النص المفهرس

صفحات 361-380

٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
الحديث : ٧٤٠
هذا الحديثُ من روايةٍ عمرِو بْنِ الحارثِ.
قالَ البيهقيُّ: إنَّما يعرفُ هذا بطلحةَ بنِ عمرو، عن عطاءٍ، عن ابْنِ
عبَّاسٍ، ومرةً: عن أبي هريرةَ، وطلحةُ ليسَ بالقويّ(١).
قلتُ: وقد رُويَ عن طلحةَ، عن عطاء مرسلا. خرّجَه وكيعٌ، عنه
كذلك.
قال الترمذيَّ في ((جامعه))(٢): العملُ عندَ أهلِ العلمِ من أصحابِ
النبيِّ وَّهِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم على هذا يرونَ أن يضَعَ الرجلُ يمينَه على
شماله في الصّلاةِ. انتهى.
وقد رُوِيَ ذلكَ عن أبي بكرِ الصِّدِيقِ، وعليٌّ بْنِ أبي طالبٍ(٣).
وَرُوِيَ عن ابنِ الزُّبِيرِ أَنَّه قالَ: هو من السُّنةِ. خَرَّجه أبو داود (٤).
وعن عائشةَ قالتْ: هو من النُّبوةِ. خرَّجَه الدَّار قطنيُ(٥).
ورُوِيَ عن أبي الدرداءِ أَنَّه قَالَ: هو من أخلاقِ النَّبِينَ (٦).
(١) ((سنن البيهقى)) (٢ /٢٩)، (٤ /٢٣٨)، وقال: هذا حديث يعرف بطلحة بن عمرو
المكي، وهو ضعيف، واختلف عليه، فقيل عنه هكذا - يعني حديث ابن عباس -، وقيل:
عنه، عن عطاء، عن أبي هريرة، ورُوِىَ من وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة، ومن وجه
ضعيف عن ابن عمر، ورُوِىَ عن عائشة رضي الله عنها من قولها: ((ثلاث من النبوة»،
فذکرهن، وهو أصح ما ورد فيه)) ا. هـ.
(٢) (٢ / ٣٣) عقيب الحديث (٢٥٢).
(٣) ابن أبي شيبة (١ / ٣٩١)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٣ /٩١).
(٥) (١ / ٢٨٤).
(٤) (٧٥٤) .
(٦) ابن أبي شيبة (١ / ٣٩٠)، وانظر ((التمهيد)) (٢٠ /٧٤).
٣٦١

الحديث : ٧٤٠
كتاب الأذان
ورُوِيَ عن عليٍّ، وابْنِ عبَّاسٍ أَنَّهما فَسَّرا النَّحْرَ المذكورَ في قولِهِ
تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] بهذا وهو قولُ عامة فقهاء
الأمصارِ، منهم: الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والحسنُ بْنُ صالحٍ، والشَّافِعِيُّ،
وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو عبيدٍ، وأبو ثورٍ وغيرُهم (١).
وحَكَى ابْنُ المنذرِ إرسالَ اليدينِ في الصَّلاةِ عن ابنِ الزُّبِيِ، والحسنِ،
والنَّخعيِّ، وحَكَى عن مالكِ كقولِ الأولين (٢).
وذَكَر ابنُ عبدِ البرِّ أَنَّهِ رُوِيَ عن مالكِ أَنَّه قَالَ: لا بأسَ بذلكَ في
الفريضة والنَّفلة. قالَ: وهو قولُ المدنيينَ مَن أصحابِهِ. ونقلَ ابْنُ القاسمِ
عنه قَالَ: إِنَّما يفعلُ في النَّوافِل من طولِ القيامِ، وتركُه أحبُّ إليَّ. قَالَ:
وقالَ الليثُ: سدلُ اليدينِ فِي الصَّلاةِ أحبُّ إليَّ إلا أَنْ يطولَ القيامُ فلا
بأسَ أَنْ يضعَ اليمنى على اليسرى. وقالَ الأوزاعيّ: من شاء فعل ومن
وُ
شاءَ تِركَ. وهو قولُ عطاءٍ(٣) .
قلتُ: وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ، وحُكِيَ عنه أَنَّه يرسلُ يديه في
النَّوَافِل خاصَّةً. وهذا عكسُ ما نقله ابنُ القاسمِ عن مالكٍ.
ورَوَى ابنُ المباركِ في كتابِ ((الزُّهدِ))(٤) عن صفوان بْنِ عمرٍو، عن
مهاجر النبال أنَّهُ ذُكِرَ عنده قبضُ الرجَّلِ يمِينَه على شماله، فقالَ: ما
أحسَنَهُ، ذُلٌّ بينَ يدي عزّ.
(١) انظر ((الأوسط)) (٩١/٣) و((السنن) للبيهقي (٣٠/٢ - ٣١) و((التفسير)الطبري (٢١٠/٣٠).
(٢) ((الأوسط)) (٣ / ٩٢).
(٣) ((التمهيد)) (٧٤/٢٠-٧٥). وانظر مذهب مالك في ((البيان والتحصيل)) (٣٩٤/١_٣٩٥).
(٤) (ص / ٤٠٤).
٣٦٢

٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
الحديث : ٧٤٠
وحُكِيَ مثلُ ذلك عن الإمامِ أحمدَ(١). قال بعضُهم (٢): ما سمعتُ
في العلمِ أحسنَ من هذا.
ورُوّينا عن بشرِ بْنِ الحارثِ أَنَّه قالَ: منذُ أربعينَ سنةً أشتهي أن أضعَ
يدًا على يدِ في الصَّلاةِ ما يمنعُني من ذلكَ إلا أن أكونَ قد أظهرتُ من
الخشوعِ ما ليسَ في قلبي مثلُهُ(٣) (١٢٥ - أ/ ك٢) .
وروى محمدُ بْنُ نصرِ المروزيُّ في كتابِ ((الصَّلاةِ)) بإسناده عن أبي
هريرةَ قال: يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ على قدرِ صنيعهم في الصلاة.
وقبضَ بعضُ رواة الحديثِ شمالَه بيمينه وانحنى هكذا(٤).
وبإسناده عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ قَالَ: يُبعث (٥) النَّاسُ يومَ
القيامةِ هكذا، ووضعَ إحدى يديه على الأخرى(٦).
واختلفَ القائلونَ بالوضعِ هل يضعُهُما على صدرِهِ أو تحتَ سُرَّته أو
يُخَيَّرُ بينَ الأمرينِ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ هي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمد(٧).
(١) أخرجه ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١ / ٨٤). قاله الشيخ الفاضل محمد عمرو
في تحقيقه لكتاب ((الذل والانكسار)) للمؤلف - رحمه الله - (ص / ٥٦) وقال الشيخ حفظه
الله تعالی: بإسناد فيه نظر .
(٢) هو: علي بن محمد المصري، أبو الحسن الواعظ. انظر ((الذل والانكسار)) (ص / ٥٦)
للمصنف .
(٣) أخرجه الخطيب (١٤ /٣٩٩، ٤٢٥) وغيره، وضعف هذا الأثر الشيخ محمد عمرو في
((الذل والانكسار)» (ص / ٥٦ - ٥٧).
(٤) (تعظيم قدر الصلاة)) (٣٣٨/١). وانظر: ((الذل والانكسار)) (ص / ٥٨).
(٥) في ((ك٢)): ((سمعت)) كذا، والمثبت من ((الصلاة)) للمروزي
(٦) المروزي (٣٣٢/١).
(٧) انظر ((مسائل أبي داود)) (ص / ٣١).
وفيه: ((وسمعته يقول: يكره أن يكون - يعني: وضع اليدين عند الصدر)» ا. هـ.
٣٦٣

الحديث : ٧٤٠
كتاب الأذان
ومِمَّنْ رُوِيَ عنه أَنَّه يضعُهُما تحتَ سُرَّتِهِ: عليٌّ، وأبو هريرةَ، والنَّخعيُّ،
وأبو مِجْلَز. وهو قولُ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ، ومالكِ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن عليٍّ - أيضًا - وعن سعيدِ بْنِ جُبَيْرِ أَنَّه يضعُهما على
صدره. وهو قولُ الشَّافعيِّ(١)، وقالَ أبو إسحاقَ المروزيّ من أصحابِه:
يضعُهُمَا تحتَ سُرَّته.
وحَكَى ابنُ المنذرِ التخييرَ بينهما(٢).
قَالَ الترمذيُّ في ((جامعه))(٣): رأى بعضُهم أَنْ يضعَهما فوقَ سُرَّتَه
ورأى بعضُهم أَنْ يضَعهما تحتَ سُرَّتِهِ، كُلُّ ذلكَ واسعٌ عندَهُمْ (٤).
(١) قال العيني في ((عمدة القاري)) (٥ /١٦): ((وعند الشافعي على الصدر - ذكره في
((الحاوي))، وفي ((الوسيط)): تحت صدره)) ا. هـ.
(٢) في ((الأوسط)) (٣ / ٩٤)، وراجع ((المجموع)) (٣ / ٣١٣).
(٣) (٢/ ٣٣) تحت الحديث (٢٥٢).
(٤) قال ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣ / ٩٤): ((وقال قائل: ليس في المكان الذي يضع عليه
اليد خبر يثبت عن النبي ◌َّل، وإن شاء وضعها تحت السرة وإن شاء فوقها)) ا. هـ.
٣٦٤

الحديث: ٧٤٢،٧٤١
٨٨ - بَابُ
الْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ
٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((هَلْ تَروْنَ قَبْلَتِي هَاهُنَا؟ والله مَا
يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)).
٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرُ: ثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قَتَادَةً،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ:﴿ قَالَ:((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، فَواللهِ
إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرَبَّمَا قَالَ - مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَإِذَا
سَجَدْتُمْ)).
قد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ أبي هريرةَ، وحديثَ أنسٍ في بابِ ((عظةٍ
الإمامِ النَّاسَ في إتمامِ الصَّلاةِ وذكرِ القبلةِ))، وقد سبقَ الكلامُ عليهما(١)
هناكَ بما فيه كفايةٌ. وإنَّما خرَّجَهما هاهنا لدلالتهما على الخشوعِ في
الصَّلاة.
وفي ((صحيح مسلمٍ))، عن عثمانَ بْنِ عفانَ، عن النبيِّ وَّهِ قَالَ: ((ما
مِن امرىءٍ مسلمٍ تحضرُهُ صلاةٌ مكتوبةٌ فَيُحسنُ وضوءَها وخشوعَهَا
وركوعَها إلا كانتْ كفَّارةً لما قبلَها من الذُّنُوبِ ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ وذلكَ
الدهرَ كُلَّه))(٢).
(١) الحديث (٤١٨)، (٤١٩).
(٢) مسلم (٢٢٨).
٣٦٥

الحديث: ٧٤٢،٧٤١
كتاب الأذان
وقد مدَح اللهُ الخاشعينَ في صلاتهم فقالَ: ﴿قَدْ أفلحَ المؤمنونَ،
الذين هم في صَلاتهم خاشعونَ﴾ [المؤمنون: ١- ٢] وقال: ﴿وإنَّها لكبيرةٌ
إلا على الخاشعينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
رُوِيَ عن عليٍّ بْنِ أبي طالبٍ قالَ: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تَلِينَ
كَنَفُكَ للمسلمٍ، وأن لا تلتفتَ في صلاتِكَ (١).
وعنه قال: الخشوعُ خشوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالا(٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ قال: خاشعونَ: خائفونَ ساكنونَ.
وعن الحسن قال: كان الخشوعُ في قلوبهم فَغَضَّوا له البصر وخَفَضوا
له الجناحَ.
وعن مجاهد قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصَّلاةِ(٣).
وعنه قالَ: هو خفضُ الجناحِ، وغضُّ البصرِ، وكان المسلمونَ إذا قامَ
أحدُهم في الصَّلاةِ خافَ ربَّه أن يلتفتَ عن يمينه أو شمالِهِ.
وعنه، قالَ العلماءُ: إذا قامَ أحدُهم في الصَّلاةِ هابَ الرحمنَ عزّ
وجلَّ أن يبد(٤) نظره أو يلتفتَ أو يُقُلِّبَ الحصى أو يعبثَ بشيءٍ أو يُحدِّثَ
نفسَه بشيءٍ من الدنيا إلا ناسيًا ما دامَ في صلاتِهِ .
(١) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (ص / ٤٠٣) وغيره. وإسناده ضعيف. انظر تفصيله في
(«الذل والانكسار)) (ص / ٣٤).
(٢) أخرجه ابن نصر المروزي (١٨٨/١ - ١٨٩)، وهو في «الذل والانكسار)) (ص / ٣٥).
(٣) أخرجه - وما قبله كله - الطبري في ((التفسير)) (١٨ /٣)، وانظر ((الذل والانكسار))
(ص/ ٣٥ - ٣٦).
(٤) كذا في ((ك٢))، وفي ((الحلية))(٣ /٢٨٢): (يشذ))، وهو الأولى.
٣٦٦

٨٨ - باب الخشوع في الصلاة
الحديث : ٧٤٢،٧٤١
وعن الزُّهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ .
وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَنْ عن يمينه
ولا مَنْ عن شماله، ولا يلتفتُ من الخشوعِ الله عَزَّ وجلَّ.
ورُويَ عن حذيفةَ أَنَّه رأى رجلا يعبث في (١٢٥ - ب/ ك٢) صلاته
فقال: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه.
٠٠
ورُوِيَ عن ابن المسيَّبِ، وَرُوِيَ مرسلا(١).
فأصلُ الخشوعِ هو خشوعُ القلب، وهو انكسارُه الله وخضوعُهُ
وسكونُهُ عن التفاته إلى غيرِ من هو بينَ يديه، فإذا خشعَ القلب خشعت
الجوارحُ كلُّها تبعًا لخشوعه؛ ولهذا كانَ النبيِّ وَلَّ يقولُ في ركوعِهِ:
(خَشَعَ لك سمعي وبصري ومُخِّي وعِظَامي وما استقلَّ به قدمي))(٢).
ومن جملةِ خشوعِ الجوارحِ: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينه أو
يسارِهِ، وسيأتي(٣) حديثُ الالتفاتِ في الصَّلاةِ، وأَنَّه اختلاسٌ يختلسُهُ
الشَّيْطانُ مِن صلاةِ العبدِ - فيما بعدُ - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقالَ ابنُ سيرينَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَلّهِ يلتفتُ في الصَّلاةِ عن يمينِهِ
وعن يساره فأنزلَ اللهُ تعالى ﴿الذينَ هُمْ فِي صَلاتهم خاشعونَ﴾
[المؤمنون: ٢] فخشعَ رسولُ اللهِ وَ له ولم يكنْ يلتفتُ يمنةً ولا يسرةً (٤).
(١) انظر ((الذل والانكسار)) (ص / ٣٣) للمصنف.
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١).
(٣) برقم (٧٥١).
(٤) أخرجه الطبري في ((التفسير)) (٣/١٨)، والبيهقي (٢٨٣/٢) وأبو داود في ((المراسيل)) (٤٥).
٣٦٧

الحديث: ٧٤٢٫٧٤١
كتاب الأذان
وخرَّجَه الطبرانيُّ من روايةِ ابْنِ سيرينَ، عن أبي هريرةً(١).
والمرسلُ أصحُ(٢).
والظاهرُ أَنَّ البخاريَّ إنما ذكرَ الخشوعَ في هذا الموضع لأنَّ كثيرًا من
الفقهاء والعلماء يذكرونَ في أوائلِ الصَّلاةِ أَنَّ المصلِّي لا يجاوزُ بصرُه
موضعَ سجودِهِ، وذلكَ من جملةِ الخشوعِ في الصّلاةِ.
وخرَّجَ ابْنُ ماجه من حديثٍ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنينَ قالت: كانَ النَّاسُ
في عهدِ النبيِّ وَّهِ إِذَاَ قامَ أحدُهم يُصلِّي لم يَعْدُ بصرُهُ موضعَ قدمِهِ،
فَتُوفِّيَ رسولُ اللهِ وَِّ فِكانَ النَّاسُ إذا قامَ أحدُهم يُصلِّي لم يَعْدُ بصرُهُ
موضعَ جبينِهِ، فتُوفِّيَ أبو بكر فكانَ عمرُ فكانَ النَّاسُ إذا قامَ أحدُهم
يُصلِّي لم يَعْدُ بصرُ أحدِهم موضعَ القبلةِ، وكان عثمانُ بْنُ عِفَّانَ فكانت
الفتنةُ، فالتفتَ النَّاسُ يمينًا وشِمَالا (٣).
وقالَ ابنُ سيرينَ: كانوا يسْتُحِبُّونَ للرَّجل أن لا يجاوزَ بصرُهُ مُصلاه.
خرَّجَه سعيدُ بن منصورٍ .
وقال النخعيّ: كان يُستحبُّ أن يقعَ الرجلُ بصره في موضعٍ
سجوده .
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٠٨٢)، وغيره.
(٢) وكذا قال في ((الذل والانكسار)) فانظره (ص / ٦٠)، وقاله غير واحد من الحفاظ منهم:
الدارقطني والبيهقي والذهبي. انظر ((المؤتلف)) للدار قطني (ص / ٣٨٨) و ((السنن)) للبيهقي
و(«تلخيص المستدرك)» للذهبي (٢ /٣٩٣).
(٣) ابن ماجه (١٦٣٤)، وذهب الشيخ الألباني في ((الضعيفة)) (١٠٤٠) إلى أنه منكر.
فراجعه .
٣٦٨

٨٨ - باب الخشوع في الصلاة
الحديث : ٧٤٢،٧٤١
وفسَّرَ قتادةُ الخشوعَ في الصَّلاةِ بذلكَ. وقال مسلمُ بنُ يسارٍ: هو
حسن .
وُ
وفيه حديثان مرفوعان من حديث أنسٍ، وابنِ عبّاسٍ ولا يصح
إسنادُهما .
وأكثرُ العلماء على أنَّه يستحبُّ للمصلِّي أن يَنظرَ إلى موضعٍ
سجوده، منهم:
سليمانُ بْنُ يسارِ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والحسنُ بْنُ حيِّ،
والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وقالَ مالكٌ: يستحبُّ أن
يكونَ بصره أمام قبلته. قال: وأكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع
سجودهم وهم قيام. وحُكي عن شَرِيك بن عبدِ اللهِ قالَ: ينظرُ في قيامِه
إلى موضع قيامه(١)، وإذا ركع إلى قدميه، وإذا سجد إلى أنفه، وإذا قعد
إلى حجره.
واستحبَّ ذلكَ بعضُ أصحابِنَا وأصحابِ الشّافعيِّ. قال أصحابنا:
ويستحبُّ إذا جلسَ للتشهد أن لا يجاوزَ بصرُهُ أصبعه؛ لما رَوى ابن الزبير
وَِّ كان إذا جلسَ في التشهدِ أشار بالسبابةِ ولم يجاوز بصرُه
أنَّ النبي
إشارتَهُ.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيّ(٢).
وحَكَى أصحابُ الثَّوريِّ في كتبهم عن سفيانَ أَنَّه قَالَ: إذا قامَ في
(١) كذا، وفي الهامش: ((لعله: سجوده))، وهو الأولى.
(٢) أحمد (٤ /٣)، وأبو داود (٩٩٠)، والنسائي (٣/ ٣٩).
٣٦٩

الحديث: ٧٤٢،٧٤١
كتاب الأذان
الصَّلاة فليكنْ بصرُهُ حيثُ يسجدُ إن استطاعَ. قالَ: وينظرُ في ركوعِهِ إلى
حيثُ يسجدُ - ومنهم من قالَ: إلى ركبتيهِ - ويكونُ نظرُه في سجودِهِ إلى
طرفٍ أنفه .
وبكلِّ حال فهذا مستحبٌّ ولا تبطلُ الصَّلاةُ بالإخلالِ بهِ، ولا
باستغراقِ القلبِ في الفكرِ في أمورِ الدنيا. وقد حَكَى ابنُ حزمٍ وغيرُهُ
الإجماعَ على ذلكَ.
وقد خالفَ (١٢٦ - أ/ ك٢) فيه بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنَا والشَّافعيَّةِ.
وحَكَى ابنُ المنذرِ عن الحكمِ قَالَ: مَنْ تأمَّلَ من عن يمِينِهِ أو عن
شماله حَتَّى يعرفَه فليسَ لَهُ صلاةٌ. وهذا يرجعُ إلى الالتفاتِ، ويأتي
ذكرُه في موضعِهِ إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى(١).
وحُكيَ عن ابنِ حامدٍ من أصحابِنَا: إنَّ عملَ القلبِ في الصَّلاةِ إذا
طالَ أبطلَ الصَّلاةَ كعملِ البدنِ.
وهذا يَرُدَّهُ حديثُ تذكيرِ الشَّيطان للمرءِ في صلاتهِ حَتَّى يظلّ لا
يدري كم (٢)، وأمره أن يسجدَ سجدتينِ ولم يأمره بالإعادةِ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والنسائي، والترمذيُّ من حديثِ الفضلِ بنِ
عبَّاسٍ، عن النبيِّنَِّ قال: ((الصَّلاةُ مَثْنِى مَثْنَى، تَشَهَّدٌ في كلِّ ركعتينِ
وتَخَشِّعٌ وَتَضَرُّعٌ وَتَمَسْكُنٌّ وتُفْنِعُ يَدَيْكَ - يقولُ: تَرْفَعُهُمَا - إلى رَبِّكَ
مستقبلا ببطونهما وجهَك وتقولُ: ياربِّ، ياربِّ، وإن لم تفعلْ ذلك فهو
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣ / ٩٧).
(٢) السياق يقتضي: ((كم صلى)).
٣٧٠

٨٨ - باب الخشوع في الصلاة
الحديث: ٧٤٢،٧٤١
كذا وكذا))(١).
وهذا لفظُ الترمذيِّ، وللإمام أحمدَ: ويقولُ: ((ياربِّ - ثلاثا - فَمَنْ لم
يفعلْ ذلكَ فهي خداجٌ) .
وفي إسناده اختلافٌ.
وخرَّجَه أبو داودَ، وابنُ ماجه، وعندهما: عن المطَّلب، عن النبيِّ
وقد قالَ أبو حاتمِ الرَّزيُّ: هو إسنادٌ حسنٌ. وضعَّفْه البخاريُّ،
وِ
وقالَ: لا يصحّ. وقال العقيليّ: فيه نظرً (٣).
وأما قولُ النبيِّ وَّهُ: ((إِنِّي أَرَاكم من وراءِ ظهري)) فليسَ المرادُ به أَنَّه
كانَ يلتفتُ ببصرِه في صلاتِهِ إلى من خلفَه حَتَّى يرى صلاتَهم كما ظَنَّه
بعضُهم. وقد ردَّ الإمامُ أحمدُ على من زعمَ ذلك وأثبت ذلك من
خصائصِ النبيِّ وٍَّله وآياته ومعجزاته، وقد سبقَ ذكرُ كلامِهِ في ذلكَ.
(١) أحمد (١ / ٢١١)، (٤ /١٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (١ / ٢١٢ - ٢١٣، ٤٥١)،
والترمذي (٣٨٥).
(٢) أبو داود (١٢٩٦)، وابن ماجه (١٣٢٥).
(٣) وفي إسناد الحديث اختلاف كما قال المؤلف، وانظر: ((علل الترمذي الكبير)) (ص/ ٨١-٨٢)
و((العلل)) لابن أبي حاتم (١١٩/١، ١٣٢) و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢٨٣/٣ -٢٨٤)،
و(٥ / ٢١٣) و((الضعفاء)) للعقيلي (٢/ ٣١٠) و((الكامل)) لابن عدي (٢٢٦/٤) و((الميزان))
(٥١٢/٢) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٨٧/٢-٤٨٨)، وأورد الإمام أحمد حديث المطلب
(٤/ ١٦٧) ثم أتبعه بحديث الفضل، إشارة منه إلى إعلال حديث المطلب، وأن الصواب
حديث الفضل، وقد قال عبدالله بن أحمد عقيب حديث الفضل: هذا هو عندي الصواب))
ا.هـ.
وانظر إشارة العلامة المعلمي لذلك في ((الفوائد المجموعة)) (ص / ١٤٩) تحت حديث:
((الربا سبعون بابًا» .
٣٧١

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
٨٩ - بَابُ
مَا يَقُولُ بَعْدَ الَّكْبِيرِ
٧٤٣- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك
أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ (١) كَانُوا يَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بِالْحَمْدُ لِ رَبِّ
الْعَالَمينَ.
٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادِ: ثَنَا عُمَارَةٌ
ابْنُ الْقَعْقَاعِ: ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يَسْكُتُ
بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَانَةً - قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُنَّةً - فَقُلْتُ: بِأَبِي
وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ النَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ:
((أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبَ، اللَّهُمَّ نَقْنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ،
اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالنَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
قَالَ الخَطَّابِيُّ: قَولُه (إِسْكاتة)) وزنُ إِفْعَالةٍ(٢) من السُّكوت، ومعناه:
سكوتٌ يقتضي بعدَه كَلامًا أو قِرَاءَةٌ مَعَ قِصرِ المدةِ فيه. وإنَّما أرادَ تركَ
رفعِ الصَّتِ، ألا تراه يقولُ: ما تقولُ في إسكاتِك؟.
(١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)).
(٢) في (ك٢)): ((إفعال))، والمثبت من ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٤٨٧).
٣٧٢

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
قالَ: وقولُه ((اللَّهُمَّ اغسلْ خَطَاياي بالماءِ والثَّلجِ والبردِ) فإنَّها أمثالٌ،
ولم يُردْ أعيانَ هذه المشبهات(١)، وإنَّما أرادَ التوكيدَ في التَّطهيرِ، والثلجُ
والبردُ ماءان لم تَمَسَّهما الأيدي ولم يُمرَّسْ ولم يُمتهن.
قال: وفيه مُستَدَلٌ لمن منعَ من الماءِ المستعملِ؛ لأنَّه يقولُ: إنَّ منزلةً
الخطايا المغسولة بالماء بمنزلةِ الأوضارِ الحالةِ في الماءِ والغسولاتِ المانعة من
التَّطهيرِ .
قال: وعندي في قول ((اغسل خطاياي)) عجائب. انتهى ما ذكره(٢)،
وكأنَّه يشيرُ إلى مسألة العصمة ولا حاجةَ إلى ذكرِهَا.
ولما كانت الذنوبُ تؤثِّر في القلبِ دنسًا - وهو المذكورُ في قولِه تعالى
﴿كَلَّ بل رانَ على قلوبهم ما كَانُوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤] (١٢٦ -
ب/ ٢٥) ويوجبُ للقلبِ احتراقًا طلبَ في هذا الدعاءِ المباعدةَ بينه وبينها
على أقصى وجوهِ المباعدة، والمرادُ: المباعدةُ من تأثيراتها وعقوباتها
الدنيوية والأخروية، وربَّما دخلَ فيه المباعدةُ بينَ ما قدر منها ولم يعملْه
بعدُ، فطلبَ مباعدتَه منه على نحوٍ قولِهِ: ((أعوذُ بكَ من شرِّ ما عملتُ
وما لم أعملْ))(٣). وطلبَ - أيضًا - أن يُنقِّيَ قلبَه من دنسِهَا كما يُنْقَّى
الثوبُ الأبيضُ من الدنسِ. وطلبَ - أيضًا - إطفاءَ حرارتها وحريقها
للقلبِ بأعظم ما يوجَدُ في الدنيا إنقاءً وتبريدًا - وهو الماءُ والثلجُ والبردُ.
وفي حديث عائشةَ أَنَّ النبيَّ وَّ كانَ يقولُ في دعائه: ((اللهم اغسلْ
(١) فى ((الأعلام)): ((المسميات)).
(٢) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٨٧ - ٤٨٨) وليس فيه: الجملة الأخيرة.
(٣) مسلم (٢٧١٦).
٣٧٣

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
خطاياي بالثّلج والبردِ وأنقِ قلبي من الخطايا كما أنقيتَ الثَّوبَ الأبيضَ
من الدنسِ، وباعد بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرقِ والمغربِ)).
وقد خرَّجَه البخاريُّ في موضعٍ آخر. وخرَّجَه مسلمٌ - أيضًا (١).
وإنَّما كانَ يدعو في استفتاحِ الصَّلاةِ المكتوبةِ بهذا، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ
الصَّلوات الخمسَ تكفِّرُ الذنوبَ والخطايا كما قالَ تعالى ﴿وأقم الصَّلاةَ
طرفي النَّهارِ وزُلفًا من الليلِ، إنَّ الحسنات يُذْهبنَ السَّيئات﴾ [هود: ١١٤]
فإقامةُ الصَّلواتِ المفروضاتِ على وجهِهَا يوجبُ مباعدةَ الذُّنوب،
ويوجبُ - أيضًا - إنقاءَها وتطهيرَها؛ فإنَّ مَثَلَ الصَّلواتِ الخمسِ كمَثَلِ نهرٍ
جارٍ يُغْتَسلُ فيه كُلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، وقد تقدَّمَ الحديثُ في ذلكَ(٢) .
ويوجبُ - أيضًا - تبريدَ الحريقِ الذي تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه.
وخرَّجَ الطبرانيُّ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: ((تحترقونَ حَتَّى إذا
صلَّيتمُ الفجرَ غسلتْهَا، ثم تحترقون تحترقونَ(٣) حَتَّى إذا صلَّيتم الظُّهرَ
غسلتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقونَ (٤) حَتَّى إذا صلَّيتم العصرَ غسلتها، ثم
تحترقونَ تحترقونَ(٥) فإذا صَلَّيتم المغربَ غسلَتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقونَ فإذا
صلَّيتم العشاءَ غسلتْهَا))(٦).
(١) البخاري (٦٣٧٧ - فتح): ومسلم (٥٨٩) كتاب ((الدعوات)» - وهو: الذكر والدعاء.
(٢) تقدم (٥٢٨).
(٣) كلمة ((تحترقون)) الثانية، ألحقها بالهامش وصححها وكتب فوقها: ((كذا)).
(٤) كتب فوقها: ((صح - کذا)».
(٥) کتب فوقها: ((صح)).
(٦) أخرجه الطبرانى فى ((الأوسط)) (٢٢٢٤)، و((الصغير)) (١١٥) من طريق على بن عثمان
اللاحقي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود.
وقال الطبراني: رفعه علي بن عثمان اللاحقي، ورواه جماعة، عن حماد بن سلمة موقوفًا.
والموقوف أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٩ / ١٤٨).
٣٧٤

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
وقد رُوِيَ موقوفًا وهو أشبهُ.
وخرَّجَ - أيضًا - من حديث أنسٍ مرفوعًا: ((إنَّ لله ملكًا يُنادي عندَ
كلِّ صلاةٍ: يا بني آدمَ قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم
فَأَطْفِئُوها))(١).
وخرّجَ الإسماعيليُّ من حديث عمرَ بْنِ الخطَّبِ مرفوعًا: ((يحرقون
فإذا صَلَّوا الصُّبْحَ غسلت الصَّلاةُ ما كانَ قبلها)) حَتَّى ذكرَ الصَّلوات
الخمسَ.
ولما كانت الصَّلاةُ صلةً بينَ العبد وربِّه، وكانَ المصلِّي يناجي رَبَّه،
٩3
وربّه يقرِّبُه منه لم يَصْلُحْ للدخولِ في الصَّلاةِ إلا مَنْ كانَ طاهرًاً في
ظاهرِه وباطِنِهِ؛ ولذلكَ شُرِعَ للمصلِّي أَنْ يتطهَّرَ بالماء فيكفِّرَ ذنوبَه
بالوضوءِ ثم يمشي إلى المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي، فَإِنْ بَقِيَ من ذنوبِهِ
شيءٌ كَفَّرته الصَّلاةُ.
قال سلمانُ الفارسيُّ: الوضوءُ يكفِّرُ الجراحات الصغارَ، والمشيُ إلى
المسجد يُكفِرُ أكثرَ من ذلك، والصَّلاةُ تكفِرُ أكثرَ من ذلكَ.
خرَّجَه محمدُ بْنُ نصرِ المروزيُّ وغيرُ(٢).
فإذا قامَ المصلِّي بينَ يدي ربِّه في الصَّلاةِ وشرعَ في مناجاتِهِ شُرِعَ له
أولَ ما يناجي ربّه أن يسألَ ربَّه أن يباعدَ بينه وبينَ ما يوجبُ له البعدَ من
رَبِّه، وهو الذنوبُ، وأن يُطَهِّرَه منها ليصلحَ حينئذٍ للتقريبِ والمناجاةِ
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٥٢).
(٢) محمد بن نصر (١ / ١٥٧) بمعناه، وسبق (٤ /٢٠٥) تحت الحديث (٥٢٦).
٣٧٥

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
فيستكمل فوائدَ الصَّلاة وثمراتها من المعرفة وال ... والمحبة والخشية،
ءَ
نافعةٌ .
فتصيرُ صلاتُه ناهيةً له عن الفحشاءِ والمنكرِ وهي الـ
وقد رُوي أَنَّهِ مَّ كان يستعيذُ من صلاةٍ لا تنفعُ (١). خرَّجَه أبو
داود (٢).
وخرَّجَ البزَّارُ في ((مسندِه)) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن سمرةَ بْنِ جندبٍ
(١٢٧ - أ/ ٢٥) أَنَّ رسولَ الله وَلَهُ كانَ يقولُ لنا: ((إذا صلَّى أحدكم فليقل:
اللَّهِمَّ باعدْ بيني وبينَ خطاياي كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ، اللهمّ
إني أعوذُ بك أن يُصدّ عني وَجْهُكَ يومَ القيامةِ، اللَّهمَّ نَقِّني من خَطَاياي
كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنْسِ، اللهمَّ أحيني مسلمًا وتوفني
مسلمًا))(٣).
وهذا حديثٌ غريبٌ.
والاستعاذةُ من الإعراضِ مناسبةٌ لهذا المقامِ؛ فإنَّ المصلِّيَ قائمٌ بينَ
يدي الله لمناجاته فیحسنُ أن يستعيذَ به من أن یعرضَ بوجهه عنه.
وفي حديث أبي هريرةَ جوازُ التَّفديةِ بالأبوينِ، وفيه كلامٌ يذكرُ في
موضعٍ آخر إن شاء اللهُ تعالى.
து.
وحديثُ أبي هريرةَ استدلَّ به من يقولُ: إنه يستحبُّ استفتاحٌ بذكرٍ
قبلَ الشَّروعِ في القراءةِ. وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.
ثم اختلفوا، فقالَ كثيرٌ منهم: يستحبَّ استفتاحُ الصَّلاةِ بقولٍ :
(١) في ((٢٥)) بالياء التحتية، والمثبت من ((السنن)).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٥٤٩) من حديث أنس.
(٣) ((كشف الأستار)) (٥٢٣).
٣٧٦

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
سبحانك اللهمَّ وبحمدكَ وتباركَ اسمُكَ وتعالى جَدُّك ولا إله غيرُك.
صحَّ هذا عن عمرَ بْنِ الخطّابِ - رُوِيَ عنه من وجوهِ كثيرة - وعن ابنٍ
مسعودٍ، ورُوِيَ عن أبي بكرِ الصِّدِيقِ، وعثمانَ بْنِ عفَّانَ، وعن الحسنِ،
وقتادةَ والنَّخعيِّ، وهو قولُ الأوزاعيِّ والثوريِّ، وأبي حنيفةَ، وابنِ
المباركِ، وأحمدَ، وإسحاقَ في روايةٍ (١).
وقد رُوِيَ في ذلكَ أحاديثُ مرفوعةٌ من وجوه متعددة، أجودُها من
حديث أبي سعيدٍ، وعائشةً(٢).
(١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٣٠/١-٢٣٣) ولعبد الرزاق (٧٥/٢ - ٧٦) و((الأوسط))
لابن المنذر (٨٢/٣، ٨٥-٨٦) و((تلخيص المستدرك)) (٢٣٥/١) و((نصب الراية)) (٣٢٢/١)
و((التلخيص الحبير)) (٢٢٩/١) و((التحقيق)) لابن الجوزي (١ /٣٤٠).
(٢) أما حديث أبي سعيد:
فيرويه جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل، عن أبي
سعيد، بلفظ :
كان رسول الله بِّه إذا قام من الليل، واستفتح صلاته، وكبر قال: ((سبحانك اللهم .. ))،
ثم يقول: ((لا إله إلا الله)) - ثلاثا -، ثم يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم ... )).
ورواه عن جعفر: جماعة، منهم: إسحاق بن أبى إسرائيل، ومحمد بن الحسن بن أتش -
بالمثناة الفوقية، والمعجمة، وتصحف في المطبوع من ((المسند)) إلى: أنس؛ بالنون، والمهملة،
وعلى الصواب في ((أطراف المسند» (٣٥٤/٣) -، وزكريا بن عدي، وعبد السلام بن
مطهّر، ومحمد بن موسى الحرشي، والحسن بن ربيع، وزيد بن حُباب، وعبد الرزاق بن
همام - كلهم -، عن جعفر، به.
أخرجه أحمد (٣ / ٥٠، ٦٩) والدارمي (٢٨٢/١) وابن أبي شيبة (٢٣٢/١) وعبد الرزاق.
(٢ / ٧٥) وأبو داود (٧٧٥) والنسائي (٢ /١٣٢) وفي ((الكبرى)) (٣١٣/١ - ٣١٤)،
وفي ((الكبرى)) - أيضا - في ((كتاب المحاربة)) - كما فى ((التحفة)) (٣ / ٤٢٩) -، والترمذي
(٢٤٢) وابن ماجه (٨٠٤) والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ١٩٧ - ١٩٨) وابن خزيمة
(٢٣٨/١) والدار قطني (١ /٢٩٨ -٢٩٩) والبيهقي في ((السنن)) (٢ /٣٤) وفي ((المعرفة))
(٢ / ٣٤٨) والطبراني في ((الدعاء)) (٥٠١) وابن الجوزي في ((التحقيق)) (٣٤١/١) وابن
حجر في ((نتائج الأفكار)) (١ / ٤١١ - ٤١٢، ٤٢٥).
=
٣٧٧

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
٠
= ورُوي عن زيد بن حباب، وحسن بن الربيع، وعبد الرزاق، بلفظ: ((كان يستفتح
الصلاة))، واقتصر فيه على الدعاء، دون آخره.
وقال الترمذي: وقد تُكلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في
علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
وقال المروذي (١٢٥)، عن أحمد: علي بن علي: لم يكن به بأس، إلا أنه رفع أحاديث.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن علي بن علي الرفاعي: فقال: ليس بحديثه
بأس. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: لا .
وأما أبو داود فألزق الخطأ فيه بجعفر بن سليمان، قال: وهذا الحديث يقولون: هو عن
علي بن علي، عن الحسن، الوهم فيه من جعفر.
وجاءت عبارة أبي داود في المطبوع من ((السنن)) بزيادة: ((مرسلا)) بعد ((الحسن)).
وأورد هذه الكلمة:
المزي في ((التحفة)) (٣ / ٤٢٩) و ((تهذيب الكمال)) (٧٦/٢١) وابن عبد الهادي في
((التنقيح)) (٢/ ٧٩٣) والبيهقي في ((السنن)) (٣٤/٢) و((المعرفة)) (٣٤٩/٢) وابن حجر في
((نتائج الأفكار)) (١ /٤١٢) والشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢٢٩/٢) أوردوها جميعا
بدون هذه الزيادة، فالله أعلم.
ونقل ابن رجب في آخر شرح هذا الحديث (٧٤٤) ما يفيد صحة ما في ((السنن)) المطبوع
وسيأتي بكلام مهم عن هذا الحديث.
والحديث عند أبي داود في ((المراسيل)) (٣٢) من طريق عمران بن مسلم، عن الحسن،
مرسلا، بلفظ آخر.
وقال ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٢ / ٧٩٣): قال عبد الله بن أحمد: حديث
أبي سعيد: حديث علي بن علي، لم يحمد أبي إسناده ..
قال عبد الله: لم يروه إلا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، عن أبي المتوكل. ا. هـ.
وجاءت العبارة في ((التنقيح)): ((لم يجد أبي إسناده))!، والنص في ((مسائل عبدالله)»(ص/
٧٦): قال: اختار افتتاح الصلاة بـ ((سبحانك اللهم ... )) هذا أعجب إليَّ. وحديث
أبي المتوكل، عن أبي سعيد. كأنه لم يحمد إسناده. ا. هـ.
وقال المروذي - كما في ((التنقيح)): ((سألت أبا عبد الله عن استفتاح الصلاة؟ فقال: نذهب
إلى حديث عمر - يعني: الموقوف -، وقد روي فيه من وجوه ليست بذاك)) ا. هـ.
وانظر ((الصحيح)) لابن خزيمة، و((زاد المعاد)) (١ / ٢٠٥) و((نتائج الأفكار)) (١ /٤٢٦) .=
٣٧٨

٨٩ - باب ما يقول بعد التكبير
الحديث: ٧٤٤،٧٤٣
= وأما حديث عائشة:
فرواه عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن، أبي الجوزاء، عن عائشة.
أخرجه أبو داود (٧٧٦) والدار قطني (٢٩٩/١) والحاكم (٢٣٥/١) والبيهقي في ((السنن))
(٣٣/٢ - ٣٤) و((المعرفة)) (٣٤٧/٢) وابن الجوزي في ((التحقيق)) (٣٤١/١) وابن حجر
في (نتائج الأفكار)) (١ / ٤٠٦) من طريق طلق بن غنام، عن عبد السلام، به.
قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب؛ لم يروه إلا طلق
ابن غنام.
وقد رَوى قصة الصلاة عن بديل جماعةٌ، لم یذکروا فیه شيئا من هذا.
وقال الدارقطني: قال أبو داود: لم يروه عن عبد السلام غير طلق بن غنام. وليس هذا
الحديث بالقوي.
وكلمة: ((وليس هذا الحديث بالقوي)) الظاهر أنها من قول الدارقطني، بمقارنة كلام
أبي داود السابق. وكذا فعل الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢ / ٢٢٧).
وجعله ابن الجوزي في ((التحقيق)) (١ / ٣٤٢) عن الدار قطني، عن أبي داود، قوله.
وقال ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (١ / ٤١١): لما أخرج الدارقطني الحديث .. عن
أبي داود، بسنده، حكى كلام أبي داود، إلا قوله: ((ليس بالمشهور)) فعبر بقوله: ((ليس
بالقوي)» ا. هـ، فالله أعلم.
وصححه الحاكم على شرطهما .
وأورد الشيخ الألباني في «الإرواء)) (٢ / ٥٠) عن الحاكم أنه قال: ((صحيح الإسناد))، قال
الشيخ: ((ووافقه الذهبي، إلا أنه وقع في نسختنا من ((تلخيصه)): ((على شرطهما)) وأظنه
وهمًا من بعض النساخ)» ا. هـ كلام الشيخ.
وليس كما ظن الشيخ، والصواب ما في ((تلخيص الذهبي)): ((على شرطهما)).
وإنما قول الحاكم: ((صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)) الذي في ((المستدرك)) بعد هذا
الحديث، إنما هو بعد حديث عائشة الآتي إن شاء الله، وقد سقط من المطبوع من
((المستدرك)) كما يظهر لمن طالع ((تلخيص الذهبي)).
ويؤكده أن ابن التركماني عندما ذكره في ((الجوهر النقي)) (٣٤/٢) قال: حكم صاحب
((المستدرك)) بصحة الحديث على شرطهما. وقال - يعنى: الحاكم -: له شاهد من حديث
حارثة بن محمد - يعني الحديث الساقط، وهو الآتي إن شاء الله -: صحيح الإسناد.
ا. هـ.
=
٣٧٩

الحديث : ٧٤٤،٧٤٣
كتاب الأذان
= وكذا قال ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٢ / ٧٩٤): ((رواه الحاكم، وقال: على شرطهما.
قال: وقد روى الحديث منطريق حارثة: الإمام أحمد ... والحاكم، وصححه). ا.هـ.
والحديث ليس في ((المسند)) من طريق حارثة، والله أعلم.
وكذلك قال ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (١ / ٤٠٧) وقال: ((وأخرجه الحاكم ...
وقال: صحيح على شرط الشيخين)). ا. هـ.
ثم رده من حيث أنه ليس على شرط أحدهما.
وانظر ((نصب الراية)) (١ / ٣٢٢).
فدل ذلك على صحة ما فى ((تلخيص المستدرك)) أن الحاكم قال: ((على شرطهما)).
وإنما استبعد الشيخ الألباني - حفظه الله - أن يكون هذا هو الصواب لما علمه أن الحديث
ليس على شرطهما .
ولكن ليس هذا ببعيد عن الحاكم؛ فكم من حديث قال فيه: ((على شرطهما)) وهو بعيد
عن شرط الشيخين، بل لم يرويا لرواته أصلا.
وإنما أطلت في هذا الموضع؛ للتنبيه على السقط المذكور.
والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو بلفظ: ((كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ
﴿الحمد لله رب العالمين) - ليس فيه: ((سبحانك اللهم .. )).
ورواه جماعة، فخالفوا فيه عبدالسلام بن حرب: رواه حسين المعلم، وأبان بن يزيد العطار،
وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وغيرهم، عن بديل به، ليس فيه ((سبحانك اللهم ... )).
أخرجه مسلم (٤٩٨)، وأحمد، وأبو داود، وغيرهم.
وهذا - أيضا - لا يصح، وقد تكلمنا عليه فيما سبق تحت الحديث (٧٣٤).
وروي عن عائشة من وجه آخر:
رواه أبو معاوية، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة.
أخرجه الترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦) والعقيلي (٢٨٩/١) وابن عدي (١٩٩/٢)
وابن خزيمة (٢٣٩/١) والدار قطني (٣٠١/١) والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١٩٨/١)
وابن المنذر (٣ / ٨١) والطبراني في ((الدعاء)) (٥٠٢) والبيهقي في ((السنن)) (٢ / ٣٤) وفي
((المعرفة)) (٣ / ٣٤٦) والمزي في ((تهذيب الكمال)) (٣١٦/٥)، والحاكم (٢٣٥/١) وقد
سقط إسناده من المطبوع من ((المستدرك)) ولم يبق منه إلا كلام الحاكم عليه، وأثبتناه من
(تلخيص الذهبي)) و((نصب الراية)) (١ /٣٢٢) و((الجوهر النقي)) - كما سبق.
=
٣٨٠