنِ عبدِاللهِ ابنِ مُغَفَّل قالَ: سمعني أبي وأنا في الصَّلاةِ أقول: ((بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)) فقال: أي بُنيِّ مُحدثٌ، إياكَ والحدثَ. قال: ولم أرَ أحدًا من أصحابِ النبيِّ مََّ كانَ أبغضَ إليه الحدثُ في الإسلامِ - يعني: منه - (١) في ((السنن)) (٢ /٤٨). (٢) لم نجد في ((ضعفاء العقيلي)) هذا الكلام في مظانه إنما الذي وجدناه أنه بعدما أورد حديث ابن عباس السابق (١ / ٨٠ - ٨١) نقل محققه في الهامش ما يلي: في ((الأصل)) بعد هذه الفقرة بخط مغاير لخط الناسخ: ((لا يثبت في الجهر بها حديث مسند)). وغني عن البيان أنها من قارىء زاد بها هذه الجملة. ا. هـ. ولعل هذه العبارة هي التي يقصدها ابن رجب والله أعلم .. وانظر كتاب الشيخ بكر أبو زيد («التحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث)) (ص ٥٤ - ٥٥) ونقل عن الدارقطني قوله. (٣) نقل الفخر الرازي في كتابه ((أحكام البسملة)) (ص / ٧٢) هذه الحكاية وتعقبها بأن ما في ((السنن)) بخلاف المحكي عنه، وبأن كتاب ((السنن)) متأخر عن كتاب ((الجهر)) للدارقطني. ٤١٤ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ قال: وقد صَلَّيْتُ مع النبيِّ بَّ، ومعَ أبي بكرٍ، ومعَ عمرَ، ومع عثمانَ فلم أسمع أحداً منهم يقولُها، إذا أنتَ صلَّيتَ فقلْ: (١٣٢ - ب/ ك٢) الحمدُ لله ربِّ العالمينَ. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ. وخرَّجَه النسائيُّ مختصرًا(١). وأبو نعامةَ هذا بصريٌّ، قال ابنُ معينٍ: ثقةٌ. قال ابنُ عبد البرِّ: هو ثقةٌ عند جميعهم، وله روايةٌ عن عبدِ اللهِ بنِ مغفَّل في الاعتداءِ في الدعاءِ والطُّهورِ . وأما هذا الحديثُ: فقد رَوَاه، عن ابنِ عبد الله بن مغفل، عن أبيه - وابنُ عبد الله بن مغفَّل يقالُ: اسمه: يزيد - وقد رَوَى هذا الحديثَ: أبو حنيفةَ، عن أبي سفيانَ، عن يزيدَ بنِ عبد الله بن مغفل، عن أبيه(٢). وكذلك خرَّجَه أبو بكر عبدُ العزيزِ بْنُ جعفر في كتابِ ((الشَّافِي)) له من طريق حمزةَ الزياتِ، عن أبي سفيانَ، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل قال: صَلَّى بنا إمامٌ فجهرَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم، فقال له أبي: تَأَخَّرْ عن مصلانا تجنب عنا هذا الحرفَ الذي أراكَ تجهرُ به؛ فإنِّي صلَّيتُ خلفَ النبيِّ وَّهِ وأبي بكر وعمرَ فلم يجهروا بها. قال له رجلٌ: وعثمانُ؟ فسكت. ويزيدُ هذا لم يُعْلَم فيه جرَحًا، وقد حسَّنَ حديثَه الترمذيُّ، وما قاله (١) أحمد (٨٥/٤)، (٥٤/٥، ٥٥) وابن ماجه(٨١٥) والترمذي (٢٤٤) والنسائي (١٣٥/٢). وانظر: ((نصب الراية)) (١ /٣٣٢) وتعليق الشيخ أحمد شاكر على ((جامع الترمذي)). (٢) ((مسند أبي حنيفة)) لأبي نعيم (ص١٣٢). ٤١٥ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان طائفةٌ من المتأخِّرِينَ: إِنَّه مجهولٌ، كابنِ خزيمةَ وابنِ عبد البرِّ(١)؛ فقد علَّلَه ابنُ عبدِ البرِّ بأنَّه لم يروِ عنه إلا واحدٌ فيكون مجهولا: يجابُ عنه بأنَّه قد رَوَى عنه اثنان فخرجَ بذلك عن الجهالةِ عند كثير من أهلٍ الحديث . وقد رَوَى سفيانُ الثوريُّ، عن خالد الحذَّاء، عن أبي نعامةً، عن أنسٍ أن النبيِّ ◌ََِّ لم يكنْ ولا أبو بكر ولا عمرُ يجهرونَ ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. كذا رَوَاه غيرُ واحدٍ، عن سفيانَ (٢). وخالفهم يحيى بنُ آدم فرواه عن سفيانَ، عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ. ووهم فيه؛ إِنَّما هو أبو نعامة. قالَه الإمامُ أحمدُ(٣). ثم اختلفَ الحفّاظُ، فمنهم من قالَ: الأشبهُ بالصَّوابِ: روايةُ من رَوَاه عن أبي نعامةَ، عن ابن مغفَّلٍ، عن أبيه، ومنهم: الدار قطنيُّ(٤). وكلامُ أحمدَ يدلُّ عليه - أيضًا - قالوا: لأنَّه رواه ثلاثةٌ عن أبي نعامةً بهذا الإسنادِ، وهم: الجريريُّ، وعثمانُ بن غياث(٥)، وراشدٌ الحرانيُّ(٦)، فقولُهم أولى من قولِ خالد الحذَّاءِ وحده. ومنهم من قال: يجوزُ أن يكونَ القولانِ عن أبي نعامة صحيحينٍ. (١) في ((التمهيد)) (٢٠ /٢٠٦). (٢) البيهقى (٢ / ٥٢). (٣) انظر ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله(٧٥١/٢ - ٧٥٢). (٤) في ((الأفراد)) (١٣٥٨ - أطرافه) بتحقيقنا. (٥) في ((ك)): ((عتاب)) بالعين المهملة أوله، ثم تاء مثناة فوقية، وآخره باء موحدة. والصواب ما أثبتناه، وهو مترجم في ((التهذيب)). وروايته في ((سنن البيهقي)) (٢ / ٥٢). (٦) كذا، ولعله: أبو محمد راشد الحماني، وهو يروي عن أبي نعامة. والله أعلم. ٤١٦ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ ومن العجائب: تأويلُ بعضهم لحديثِ ابْنِ مغفّلِ على مثلِ تأويله لحديثِ أنسٍ، وأنَّ المرادَ: افتتاحُهم بالفاتحةِ . وهذا إسقاطٌ لفائدة أولِ الحديثِ وآخرِهِ، والسببِ الذي لأجلِه رواه ابنُ مغفل؛ وإنَّما الصَّوابُ عكسُ هذا، وهو حملُ حديث أنسٍ على مثلٍ ما رواه ابنُ مغفل . ورَوَى عبيدُ الله بْنُ عَمرو الرقيُّ، عن زيدِ بن أبي أُنّيسةَ، عن عَمرو ابنِ مرةً، عن نافعٍ بْنِ جُبيرِ بْنِ مُطْعِم، عن أبيه أنَّ النبيَّ ◌َِّ لم يجهر في صلاتِه ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. ذكره الدَّار قطنيُّ في ((علِلِه)). وهذا الإسنادُ رجالُه كلُّهم ثقاتٌ مشهورونَ؛ ولكن له علَّةٌ وهي: أَنَّ هذا الحديثَ قطعةٌ من حديثِ جُبيرِ بنِ مُطْعِم في صفةِ تكبيرِ النبيِّ وَّل وتعوّذِه في الصَّلاة، وقد رواه الثقاتُ عن عمرو بنِ مرةَ، عن عاصمٍ العَنَزَيِّ، عن نافعٍ بْنِ جُبير، عن أبيه بدونِ هذه الزيادةِ فإنه تفرَّدَ بها الرقيّ عن زيد (١) . ورَوَى الحافظُ أبو أحمدَ العسَّالُ: ثنا عبدُ الله بنُ العَبَّاس الطيالسيَّ: ثنا عبدُ الرحيمِ بْنُ زياد السكريُّ: ثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن عُبيد الله ابْنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: صَلَّتُ خلفَ رسولِ اللهِ وَل وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فلم يقنتوا ولم يجهروا. وهذا الإسنادُ - أيضًا - كلُّهم ثقاتٌ مشهورونَ. (١) وسيأتي الكلام عليه آخر شرح هذا الحديث. ٤١٧ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان وهذا والذي قبلَه خيرٌ من كثيرٍ من أحاديث الجهر (١٣٣ - أ / ك٢) التي يُصحِّحُها الحاكمُ وأمثالُه ويحتجون بها؛ ولكن لا نستحلُّ كتمانَ ما ذُكِرَ في تعليلِهِ؛ فذكرَ الدار قطنيُّ في ((العللٍ)) أنه تفرَّدَ به السُّكريُّ، عن ابنِ إدریسَ مرفوعًا . قالَ: ورَوَاه زائدةُ والقطَّنُ ومحمدُ بْنُ بشر وابنُ نمير، عن عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ موقوفًا. قال: وكذلك رَوَاه مالكٌ في ((الموطأ»، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ موقوفًا. قال: وهو الصَّوابُ. وفي (صحيح مسلمٍ))، عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ وَلَّ كَانَ يستفتحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ والقراءةَ بالحمد لله ربِّ العالمينَ(١). وفيه عن أبي هريرةَ أَنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا نهضَ في الثَّانِيةِ استفتحَ بالحمد لله ربِّ العالمين، ولم يسكتْ(٢). وروى منصورُ بنُ مزاحم - وهو صدوقٌ -: ثنا أبو أويس، عن العلاء ابنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أَنَّ النبي ◌َّ كان لا يجهر ٩ ببسمِ الله الرحمن الرحيمِ. ذكره ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ، وهذا إسنادٌ جيدٌ، وقد عضَّدَه أَنَّ مسلمًا خرّج بهذا الإسناد بعينه حديثَ: ((قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدِي نصفين)) وذَكَرَ سورةَ الفاتحةِ بكمالِهَا ولم يذكرْ فيها البسملةَ. ٠ (١) مسلم (٤٩٨) وسبق ما فيه، وأنه من رواية أبي الجوزاء، عن عائشة، وهي مرسلة، وانظره (ص ٣١٠) تحت الحديث (٧٣٤)، والله أعلم. (٢) مسلم (٥٩٩). ٤١٨ ٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير الحديث: ٧٤٤،٧٤٣ ورَوَى عمارُ بنُ زربي، عن المعتمرِ بْنِ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن عمرَ بْنِ الخطَّبِ قال: كانَ (١) قراءةُ رسولِ اللهِ وَلَيه مدّ: ﴿الحمدُ لله ربِّ العالمين. الرحمن الرحيم﴾ حَتّى يختمَ السَّورةَ. عمارٌ هذا تُكُلِّمَ فيه. وليست هذه الأحاديثُ بدون الأحاديث التي يَستدلَّ بها الحاكم وأمثالُه على الجهرِ؛ بل إمَّا أن تكونَ مساويةً لها أو أقوى معَ اعتضادِها بالأحاديث الصَّحيحة والحسنة المخرَّجةِ في ((الصِّحاح)) و ((السَّنْنِ)). وتلك لا تعتضدُ بشيءٍ من ذلكَ. وفي البابِ أحاديثُ أُخر تركناها اختصارًا، وبعضُها مُخرّجٌ في بعضِ (السّنن)) - أيضًا. وأما الآثارُ الموقوفةُ في المسألة فكثيرةٌ جدّاً . وإلى ذلكَ ذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ من أصحاب النبيِّ وَّ منهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ وغيرُهم، ومَنْ بعدهم من التابعين، وبه يقولُ سفيانُ الثَّورِيُّ، وابنُ المبارك، وأحمدُ، وإسحاقُ لا يرونَ أن يُجْهَرَ بـ﴿بسم الله الرحمنِ الرحيمِ﴾، قالوا: ويقولُها في نفسِهِ (٢). انتهى. وحكى ابنُ المنذرِ (٣) هذا القولَ عن سفيانَ، وأهلِ الرأي، وأحمدَ، وأبي عبيدٍ. قال: وَرويناه، عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعمارِ بنِ ياسر، (١) كذا ولعل الأصوب: ((كانت)). (٢) وانظر ((مقدمة التفسير)) لابن كثير (٣٢/١ - ٣٣). (٣) في ((الأوسط)) (٣ / ١٢٧ - ١٢٨). ٤١٩ الحديث : ٧٤٤،٧٤٣ كتاب الأذان وابن الزَّبِيرِ (١)، والحكم، وحمادٍ. قال: وقالَ الأوزاعيّ: الإمامُ يُخْفيها. وحكاه ابنُ شاهين عن عامةِ أهلِ السُّنةِ. قال: وهم السََّادُ الأعظم. ورَوَى شعبةُ، عن حُصينٍ، عن أبي وائلٍ قال: كانوا لا يجهرونَ بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾. ورَوَى الأثرمُ بإسناده، عن عروةَ بْنِ الزُّبِيرِ قال: أدركتُ الأئمةَ وما يستفتحونَ القراءةَ إلا بـ ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾. وعن الأعرج مثلُه. وعن النخعيِّ قال: ما أدركتُ أحدًا يجهرُ بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾. وعنه قال: الجهرُ بها بدعةٌ. وعن عكرمةَ قال: أنا أعرابيٌّ إن جهرتُ ب﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم﴾ . ورَوَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن همام، عن قتادةَ قال: الجهرُ بـ ﴿بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾ أَعْرابيةٌ. وعن سفيانَ، عن عبدِ الملكِ بْنِ أبي بشيرٍ، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ قال: الجهرُ بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم) قراءة الأعرابِ. وعن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفرٍ محمدٍ بُنِ عليٍّ قال: لا يُجْهَرُ بـ ﴿بسمِ اللهِ (١٣٣ - ب / ك٢) الرحمنِ الرحيم﴾(٢). وهذه الروايةُ تدلُّ على أنَّه لا يصحُّ ما حُكِيَ عن أبي جعفرٍ وأهلٍ البيتِ من الجهرِ بها؛ ولعلَّ الشيعةَ تفتري(٣) ذلك عليهم. (١) في ((٢٥)): ((أبي الزبير)) والتصويب من ((الأوسط)). (٢) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١ / ٤١١). (٣) في ((٢٥)» بالياء التحتانية. ٤٢٠