النص المفهرس
صفحات 161-180
٥١ - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به الحديث : ٦٨٩ وأما أبو بكرِ فإنه إنَّما صلَّى قائمًا لأنَّه - وإن ائتمَّ بقاعد - إلا أنه أمّ ے قادرينَ على القيامِ وهو قادرٌ عليه، فاجتمعَ في حقِّه - أيضًا - سببان: موجبٌ للقيامِ، ومسقطٌ له، فغلَّبَ إيجابَ القيامِ واللهُ سبحانه وتعالى (١). أعلم (١) انظر الحديث (٧١٣) وشرحه. ١٦١ الحديث: ٦٩٠ كتاب الأذان ٥٢ _ بَابُ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ. وقالَ أَنَسٌ، عَنِ النَِّّ ◌َّةٍ: ((وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)). حديثُ أنسٍ هذا قد خرَّجَه البخاريُّ - فيما بعدُ - من روايةِ الزهريِّ، عنه، ويأتي في موضِعِه إن شاءَ اللهُ. وفيه دليلٌ على أَنَّ سجودَ المأمومِ يكونُ عَقِيبَ سجودِ الإمامِ ولا يكونُ معه ولا قبلَه. ٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَلَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِ الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌّ مِنّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ◌َ سَاجِدًا، ثُمَّنَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَن سُفْيَانَ، [عَنْ أبِي إسحاقَ نحْوُ بِهَذَا؛ وَإِنَّمَا أَدْخَلْتُ حَدِيثَ مُسَدَّدٍ لِحَالَةِ الإِخْبَارِ(١). هَكَذَا وقعَ في بعضِ النسخِ دونَ بعضٍ، ومعناهُ: أَنَّ هذا الحديثَ وِ سَمِعَه البخاريّ من أبي نعيمٍ، عن سفيانَ - هو الثوريّ - بهذا الإسناد؛ ولكنْ مُعَنْعَنًا، وإنَّما خرَّجَه عن مُسَدَّدٍ، عن يحيى بْنِ سعيدٍ، عن سفيانَ (١) قوله: ((قال أبو عبد الله)) و((وإنما أدخلت حديث مسدد لحالة الإخبار)) ليس في ((اليونينية)) وأشار إلى أنها في بعض نسخ الصحيح. وما بين المعقوفين من ((اليونينية)). ١٦٢ ٥٢ - باب متى يسجد من خلف الإمام الحديث: ٦٩٠ نازلا؛ لأنَّه ذكرَ في حديثهِ سماعَ سفيانَ له من أبي إسحاقَ، وسماعَ أبي إسحاقَ من عبدِ الله بنِ يزيد، وسماعَه من البراءِ. وَقَولُهُ: ((حَدَّثَنِي البراءُ - وهو غيرُ كذوبٍ)) ظاهرُ السِّاقِ يقتضي أنَّه من قولِ عبدِ اللهِ بْنِ يزيدَ في حقِّ البراءِ، ورجحَ ذلك الخطَّبِيُ وغيرُهُ، وقالَ ابنُ معين وغيرُهُ: إنَّمَا هو من قولِ أبي إسحاقَ في حقِّ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، وقالوا: إنَّ الصحابةَ أجلُّ من أن يُوصَفُوا بنفي الكذبِ . وهذا ليس بشيءٍ، ونفيُ الكذبِ صفةُ مدحٍ لا ذم، وكذلك نفي سائرٍ النقائصِ. وقد كانَ عليُّ بْنُ أبي طالبٍ يقولُ: واللهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذُبْتُ، فَنَفَى الكَذِبَ عن نفسِهِ، وأشارَ إلى نفِه عمن أخبرَه - وهو رسولُ الله ◌َّهِ. وقالتْ عائشةُ في حقِّ عمرَ وابنِ عمرَ: إنَّكم لتحدِّثُونَ عن غيرِ كاذبينَ ولا مكذَّبِين، ولكنَّ السمعَ يخطىءُ. وأبلغُ من هذا: أَنَّ اللهَ تعالى ينفي عن نفسِه النقائصَ والعيوبَ كالظلمِ وإرادتِه، والغفلةِ، والنسيان وكذلك نفيُه للشريكِ والصاحبةِ ٠ والولدِ، وليس في شيءٍ من ذلكَ نقصٌ بوجه ما. وأيضًا - فعبدُ اللهِ بْنُ يزيدَ هو الخَطْميُّ، وهو معدودٌ من الصحابة، وله روايةٌ عن النبيِّ بَّهِ فكيفَ حَسُنَ نفيُ الكذبِ عنه دونَ البراءِ وكلاهما صحابيٌّ وإن كانَ البراءُ أشهرَ منه وأكثرَ روايةً، واللهُ أعلمُ (١). وفي الحديثِ: دليلٌ على أَنَّ المأمومَ يتابعُ الإمامَ وتكونُ أفعالُه بعدَ أفعالِ الإمامِ؛ فإنَّ البراءَ أخبرَ أنَّهم كانوا إذا رفعوا من الركوعِ لم يحنِ أحدٌ منهم ظهرَهَ حتَّى يقعَ النبيُّ ◌ِّ ساجدًا، ثم يسجدونَ بعدَه. (١) انظر ((الأفراد)) للدار قطني (١٤٠٥ - أطرافه) بتحقيقنا. ١٦٣ الحديث: ٦٩٠ كتاب الأذان وفي رواية لمسلمٍ في هذا الحديثِ: أنَّهم كانوا يصلُّونَ مع رسولِ اللهِ وَّ، فإذا رفعَ رأسَه من الركوعِ لم نرَ أحدًا يَحْنِي ظهرَهَ حتَّى يضعَ رسولُ اللهِ وَّ جبهتَه على الأرضِ، ثم نخرُّ من ورائِه سُجَّدًا (١). وهذه صريحةٌ في أنَّهم (٩٢- ب/ ك٢) كانوا لا يُسْرِعُونَ(٢) في السجودِ حَتَّى ينهيَه النبيِّ وَهُ . وسع وقولُ النبيِّ نَّهِ: ((إذا كَبَّرَ فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجدَ فاسجدوا)) يدلّ على أَنَّ تكبيرَ المأمومينَ من ركوعِهم وسجودِهم يكونُ عَقِيبَ تكبيرِ الإمامِ وركوعِه وسجودِهِ، ولا(٣) معه ولا قبله. وفي حديثِ أبي موسى، عن النبيِّ نَّ: ((فإنَّ الإمامَ يركعُ قبلكم ويرفعُ قبلكم، فتلكَ بتلكَ)). خَرَّجَه مسلمٌ(٤). وقد سبقَ ذكرُه. وأكثرُ العلماء على أَنَّ الأفضلَ للمأمومِ أن يتابعَ الإمامَ فيركع ويرفع ويسجدَ ويجلسَ بعدَ الإِمامِ في ذلكَ، وكذلكَ كانَ يفعلُ أبو قلابةَ وغيرُهُ من السَّف. وروى وكيعٌ بإسنادِه عن ابْنِ مسعودٍ قالَ: ((لا تُبَادِروا أئمتكم؛ فَإِنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ بِهِ، فيكون أولَ من يركعُ، وأولَ من يسجدُ، وأول من يرفع)). وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمدَ، ورواية عن مالكٍ. وإن وافقَه في فعله معه كُرِهَ وصَحَّتْ صلاتُه عند أكثر أصحابنا، والشافعيةِ. ومن أصحابنا من أبطلَ الصلاةَ بذلكَ. وَيُسْتَثْنى من ذلكَ صورتان : (١) مسلم (٤٧٤). (٢) كذا فى ((ك٢)) بالسين المهملة. ولعل الصواب بالشين المعجمة. (٣) لعل الواو زائدة. (٤) مسلم (٤٠٤). ١٦٤ ٥٢ - باب متى يسجد من خلف الإمام الحديث: ٦٩٠ إحداهما: تكبيرةُ الإحرام في ابتداء الصَّلاة؛ فإذا كبّرَ معه لم تنعقد صلاةُ المأمومِ عند ابنِ المباركِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وهو قولُ مالك، وأبي يوسفَ. وقال أبو حنيفةً، والثوريُّ، والعنبريُّ، ومحمدُ بْنُ الحسنِ، وزفرُ: تنعقدُ صلاتُه بذلكَ، وزاد الثوريُّ عليهم فقالَ: لو كبِّرَ مع إمامِه وفرغَ من تكبيرِه قبلَ فراغٍ إمامِهِ جازَ. ومن الحنفيةِ من جعلَ تكبيرة الإحرامِ شرطًا للصلاة كالطهارة والستارةِ ولم يجعلْهَا منها . والصورةُ الثَّانيةُ: إذا سلَّم مع إمامِه، فإِنَّه يجوزُ مع الكراهةِ عند أكثرِ أصحابنا والشافعية، ولهم وجهٌ آخرُ: أَنَّه لا يجوزُ. وحُكِيَ عن مالكٍ. قال بعضُ أصحابنا: وهذا قولٌ قويٌّ على قولٍ من يعتبرُ النيةَ للخروجِ. وعن مالكٍ في أصلٍ متابعة(١) المأموم لإمامِهِ ثلاثُ رواياتٍ: إحْدَاهُنَّ: أَنَّه يستحبُّ أن يكونَ عملُه بعدَ عملِ إمامِه معاقبًا له. كقولِ الشافعيِّ، وأحمدَ. والثَّانيةُ: أَنَّ عملَ المأمومِ كلَّه مع عملِ الإمامِ ركوعَه وسجودَه ورفعَه، ما خلا الإحرامَ والتسليمَ فإنَّه لا يأتي المأمومُ بهما إلا بعد تكبيرِ الإمامِ وسلامِهِ - وقيلَ: إنَّها أصحُّ الرواياتِ عنه. والثالثةُ: أَنَّه يكونُ عملُه مع الإمام ما خلا ثلاثة أشياء: التحريمَ، والتسليمَ، والقيامَ من اثنتينٍ، فَإِنَّه يكونُ بعده. (١) جاء رسمها في ((٢٥)): ((متابعته). ١٦٥ الحديث: ٦٩١ كتاب الأذان ٥٣ - بَابُ إِثْمٍ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ ٦٩١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّد بْن زيَاد قَالَ: ء سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َ قَالَ: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ أَلا(١) يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَن يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهَ رَأْسَ حِمَارِ، أَوْ يَجْعَلَ (٢) صُورَتَهُ صُورَةَ حمَار)). قالَ الحافظُ أبو موسى المدينيُّ: اتَّفْقَ الأئمةُ على ثبوتِ هذا الحديث من هذا الطريقِ، رواه عن محمدٍ بْنِ زيادٍ قريبٌ من خمسينَ نفسًا، وبعضُهم يقولُ: ((صُورَتَه)) وبعضُهم يقولُ: ((وجهَه))، ومنهم من قالَ: ((رَأْسَ كَلْبٍ أو خنزيرٍ)». وتابعَ محمدَ بْنَ زيادٍ جماعةٌ عن أبي هريرةَ. انتهى. وفيه دليلٌ صريحٌ على تحريمٍ تَعمَّدِ رفعِ المأمومِ رأسَه قبلَ الإمامِ في ركوعه وسجوده؛ فإنَّه توعَّدَ عليه بالمسخِ وهو من أشدِّ العقوبات. وإنَّما اخْتُصَّ الحمارُ بالذكرِ دونَ سائرِ الحيواناتِ على الروايةِ الصحيحةِ المشهورة - واللهُ أعلمُ - لأنَّ (٩٣ - أ/ ٢) الحمارَ من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يُضْرَبُ المثلُ في الجهلِ؛ ولهذا مثَّلَ اللهُ به عالِمَ السوءِ الذي يحملُ العلمَ ولا ينتفعُ به في قولِه ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا الثَّورَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] فكذلكَ المتعبدُ بالجهل يشبهُ الحمارَ؛ فإنَّ الحمارَ يحرِّكُ رأسَه ويرفعُه ويخفضُهُ لغيرِ معنى، فشبّهَ مَن يرفعُ رَأْسَهُ (١) في ((اليونينية)): ((أولا)). (٢) زاد في ((اليونينية)) لفظ الجلالة. ١٦٦ ٥٣ - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام الحديث: ٦٩١ قبلَ إمامِه بالحمارِ، وكذلكَ شَبَّه مَن يتكلَّمُ وإمامُهُ يَخْطُبُ بالحمارِ يَحْمَلُ أَسْفَارا؛ لأَنَّه لم ينتفعْ بسماعِ الذكرِ فصارَ كالحمارِ في المعنى، واللهُ أعلمُ. وقد اختلف العلماءُ فيمن تعمَّدَ رفعَ رأسِه قبلَ إمامِه في ركوعه أو سجودِه هل تبطلُ بذلك صلاتُه أم لا؟ وفيه وجهان لأصحابِنَا، وأكثرُهم على البطلانِ، ورُوِيَ عن ابْنِ عمرَ. قَالَ القاضي أبو يعلى: لا تَبْطِلُ بذلكَ، وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ. فعلى هذا: فهلْ يُؤْمِرُ أَن يعودَ إلى ركوعه وسجودِهِ ليرفعَ بعد إمامِه؟ قَالَ بعضُ المتأخرينَ أصحابنا(١)، وبعض أصحابِ الشافعيِّ: لا يؤمرُ بَذلكَ، ومَتَى عادَ بطلتْ صلاتُه؛ لأنَّه يصيرُ قد زادَ في صلاته ركنًا عمدًا. وقد رَوَى مالكٌ في ((الموطَّا)) أَنَّ السنةَ في السَّهي إذا رفعَ رَأْسَه قبلَ إمامه أَن يعودَ ولا يقف ينتظرُهُ، فذلك خطأٌ من فعله(٢). ومفهومُهُ: أَنَّ العامدَ ليس كذلكَ. وأكثرُ العلماءِ مِنْ أصحابِنَا وغيرِهم يقتضي أنَّه يلزمُه أن يعودَ لرفع(٣) بعدَ إمامه، وقد بسطْنَا القولَ على هذا في البابِ الماضِي فلا حاجةَ إلى إعادته . (١) كذا، والسياق يقتضي زيادة ((من)) ولعلها: ((بعض أصحابنا المتأخرين)). (٢) ((الموطأ)) (ص ٧٩) وانظر ((التمهيد)) (٢٤ /٣٥٦). (٣) كذا، ولعلها: (للرفع)) أو ((ليرفع)). ١٦٧ كتاب الأذان ٥٤ - بَابُ إِمَامَةِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى - وَكَانَتْ عَائشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ - وَلَدِ الْبَغِيِّ وَالأَعْرَابِيِّ وَالْغُلامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ؛ لِقَوْلِ النَِّيِّمَ: ((يَؤُمُّهُمْ أَفْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ». وَلَا يُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنَ الْجَمَاعَة بِغَيْر علّة. أشارَ البخاريُّ رَحِمَهُ اللهُ بهذا التبويبِ إلى مسائل : إِحْدَاها: إمامةُ العبدِ والمولى. ومرادهُ بالعبدِ: الرقيقُ الْقِلُّ(١)، وبالمولى: العتيقُ الذي عليه ولاءٌ لُعْتقه. وما ذكرَه من إمامة ذكوانَ لعائشةَ: فروى وكيعٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبي بكرِ بْنِ أبي مليكةً أَنَّ عائشةَ أعتقتْ غُلامًا لها عن دُبُرٍ، فكانَ يؤمُّهَا في المصحفِ في رمضانَ(٢). ففي هذه الروايةِ أَنَّه كانَ مُدًَّا. وقد رُوِيَ من غيرِ وجهِ، عن عائشةَ أَنَّها صَلَّتْ خلفَ مملوك. وروى أيوبُ، عن القاسمِ بْنِ محمدٍ، عن عائشةً أَنَّه كان يؤمُّها عبدٌ لها في المصحفِ. خرجه الأثرمُ. (١) العبد القن: الذي مُلِكَ هو وأبوه. راجع ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٣ /٣٤٢)، و ((الفائق) (٢٢٩/٣). (٢) أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (ص ٢٢١) عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، به. وانظر: ((الفتح)) (٢ / ١٨٥). ١٦٨ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى ورواه عبدُ الرحمنِ بْنُ القاسمِ، عن أبيه - أيضًا. وذكرَ الإمامُ أحمدُ أَنَّه أصحُّ من حديثِ ابْنِ أبي مليكةَ؛ لأَنَّ هشامَ ابْنَ عروةَ لم يسمعْه من ابْنِ أبي مليكةً؛ إِنَّما بلغَه عنه. قالَ أحمدُ: أبو معاويةَ، عن هشامٍ قالَ: نُبِّتُ عن ابْنِ أبي مليكةَ، فذكَرَه. قلتُ: رواه شعيبُ بْنُ أبي حمزةَ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، لم يذكرْ ابْنَ أبي مليكةَ. خرَّجَه البيهقيُّ(١). وكذا رواه مالكٌ في ((الموطّا))، عن هشام، عن أبيه(٢). وروى أبو نعيمٍ في كتابِ ((الصَّلاةِ)): حَدَّثْنا حمادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ابْنِ أبي مليكةَ أَنَّ عائشةَ كانَ يدخلُ عليها أشرافُ قريش فيؤمَّهم غلامُها ذكوانُ. والظاهرُ أَنَّ حمادَ بْنَ سلمةَ إنَّما رواه عن هشامٍ، عن ابْنِ أبي مليكةَ. وَرَوَاه الشافعيُّ عن عَبْدِ المجيدِ بْنِ أبِي رِوََّد، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَني ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهم كَانُوا يَأْتُونَ عَائِشَةَ أَمَّ المؤمنينَ بأعلى الوادِي هو، وعبيدُ بْنُ عميرِ، والْمِسْورُ بْنُ مَخْرمةَ (٩٣ - ب/ ث٢) وناسٌ كثيرٌ، فيؤمهم ءُ أبو عمرو مولى عائشةً. وأبو عمرو غلامُها حينئذٍ لم يُعْتَقْ، وكانَ إمامَ بني محمدِ بْنِ أبي بكرٍ وعروة (٣). قال أبو نعيمٍ: وحدَّثَنا زهيرٌ، عن داودَ بْنِ أبي هندٍ: حَدَّني أبو نضرةَ، (١) في ((السنن)) (٣ /٨٨). (٢) ((الموطأ)) (ص ٩٢). (٣) ((مسند الشافعي)) (٣١٤). وانظر («الأوسط)) (٤ /١٥٥). ١٦٩ كتاب الأذان عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريِّ قَالَ: أتاني نفرٌ من أصحاب رسولِ اللهِ وَلَهــ فيهم: أبو ذرِّ، وحذيفةُ، وابْنُ مسعود - فحضرت الصَّلاةُ فقدّموني - وأنا مملوكٌ - فصليتُ بهم(١). قَالَ: وحدَّثَنَا حسنٌ الحسناني(٢): ثنا زياد النمريُّ(٣) قالَ: سألتُ أنسَ ابْنَ مَالك فقلتُ : العبدُ ليس بدينه بأسٌ يؤمُّ القومَ؟ قالَ: وما بأسٌ بذلكَ؟ وفي ((صحيح مسلمٍ)): أَنَّ عمرَ بْنَ الخَطَّابِ قال لنافعِ بْنِ عبد الحارثِ - وكانَ عمرُ اسْتخلفَه على مكةَ -: مَنِ اسْتَخلفتَ على أهلِ الوادي؟ قَالَ: ابْنُ أَبْزَى، مولى لنا. فقالَ عمرُ: استخلفتَ عليهم مولَى؟! قَالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إِنَّه قارىءٌ لكتاب الله، عالمٌ بالفرائضِ. فقالَ عمرُ: أَمَا إنَّ رسولَ اللهِ وَالْقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ يرفعُ بهذا الكتابِ أقوامًا ويضعُ به آخرين))(٤). وَمِمَّنْ رخَّصَ في إمامةِ العبدِ: الشعبيُّ، والنخعيُّ، والحسنُ، والحكمُ، والثوريَّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيَّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. وَكَرِهَ إمامةَ العبد: جماعةٌ منهم: أبو مجْلَز. وقال الضَّحاكُ: لا يؤمّ العبدُ القومَ وفيهم خَيْرٌ. وَقَالَ مالكٌ: لا يَؤْمُّهم إِلاَّ أَن يكونَ العبدُ قارئًا ومَن خَلْفَه أعرابٌ لايقرءونَ. وفي ((تهذيبِ الْمُدَوَّنَةِ)): لا يؤمُّ العبدُ في الحضرِ في مساجدِ القبائل، وجائزٌ أن يؤمّ في قيامِ رمضانَ وفي الفرائضِ في السَّفْرِ إن كانَ أقرأهم من غيرِ أن يتخذَ إمامًا راتبًا. وقال أصحابُنَا: لا تُكْرَهُ إمامةُ العبدِ، والحرُّ أولى منه(٥). (١) انظر ((الأوسط)) (٤ / ١٥٦). (٢) كذا، وهو: الحسن بن أبي الحسناء. (٣) كذا، وإنما صوابه: النُّميري، وهو زياد بن عبد الله. (٤) مسلم (٨١٧). (٥) ((المدونة)) (١ /٨٥) و((الأوسط)) (٤ /١٥٦ - ١٥٧). ١٧٠ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى المسألةُ الثَّانيةُ: إمامةُ ولدِ الْبَغِيِّ - وهو ولدُ الزِّنَا - وقد اخْتُلِفَ في ءُ إمامته. فرخَّصَ فيها طائفةٌ، منهم: عطاءٌ، والحسنُ، والشعبيّ، والنخعي، والزهريُّ، وسليمانُ بْنُ موسى، وعمرو بنُ دينار، والثوريَّ، والأوزاعيّ، وُ وأحمدُ، وإسحاقُ. ومنهم: من شرطَ سلامةَ دينه. وهو قولُ أحمدَ. وكَرِهَ ذلكَ آخرونَ، منهم: مجاهدٌ. ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيزِ أَنَّه نهى رَجُلًا كانَ يؤمُ بالعقيقِ لا يُعرفُ له أبٌ. وقال مالكٌ: أَكْرُهُ أنْ يُتَّخِذَ إمامًا راتبًا. وقالَ أبو حنيفةَ: غيرُهُ أحبُّ إلينا منه. وقال الشافعيُّ: أَكْرَهُ أَن يُنَصَّبَ إمامًا من لا يُعرِفُ أَبُوهُ، وَمَنْ صَلَّى خلفَه أَجْزَأَه(١). وهؤلاء جعلوا النَّسبَ معتبرًا في إمامةِ الصَّلاة، فيكرهُ أَن يُرتَّبَ للإمامة مَن لا نَسبَ له كما يعتبرُ في الإمامة العظمى، فلا يصحّ أن (3 يُنصبَ إمامًا مَن لا نَسبَ لَهُ. وفي هذا نظرٌ؛ فإنَّ أكثرَهم رخَّصوا في إمامةِ العبد والمولى مَعَ أَنَّه لا نسبَ لهما في العربِ . المسألةُ الثّالثةُ: إمامةُ الأعرابيِّ - وهو مَنْ لم يهاجر إلى الأمصارِ من أهلِ البوادي - وقد اختُلِفَ في إمامةِ الأعرابيّ. فقالتْ طائفةٌ: لا بأسَ بها إِذَا أقامَ الصلاةَ، وعنه قالَ (٢): العبدُ إذا (١) ((الأوسط)) (٤ /١٦٠ - ١٦١) و((الأم)) (١٦٦/١). (٢) كذا، وروي هذا القول من كلام إبراهيم النخعي - كما عند ابن أبي شيبة (٢ / ٢١٥). ١٧١ كتاب الأذان فَقَهَ أحبُّ إليَّ منه. ورخَّصَ فيه: الثوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ - في المشهور عنه - وإسحاقُ. وروى وكيعٌ في كتابه، عن شريك، عن أبي إسحاقَ، عَن رَجُلٍ من طيٍ أَنَّ ابنَ مسعودٍ (١) بالأعرابي. وكَرِهَ الائتمامَ بالأعرابيِّ طائفةٌ، منهم: أبو مِجْلَز، والشعبيُّ، والحسنُ، وعطاءٌ، ومالكٌ، وهو روايةٌ عن أحمدَ. وَرَوَى وكيعٌ، عن الرَّبِيعِ بِنِ صَبِيحٍ، عن ابْنِ سيرينَ قَالَ: خرجنا مع عبيدِ اللهِ بْنِ معمرٍ، ومعنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ وأناسٌ من وجوه (٩٤- أ/ لك٢) الفقهاء، فمررْنَا بماء فحضرت الصَّلاةُ، فأذَّنَ أعرابيٌّ وأقامَ. قالَ: فتقدَّمَ حميدُ بَّنُ عبدِ الرحمَنِ قالَ: مَّن كَانَ مِنْ أهلِ البلدِ فليتمَّ الصلاةَ، ءِ وكَرِهَ أَن يؤمّ الأعرابي. وهذا يدلُّ على أنَّهم رَأَوا أَنَّ من كانَ أولى بالإمامةِ فإنه يقدَّمُ على الإمامِ الراتبِ بغيرِ إذنه - وقد سبقَ الكلامُ عليه. وقالَ مالكٌ: الأعرابيُّ لا يؤمُّهم وإِن كانَ أقرأَهم. وقالَ أحمدُ: لا يؤمّ الحضريَّ، ولا في المِصْرِ إلا أَنْ يكونَ قد علمَ وعرفَ. وقَالَ - أيضًا -: إِذَا كانَ قد تعلَّمَ القرآنَ، ودخلَ القرآنُ ولم يَكُنْ جَافِيًا. وَرَوَى أَشْعثُ، عن الحسنِ في مهاجِريٍّ صَلَّى خلفَ أعرابيٍّ. قالَ: إِذَا صَلَّى أعادَ تلك الصلاةَ(٢). وقد خرَّجَ ابْنُ مَاجَه من حديث جابرٍ مرفوعًا: ((لا يؤمُّ أعرابيٌّ (١) وضع هنا في (ك)) بعد قوله: ((ابن مسعود)) ضبة وفي ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢١٥/٢، ٢١٦): ((إن ابن مسعود حج فصلى خلف أعرابي)» ا. هـ. (٢) انظر ((الأوسط)) (٤ /١٥٧ - ١٥٨). ١٧٢ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى مهاجرًا))(١) في حديثٍ طويلٍ، وسيأتي فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ سبحانَه وتعالى . المسألةُ الرابعةُ: إمامةُ الغلامِ الذي لم يحتلمْ. وفيها أقوالٌ: أحدُها: أنَّها جائزةٌ في الفرضِ وغيرِهِ. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، وخرَّجَه طائفةٌ من أصحابنا روايةً عن الإمامِ أحمدَ من صحةِ اقتداءِ المفترضِ بالمتنفلِ على روايةٍ عنه. وفيه نظرٌ؛ فَإِنَّ المتنفلَ أهلٌ للإمامةِ في الجملةِ بخلافِ الصبي. وحكاه ابْنُ المنذرِ عن الحسنٍ. وروى حربٌ بإسناده عن الزهريِّ قالَ: لم يَزَل الغلمانُ يصلُّون بالناس إذا عَقَلوا الصلاةَ، وقرءوا في رمضانَ وإن لم يَحْتلموا. وروى أبو نُعيم في كتاب ((الصلاة)): حَدَّثَنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءِ قالَ: لا بأسَ أن يؤمّ الغلامُ قبلَ أن يحتلمَ. وروى وكيعٌ بإسناده عن الأشعث بن قيسٍ أَنَّه قدَّمَ غُلاما، فقيل له. فقالَ: إِنِّي لم أقدِّمْه؛ إنما قدَّمْتُ القرآنَ(٢). ولعلَّ الغلامَ هاهنا أُرِيدَ به العبدُ لا الصبي. وُ والقولُ الثَّانِي: أَنَّه لا يؤمُّ الصبيُّ حَتَّى يحتلمَ. رُوِيَ ذلكَ عن ابْنٍ عباسٍ. خرّجَه عنه بإسناد فيه مقال (٣). وخَرَّجَه الأثرمُ - أيضًا - بإسنادٍ منقطعٍ، عن ابْنِ مسعود قالَ: لا (١) ابن ماجه (١٠٨١) وهو حديث ضعيف. (٢) ابن أبي شيبة (١ / ٣٤٨). (٣) لم يذكر من أخرجه، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٩٨/٢) وإسناده ضعيف جدّاً. ١٧٣ كتاب الأذان يُصلَّى خلفَ الغلام حتى تجبَ عليه الحدودُ. وقالَ النخعيُّ: كانوا يكرهونَ أن يؤمّ الغلامُ قبلَ أن يحتلمَ. قال ابنُ المنذر: كَرِهَ إمامةَ مَنْ لم يبلغْ: عَطَاءٌ، والشعبيُّ، ومجاهدٌ، ومالكٌ، والثوريُّ، وأصحابُ الرأي، وقد رُوينا عَنِ ابْنِ عباسٍ قال: لا يؤمُّ الغلامُ حتى يحتلمَ. وكَرِهَه - أيضًا - الضحاكُ. والقولُ الثَّالثُ: يَؤُمُّهم في النَّفْلِ دونَ الفرضِ، رُوِيَ ذلك عن الحسن، ذكرَهُ وكيعٌ، عن الربيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عنه قالَ: لا بأسَ أن يَؤْمَّهم في رمضانَ إذا أحسنَ الصَّلاةَ قبل أن يحتلَمَ. وهو روايةٌ عن أحمدَ. والقولُ الرابعُ - حَكَاهُ ابْنُ المنذرِ عن الأوزاعيِّ - قَالَ: لا يؤمُّ الغلامُ في الصَّلاة المكتوبةِ حَتَّى يحتلمَ إلا أن يكونَ ليسَ معهم من القرآنِ شيءٌ فإنَّه يؤمُّهم المراهقُ. وعن الزهريِّ قالَ: إِنِ اضْطُرُّوا إليه أَمَّهم. وَقَدْ أومأَ أحمدُ إلى هذا القولِ؛ فإِنَّه قالَ في روايةِ أبي طالبٍ: لا يصلِّي بهم حتَّى يحتلمَ لا في المكتوبةِ ولا في التطوعِ. قيلَ له: فحديثُ عَمرو بْنِ سلمةَ أليسَ أَمَّ بهم وهو غلامٌ؟ فقال: لعلَّه لم يكنْ يحسنُ يقرأُ غیرُه. ونقلَ عنه جعفرُ بْنُ محمدٍ في حديثِ عمرو بْنِ سَلمةَ قالَ: كَانَ هذا في أولِ الإسلامِ من ضرورةٍ، فأمَّا اليومَ فلا. وكذلكَ نقل عنه أبو داودَ قالَ: لعلَّه كانَ في بدءِ الإسلامِ. وهذا يشيرُ إلى نسخ حكمِه بالكليةِ . ومن أصحابِنَا من أجازَ إمامتَه (٩٤- ب/ ك٢) في قيام رمضانَ إذا لم ١٧٤ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى يوجدْ قارىءٌ غيرُهُ؛ فَإِنَّ أحمدَ أجازَ إمامةَ المرأة في ذلكَ، والغلامُ أولى. وفيه نظرٌ - أيضًا - فَإِنَّ المرأةَ من أهلِ التكليفِ ووجوبِ الصَّلاة بخلافِ الصبيِّ؛ ولهذا اختلفَ أصحابُنَا في إمامةِ الغلامِ إذا بلغَ عشرَ سنينَ. وقلنا: تجبُ الصَّلاةُ عليه، كما هو روايةٌ عن أحمدَ اختارَهَا طائفةٌ من أصحابِه، منهم: أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، وأبو الحسنِ التميميّ، وأبو الحسنِ الجزريُّ، وأبو حفصٍ البرمكيُّ وحُكي عن ابْنِ حامدٍ - أيضًا - وُ فاختلفوا: هل يصحّ أن يؤمّ في الصَّلاةِ المفروضةِ حينئذٍ أم لا؟ على و جھین : أحدُهما: أنَّه لا يؤمُّ فيها - أيضًا - قَالَه أبو حفصٍ البرمكيُّ، والقاضي أبو يعلى، والأكثرونَ. والثَّاني: يصحُّ. قاله أبو الخطّابِ. قال القاضي وأصحابُه: إذا قلنا: لا يصحُّ أن يؤمَّ في فرضٍ، فلا فرقَ بين فروضِ الأعيانِ وفروضِ الكفاياتِ كالجنائزِ. وقد استدلَّ البخاريُّ لصحة إمامةٍ (١) العبد والمولى وولد الزنا والأعرابيِّ والصبيِّ بعمومٍ قولِ النبيِّ وَّ: ((يؤمُّهم أقرؤهم لكتابِ اللهِ)). وقد خرَّجَه في موضعٍ آخرَ مسندًا من حديثِ عمرو بْنِ سَلِمَةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَّةِ(٢). وخرّجَه مسلمٌ من حديث أبي مسعودِ الأنصاريِّ(٣) - وقد سبقَ - وقد (١) في ((ك٢)): ((إمام))، والمثبت أولى. (٣) مسلم (٦٧٣). (٢) (الفتح - ٤٣٠٢). ١٧٥ كتاب الأذان استدلَّ به بنو جَرْمٍ في عهد النبيِّ نََّ على إمامة الصبيِّ حَتَّى قدموا عمرو بن سلمة أخذًا بعمومه. وقَدْ أَجابَ بعضُهم بأنه لم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ نَّ بلغَه ذلكَ، وأقرَّ عليه. وهذا يرجعُ إلى أنَّ ما عُمِلَ في زمنِ النبيِّ نَله ولم يُنقلْ أنه بلغه فهل یکونُ حجةً أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور. والمخالفُ في ذلك يقولُ: عمومُ هذا الحديث لابد من تخصيصه؛ فإنَّ المرأةَ لو كانت أقرأ القوم لم تؤمّهم مع وجود قارئٍ غيرِها إجماعًا، وعند عدمه - أيضًا - عند الأكثرينَ، فلذلكَ يُخَصُّ منه الصبيّ؛ لأنه ليس من أهلِ التكليف، والكلامُ إنما توجَّهَ إلى من يدخلُ تحت التكليف، فيتوجَّهُ إليه الخطابُ، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ (١). المسألةُ الخامسةُ: قالَ: لا يُمنعُ العبدُ من الجماعةِ بغير علَّةً. a هذا يدلُّ على أَنَّ البخاريَّ يرى وجوبَ الصَّلاةِ في الجماعةِ على المملوك، وأَنَّ سيدَه لا يجوزُ له منعُه منها. وهو - أيضاً - ظاهرُ كلامٍ أحمدَ، قال إسحاقُ بْنُ هانىء: سألتُ أبا عبد الله عن العبد يرسلُه مولاه في حاجةٍ فتحضرُ الصلاةُ فيصلِّي ثم يقضي حاجَةً(٢) مولاه، أو يَقْضِي حاجةَ مولاه ثم يصلِّي، ولعله إِن قَضَى حاجةَ مولاه لا يجدُ مسجدًاً يصلِّي فيه؟ فقالَ أبو عبدِ اللهِ: إذا عَلِمَ أَنَّه إِن قَضَى حاجةَ مولاه أصابَ مسجدًا يصلِّي فيه: قَضَى حاجةَ مولاه، وإِنْ عَلِمَ أنَّه لا يجدُ مسجدًا (١) انظر ((الأوسط)) (٤ / ١٥٠ - ١٥٢، ١٦٠ - ١٦٢). (٢) جاء رسمها في ((ك٢)): ((حاجته)) خطأ، والمثبت كما في ((المسائل)). ١٧٦ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى الحديث: ٦٩٢ يصلِّي فيه صَلَّى ثُمَّ قَضَى حاجةَ مولاه(١). وقال صالحُ ابْنُ الإمامِ أحمدَ: سألتُ أبي عن العبدِ يأمرُهُ مواليه بالحاجة وتحضرُ الصَّلاةُ؟ قال: إن وجدَ مسجدًا يصلِّي فيه قَضَى حاجةَ مواليه، وإن صلَّى فلا بأسَ. ومن المتأخرينَ من أصحابِنا من قالَ: يتخرَّجُ وجوبُ الجماعةِ على العبدِ على وجوبِ الجمعة عليه. وفيه روايتان عن أحمدَ، فلذلك يخرجُ في وجوبِ الجماعةِ. ومنهم مَنْ قَالَ: لا تَجِبُ الجماعةُ على العبدِ بحالٍ لتكوُّرِهَا كلَّ يومٍ وليلة بخلافِ الجمعةِ . وممن قالَ: لاتجبُ الجماعةُ على العبد من أصحابنا: (٩٥ - أ/ ك ٢) القاضي أبو يعلى في ((خلافه))، وأبو الفتح الحلوانيّ. ورُوِيَ عن الحسنِ ءِ. ما يدلّ على مثله، فروى أبو بكرِ الخلالُ بإسنادِه، عن مهديِّ بْنِ ميمون قَالَ: سألتُ الحسنَ عن عبد مملوك تحضرُهُ الصَّلاةُ فيحبُّ أن يصليَها فيرسلُه مولاه في بعضِ الحاجةِ فبأي ذلك يبدأُ؟ قال: يبدأُ بحاجة مولاه. خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ: الحديثُ الأولُ: ٦٩٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنذِرِ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُون الأَوَُّونَ الْمُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءِ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيَّفَةً، وَكَانَ (١) ((مسائل ابن هانىء)) (١ / ٧٢). ١٧٧ الحديث: ٦٩٢ كتاب الأذان , و. ومية أَكْثِرَهُمْ قُرآنًا. وخرَّجَه أبو داودَ من طريقِ ابْنِ نميرٍ، عن عُبيدِ اللهِ، وزادَ: فيهم عمرُ ابْنُ الخطَّابِ، وأبو سلمةَ بْنُ عبدِ الأسد (١). وخرَّجَه البخاريُّ في ((الأحكام) من ((صحيحِه) هذا، من طريقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عن نافعٍ أخبرَه أَنَّ ابْنَ عمرَ أخبرَهَ قَالَ: كَانَ سالمٌ مَوْلَى أبي حذيفةَ يؤمُّ المهاجرينَ الأولينَ وأصحابَ النبيِّ بَّ في مسجد قباء فيهم: أبو بكر، وعمرُ، وأبو سلمةَ، وزيدٌ، وعامرُ بنُ ربيعةً (٢). والمرادُ بهذا: أَنَّه كانَ يؤمُّهم بعد مقدمِ النبيِّ نَّ؛ ولذلكَ قالَ: في وَلَّه بعد قدومه المدينةَ فلذلكَ مسجدٍ قباء، ومسجدُ قباء إنَّما أسَّسه النبيّ ذَكَرَ منهم أبا بكر، وأبو بكر إنَّما هاجرَ مع النبيِّ وَِّ. وليس في هذه الروايةِ: ((قبلَ مقدَم النبيِّ وَّ)) كما في الروايةِ التي خرَّجَها البخاريّ هاهنا في هذا البابِ، فليس في الحديثِ إشكالٌ كما توهّمه بعضُهم . وإمامةُ سالمٍ للمهاجرينَ بعد مقدَم النبيِّ بَّ في مسجدٍ في حكمٍ المرفوعِ؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يخفى؛ بل يشتهرُ ويبلغُ النبيَّ ◌َّهِ. والظاهرُ: أَنَّ سَالما لم يُعتقْ إلا بقدومه المدينة؛ فَإِنَّه عتيقٌ لامرأةٍ من الأنصارِ أعتقته سائبة وأذنتْ له أن يواليَ مَن شاءَ فوالى أبا حذيفةً وتبنّاه. والْعُصَبَةُ - قالَ صاحبُ ((معجم البلدان)) -: هو بتحريك الصاد على (١) أبو داود (٥٨٨). (٢) (الفتح - ٧١٧٥). ١٧٨ ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى الحديث: ٦٩٣ وزن هُمَزَة، وهو حصنٌ. قال: ويُرْوَى المعصّب(١). الحديثُ الثّاني: قالَ: ٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارَ: ثَنَا يَحْبَى: ثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي أَبُو النََّّحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيَِّ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيَةٌ)). الأمرُ بطاعةِ الحبشيِّ يدخلُ فيه الصلاةُ خلفَه إذا اسْتُعملَ على النَّاسِ، وقد استدلَّ بذلك الإمامُ أحمدُ - أيضًا. وقد قيلَ: إِنَّ هذا من بابِ ضربِ المثلِ لطاعةِ الأمراءِ على كلِّ حال كقوله: ((مَنْ بنى مسجدًا ولو كمفحصٍ قطاةٍ))(٢) مع أَنَّه لا يكونُ المسجدُ كذلكَ، فكذلكَ العبدُ الحبشيُّ لا يكون إمامًا؛ فإنَّ الأئمةَ من قريشٍ. وقيل: بل المرادُ: أن الأئمةَ من قريشٍ إذا ولَّتْ عبدًا حبشيا أُطيعَ، وقد رُويَ ذلك من حديث عليٌّ مرفوعًا وموقوفًا: ((إِنْ أَمَّرَتْ عليكم قريشٌ عبدًا حبشيا فاسمعوا له وأَطِيعوا))(٣). وهذا أشبهُ. وقد استدلَّ أبو ذرّ بهذا الحديثِ على الصَّلاةِ خلفَ العبيد إذا استعملهم الأئمة، فروى عبدُ الله بنُ الصامتِ، عن أبي ذرّ أَنَّه انتهى إلى الربذة - وقد أقيمت الصَّلاةُ - فإذا عبدٌ يؤمُّهم. قالَ: فقيلَ: هذا أبو ذرٍ، (١) ((معجم البلدان)) (١٤٤/٤) وانظر ((الفتح)) (١٨٦/٢). (٢) متفق عليه من حديث عثمان، وليس فيه: ((ولو كمفحص قطاة) ورويت هذه اللفظة من حديث أبي ذر، ولا يصح مرفوعا. انظر ((الأفراد)) للدار قطني (٤٧٠٩ - أطرافه)، وتعليقنا عليه . (٣) أخرجه الحاكم (٤ / ٧٥ - ٧٦) نحوه. وانظر («علل الدار قطني)) (٣ / ١٩٨ - ١٩٩). ١٧٩ الحديث: ٦٩٣ كتاب الأذان فذهبَ يتأخَّر. فقالَ أبو ذرّ: أوصاني خليلي وَِّ: ((أسمع وأطيع(١) ولو كانَ عبدًا حبشيّاً مُجَدَّعَ الأطرافِ)). وفي روايةٍ: فإذا عبدٌ يصلِّ بهم فقالوا لأبي ذرّ: تقدَّمْ، فأبى، فتقدَّمَ العبدُ فصلَّى بهم، ثم ذكرَ الحديثَ. (٩٥ - ب/ ك٢). وقد خرج مسلم منه المرفوع (٢). (١) كذا، وفي ((صحيح مسلم)) (أن أسمع وأطيع). (٢) مسلم (٦٤٨). ١٨٠