النص المفهرس

صفحات 201-220

٥٧ - باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين
الحديث: ٦٩٧
الصبيَّ يصحُّ نفلُه، والجماعةُ تنعقدُ بالمتنفلِ وإن كانَ الإمامُ مفترضًا؛
بدليلٍ قولِ النبيِّ ◌َّهِ: ((مَن يتصدقُ على هذا فيصلِّي معه؟)) (١).
(١) أخرجه أحمد (٥/٣، ٤٥، ٦٤، ٨٥)، والترمذي (٢٢٠)، وأبو داود (٥٧٤)، وابن
حبان (إحسان ١٥٧/٦ - ١٥٩) وغيرهم من طريق سليمان الناجي، عن أبي المتوكل، عن
أبي سعيد. وانظر ((العلل)) للدارقطني (٤/ ق٧ - أ، ب) وقال ابن المنذر: (٢١٨/٤):
((وحديث أبي سعيد ثابت، فإذا فات جماعة الصلاة مع الإمام صلوا جماعة اتباعًا لحديث
أبي سعيد، وطلبا لفضل الجماعة، ولا نعلم مع من كره ذلك، ومنع منه حجة)).
وسبق أن المؤلف - رحمه الله - قال تحت الباب (٣٠) من كتاب ((الأذان)) أن الإمام أحمد
قواه، وأخذ به.
٢٠١

الحديث: ٦٩٨
كتاب الأذان
٥٨ - بَابٌ
إِذَا قَامَ [الرَّجُلُ] (١) عَن يَسَارِ الإِمَامِ فَحَوَّهُ
الإِمَامُ إِلَى يَمِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ(٢)
٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ وَهْب: ثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّه بْنِ سَعيد،
عَنْ مَخْرَمَةَ بْنٍ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ(٣)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤) قالَ: نِمْتُ عِندَ
مَيّمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ◌ََّ عِندَهَا تِلْكَ اللََّةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلّي، فَقُمْتُ عَن
يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَن يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، ثُمَّ نَامَ
حَتَّى نَفَخَ - وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ - حَتَّى (٥) أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ
يَتَوضََّ.
قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ.
و
أحمدُ هذا غيرُ منسوب قد روى عنه البخاريّ في مواضعَ، عن عبدالله
ابْنِ وهبٍ.
وقد اختُلِفَ فيه، فقيلَ: هو أحمدُ بْنُ عبدِ الرحمنِ بْنِ وهبِ ابْنِ
أخي عبدِ اللهِ بْنِ وهبٍ. قَالَه أبو أحمدَ الحاكمُ، وغيرُهُ. وأنكرَ آخرونَ أن
(١) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥))، وأثبتناه من ((اليونينية)).
(٢) وأشار في ((ك)) إلى نسخة: ((صلاتهما)) وهي أكثر نسخ ((الصحيح))، وانظر شرح المصنف
بعدُ.
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((مولى ابن عباس)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)).
(٥) في ((اليونينية)): ((ثم)).
٢٠٢

٥٨ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله
الحديث: ٦٩٨
يكونَ البخاريُّ رَوَى عن ابْنِ أخي ابْنِ وهبٍ في ((صحيحِهِ)) لِمَا اشْتُهُرَ من
الطعنِ عليهِ لا سيَّمَا في آخرِ عمرِهِ، وقالوا: إِنَّه أحمدُ بْنُ صالحٍ، أو
أحمدُ بن عيسى التستريَّ؛ فإنهما يرويانِ عن ابْنِ وهبٍ، وقد روى
البخاريّ عنهما في كتابه من غيرِ شكٍّ.
وَمَن قالَ: إِنَّ أحمدَ هذا هو ابْنُ حنبل فقد أخطأً؛ فإنَّ الإمامَ أحمدَ
لا يروي عن ابْنِ وهب؛ بل عن أصحابه. والأظهرُ أَنَّه أحمدُ بْنُ صالح،
وبذلك جزمَ أبو عبدِ الله بْنُ مندة قَالَ: لم يخرِّجِ البخاريَّ عن أحمدَ بْنِ
عبد الرحمنِ في ((صحيحِه)) شيئًا، وكلُّ ما قالَ في ((الصحيح)): ((حَدَّثنا
أحمدُ: ثنا ابْنُ وهب)) فهو ابْنُ صالحِ المصريّ، وإذا روى عن أحمدَ بْنِ
عيسى نَسَبَه واللهُ أعلمُ (١).
وقد استدلَّ البخاريُّ بهذا الحديث على أَنَّ من قامَ عن يسارِ الإمامِ
فحوَّلَه إلى يمينه لم تفسد صلاتُه - وفي بعضِ النسخِ: ((صلاتهما)) - أمّا
صلاةُ الإمامِ فلا تفسد بمدِّهِ له بيدِه وتحويله من جانبٍ إلى جانبٍ .
وقد خرَّجَ البخاريُّ هذا الحديثَ - فيما بعدٌ(٢) - وفيه: أَنَّه أخذَ برأسِه
من ورائه فجعله على يمينه.
وإنَّما حوَّلَه النبيُّ بِّهِ من وراءِ ظهرِهِ لِئلا يكون مارّاً في قبلتِهِ.
وقد خرَّجَه مسلمٌ من حديثِ عطاء، عن ابْنِ عبّاسٍ، وفي حديثه
قَالَ: فقمتُ إلى شقِّه الأيسرِ، فأخذني من وراء ظهره(٣) فعدَّلني كذلكَ
(١) وانظر ((رجال البخاري)) للكلاباذي (٤٧/١)، و((تقييد المهمل)) للجياني (ق/ ١٩٩ - ب).
(٢) الحديث الذي يليه .
(٣) أشار في هامش ((ك)))) إلى نسخة: ((ظهري)).
٢٠٣

الحديث: ٦٩٨
كتاب الأذان
من وراءِ ظهرِه إلى الشقِّ الأيمنِ. وفي رواية له - أيضًا -: فتناوَلَني من
خلفِ ظهرِه فجعلني على يمينه(١).
وقيلَ: فيه معنَّى آخر، وهو أَنَّه لو أدارَه (٩٩ - أ/ ك٢) من بين يَدَيْهِ
لتقدَّمَ المأمومُ على إمامِهِ في الموقفِ .
وأمَّا صلاةُ المأمومِ فلا يفسد (٢) بمشيِهِ من أحدٍ جانبي الإمامِ إلى جانبِه
الآخرِ؛ لأنَّ هذا عملٌ يسيرٌ في الصَّلاةِ فَلا تفسدُ به الصَّلاةُ.
وقد اختلفَ النَّاسُ في حدِّ العملِ اليسيرِ الذي يُعْفَى عنه في الصَّلاةِ
فلا يبطلُها .
فالصحيحُ عندَ أصحابِنا: أَنَّه يُرْجَعُ فيه إلى عرفِ النَّاسِ من غير
تقديرِ له بمرة أو مرتينٍ، ومنهم من قدّرَه بالمرة والمرتينِ وجعلَ الثلاثَ في
حدِّ الكثرة.
وكلامُ أحمد مخالفٌ لهذا مع مخالفتِه للسننِ والآثارِ الكثيرةِ.
والشافعيةِ في الخطوتينِ والضربتين وجهانٍ. ومن الحنفية من قَالَ: الكثيرُ
ما لم يمكنْ إقامتُه إلا باليدينِ كالإرضاع، واليسيرُ: ما يمكنُ بإحداهما.
ومنهم مَن قَالَ: الكثيرُ: ما لو رآه النَّاظِرُ لاستيقنَ أَنَّه ليسَ في الصَّلاة،
والیسیرُ بخلافه.
ومنهم مَنْ قَدَّرَ المشيَ المبطلَ بما جاوزَ محلَ السجودِ.
والرجوعُ فيهِ إلى العرفِ أظهرُ؛ لأنَّهُ ليسَ له حدٍّ في الشرعِ. وقد
وردت السُّنَّةُ بالعفو عما لا يعدَّ كثيرًاً عرفًا كتأخيرِه وتأخير الصَّفوف خلفَه
(١) مسلم (٧٦٣/ ١٩٢، ١٩٣).
(٢) كذا، وهو بالتاء الفوقية أشبه.
٢٠٤

٥٨ - باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله
الحديث: ٦٩٨
في صَلاةِ الكسوفِ ومشيهِ حتَّى فتحَ البابَ لعائشةَ، وقد تأخَّرَ أبو بكر
ء
بحضرتهِ من مقامِ الإمامِ حتَّى قامَ في صفِّ المأمومينَ ورفع يدَيهِ وحَمدَ
اللهَ، وأَذِنَ في قتلِ الحيةِ والعقربِ في الصَّلاةِ.
وكلُّ هذه الأفعال تزيدُ على المرتينِ والثلاثِ. وقد سبقَ القولُ في
حَمْلِهِ بَّهِ أَمامةَ في الصَّلاةِ، وأَنَّه كان يحملُها إذا قامَ ويضعُها إذا رَكَعَ.
واستدلَّ بحديثِ ابْنِ عباسِ المخرَّجِ في هذا البابِ: الشافعيُّ ومَنْ
وافقه عَلَى أَنَّ مَنْ أَسَاءَ الموقفَ وصلَّى عن يسارِ الإمام فإنَّ صَلَاتَه
صحيحةٌ مع الكراهةِ، وألحقوا بهِ مَن صَلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه. ووجهُ
استدلالِهم به: أَنَّ النبيَّ وََّ لم يبطلْ تحريمتَه، وأقرَّه على البناءِ عليها.
وأمَّا الإمامُ أحمدُ: فعندَه لا تصحُّ صلاةُ مَنْ وَقَفَ على يسارِ الإمامِ
إذا لم يكنْ عن يمينه أحدٌ؛ وإنَّما يبطلُ عندَهُ إذا استمرَّ في موقفه حتّى
ركعَ الإِمامُ ورِفَعَ. فَأَمَّا إن كَبَّرَ على يسارِ الإمامِ ثم تحوَّلَ إلى يمينِه أو
وقفَ عن يمينِ الإمامِ آخرُ قبلَ الركوعِ فإنَّ الصَّلاةَ عنده صحيحةٌ. وكذا
لو جاءَ آخرُ إلى خَلْفِ الإمامِ فتأخَّرَ القائمُ عَنْ يسارِهِ إلى القائم خلفَه
فاصطفًا جميعًا قبلَ الركوعِ.
وحَكَى القَاضِي في ((شرحِ المذهبِ)) عن ابْنِ حامدٍ أَنَّه حكى روايةً
عن أحمدَ أَنَّه يصحُّ الوقوفُ عن يسارِ الإمامِ في النافلةِ خاصَّةً كما كِبََّ
ابْنُ عباسٍ عن يسارِ النبيِّوَّهِ فِي النَّافِلِةِ.
والصَّحِيحُ عَنْ أحمدَ: الأولُ.
٠
٢٠٥

الحديث: ٦٩٨
كتاب الأذان
فَإِن قيلَ: فقدْ صَلَّى النبيُّ نَّهِ بجابر (١)عن يمينِه، ثُمَّ جاءَ آخرُ فقامَ
عَمَا الله
ءُ
عن يساره فأخرهما النبيّ
وَسَّهم
خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِه)) (٢) ولم يدلَّ ذلكَ على أَنَّ صلاةَ الاثنين
عن جانبي الإمامٍ لا تصح.
قيلَ: إِنما صحَّ قيامُ الاثنينِ عن جَانبي الإمامِ؛ لأَنَّ ابْنَ مسعودٍ فَعَلَه،
ورواه عن النبيِّ ◌َّةِ، وليسَ في القيامِ عن يسارِ الإمامِ نصٌّ يدلُّ على
صحةٍ صلاةٍ من أتمَّ صلاتَه عن يسارِهِ، واللهُ أعلمُ.
وأيضًا - فالوقوفُ عن جَانبي الإمامِ مشروعٌ في حقِّ العراة وحقِّ
النساء، وأما القيامُ عن يساره خاصَّةً فليسَ مشروعًا(٣) بحال.
(١) في ((ك٢)): ((كاير)).
(٣) في ((٢٥)): ((مشروع)).
(٢) مسلم (٧٦٦).
٢٠٦

الحديث: ٦٩٩
٥٩ - بَابٌ
إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ (١) فَأَمَّهُمْ
٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا (٩٩ - ب/ث٢) إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ أُوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبٍِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
بِتُّ عِندَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَِّيَُّ يُصَلِّي مِنَ اللََّلِ فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ،
فَقُمْتُ عَن يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسي وَأَقَامَنِي عَن يَمينه.
استدلَّ البخاريُّ بهذا عَلَى أَنَّ مَنْ أحرمَ بالصَّلاةِ منفردًا ثُمَّ حَضَرَ في
أثناءِ الصَّلاةِ من ائتمَّ به فإنَّه ينوِي الإمامَة وتصحُّ صلاتُه وصلاةُ مَنِ انتمَّ
بِهِ على هذه الحالِ، فتضمَّنَ ذلكَ مسألتينِ مُخْتَلفًا فيهما:
إِحْدَاهما: أَنَّ مَن لم ينوِ الإمامةَ في ابتداءِ صلاتِه هل يصحُّ أن يَأْتَمَّ
به غيرُهُ أَمْ لا؟
وفي المسألةِ أقوالٌ:
أحدُها: يجوزُ ذلكَ، فلا يُشْترطُ أَنْ ينويَ الإمامُ الإمامةَ؛ بَلْ لو نوى
المأمومُ الاقتداءَ بمنفرد جازَ. هذا قولُ مالك، والشافعيِّ، والثوريِّ - في
روايةٍ - وزفرَ، وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ.
والقولُ الثَّاني: لا يجوزُ بحالٍ. وهو ظاهرُ مذهب أحمدَ، وقولُ
الثوريِّ - في روايةٍ إسحاقَ - واستدلَّ لهم: بأنَّ الجماعةَ قربةٌ وعبادةٌ فلا
(١) في ((ك٢)): ((قومًا)) كذا، والمثبت من «اليونينية)).
٢٠٧

الحديث: ٦٩٩
كتاب الأذان
تنعقدُ إلا بإمامٍ ومأموم، وفضلُها مشتركٌ بينهما، فلا يَحْصلُ لهما ذلك
بدونِ النيةِ عملا بظاهرٍ قَوْلِهِ وَ لَ: ((إِنَّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّمَا لامرئٍ
ما نوى)) .
وأجابَ بعضُ أصحابِنا عن حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بأنَّ النبيَّ وَّهِ إِمامُ
الخلقِ على كلِّ حالٍ فلا يحتاجُ إِلى نِيَِّ الإمامَةِ فلا يُلحقُ به غيرُه.
والقولُ الثالثُ: يصحُّ ذلكَ في الفرضِ دونَ النفل(١)، وهو روايةٌ
منصوصةٌ عن أحمدَ استدلالا بحدیثِ ابنِ عبّاسٍ هذا.
والقولُ الرابعُ: إِنْ أَمَّ رجلٌ رجلا لم يحتجْ أَن ينويَ الإمامةَ، وإِنْ أمَّ
امرأةً احتاجَ إلى نيةِ الإمامةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبيهِ.
المسألةُ الثّانيةُ: إذا أحرمَ منفردًا ثُمَّ نَوَى الإمامةَ. وفيه - أيضًا -
قوالٌ:
أحدُها: أَنَّه لا يجوزُ ذلكَ. وهو قولُ أكثرِ أصحابِنا بناءً على أصلِهم
في أَنَّ الإمامَ يُشترطُ أن ينويَ الإمامةَ على ما سبقَ فيصير ذلكَ من ابتداء
صلاته .
والثَّاني: يجوزُ ذلكَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالك، والشافعيِّ بناءً
على أصولِهم في أَنَّ نيةَ الإمامِ للإمامةِ ليستْ شرطًا على ما سبقَ.
ووافقهم بعضُ أصحابِنَا لمعنَّى آخر وهو أَنَّ طَرفي الصَّلاةِ يجوزُ أَن
يكونَ في أولِها إِمَامًا وفي الآخرِ منفردًا وهُوَ المسبوقُ إذا استخلفَه الإمامُ،
(١) كذا، ولعل الصواب: ((النفل دون الفرض»، وحديث ابن عباس - الذي استدل به - کان
في النفل. وانظر ((المغنى)) (٧٣/٣)، والله أعلم .
٢٠٨

٥٩ - باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم
الحديث: ٦٩٩
فکذا بالعكسِ .
والثَّالثُ: أَّه يجوزُ في الفرضِ دونَ النفلِ (١). وهو المنصوصُ عن
أحمدَ؛ لحديثِ ابْنِ عبَّاسٍ هذا.
والظاهرُ: أَنَّ النبيَّ ◌َِّ نَوَى إمامتَه حينئذ؛ لأَنَّه أدارَه إلى يمينه وأوقفه
موقفَ المأمومِ.
وفي معناه: حديثُ صلاةِ النّبِيِّ وَِّ بالليلِ في رمضانَ في حجرِتِهِ
واقتداء النَّاسِ به في المسجدِ وسيذكرُه البخاريّ - فيما بعدُ.
(١) كذا، ولعل الصواب: ((النفل دون الفرض))، وحديث ابن عباس - الذي استدل به - كان
في النفل. وانظر ((المغنى)) (٧٣/٣)، والله أعلم .
٢٠٩

الحديث : ٧٠١،٧٠٠
كتاب الأذان
٦٠ - بابٌ
إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلّ(١)
٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍوٍ، عَن جَابِرِ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِّ ◌َِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ
قَوْمَه.
٧٠١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرو:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِّوَلاَ ثُمَّ
يَرْجِعُ فَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَيُصَلِّي(٢) الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانِصَرِفَ رَجُلٌ(٣) فَكَأَنَّ
مُعَاذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((فَتَّانِ)) (٤)، ثَلاثَ مِرَار - أَوْ قَالَ:
(١٠٠ - أ/ ك))(فَاتِنٌ﴾(٥) - ثَلاثَ مِرَارٍ. وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ.
قَالَ عَمْرُو: لا أَحْفَظُهُمَا.
خرَّجَه عَاليًا مُخْتَصَرًا ثم خرَّجَه بتمامِهِ نَازِلا، وفي سياقِه موضعُ
الاستدلال به على ما بوّبَ عليه وهو انصرافُ الرجلِ لَما قرأَ معاذٌ بسورةٍ
البقرة.
(١) كذا، وفي ((اليونينية)): ((فصلى)) وفي بعض النسخ: ((وصلى)). وما هنا فنسخة وقعت
للمصنف، انظر كلامه آخر الباب.
(٢) في ((اليونينية)): ((فصلى)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((فتان، فتان)).
(٣) في ((اليونينية)): ((الرجل)).
(٥) في ((اليونينية)): ((فاتنا، فاتنا، فاتن)).
٢١٠

٦٠ - باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج
الحديث : ٧٠١،٧٠٠
وفيه دليلٌ على أَنَّ الصَّحابةَ لم يكنْ من عادتهم قراءةُ بعضِ سورة
في الفرضِ؛ فإنَّ معاذًا لَّا افتتحَ سورةَ البقرةِ عَلِمَ الرجلُ أَنَّه يُكمِّلُها في
صلاته فلذلكَ انصرفَ.
وقد خرَّجَه مسلمٌ من حديثٍ سفيانَ - هو: ابنُ عُبينةَ - عن عَمرو،
عن جابرٍ، وقال في حديثِه: «فافتَح بِسُورةِ البقرةِ فانحرَفَ رجلٌ فَسَلَّمَ
ثم صَلَّى وحدَه وانصرفَ، فقالوا له: أَنافقتَ يا فلانُ؟! قال: لا والله
ولآتينَّ رسولَ اللهِ وَلَه فلأخبرنَّهُ، فَأَتَى رسولَ الله ◌َلِ فأخبرَه، فقالَ: يا
رسولَ الله! إنَّا أصحابُ نواضحَ نعملُ بالنهارِ، وإنَّ معاذًا صلَّى معكَ
العشاءَ ثُمَّ أتى فافتتحَ بسورة البقرةِ، فأقبلَ رسولُ اللهِ وَّل على معاذ
فقالَ: ((يا معاذُ! أفتَّانٌ أنتَ؟!)) وذكرَ الحديثَ(١).
ففي هذه الروايةِ: أَنَّه انصرفَ بمجردٍ افتتاح معاذ للبقرة، وفيها: أنَّه
سلَّم ثم صلَّى وحدَه وانصرفَ ولم ينكر عليه النبيُّ ◌ِِّ ذلك.
وذَكَرَ البيهقيُّ في كتابِ ((المعرفة)) أَنَّ هذه الزيادةَ - يعني: سلام
الرجلِ - تفرَّد بها محمدُ بْنُ عبَّاد، عن سفيانَ. قال: لا أدري هل حَفِظَها
عن سفيانَ أم لا؟ لكثرةٍ من رواه عن سفيانَ بدونها(٢).
وقد خرَّجَه النسائيُّ من طريق سفيانَ - أيضًا - وزادَ فيه بعدَ قوله:
((فاستفتحَ بسورة البقرة)): ((فلمَّا سمعتُ ذلكَ تأخرتُ فصلَّيتُ))(٣).
وخرَّجَه - أيضًا - من طريقِ الأعمشِ، عن محاربِ بنِ دِثَارٍ، وأبي
(١) مسلم (١٧٨/٤٦٥)، وانظر ماسيأتي (ص ٢٤٢) من تعليل أحمد لهذا الطريق تحت الحديث
(٧١١).
(٢) ((سنن البيهقي)) (٨٥/٣)، ولم نجدها في ((المعرفة)).
(٣) النسائي (١٠٢/٢).
٢١١

الحديث : ٧٠١،٧٠٠
كتاب الأذان
صلالله
عليـ
صالحٍ، عن جابرٍ، وفي حديثه: إنَّ معاذًا ذَكَرَ أَمرَ الرجلِ للنبيِّ
وسلم
فأرسلَ إليه النبيَّ ◌ِ لَ فقالَ: ((ما حملكَ على الذي صنعتَ؟)) فقال: يا
رسولَ الله! عملتُ على ناضحِ من النهارِ فجئتُ وقد أقيمت الصَّلاةُ
فدخلتُ المسجدَ فدخلتُ معه في الصَّلاة، وقرأَ سورةَ كذا وكذا وطوَّلَ،
فانصرفتُ فصليتُ في ناحية المسجد. فقالَ رسولُ اللهِ وَ له: «أَفتَّانٌ يا
معاذ؟!))(١)
فيستدلُّ بهذا على أَنَّ الإمامَ إذا طوّلَ على المأمومِ وشقَّ عليه إتمامٌ
الصَّلاة معه لتعبه أو غلبةِ النعاس عليه أنَّ له أن يقطعَ صلاتَه معه ويكون
ذلكَ عُذرًا في قطعِ الصَّلاةِ المفروضةِ وفي سقوطِ الجماعةِ في هذه الحال،
وأَنَّه يجوزُ أن يصلِّيَ لنفسِه منفردًا في المسجدِ ثم يذهبَ وإن كانَ الإمامُ
يصلّي فيه بالنَّاسِ .
قال سفيانُ: إذا خَشِيَ على غَنَمِه الذئبَ، أو عَلَى دَتِّه أَنْ تؤخذَ، أو
على صبيِّهِ أن يأكلَه الذئبُ فلا بأسَ أن يقطعَ صلاتَه ويذهبَ إليهِ.
وقال الحسنُ وقتادةُ - في رجلٍ كان يُصلِّي فأشفقَ أن تذهبَ دابتُهُ أو
أغارَ عليها السّبْعُ - قالا: ينصرفُ. قيل لقتادةَ: يَرَى سارقًا يريدُ أَن يأخذَ
نعليهِ، قالَ: ينصرفُ.
ولو طوّلَ الإمامُ تطويلا فَاحِشًا أو حدثَ للمأموم عذرٌ مثلُ حدوث
مرضٍ أو سماعٍ حريقٍ وقعَ في دارِه أو خافَ فسادَ طعامٍ له على النَّارِ أو
ذهابَ دابَّةٍ له على باب المسجدِ ونحو ذلكَ فنوى مفارقَةَ إمامه وأتم
صلاتَه منفردًا وانصرفَ: جازَ ذلكَ عند أصحابنا - أيضًا - وحكَوهُ عن
(١) النسائي (٩٧/٢ - ٩٨).
٢١٢

٦٠ - باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج
الحديث : ٧٠١،٧٠٠
الشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ. وعن مالك، وأبي حنيفةَ: تبطلُ صلاتُه
بذلكَ.
واستدلَّ أصحابُنا بما رَوَى الإمامُ أحمدُ في مسنده: (١٠٠ - ب/ ك٢)
حدَّثَنَا إسماعيلُ - هو: ابْنُ عُليةَ -: ثنا عبدُ العزيزِ بْنُ صُهَيب، عن أنسٍ
قال: كانَ معاذُ بْنُ جبلِ يؤمُّ قومَهُ، فدخلَ حَرَامٌ وهو يريدُ أن يسقيَ
نخلَه، فدخلَ المسجدَ مع القومِ، فلمَّا رأى معاذًا طوّلَ تجوَّزَ في صلاتِه
ولحقَ بنخله يسقيه، فلمَّا قَضَى معاذٌ الصلاةَ قيلَ له: إنَّ حرامًا دخلَ
المسجدَ فلمَّا رآك طوّلتَ تجوَّزَ في صلاتِه ولحقَ بنخله يسقيه، قالَ: إنه
لمنافقٌ، أيعجلُ عن الصَّلاةِ من أجلِ سَقْي نخلِه؟! قال: فجاءَ حَرَامٌ إلى
النبيِّنَّهِ ومعاذٌ عندَه، فقالَ: يا نبيَّ اللهِ! إني أردتُ أن أَسْقِيَ نخلا لي
فدخلتُ المسجدَ لأصلَِّ مع القومِ، فلمَّا طوّلَ تجوزتُ في صلاتي ولحقتُ
بنخلي أسقيه فزعمَ أني منافقٌ، فأقبَل النبيُّ ◌ِلَّ على معاذ فقالَ: ((أفَّانٌ
أنتَ؟!لا تُطوِّلْ بهم، اقرأْ ب﴿سبِّحِ اسمَ ربِّكَ الأعلى﴾، ﴿والشمسِ
وضحاها﴾ ونحوهما))(١).
وخرَّج - أيضًا - من طريق حُسينِ بْنِ واقدٍ، عن عبدِ اللهِ بْنِ بُريدةَ،
عن أبيه أنَّ معاذَ بْنَ جبلٍ صَلَّى بأصحابِه العشاءَ فقرأَ فيها: ﴿اقتربت
السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فَقَامَ رجلٌ مِن قبلِ أن يفرَغَ فصلَّى وذهبَ، فقالَ له
معاذٌّ قولا شديدًا، فَأَتَى النبيَّ بِّه واعتذرَ إليه، وقال: إِنِّي كنتُ أعملَ
في نخلٍ وخفتُ على الماءِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَ لَهَ ـ يعني لمعاذٍ - ((صلِّ
بالشمسِ وضحاها ، ونحوِها من السُّورِ))(٢).
(١) أحمد (١٢٤/٣).
(٢) أحمد (٣٥٥/٥)، وفيه ضعف .
٢١٣

الحديث : ٧٠١،٧٠٠
كتاب الأذان
وَرَوَى محمدُ بْنُ عَجْلان، عن عُبيد الله بْنِ مِقْسم، عن جابرِ هذه
القصةَ بطولها، وفيها: فصلَّى خلفَه فتىًّ من قومه فَلمَّا طالَ على الفَتَى
صلَّی وخرجَ.
وفي هذا الحديثِ: أنَّ معاذًا أخبر النبيَّ نَّهِ بما صنَع الفتى فقالَ: يا
رسولَ اللهِ! يطيلُ المكثَ عندَكَ ثم يرجعُ فَيُطَوِّلُ علينا. فقالَ: ((أفتَّانٌ أنتَ
يا معاذُ؟!)» وذَكَرَ الحديثَ.
خرَّجَه أبو داودَ مختصرًا، لم يتمه(١).
وقال أصحابُنا: هذه قصةٌ أخرى غيرُ قصة الذي سَلّمَ من صلاته
وصَلَّى لنفسِه وانصرفَ.
وقد رُويَ أن الرجلَ صَلَّى قَبْلَ أن يَجِيءَ معاذٌ وانصرفَ لَّا أبطأَ معاذٌ،
وأن اسمَه: سليمٌ.
وهذا يدلُّ على أنَّ هذه قصةٌ أخرى غيرُ قصةٍ حَرَام؛ فروى أسامةُ بْنُ
زيد: سمعتُ معاذَ بْنَ عبد الله بن خُبيب قال: سمعتُ جابرَ بْنَ عبد الله
قال: كانَ معاذٌ يتخلفُ عندَ رسول اللهِ وَهِ فكانَ إذا جاءَ أمَّ بقومه(٢)،
وكانَ رجلٌ من بني سلمةَ يقالُ له: سليمٌ، يصلِّي مَع معاذٍ فاحتبسَ معاذٌ
عنهم ليلةً، فصلَّى سليم(٣) ثم انصرفَ. وذكر الحديثَ، وفيه: أنَّ النبيَّ
﴿َخَّ سأل سليمًا كيف صلَّى(٤)؟ فقالَ: قرأتُ بفاتحة الكتابِ وسورةٍ ثم
قعدتُ وتشهدتُ وسألتُ الجنةَ وتعوَّذْتُ من النَّارِ، وصليتُ على النبيِّ
(٢) في ((كشف الأستار)» و«مجمع الزوائد)) (١٣٢/٢): «قومَه)) .
(١) أبو داود (٥٩٩).
(٣) زاد في ((كشف الأستار)): ((وحده)).
(٤) في ((كشف الأستار)): ((كيف صنعت حين صليت)).
٢١٤

٦٠ - باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج
الحديث : ٧٠١،٧٠٠
وَلَه، ثم انصرفتُ وليس(١) أحسنُ دندَنَتَكَ ولا دندنَة معاذ، فضحكَ
النبيُّ وَِّ ثم قَالَ: ((هَلْ أدندنُ أنا أو معاذٌ إلا لندخلَ الجنَّةً ونُعَاذَ من
النَّارِ؟)) ثم أرسلَ إلى معاذٌ:((لا تكن فَتَّانًا تفتنُ النَّاسَ، ارجعْ إليهم فصلِّ
بهم قبلَ أنْ یناموا)).
خرَّجَه البزارُ(٢).
وقد رُوِيَ أَنَّ اسمَ الرجلِ: حزمُ بْنُ كعب(٣). وقد خرَّجَ أبو داودَ
حديثَه مختصراً(٤).
وهذا يستدلُّ به عَلَى أَنَّها وقائعُ متعددةٌ.
ولم نقف في شيءٍ من الروايات على أَنَّ الرجلَ قطعَ صلاتَه وخرجَ
من المسجدِ ولم يصلِّ كما بوّبَ عليه البخاريِّ، وفي بعضِ النسخِ:
((فخرجَ فصلَّى))، وهو أصحٌ.
ولو فارقَ المأمومُ لغيرِ عذرٍ: لم يجزْ في أصحِّ الروايتينِ عن أحمدَ،
وهو قولُ أبي حنيفةَ (١٠١ - أ/ ك٢) ومالك. والثانيةُ: يجوزُ. وهو قولُ
أبي يوسفَ، ومحمد، وللشافعيِّ قولان(٥).
(١) في ((كشف الأستار)): ((لست)).
(٢) ((كشف الأستار)) (٢٥٦/١ - ٢٥٧)، وعنه ابن حزم في ((المحلى)) (٢٣٠/٤) وسبق تحت
الحديث (٥٧٢) آخره.
(٣) كذا هنا، وفي ((سنن أبي داود)): ((حزم بن أبي بن كعب)) وكلاهما خطأ، والصواب كما
في «كشف الأستار)» (٢٣٦/١ - ٢٣٧) و («مجمع الزوائد» (٧٢/٢) ومصادر ترجمته:
((حزم بن أبي كعب)) وانظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣/ ١١٠) وتعليق الشيخ العلامة
المعلمي عليه - رحمه الله .
(٤) أبو داود (٧٩١)، وأشار المؤلف (ص ٢٣٢) تحت الحديث (٧٠٥) إلى أنه منقطع.
(٥) انظر ((المغنى)) (٧٥/٣).
٢١٥

الحديث : ٧٠١،٧٠٠
كتاب الأذان
واستدلُّوا على أنَّه لا يجوزُ، وأَنَّ الصَّلاةَ تبطلُ بِهِ: بقولِ النبيِّ وَلَّه:
((إنَّما الإمامُ ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه))، ومفارقته من غيرِ عذرٍ من
الاختلاف علیهِ.
وأيضًا - فقد سبقَ الاستدلالُ على وجوب الجماعة، والواجبُ إذا ما
شُرِعَ فيه لم يَجُزْ إبطالُهُ وقطعُهُ لغيرِ عذرٍ كأصلِ الصَّلاةِ، واللهُ سبحانَه
وتعالى أعلمُ.
١
٢١٦

الحديث : ٧٠٢
٦١ - بَابُ
تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي الْقِيَامِ، وَإِثْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: ثَنَا زُهَيْرٌ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ: سَمِعْتُ قَيْسًا
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لأَنََّخَّرُ عَن
صَلاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلٍ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ فِي
مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضِبَا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ.
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُتَفِرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهُمُ
الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ)).
في هذا الحديثِ: أَنَّ الإمامَ مأمورٌ بالتخفيف خشيةَ الإطالةِ على مَنْ
خلفَه؛ فإنَّه لا يخلوا بعضُهم من عذرِ كالضعيفِ والكبيرِ وذي الحاجةِ،
وهذا يدلُّ على أَنَّ الأمرَ بالتخفيفِ إنَّما يتوجَّهُ إلى إمامٍ يُصَلِّي في مسجدٍ
يغشاه النَّاسُ.
قال حنبلُ بْنُ إسحاقَ: قال أبو عبد الله - يعني: أحمد -: إذا كانَ
المسجدُ على قارعة الطريقِ أو طريق يُسْلَكُ، فالتخفيفُ أعجبُ إلىَّ، فإن
كانَ مسجدًا يعتزلُ أهلُه ويرضونَ بذلكَ فلا بأسَ وأرجو إِن شاءَ اللهُ.
وقالتْ طائفةٌ: على الإمامِ أَنْ يخفِّفَ بكلِّ حالٍ. ورجَّحَه ابْنُ عبدِ
البرِّ(١)، قالَ: لأنَّه وإن عَلِمَ قوةَ من خلفَه فإنَّه لا يَدْرِي ما يحدثُ بهم
(١) ((التمهيد)) (٩/١٩).
٢١٧

الحديث : ٧٠٢
كتاب الأذان
من آفاتِ بني آدمَ، وذكرَ أَنَّ تطويلَ الإمامِ غيرُ جائز، وأنَّه يلزمُهُ
التخفيفُ.
وقال عبدُ الله بْنُ أحمدَ: سألتُ أبي عَنِ الحديثِ الذي جاءَ عنِ النبيِّ
رَاجٍ﴿ في صلاته قال: ((فكانَ قيامُهُ وركوعُهُ وسجودُه وقعودُهُ بينَ السجدتينِ
قريبًا من السواء)) ما تفسيرُ ذلكَ؟ فقال: أحبُّ إليَّ أَن يُخْفِفَ ولا يشق
على مَنْ خلفَه، وقد رُوِيَ عن النبيِّ وََّ في التخفيفِ أحاديثُ.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بْنُ جعفرٍ من أصحابِنَا: قد يجوزُ أن يكونَ
رسولُ الله ◌ِ لّ استعملَ ذلكَ في نفسِه إذا كانَ مصليًا، وقد أمرَ أئمتَه
بالتخفيف، فيتوجّهُ الحديثانِ على معنيينِ.
كذا قالَ؛ وفيه نظرٌ؛ فإنَّ النبيَّ وََّ كانَ يخفِّفُ ويوجزُ ويتمُّ الصلاةَ،
فلم يَكُن يفعلُ خلافَ ما أَمَر به الأئمةَ.
وليسَ في حديث أبي مسعودِ الذي خرَّجَه هاهنا ما يدلُّ على ما بوّبَ
عليه من تخفيفِ القيامِ وإتمامِ الركوعِ والسجودِ.
وقد خرَّجَ - فيما بعدُ - حديثَ أنسٍ أنَّ النبيَِّّ كَانَ يوجِزُ ويتمُّ(١).
وقد رُويتْ أحاديثُ في التخفيفِ مع إتمامِ الركوعِ والسجودِ، وهي
مطابقةٌ لترجمةِ هذا البابِ؛ لكنْ ليست على شرطِ هذا الكتابِ.
فخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ مالكِ بْنِ عبدِ اللهِ الخثعميِّ قال:
غَزَوتُ مَعَ رسولِ اللهِ ◌َِّ، فلم أصلٌّ خلفَ إمامٍ كانَ أوجزَ منه صلاةً في
تمامِ الركوع والسجودِ(٢).
(١) البخاري (٧٠٦) نحوه.
(٢) أحمد (٢٢٥/٥).
٢١٨

٦١ - باب تخفيف الإمام فى القيام
الحديث : ٧٠٢
ومن حديث عديِّ بْنِ حاتم قالَ: مَنْ أمَّنا فليتمّ (١٠١ - ب/ ك٢)
الركوعَ والسجودَ؛ فإنَّ فينا الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ والعابرَ السبيل وذا
الحاجةِ، هكذا كُنَّا نصلِّي مع رسولِ اللهِ وَل﴾(١).
وخرَّجَه الطبرانيُّ، ولفظُه: إِنَّ عديَّ بْنَ حاتمٍ خرجَ إلى مجلسِهم
فأقيمت الصَّلاةُ، فتقدَّمَ إمامُهم فأطال الصَّلاةَ والجلوسَ، فلمَّا انصرفَ
قَالَ: مَنْ أمَّنَا منكم فليتمَّ الركوعَ والسجودَ؛ فإنَّ خلفَه الصغيرَ والكبيرَ
والمريضَ وابنَ السبيلِ وذا الحاجة. فلمَّا حضرت الصَّلاةُ تقدَّمَ عديٌّ فأتمَّ
الركوعَ والسجودَ وتجوَّزَ في الصَّلاة، فلمَّ انصرفَ قالَ: هكذا كُنَّا نُصَلِّي
= صا الله (٢)
وسلم
.
عَلـ
خلفَ النبيِّ
وخَرَّجَ الطبرانيُّ، وغيرُهُ من حديثِ نافعٍ بُنِ خالدِ الخزاعيِّ: حدَّثَنِي
أبي - وكانَ مِنْ أصحابِ الشجرةِ - أَنَّ النبيَّ ◌ِلّ كانَ إذا صَلَّى والناسُ
ينظرونَ صلَّى صلاةً خفيفةً تامةَ الركوعِ والسجودِ (٣).
فقد ثبتَ أَنَّ النبيَّ بِّه كانَ إذا صلَّى بِالنَّاسِ فإنَّه يخففُ عنهم، وإذا
صَلَّى لنفسه يطوّلُ.
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمد))، عن أبي واقد الليثيِّ قالَ: كانَ النبيّ
ءِ
أخفَّ النَّاسِ صلاةً بالناسِ وأطولَ النَّاسِ صلاةً لنفسِهِ(٤).
صَھَاِلله
وَسَاء
يصلِّيها بالنَّاسِ هي التخفيفُ الذي أَمَر به
فالصَّلاةُ التي كانَ النبيّ ◌ِلَّ
غيرَه. وإنَّما أنكرَ على مَن طوَّلَ تطويلا زائدًا على ذلكَ؛ فإنَّ مُعاذَ بْنَ
صَلىالله
جبلٍ كَانَ يُصَلِّي مع النبيِّ وَّ بالمدينة صلاةَ العشاء، وكانَ النبيّ
وَسيكم
(١) أحمد (٢٥٧/٤ - ٢٥٨).
(٣) الطبراني في ((الكبير)) (١٩٣/٤).
(٢) الطبرانى فى ((الكبير)) (١٧ / ٩٣ - ٩٤).
(٤) أحمد (٢١٩/٥).
٢١٩

الحديث : ٧٠٢
كتاب الأذان
يُؤَخِّرُهَا كثيرًا - كما سبقَ ذكرُه في ((المواقيتِ)) - ثم ينطلقُ إلى قومِه في
بني سلمةَ فيصلِّي بهم وقد استفتحَ حينئذ بسورة البقرةِ، فهذا هو الذي
أنكَرَه على معاذ؛ ويشهدُ لهذا: حديثُ ابن عمرَ قالَ: كانَ رسولُ الله
وَّه لَيَأْمُرُنَا بالتخفيفِ، وإِن كَان لَيَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، والنسائي، وابنُ خزيمةَ في ((صحيحِه)(١).
والمرادُ: أن التخفيفَ المأمورَ به هو ما كانَ يفعلُهُ، ومن كان يفهمُ أَنَّه
يفعلُ خلافَ ما أَمَرَ به كَمَا أشعرَ به تبويبُ (٢) النسائيِّ فقد وَهِمَ.
وفي ((صحيح مسلم))، عن سِمَاك قالَ: سألتُ جابرَ بْنَ سَمُرَةَ عن
صلاة النبيِّ بَّهِ؟ فقالَ: كانَ يُخفِّفُ الصَّلاةَ، ولا يصلِّي صلاةَ هؤلاءِ
قالَ: وأنبأني أَنَّ رسولَ اللهِ بََّ كانَ يقرأُ في الفجرِ بـ ﴿قَ(٣) والقُرْآنِ
الَجِيدِ﴾، ونحوِها من السورِ(٤).
وخرَّجَه الحاكمُ، ولفظُه: كانَ النبيُّ ◌َلّ يصلِّي نحوًا من صلاتِكم،
ولكنَّه كانَ يخففُ الصَّلاةَ، كانَ يقرأُ في الفجرِ بالواقعةِ، ونحوِها من
السورِ (٥).
فصرَّحَ بأنَّ تخفيفَه: هو قراءتُه بهذه السورةِ.
وروى عبدُ الجبارِ بْنُ العَبَّاسِ، عَنْ عمارِ الدُّهْنِيِّ، عن الأعمشِ، عن
إبراهيمَ التيميِّ قَالَ: كَانَ أَبي تركَ الصَّلاةَ معنا؛ قَالَ: إِنَّكم تُخفِّفُونَ.
(١) أحمد (٢/ ٤٠)، والنسائي (٩٥/٢)، وابن خزيمة (٤٩/٣).
(٢) بوب النسائي: ((الرخصة للإمام في التطويل)).
(٣) في ((٢٥)): ((بقاف))، وما أثبتناه من ((صحيح مسلم)).
(٤) مسلم (١٦٩/٤٥٨).
(٥) الحاكم (٢٤٠/١).
٢٢٠