النص المفهرس

صفحات 361-380

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٢٩
أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: ((أَبْرِدْ))، حَتَّى سَاوَى الظِّلَّ التّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيّ
صَلىالله
.
(إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّمِن فَيْحِ (٤٢ - ب/ ٢٥) جَهَنَّ).
هَذَا الحديثُ قَدْ خرَّجَه البخاريِّ - فيما سَبَقَ (١) - في أبواب ((وَقْت
صَلاةِ الظهرِ)).
ومقصودُه منه هَاهُنا: أَنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ كانَ يُؤْذَّنُ له في السَّفْرِ، وقَدْ
تقدَّمَ الكلامُ على الإبرادِ، وهلْ كَانَ بالأذانِ أو بالإقامة؟
وقولُه في هذه الروايةِ ((حتَّى سَاوَى الظلُّ التلولَ)) ظاهرُهُ: أَنَّه أخَّر
صلاةَ الظهرِ يومئذٍ إلى أَنْ صَارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه وَهُو آخرُ وقتها، وهذا
يحتملُ أمرينِ :
أحدُهُما: أنَّه صلاهَا في آخرِ وقتِها قبلَ دُخولِ وقتِ العصرِ.
والثَّاني: أَنَّه أخَّرها إلى دُخولِ وقتِ العصرِ، وجَمَعَ بينهما في وَقْتِ
العصرِ .
فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَّرِهَا إِلى وَقْتِ العصرِ استُدلَّ بالحديثِ حينئذٍ على أَنَّ
تأخيرَ الصَّلاة الأولى من المجموعتينِ إلى وقتِ الثَّانيةِ للجمع في السَّفْرِ لا
يحتاجُ إلى نَّةِ الجمعِ؛ لأنَّهِمْ كَانُوا يُؤْذِنُونَهَ بِالصَّلاةِ في وقِتِها، وهو يَأْمُرُ
بالتَّأخيرِ وَهُمْ لا يعلمونَ أَنَّه يريدُ جَمْعَهَا مع الثّانيةِ في وقتِها ولا أَعْلَمَهُم
بذلكَ؛ ولكنَّ الأظهرَ هو الأولُ.
ولا يلزمُ من مصير ظلِّ التلول مثلَها أَنْ يكونَ قَدْ خَرَجَ وَقْتُ الظهرِ،
فإِنَّ وقتَ الظهرِ إِنَّما يخرجُ إذا صارَ ظلُّ الشيءٍ مْثِلَه بَعْدَ الزوالِ .
(١) (٥٣٩).
٣٦١

الحديث : ٦٣٠
كتاب الأذان
وَقَدْ خرَّجَه البخاريُّ - فيما تَقَدَّمَ - مِنْ وجهينِ عن شُعبةَ وفيهما:
((حَتَّى رَأَيْنَا فَيءَ التُّلولِ)) ويدلُّ على هذا أنَّه إنَّما أمرَه بالإبرادِ لا بالجمعِ.
الْحَديثُ الثَّانِي:
٦٣٠ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي
قلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَنَى رَجُلانِ إِلى (١) النَِّّ ◌َ يُرِيدَانِ
السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّمَ: ((إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤْمَّكُمَاً
أَكْبَرُكُمَا)).
فِي هَذِهِ الرِّوايةِ: التَّصْرِيحُ بأَنَّه أَمَرَهُمَا بذلكَ مِنْ حِينِ خُرُوجِهما من
المدينةِ مُسَافِرَينِ .
وخرَّجَهَ النَّسائىُّ(٢)، ولفظُه قَالَ: ((إذَا سافَرْتُمَا فأذِّنَا وَأَقِيمَا))، وَلَكنَّه
أَمَرَهما معًا بالأذان والإقامة، فَهَذَا إمَّا أَنْ يُحْملَ على أَذانهما مُجْتمعينٍ أو
مُتْفَرِدِينٍ، وبكلِّ حَالٍ فيدلُّ على أنَّهَ يُسْتحبُّ فِي السَّفَرِ الزيادةُ على مؤذِّنٍ
واحد؛ فَهَذه روايةُ خَالد الحذَّاءِ، عَنْ أبي قلابَةَ تُخَالفُ روايةَ أيوبَ، عَنْ
أبي قلابةَ في ألفاظِ عديدةٍ مِنْ هذا الحديثِ .
قَالَ الإمامُ أحمدُ: لا أعلمُ أحدًا جاءَ بهِ إلا خالد - يعني: في الأذانِ
والإقامةِ في السفرِ - وَقَالَ: هذا شديدٌ على النَّاسِ. انتهى.
وقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ آخرَ عن خَالِدِ الحذَّاء وَهُوَ: ((إِذَا حَضرتِ الصَّلاةُ» من
غيرِ ذكرِ سفرٍ ولا حضر، وقد خرَّجَه البخاريُّ(٣) في موضعٍ آخرَ.
(١) لفظ ((إلى) ليس في ((اليونينية)).
(٣) (الفتح: ٢٨٤٨).
(٢) في ((المجتبى)) (٨/٢ - ٩، ٧٧).
٣٦٢

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٢
الْحَديثُ الثَّالِثُ (١):
٦٣٢ - قَالَ مُسَدَّدٌ(٢): ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي
نَافِعٌ قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي
رِحَالِكُمْ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِِّ (٤٣- أ/ ك٢) كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنَا يُؤَذِّنُ ثُمّ
يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: (أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) فِ اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي
السَّفَر.
ضَجَنَانُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمةِ، والجيمِ، وكَذَا [ ... ](٣)، كَذَا قَّدَهُ صَاحِبُ
((مُعْجِمِ البُلْدَانِ))(٤) وقَالَ: هُوَ جبلٌّ بتهامة (٥)، وَقِيلَ: هُوَ على بريد من
مكةَ، وَقِيلَ: بينَه وبينَ مكةَ خَمْسٌ وعِشْرونَ مِيلا.
والْتَدَاولُ بينَ أَهْلِ الحديثِ أَنَّه بِسُكونِ الجيمِ.
وقد رَوى هذا الحديث، عَنْ نافعٍ: مَالِكِّ(٦)، - وَقَدْ خَرَّجَ البخاريُّ
حَدِيثَهَ في مَوْضعٍ(٧) - ويحيى الأنصاريُّ، وأيوبُ السَّخْتِيَانِيُّ(٨)، وفي
روَاية ابن عُيَيْنَة عنه أَنَّ الذي نَادَى بِضَجْنَان هو مُنَادِي النبيِّ بَه
وَالظَّاهِرُ أَنَّه وهمٌ.
ورواه ابنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَادى مُنَادِي النبيِّ
(١) وهو الحديث (٦٣٢) وسقط الحديث (٦٣١) كما سبق التنبيه عليه أول الباب.
(٢) في ((٢٥)): ((مسد)).
(٣) مابين المعقوفين كلمة أو كلمتين لم نستطع قراءتها .
(٤) (٥١٤/٣ - ٥١٥).
(٥) في ((٢٥)): ((بثمامة))، والمثبت من ((معجم البلدان))
(٧) (الفتح: ٦٦٦).
(٦) في ((الموطأ)) (ص/ ٦٨).
(٨) انظر للأهمية (العلل)) للحافظ الدارقطني (٤/ ق ٧٦ - ب).
٣٦٣

الحديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
وَّله بذاكَ بالمدينةِ في الليلةِ الْمَطِيرةِ والْغَداة القَرَّةِ(١).
خرَّجَهَ أَبُو داودَ، (٢) فخالفَ الناسَ في ذكرِ المدينةِ، وفي أنَّه إنَّما كانَ
يَأْمرُ المناديَ أَنْ يَقُولَه بعدَ تَمامِ أذَانِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ معنى حديثِ ابْنِ عُمَرَ من حديثِ أبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ،
عن أبيه، عن النبيَّ وَه.
خرَّجَهَ الإِمامُ أَحْمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبَّان
في ((صحيحيهما))، والحاكمُ وصحَّحه(٣).
وَفَي حديثِ ابْنِ عُمَرَ دليلٌ على أَنَّ الأذانَ في السَّفَرِ مَشْروعٌ فِي غَيْرِ
صَلَاةِ الفجرِ لَيْلاً (٤) كَانَ يُنَادَى بِذَلكَ ليلا.
الْحَدِيثُ الرَّبِعُ: قَالَ:
٦٣٣ - ثَنَا إِسْحَاقُ: أَبْنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: ثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ
أَبِي جُحَيَّفَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ◌َِّ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلالٌ فَاذَنَهُ
بِالصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وََّ
بِالأَبْطَحِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ.
(١) في ((ك)): ((القبرة)) كذا، والصواب ما أثبتناه، وانظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٣٩/٤).
(٢) (١٠٦٤)، وقال - عَقبَه -: ((وروى هذا الخبر يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم،
عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ، قال فيه: في السفر) ا. هـ.
(٣) ((المسند))(٧٤/٥)، وأبو داود (١٠٥٧)، والنسائي (١١١/٢)، وابن خزيمة (٣/ ٨٠ - ٨١)،
وابن حبان (٢٠٧٩)، والحاكم (٢٩٣/١)؛ وانظر ((أطراف الغرائب)) (٥٩٢ - بتحقيقنا).
(٤) كذا بالأصل ولعل الصواب: ((لأنه)).
٣٦٤

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٣
في هَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّصْرِيحُ بالإقامةِ دونَ الأذان، وكانَ ذلكَ بالأَبْطح
فِي حَجَّةِ الْوََّاعِ.
وقد خَرَّجَ الْبُخاريَّ فيه ذِكْرَ الأَذانِ في البابِ الآتي؛ ولكنَّه اخْتَصَرَهُ،
وسنَذْكُرُهُ بتَمامه فيه إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وفي هذا الحديثِ أَنَّ بِلالا آذَنَ النبيَّ وَّهِ بِالصَّلاةِ، وَخَرَجَ بينَ يديه
بالْعَنَزَةِ، وأقامَ الصلاةَ، وهذا يوافق، لحديث (١) عَائشَةَ المتقدِّم (١) الَّذِي
خرَّجَه البخاريُّ في بابِ ((انتظارِ الإقامةِ»(٢).
وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على مَشْروعيةِ الأذانِ في السَّفْرِ لجميعِ
الصلوات، فإنَّ منها ما فيه الأذانُ في السفرِ ليلا كحديثِ ابْنِ عُمَرَ.
ومنها: ما فيه الأذانُ في السفرِ نهارًا كحديث أبي جُحَيْفةَ؛ فإنَّ فيه
الأذانَ للظهرِ والعصرِ بالأبطحِ، وحديث أبي ذَرٍّ؛ فإنَّ فيه الأذانَ للظهرِ،
وحديثِ مالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِث يَعُمُّ سائرَ الصَّلواتِ.
وأحاديثُ الأذان بعرفةَ تدلُّ على الأذانِ للجمعِ بين الظهرِ والعصرِ .
وأحاديثُ الأذانِ بالْمُزْدَلِفةِ تدلُّ على الأذانِ للجمع بين المغربِ والعشاءِ
(٤٣ - ب/ ٢٥) .
وقد اختلفت الرواياتُ في ذلكَ، وتُذْكَرُ (٣) في موضعِهَا إنْ شاءَ اللهُ،
وقد تقدَّمَ حديثُ الأذانِ للصلاةِ في السَّفْرِ بعدَ فواتٍ وقتِهَا.
وفي حديث أبي مَحْذورةَ أَنَّهم سَمِعُوا الأذانَ مع النبيِّ بَّهِ وَقَدْ قَفَلَ
من حُنَيْنِ رَاجِعًا.
(١) كذا.
(٢) (الفتح: ٦٢٦).
(٣) في ((٢٥)): ((ويذكر)) بالياء.
٣٦٥

الحديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
وَقَد اختلفَ العلماءُ في الأذان في السَّفْر، فذهبَ كثيرٌ منهم إلى أنَّه
مشروعٌ للصلوات كُلِّها .
قَالَ ابْنُ سيرينَ: كَانُوا يُؤْمَرُونَ أَنْ يُؤَذِّنُوا ويُقيموا ويَؤْمَّهم أقرؤهم.
خرَّجَهَ الأثرمُ (١)، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ونقَلَ ابْنُ منصورٍ، عن أحمدَ وإسحاقَ (٢) أنَّه يُؤْذَّنُ ويقامُ في السَّفْرِ
لكلِّ صلاة واحتجًا بحديثِ مَالكِ بْنِ الحويرثِ؛ ولكنَّ أكثرَ أصحابنا على
أنَّ الأذانَ والإقامةَ سنةٌ في السَّفَرِ ليس بفرض كفاية؛ بل سنّة بخلاف
الحضر .
وَمِنْ مُتَأْخِرِيهِمْ مَنْ سَوَّى في الوجوبِ بينَ السَّفْرِ والحضرِ والواحدِ
والجماعة. وهو قولُ داودَ.
وقَالَ ابْنُ المنذرِ(٣): هُمَا فرضٌ في حقِّ الجماعةِ في الحضرِ والسفرِ.
وظَاهِرُ تبويبِ البخاريِّ يدلُّ على أنَّه يَرَى الأذانَ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي السَّفْرِ
للجماعة دونَ المنفردِ.
قَالَ مجاهدٌ: إِنْ نَسِيَ الإقامةَ في السَّفْرِ أَعَادَ(٤)، وهَذَا يدلُّ على أنَّه
رآهَا شرطًا (٥) في حقِّ المسافرِ وغيره.
وقالتْ طَائفةٌ: لا يُؤْذَّنُ إلا للفجرِ خاصةً؛ بل يقيمُ لكلِّ صلاةٍ. رُوِيَ
هذا عنِ ابْنِ عُمَرَ (٦)، ورُوِيَ عنه مَرْفُوعًا.
(١) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢١٧/١).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤٧/٣).
(٤) خرّجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢١٨/١).
(٦) عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١/ ٢١٧).
(٣) في ((الأوسط)) (٢٤/٣).
(٥) في ((ك))): ((شرط)) كذا.
٣٦٦

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٣
خرَّجَه الحاكمُ (١)، وفي إسنادِهِ ضعفٌ واضطرابٌ.
قالَ البيهقيُّ(٢): رَفْعُه وهمٌ فاحشٌ، ولا يصحُّ رَفْعُه.
ورُوِيَ عن ابْنِ سِرِينَ مِثْلُ قولِ ابْنِ عُمَرَ (٣)، ونَقَلَه حربٌ، عن
إسحاقَ، ونَقَلَ الميمونيُّ، عن أحمدَ قالَ - في المسافرِ في الفجرِ خاصَّةً -:
يُؤذِّنُ ويقيمُ، وفي غيرِ الفجرِ: يقيمُ إن شاءَ اللهُ.
ونقلَ ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ: لابدَّ للمسافرِ أن يقيمَ بخلافِ
الحاضرِ؛ لأنَّ الحاضرَ يلتقي(٤) بأذانِ غيرهِ وإقامتهِ.
واختلفتِ الروايةُ عن مالكِ، فنقلَ عنه ابْنُ القاسمِ: الأذانُ إنَّما هو
في الْمِصْرِ للجماعةِ في المساجدِ .
وروى أشهبُ، عن مالك: إِنْ تَرَكَ المسافرُ الأذانَ عمدًا فعليه إعادةُ
الصَّلاةِ. ذَكَرَهَ ابنُ جريرٍ(٥)، عن يونسَ بْنِ عبدِ الأعلى، عنه.
وقال الحسنُ، والقاسمُ بْنُ محمدٍ: تجزئه إقامةٌ في السَّفَرِ (٦).
وقالتْ طَائفةٌ: هو بالْخِيارِ إِنْ شَاءَ أَذَّنَ، وإِنْ شَاءَ أَقَامَ فِي السَّفْرِ(٧).
رُوِيَ عن عليٍّ، وعروةَ بْنِ الزبيرِ، وبه قالَ سفيانٌ(٨).
(١) في ((المستدرك)) (٢٠٥/١).
(٢) في ((السنن الكبرى)) (٤١٢/١).
(٣) انظره في ((المصنف)) (٢١٧/١) لابن أبي شيبة.
(٤) كذا في ((ك٢)»، ولعل الصواب: ((يكتفي)) والله أعلم.
(٥) انظر «التمهيد)» (٢٧٨/١٣).
.
(٦) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢١٧/١ - ٢١٨).
(٧) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٤٨/٣).
(٨) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٩٣/١)، وابن أبى شيبة (٢١٧/١).
٣٦٧

الحديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
وكان ابْنُ عمرَ يقولُ: إنَّما الأذانُ للإمامِ الذي يجتمعُ إليه الناسُ.
رواه مالكٌ(١)، عن نافعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ أنَّه كانَ لا يزيدُ على الإقامة
في السفرِ في الصلاةِ إلا في الصَّبْحِ فَإِنَّهُ كَانَ يؤذِّنُ فِيهَا ويقيمُ ويقولُ:
إنَّما الأذانُ للإمامِ الذي يجتمعُ إليهِ النَّاسُ.
وقَالَ أبو الزُّبِيِ: سألتُ ابْنَ عمرَ: أؤْذِّنُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: لِمَنْ تؤذنُ؟
للفرة (٢)؟!
وأَمَّا الذين(٣) رَأَوا الأذانَ في السفرِ: فَقَالُوا: الأذانُ للإعلامِ بالوقتِ
وهذا مشروعٌ في الحضرِ والسفرِ وأَمَّا إِنْ كانَ المصلِّي منفردًا (٤٤ - أ/ ك٢)
وحدَه في قريةٍ، فَقَدْ وَرَدَ في فضلٍ أذانِه وإقامته غيرُ حديث.
رَوَى سليمانُ التيميُّ، عَنْ أبي عثمانَ النهديِّ، عن سلمانَ قالَ: لا
يكونُ رجلٌ بأرضٍ فتوضَّأَ إِنْ وجدَ ماءً وإلا تيمَّمَ فينادِي(٤) بالصلاةِ ثمَّ
يقيمُها إلا أَمَّ من جنودِ اللهِ ما لا يُرَى طرفاه - أو قال : - طرفُه.
ورَوَاه القاسم بن غصن ـ وفيه ضعفٌ - عن داودَ بن أبي(٥) هنْد،
عَنْ أبي عثمانَ، عن سلمان مَرْفوعًا .
ولا يصحُّ، والصحيحُ موقوفٌ. قَالَه البيهقيُّ(٦).
(١) في ((الموطأ)) (ص/ ٦٨)، وانظر (السنن الكبرى)) (٤١١/١).
(٢) في (٢٥)): ((لمن يؤذن للفار))، والمثبت من ((الأوسط)) لابن المنذر (٤٨/٣)، و((سنن
البيهقي)) (٤١١/١).
(٤) في ((ك))): ((فتنادى)).
(٣) في ((٢٥)): ((الذي)) كذا.
(٥) أداة الكنية ((أبي)) سقطت من ((ك٢).
(٦) فى ((السنن الكبرى)) (٤٠٥/١ - ٤٠٦)، وانظر ((المصنف)) لابن أبى شيبة (٢١٩/١).
٣٦٨

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٣
ورَوَى مالكٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سعيدٍ، عَنْ سعيد بن المسيَّبِ أَنَّه كَانَ
يقولُ: مَنْ صَلَّى بأرضٍ فَلاةٍ صلَّى عن يمينِهِ ملكٌ وعَنْ شِمالِه ملكٌ، فَإِنْ
أذَّنَ وأقامَ صلَّى وراءَه(١) من الملائِكَةِ أمثالُ الجبالِ .
وَقَدْ رُوِيَ عن النبيِّ وَّهِ ما يدلّ على استحبابِ الأذانِ للمنفردِ في
السَّفْرِ .
فخرَّجَ مسلم٢ٌ) من روايةٍ حمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابتٍ، عن أنسٍ قَالَ:
كانَ النبيِّ ◌َّهِ يُغِيرُ (٣) إِذَا طَلَعَ الفجْرُ وَكَانَ يَسْتُمِعُ الأذانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا
أمسكَ وإلا أغار فَسَمِعَ رَجُلًا يقولُ: اللهُ أكبرُ، الله أكبرُ، فقالَ رسولُ الله
وَله: ((على الفطرة)) ثُمَّ قَالَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ قَالَ رسولُ الله
وَه : ((خَرَجْتَ من النَّارِ)) فَنَظَرُوا فَإِذَا هو رَاعِي مِعْزَّى.
وخرَّجَ الإمامُ أحمد٤ٌ) من حديثِ ابْنِ مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ ◌َمَعْنَاه،
وفيه: ((فَابْتَدِرْنَاه فَإِذَا هو صاحبُ ماشيةٍ فأدركتْهُ الصلاةُ فَنَادَى بِهَا» .
وخرَّجَ - أيضًا (٥) - بمعناهُ من حديثِ مُعَاذٍ، عن النبيِّ وَلّى .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٦) من حديثِ عقبةَ بْنِ
عامٍ، عن النبيِّ وَ ﴿ قَالَ: ((تَعجَّبَ رَبُّكَ من راعي غَنَمٍ في شَظِيَّةٍ(٧)
(٢) (٣٨٢).
(١) في ((٢٥)»: ((ورواه)).
(٣) في ((ك)): ((يقرأ)) خطأ؛ وانظر ((الصحيح)).
(٤) في ((المسند)) (٤٠٦/١ - ٤٠٧).
(٥) (٢٤٨/٥): من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، ولم يسمع منه، قاله
الترمذي انظر ((الجامع)) (٢٩١/٥).
(٦) أحمد (١٥٧/٤)، وأبو داود (١٢٠٣)، والنسائي (٢٠/٢).
(٧) في ((المسند))، و((السنن)) لأبي داود، والنسائي: ((في رأس شظية)).
٣٦٩

الحديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
بجبلٍ يؤذِّنُ الصَّلاةِ ويصلِّي، فيقولُ عزَّوجلَّ: انْظُرُوا إلى عَبْدي هذا
يؤذِّنُ ويقيمُ ويصلِّي، يخافُ منِّي قد غفرتُ لعبدي(١) وأدخلْتُه الجنَّةَ)).
واستدلَّ النَّسائيُّ(٢) للإقامةِ في حقِّ المنفردِ بحديثٍ خرَّجَه من روايةٍ
رِفَاعَةَ بْنِ رافعٍ أنَّ النبيَّ وَ جِ قالَ للمسيءِ في صلاتِه: ((إِذَا قُمْتَ إلى
الصَّلاة فتوضَّأْ كما أَمَرَكَ اللهُ، ثم تشهَّدْ ثم كبِّرْ)) وذَكَرَ له صفةَ بقيَّة
الصَّلاةِ، وقَالَ في آخرِ ذلكَ: ((فَإِذَا فَعْلتَ ذلكَ فقدْ تَّتْ صلاتُكَ - وإنّ
أنقصت منه شيئًا انتقصت مِنْ صلاتِك ولم تذهبْ كلُّهَا».
وإن صلَّى وَحْدَهُ في مِصْرٍ، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ وأقامَ، وإنْ شَاءَ أجْزَأَه أَذَانُ
أَهْلِ المِصْرِ واكتفى بالإقامةِ. نصَّ عليه أحمدُ(٣).
وَمَمَّنْ قالَ: يَكْفيه الإقامةُ: سعيدٌ، وميمونُ بْنُ مهْرانَ، والزهريّ،
ومالكٌ، والأوزاعيُّ(٤).
وِ
وقَدْ تقدَّمَ عن إسحاقَ أنَّ الحاضرَ إنْ شَاءَ صلَّى بغير أذان ولا إقامة،
والمسافرَ لابدَّ له أن یقیمَ.
وأما الشافعيُّ: فنصَّ على أَنَّ المنفردَ يؤذِّنُ ويقيمُ.
وخرَّجَ (٤٤ - ب/ ث٢) له أصحابُه قولا آخرَ: أَنَّه لا يؤذِّنُ ويَكْتفي
بالإقامة .
ومِنْ أصحابِه مَنْ قَالَ: إِنْ بَلَغَه أَذَانُ غَيْرِه لم يؤذنْ وإلا أذنَ(٥)،
(١) في ((ك٢)): ((لعبد» بدون ياء.
(٢) في ((المجتبى)) (٢/ ٢٠) ولم يذكر الحديث بتمامه؛ بل قطعه.
(٣) في ((المسائل)) لابنه عبد الله (ص/ ٦١).
(٤) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٥٩/٣).
(٥) في ((ك٢)): ((ذان)) ولعله من سبق قلم الناسخ.
٣٧٠

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٣
وحَكَى ابْنُ المنذرِ(١) عن الكوفيينَ: إنَّ له أَنْ يصلِّيَ في الْمِصْرِ وحِدَه بغيرِ
أذان ولا إقامةٍ، منهم الشعبيَّ، والأسودُ، وأبو مجْلز، والنخعيّ وحُكِي
ے
مثلُهُ عن: مجاهد، وعكرمةَ، وعن أبي حنيفةَ وأصحابِهِ، وأبي ثورٍ:
يجزتُهُ أذانُ أهلِ الَّمِصْرِ. وَعَنِ ابنِ سيرينَ، والنخعيِّ: تجزئُه الإقامةُ إلا
في الفجرِ فإنه يؤذِّنُ ويقيمُ.
وحَكَى ابنُ عبدِ البرِّ(٢)، عن أبي حنيفةَ وأصحابه أنَّ المسافرَ يُكْرَهُ لَهُ
أن يصلِّيَ بغيرِ أذانٍ وإقامة، وأمَّا الحاضر إذا صلَّى وحدَه فَيُستحبُّ أن
يؤذِّنَ ويُقيمَ، وإن اكتفى بأذانِ أَهْلِ المِصْرِ وإقامتِهِم أجزأه.
قلتُ: وقالَ سفيانُ: إن سمعَ إقامةَ أهلِ المصرِ فاكتفى بها أجزأه(٣).
فلم يكتفِ(٤) بالإقامةِ حتَّى يسمعَهَا.
ورُويَ عن علقمةَ قَالَ: صلَّى ابْنُ مسعودٍ بي وبالأسودِ بغيرِ أذان ولا
إقامة، وربَّمَا قالَ: يجزئُنَا أذانُ الحِيِّ وإقامتُهم. خرَّجَه البيهقيُّ(٥).
وخرَّجَ - أيضًا - بإسنادٍ ضعيفٍ جدّاً، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّه كَانَ يقولُ:
مَنْ صلَّى في مسجدٍ قد أقيمتْ فيه الصلاةُ أجزأته إقامتُهم. ثمَّ قالَ: وبه
قالَ الحسنُ، والشعبيُّ، والنخعيُ(٦).
قالَ: وقالَ الشافعيُّ: لم أعلمْ مخالفًا أنَّه إذا جاءَ المسجدَ وقد خَرجَ
الإمامُ من الصلاة كانَ له أَنْ يصليَ بلا أذان ولا إقامةٍ.
(١) فى ((الأوسط)) (٥٨/٣ - ٥٩).
(٢) في («التمهيد)» (١٣ / ٢٧٨).
(٣) انظر ((التمهيد)» (٢٧٩/١٣).
(٤) في ((ك٢)): ((يكتفي)).
(٥) في ((السنن الكبرى)) (٤٠٦/١).
(٦) المصدر السابق (٤٠٧/١_٤٠٨)، وقال عقب حديث حفص بن عاصم: ((هذا مرسل))ا. هـ.
٣٧١

الحديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
قال البيهقيُّ: وكانَ عطاء يقولُ: يقيمُ لنفسِهِ.
ثمّ روى بإسنادٍ صحيحٍ، عن أبي عثمانَ قالَ: جاءنا أنسُ بْنُ مالك
وقد صلَّيْنَا الفجرَ فَأَذَّنَ وأقام ثم صلَّى الفجرَ لأصحابِهِ.
قالَ: ورويناه عن سلمةَ بْنِ الأكوعِ في الأذانِ والإقامةِ، ثم عن ابن
المسيّب والزهري.
ورَوَى من طريق الشافعيِّ: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بْنُ محمدٍ: أخبرني عمارة
ابْنُ غزية، عن خُبِيبِ بْنِ عبد الرحمن، عن حفصِ بْنِ عاصمٍ قَالَ:
سَمِعَ النبيُّ بِّهِ رَجُلا يؤذنُ للمغربِ، فَقالَ النِبِيُّ ◌ِلَّ مثلَ ما قالَ فانتهى
النبيّ ◌َّهُ وقد قالَ: قد قامتِ الصلاةُ، فقال النبيُّ وَلِ: ((انْزِلُوا فَصَلُّوا
المغربَ بإقامةِ هذا العبدِ الأسودِ)).
وهذا ضعيفٌ؟ إبراهيمُ: هو ابنُ أبي يحيى تَرَكوا حديثَه(١).
وَرَوَى وكيعٌ في كتابِهِ عن دَلْهَم بن صالح، عن عونِ بْنِ عبد اللهِ أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَّ كانَ في سفرٍ فسمعَ إقامةَ مؤذنٍ فصلّى بأصحابه بإقامته.
وهو مُرْسِلٌ - أيضًا(٢).
وقال أكثرُ أصحابنا: من صلَّى في مسجدٍ قد صُلِّيَ فيه بغيرِ أذانٍ ولا
إقامةٍ فلا بأسَ. ومن متأخِّرِيهم من قالَ: لا يسقطُ وجوبُ الأذان إلا
عمَّنْ صلَّى مع المؤذن، ولا يسقطُ عمَّنْ لم يصلِّ(٣) معه وإنْ سَمعَه سواءٌ
(١) المصدر السابق (١ /٤٠٧_٤٠٨)، وقال عقب حديث حفص بن عاصم: «هذا مرسل)»ا. هـ.
(٢) رواه عن وكيع: ابنُ أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٠/١).
(٣) في ((ك))): ((يصلي)) وقد سبق مثل هذا.
٣٧٢

١٨ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة
الحديث : ٦٣٣
كانَ واحدًا أو جماعةً في المسجدِ الذي صُلَِّ فيه بأذانِ أو غيرِه.
وهذا (٤٥ - أ/ ك٢) شذوذٌ لا يُعوَّلُ عليه، وهو خلافُ نصِّ أحمدَ:
أنَّ المصلِّي وحدَه في مِصْرٍ يجزئُه أذانُ المصر(١).
ونصَّ الإمامُ أحمدُ في روايةٍ جعفر بن محمد على أنَّه لا يُتْرَكُ الأذانُ
في المسجد، وظاهرُه يدلُّ على أنَّ الأذانَ واجبٌ في مساجدِ الجماعاتِ .
وقالَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفر: الواجبُ في المصر أذانٌ واحدٌ،
وما زاد عليه في المساجدِ فهو سنةٌ، ولم يفرِّقْ بين أن يكونَ أهلُ المصر
يبلُغُهم ذلك الأذانُ أولا .
وقال المتأخرونَ من أصحابِنَا: الواجبُ من الأذانِ في الْمِصْرِ مما
حصلَ به الإعلامُ في أقطارِه ونواحيه غالبًا فلا يجزىءُ فيه أذانٌ واحد إذا
كانَ لا يبلغُ أقطارَه.
وأمَّا ما بوّبَ عليه البخاريُّ من قولِ المؤذِّنِ في الأذانِ في الليلةِ المطيرةِ
أو الباردة: ((الصلاةُ في الرحالِ)) فحديثُ ابنِ عمرَ يدلُّ على أنَّه يقولُ بعد
فراغٍ أذانِه.
وقد تقدّمَ في بابِ («الكلامِ في الأذانِ)) حديثُ ابنِ عبّاس في قولِها
في الحضرِ في أثناءِ الأذانِ قبل فراغه، وسبقَ الكلامُ عليه .
(١) في ((مسائل عبد الله)) (ص/ ٦١) - كما سبق.
٣٧٣

الحديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
١٩ - بَابُ
هَلْ يَتَّعُ (١) الْمُؤَذِّنُ فَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا(٢)، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلالِ أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
لا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَّهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَ بَأْسَ أَنْ
يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْوُضُوءُ حَقٌّ
وَسَنَّةٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
وَّ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ
٦٣٤ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بنِ (٣) أَبِي جُحَيَّفَةَ،
عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى بِلالا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأَذَانِ.
هَكَذَا خرجَه البخاريُّ هاهنا عن الفريابيِّ، عن سفيانَ الثوريِّ -
مختصراً - ورواه وكيعٌ، عن سفيانَ بأتمَّ من هذا السِّيّاقِ.
خرَّجَه مسلمٌ(٤) من طريقه، ولفظُ حديثه: قالَ: أتيتُ النبيَّ نَّهِ بمكةً
وهو بالأَبْطح في قُبَّةٍ له حمراءَ من أَدَمِ قال: فخرَجَ بلالٌ بوَضُوئِه، فمن
نائِلِ(٥) ونَاضحٍ قَالَ: فخرجَ رسولُ اللهِ وَلَه فِي حُلَّةٍ حمراءَ كأنِّي أنظرُ
إلى بياضِ ساقيه. قالَ: فتوضَّأَ وأذَّنَ بلالٌ، فجعلت أتتَّعُ فاه هَاهُنَا
(١) في ((٢٥)): ((يبيع)).
(٢) لفظ ((وهاهنا)) الأخير ليس في ((ك))))، واستدركناه من ((اليونينية)).
(٣) في ((٢٥): ((عن)) وهو خطأ بيّن.
(٥) في ((ك)): ((قائل)) ولا معنى لها هنا.
(٤) (٥٠٣).
٣٧٤

١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا
الحديث : ٦٣٤
وهاهُنَا يقولُ يمينًا وشمالا يقولُ: حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ
قالَ: ثم رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ(١)، فتقدَّمَ فصلَّى الظهرَ ركعتين يمرُّ بينَ يديه
الحمارُ والكلبُ لا يُمْنعُ، ثم صلَّى العصرَ ركعتينٍ، ثم لم يزلْ يصلِّي
ركعتينِ حتى رجعَ إلى المدينةِ .
ورواه عبدُ الرزَّاق(٢)، عن سفيانَ، ولفظُ حديثه عن أبي جُحيفةً:
قالَ: رأَيتُ بلالا يؤذِّنُ ويدورُ ويتبعُ فَاه هاهنا وهاهنا وإصبعاهُ في أذنيهِ،
ورسولُ الله ◌ِّهِ فِي قُبَّةٍ له حمراءَ، وذكر بقيَّةَ الحديث.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، عن عبدالرزَّاق (٤٥ - ب/ ك٢) وخرّجه من طريقه
الترمذيَّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وخرَّجَه البيهقيُّ وصحَّحه - أيضًا(٣).
وهذا هو الذي علَّقَه البخاريُّ هاهنا بقوله: ويذكرُ عن بلال أنَّه جعلَ
إصبعيهِ في أذنيه .
وقال البيهقيُّ(٤): لفظةُ الاستدارةِ في حديثٍ سفيانَ مدرجةٌ. وسفيانُ
إنما روى هذه اللفظةَ في ((الجامع)) رواية العدنيِّ، عنه، عن رجلٍ لم
يسمِّهِ، عن عونٍ. قالَ: وَرُوِيَ عن حماد بن سلمةَ، عن عونِ بن أبي
جحيفةً مرسلا؛ لم يقلْ ((عن أبيه))، واللهُ أعلم.
قلتُ: وكذا رَوَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن سفيانَ، عن عون، عن أبيه
قالَ: أتينا النبيِّ بَّهَ فِقامَ بلالٌ فَأَذَّنَ، فجعل يقولُ في أذانِهِ يَحْرِفُ رأسَه
(١) في ((ك٢)»: ((عشرة)) كذا.
(٢) في ((المصنف)) (١ /٤٦٧ - ٤٦٨).
(٣) أحمد في ((المسند)) (٣٠٨/٤)، والترمذي في ((الجامع)) (١٩٧)، والبيهقي في ((السنن
الكبرى» (٣٩٥/١).
(٤) (٣٩٦/١).
٣٧٥

الحديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
يمينًا وشمالا (١).
وروى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن أبي جحيفةَ أن بلالا كانَ
يجعلُ إصبعيْهِ في أذنيهِ(١).
فرواية (٢) وكيع عن سفيانَ تعلل بهما (٣) رواية عبد الرزاق عنه.
ولهذا لم يخرِّجْهَا البخاريُّ مسندةً ولم يخرِّجَها مسلمٌ - أيضا -
وعلَّقَها البخاريُّ بصيغةِ التمريضِ؛ وهذا من دقةِ نظرِه ومبالغته في
البحثِ عن العللِ والتنقيبٍ عنها رضي الله عنه.
وقد خرَّج الحاكمُ(٤) من حديثِ إبراهيمَ بْنِ بشَّارِ الرَّمَادِيِّ، عن ابنِ
عيينةَ، عن الثوريِّ، ومالكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عن عون بن أبي جُحَيْفَةَ، عن
أبيه قالَ: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ نزل بالأَبْطح، فذكر الحديثَ بنحو رواية
عبد الرزاق، وذكر فيه الاستدارةَ وإدخالَ الإصبعين في الأذنينِ، وقال:
هو صحيح على شرطهما جميعًا.
وليس كما قالَ، وإبراهيمُ بن بشَّار لا يُقْبلُ ما تفرَّدَ به عن ابن عيينةَ،
وقد ذمَّه الإمامُ أحمدُ ذمّا شديدًا، وضعَّفَه النسائيّ وغيرُه.
وخرجَ أبو داودَ(٤) من روايةٍ قيسٍ بن ربيع، عن عون بِن أبي
جحيفةَ، عن أبيه قالَ: رأيتُ بلالا خرج إلى الأَبطح فأذَنَ فلما بلغ ((حيّ
(١) انظر (المصنف)) لابن أبي شيبة (٢١٠/١).
(٢) في ((٢٥)): «فرواه)) والسياق يأباه.
(٣) كذا في ((٢٥)»، ولعل الصواب: ((بها)).
(٤) في ((المستدرك)) (٢٠٢/١).
(٥) (٥٢٠).
٣٧٦

١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا
الحديث : ٦٣٤
على الصلاة حيّ [على](١) الفلاح)) لوى عنْقَهُ يمينًا وشمالا، ولم يستدر.
وخرج ابنُ ماجه (٢) من روايةٍ حجَّاجِ بن أرطاة، عَنْ عون بن أبي
جحيفةَ، عن أبيه قالَ: أتيتُ رسولَ الله وَلّ بالأبطحِ وهو في قُبَّةٍ
حمراءَ، فخرج بلالٌ فأذَّنَ فاستدارَ في أذانِه فجعل إصبعَيْه في أذنيهِ .
حجَّاجٌ مدلسٌ، قال ابن خزيمةً(٣): لا ندري هل سمعَه من عونٍ أم لا؟
وقال البيهقيُّ(٤): يُحْتملُ أن يكونَ أرادَ الحجاجُ باستدارتِه التفاتَه يمينًا
وشمالا فيكون موافقًا لسائرِ الرواةِ. قالَ: وحجَّاجٌ ليسَ بحجّةً.
وخرَّجَه من طريقٍ آخرَ عن حجَّاجِ، ولفظُ حديثِه: رأيتُ بلالا يؤذِّنُ
وقد جعلَ إصبعَيْه في أذنيه وهو يَلْتوي في أذانِه يمينًا وشمالا .
وقد رُويت هذه الاستدارةُ من وجه آخرَ من رواية محمد بن خليل(٥)
الحنفي (٤٦ - أ/ ٢٥) وهو ضعيفٌ جدّاً - عن عبد الواحد بن زياد، عن
مسْعَر، عن عليٍّ بنِ الأقمر، عن عونٍ، عن أبيه، ولا يصحّ - أيضًا.
وخرَّجَ ابنُ ماجه(٦) من حديث أولاد سعد القَرَظ، عن آبائهم، عن
سعد أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أمر بلالا أن يجعلَ إصبعيهِ في أذنيه، وقالَ: ((إنَّه
أرفعَّ لصوتِك)).
(١) لفظ ((على)) سقط من ((٢٥))، والسياق يقتضيه.
(٢) (٧١١).
(٣) في ((صحيحه)) (٢٠٣/١).
(٤) في ((سننه الكبرى)) (٣٩٦/١).
(٥) كذا في الأصل وصوابه ((خُليد))، وانظره في ((المجروحين)) (٣٠٢/٢) و(«الميزان)) (٥٣٤/٣)
ووقع في أحد نسخ ((الميزان)) كما وقع عندنا في ((ك))): ((خليل)) خطأ.
(٦) (٧١٠)؛ وانظر ((الكامل)) (٣١٣/٤)، و((الإرواء)) (٢٤٩/١).
٣٧٧

الحديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
وهو إسنادٌ ضعيفٌ؛ ضعَّفَه ابنُ معين وغيرُه. ورُوي من وجوه أُخر
مرسلة .
وقد ذَكَرَ البخاريَّ في هذا البابِ ثَلاثَ مسائل.
الأولى: الالتفاتُ في الأذانِ يمينًا وشمالا .
والسنةُ عند جمهور العلماء: أَنْ يؤذنَ مستقبلَ القبلة، ويديرَ وجهَه
في قولٍ: حي على الصَّلاةِ، حَي على الفلاحِ يمينًا وشمالا .
وأنكرَ ابْنُ سيرينَ الالتفات؛ حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد
صحيح عن ابن سيرين أنَّه إذا أَذَّنَ المؤذنُ استقبلَ القبلةَ، وكان يكرهُ أن
يستديرَ في المنارةِ(١).
وروى وكيع، عن الربيع، عن ابن سيرينَ قالَ: المؤذِّنُ لا يزيل
قَدَمیْهِ .
وو
وكأنَّ الروايتينِ لا تصرحُ بكراهةٍ لويِ العَنْقِ .
وكذلكَ مالكٌ، وفي («تهذيبِ المدوَّنَة)»(٢): ولا يدورُ في أذانِه ولا
يلتفتُ، وليسَ هذَا مِنْ حد الأذان إلا أَنْ يريدَ بالتفاته أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ
فيؤذِّن كيفَ تيسَّرَ عليه.
قَالَ: ورأيتُ المؤذِّينَ بالمدينةِ يتوجَّهونَ القبلةَ في أذانِهم ويُقيمونَ
عرضًا، وذلك واسعٌ يصنعُ كيف شاءَ. انتهى.
وفي حديثِ عبد اللهِ بنِ زيدِ الذي رأى الأذانَ في منامِه أَنَّه رأى الذي
(١) ابن المنذر في («الأوسط)) (٢٧/٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١/ ٢١٠).
(٢) انظر ((المدونة)) (٦٢/١)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢٧/٣).
٣٧٨

١٩ - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا
الحديث : ٦٣٤
علَّمَه النداءَ في نومِه قامَ فأستقبلَ القبلةَ فأذَّنَ .
خرَّجه أبو داودَ من حديث معاذ(١).
والذينَ رَأَوا الالتفاتَ قالَ أكثرُهُم: يلتفتُ بوجهه ولا يَلْوي عنقَه ولا
يُزِيلُ قدمَيْهِ.
وهو قولُ: الثوريِّ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ - في المشهورِ
عنه، - وأبي ثورٍ، وحكاه ابنُ المنذرِ(٢) عن أبي حنيفةَ وأصحابه. وحُكي
- أيضًا - عن الحسنِ، والنخعيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ.
وروى الحسنُ بْنُ عمارة، عن طلحةَ بنِ مُصَرِّف، عن سويد بن
غَفَلَةَ، عن بلال قالَ: أَمَرَنَا رسولُ الله ◌ِ لَّ إذا أذَنَّا أو أقمْنَا أن لا نزيلَ
أقدامَنَا عن مواضعها.
خرَّجَه الدارقطنيُّ في ((أفرادِه)(٣)، والحسنُ بن عمارةَ متروكٌ.
وقالتْ طائفةٌ: إن كانَ في منارةٍ ونحوِها دار في جوانبها؛ لأنه أبلغُ
في الإعلامِ والإسماعِ.
وهو روايةٌ عن أحمدَ، وإسحاقَ؛ وظاهر مذهب (٤) مالك إذا أرادَ
(١) (٥٠٧) من طريق ابن أبي ليلى، عن معاذ؛ وهذا منقطع قال الترمذي في ((جامعه))
(٢٩١/٥): ((عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ)) ا. هـ، وكذلك قاله البيهقي
في «سننه الكبرى)) (١٢٥/١).
(٢) في ((أوسطه)) (٢٦/٣).
(٣) كما فى ترتيبه الموسوم بـ ((أطراف الغرائب والأفراد)) لابن طاهر المقدسى (١٣٧٨).
بتحقيقنا -، وانظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٦٨/١).
(٤) فى ((ك))): ((وظاهر فيه)) والسياق لا يستقيم بهذا والصواب ما أثبتناه وانظر ((المدونة))
(٦٢/١).
٣٧٩

الحديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
الإعلامَ. ورُوي عن الحسنِ أَنَّه يدورُ (١).
وظاهرُ كلامٍ أصحابنا: اختصاصُ الالتفات بالأذان.
وللشافعيَّةِ في (٤٦ - ب/ ك٢) الالتفات في الإقامة وجهان، والفرقُ
بينهما أنَّ الأذانَ إعلامٌ للغائبين؛ فلذلك يَلتفتُ ليحصلَ القصدُ بتبليغهم
بخلاف الإقامة فإنَّها إعلامٌ للحاضرينَ فلا حاجةَ إلى التلفَّت فيها؛
ولذلكَ لم يُشْرَعْ في الموعظةِ في خُطَبِ الجمعِ وغيرِها الالتفاتُ؛ لأنَّها
خطَابٌ لمن حضرَ فلا معنى للالتفات فيها .
وقالَ النخعيُّ: يستقبلُ المؤذِّنُ بالأذانِ والشهادةِ والإقامةِ القبلةَ.
خرَّجَه ابنُ أبي شيبةً(٢)، وروى بإسناده(٣) عن حذيفةَ أَنَّه مرّ على ابن
التياح وهو يؤذِّنُ يقولُ: اللهُ أكبرُ، [اللهُ](٤) أكبرُ أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله
يَهوي بأذانه يمينًا وشمالا، فقالَ حذيفةُ: من يرد اللهُ أن يجعلَ رزقَه في
صوته فعل (٥).
وهذا يدلُّ على أنَّهُ كرِهَ الثَّلفتَ فِي غيرِ الحَيْعَلَةِ وجَعَلُهُ مُتُصلا (٦)
بِأَذَانِهِ .
(١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١/ ٢١٠).
(٣) نفس المصدر السابق.
(٢) في ((المصنف)) (١/ ٢١٠).
(٤) لفظ الجلالة في قوله ((الله أكبر)) الثانية، نُسِّيَ ناسخ ((ك)) كتابته.
(٥) بعد قول حذيفة - رضي الله عنه - هذا كُتب في صلب ((ك)): ((وهذا يدل على أنه كره
التلفت في صوته فعل)) ثمَّ قال: ((وهذا يدل على أنه كره التلفت في غير الحيعلة ... ))
إلخ. والفقرة الأولى - التي تلي كلام حذيفة مباشرة - لا معنى لها هنا ولعلها ناتجة عن
انتقال نظر الناسخ والله أعلم.
(٦) الكلمة في ((ك٢)» قريبة مما أثبتناه، ولكنها غير مقروءة لتداخل حروفها.
٣٨٠