النص المفهرس
صفحات 201-220
٢ - باب الأذان مثنى مثنى
الحديث : ٦٠٦،٦٠٥
ورواهُ حمادٌ (١)، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ أن بلالا (٩ - ب/ ك٢) كانَ
يبدأُ بالتكبيرِ ويختمُ بالتكبيرِ .
وهذا وهم.
وروى محاربُ بنُ دثارِ قالَ: حدثني الأسودُ بنُ يزيدَ، عنْ أبي
محذورةَ حدثَهُ أنَّ آخرَ الأذان : لا إلهَ إلا اللهُ.
خرَّجهُ النسائيُ(٢).
واختلفُوا في عددِ التكبيرِ في أولِهِ.
فقالتْ طائفةٌ: أربعٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوريِّ والحسنِ بنِ
صالحٍ وعبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
وقالتْ طائفةٌ: التكبيرُ في أولهِ تكبيرتان، وهو قولُ مالكِ واللیثِ بنِ
سعد وروايةٌ عن أبي يوسفَ، وقيلَ: إنه رجعَ عنْهَا .
ے
واختلفوا في الترجيعِ - وهو تكريرُ الشهادتَيْنِ.
فذهبَ إليه مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهُما.
واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ هل هو ركنٌ في الأذانِ فلا يصحّ بدونه؟
٠٠
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١ / ٤٦٢)، والدارقطني (١ / ٢٤٢) و((شرح معاني
الآثار)) للطحاوي (١ / ١٣٤).
وفيه انقطاع بين الأسود وبلال، حيث صرح ابن الجوزي في ((التحقیق) بأنه لم يدركه كما
نقلها ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (١ / ٦٨٥) عنه، وتعقبه بقوله: ((وفي بعض كلام
المؤلف في هذه المسألة نظر)). ونقله الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ / ٢٦٩).
وقال البيهقي: ((والأسود بن يزيد لم يدرك أذان بلال)). ((نصب الراية)) (١ / ٢٩٤).
(٢) ((الكبرى)) للنسائي (١ /٥٠٣).
٢٠١
الحديث : ٦٠٦،٦٠٥
كتاب الأذان
أو سنةٌ فيصحُّ؟
والصحيحُ عندهم: أنه سنةٌ، ونقل عن نصِّ الشافعيِّ خلافه.
وذهبَ الكوفيون إلى ترْكِ الترجيعِ، وهو قولُ الأوزاعيِّ. وقالَ أحمدُ
وإسحاقُ وأبو بكرٍ بنُ أبي شيبةً وداودُ وابنُ خزيمةَ وغيرُهم: يجوزُ
الأمران لصحة الأحاديث بهما، والأفضلُ عند أحمدَ تركُ الترجيع؛ لأنه
أذانُ بلالٍ، قِيلَ لأحمدَ: أليسَ أذانُ أبي محذورةَ بعدَهُ؟ قال: بلَى؛ ولكن
لَّا رجعَ النبيُّ ◌ََّ إلى المدينةِ أقرَّ بلالا على أذانِهِ، ووافقَهُ إسحاقُ على
ذلكَ.
وقالَ الجوزجانيُّ: الترجيعُ أفضلُ لأَنَّهُ آخرُ الأمرينِ .
ورُوِيَ عن أهلِ البصرةِ في صفةِ الأذانِ غيرُ ما تقدمَ.
روَى حجاجُ بنُ منهالٍ: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ أنه سمعَ الحسنَ وابنَ
سيرينَ يصفان الأذانَ: ((اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ أشهدُ أنْ لا
إلهَ إلا اللهُ أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ حيَّ على الصلاةِ حيَّ على
الفلاحِ)) يُسمعُ بذلك من حولَهُ ثم يرجعُ فيمد صوتَهُ ويجعلُ أصبعيهِ في
أذنيْهِ فيقولُ: أشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ - مرتين - أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ
الله - مرتينِ - حيَّ علَى الصلاةِ - مرتينِ - حيَّ عَلَى الفلاحِ - مرتين - اللهُ
أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلا اللهُ.
خرَّجُهُ ابنُ عبدِ البِّ(١).
ورُويَ عنهُمَا عَلَى وجهِ آخرَ خرَّجهُ ابنُ أبي شيبةَ في كتابِهِ (٢) فقالَ:
(١) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٦٥/١). (٢) ((المصنف)) (١/ ٢٠٤).
٢٠٢
٢ - باب الأذان مثنى مثنى
الحديث : ٦٠٦،٦٠٥
ثَّنَا ابنُ عليةَ، عنْ يونسَ قالَ: كانَ الحسنُ يقولُ: اللهُ أكبرُ أشهدُ أنْ لا إله
إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الفلاح،
ثم يرجعُ فيقولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ أشهدُ أنَّ
محمدًا رسولُ اللهِ حيَّ على الصلاة (١٠ - أ/ ك٢) حيَّ على الفلاحِ - مرتينِ
- اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلا اللهُ.
قال(١): وحدثنا ابنُ عليةَ، عنِ ابنِ عونٍ، عن محمدٍ - يعني ابنَ
ء
سيرين - قالَ: كانَ الأذانُ أن يقولَ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا
اللهُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله أشهدُ أنَّ محمدًا
رسولُ اللهِ حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الفلاحِ حيَّ على
الفلاح اللهُ أكبرُ (٢) لا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ.
قالَ(٣): وحدثنا ابنُ عليةَ: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ قالَ:
كانَ أذانُ ابن عمرَ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ (٤) شهدتُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ شهدتُ
أنْ لا إلهَ إلا اللهُ(٤) - ثلاثًا - شهدتُ أنَّ محمدًا رسولُ الله شهدتُ أنَّ
محمداً رسولُ الله شَهدتُ أنَّ محمدًا رَسولُ الله حيَّ على الصلاة - ثلاثا
- حيّ على الفلاح - ثلاثا - اللهُ أكبرُ - أحسبُهُ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ.
قال(٥): وثنا عبدةُ: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ
أنهُ كانَ يجعلُ آخرَ أذانه: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلا اللهُ.
(١) ((المصنف)) (١ / ٢٠٤).
(٢) كذا في ((٢٥)) وفي المطبوع من ((المصنف)): مكررة - أعني قوله ((الله أكبر)).
(٣) ((المصنف)) (١ / ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٤) في ((ك) كتبها مرتين ووضع كلمة ((صح ))ضمن المتن كي لا تلتبس. وهي ثلاث في المطبوع.
(٥) ((المصنف)) (٢ / ٢٠٧).
٢٠٣
الحديث : ٦٠٦،٦٠٥
كتاب الأذان
قال(١): وثنا يزيدُ بنُ هارونَ: أبنا(٢) سليمانُ التيميُّ، عن خبيب بنِ
قيسٍ، عنِ ابنِ أبي محذورةَ، عن أبيهِ أنه كانَ يؤذنُ فيخفضُ صوتَهُ
بالأذان مرةً مرةً حتى إذا انتهى إلى قوله أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله
رجع(٣) إلى قولِهِ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ فرفعَ بها صوتَه مرتَيْنِ مرتَيْنِ
حتى انتهى إلى ((حيّ على الصلاة)) قال: ((الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ)) في
الأذانِ الأولِ منَ الفجرِ .
وهذه الصفةُ تخالفُ الحجازيين(٤) من أذان أبي محذورةَ ورواياتهم
عنهُ أَولَى. وعلى هذا والذي قبلَه فيكونُ الأذانُ وترًا لا شفعًا.
وروَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن أبي المعتمرِ، عنِ ابنِ سيرينَ، عنِ ابنِ
عمرَ أنهُ مرَّ على مؤذنٍ فَقَالَ لهُ: أوتر أذانكَ.
وعن سفيانَ، عنْ مغيرةَ، عنْ إبراهيمَ قالَ: لا بأسَ إذا بلغَ حيّ على
الصلاة حيَّ على الفلاحِ أن يقولَهَا مرةً.
ولعلَّ هذا في الإقامةِ.
وكذلكَ خرجها وكيعٌ في «بابٍ منْ أفردَ الإقامةَ)).
قال ابنُ أبي شيبةً(٥): وثنا أبو أسامةً(٦): ثنا عبدُ الله، عن نافع قالَ:
كانَ ابنُ عمرَ ربما زادَ في أذانه: حيّ على (١٠ - ب / ك٢) خيرِ العملِ.
(١) ((المصنف)) (١ / ٢٠٤).
(٢) فى ((المصنف)): (أنا)).
(٣) كتبها في الهامش ووضع عليها علامة التصحيح ولم يضع لها علامة لحق ووضعها هنا
في هذا الموضع حسب المطبوع وحسب ما يقتضيه السياق.
(٤) في ((ك)): ((الحجازيون)).
(٦) في ((ك٢)): ((أبو أمامة)) وهي تصحيف.
(٥) ((المصنف)) (١ / ٢١٥).
٢٠٤
٢ - باب الأذان مثنى مثنى
الحديث : ٦٠٦،٦٠٥
وثنا أبو خالد(١)، عنِ ابنِ عجلانَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ أنهُ كانَ
يقولُ في أذانِهِ: الصلاةُ خيّرٌ مِنَ النومِ، وربما قالَ: حيَّ على خيرِ العملِ .
ثنا(١) حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن جعفرٍ، عن أبيهِ ومسلمٍ بنِ أبي مريمَ
أن عليَّ بنَ حسينٍ كانَ يؤذنُ فإذا بلغَ حيّ على الفلاحِ قال: حيّ على
خيرِ العملِ ويقولُ: هو الأذانُ الأولُ.
وقال البيهقيُّ (٢): رُويَ ذلكَ عن أبي أمامةَ، ثم خرَّجَ (٢) بإسنادِهِ من
حديث أولادٍ سعد القرظ(٣)، عن آبائهم، عن بلال أنهُ كان ينادِي بالصبح
فيقولُ حيَّ على خيرِ العملِ، فأمره النبيُّ وَِّ أن يجعلَ مكانَها: الصلاةُ
خيرٌ من النومٍ، وبتركِ: حيّ على خيرِ العملِ، ثم قالَ: هذه اللفظةُ لم
تثبت عن النبيِّ نَِّ فيما عَلَّمَ بلالا وأبا محذورةَ، ونحن نكره الزيادةَ فيه
وبالله التوفيق.
(١) ((المصنف)) (١ / ٢١٥).
(٢) ((الكبرى)) (١ / ٤٢٥).
(٣) في ((٢٥)): ((القرط)»، وهي تصحيف.
٢٠٥
الحديث : ٦٠٧
كتاب الأذان
٣ - بَابٌ
الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إِلا قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ
٦٠٧ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا إسماعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
أَبِي قِلابةَ، عَنْ أَنْسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرتُ لأُّوبَ فَقَالَ: إِلَا الإِقَامَةَ.
قد تقدمَ هذا الحديثُ(١) من حديث خالدٍ وأيوبَ، عن أبي قلابةَ.
وقولُ أيوبَ ((إلا الإقامةَ)) مرادُهُ أنَّ الحديثَ فيه هذه اللفظةُ؛ ولكنْ لم
يذكرْ سندَهَا، وقد ذكرَ سندَهَا عنهُ سماكُ بنُ عطيةَ على ما تقدمَ في
البابِ الذي قبلَه وأن أيوبَ رواها عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ .
وقد تابعه - أيضًا - معمرٌ، عن أيوبَ، خرج حديثه الإسماعيليّ في
((صحيحه)) من حديث عبد الرزاقِ(٢): أبنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ
قالَ: كانَ بلالٌ يثني الأذانَ ويوترُ الإقامةَ ويقولُ: قد قامت الصلاةُ، قد
قامتِ الصلاةُ مرتَّيْنِ. وفي روايةٍ له - أيضًا - قوله: قد قامتِ الصلاةُ.
وفي البابِ: عنِ ابنِ عمرَ من رواية شعبة(٣)، عن أبي جعفرِ مؤذنٍ
مسجد العريان قالَ: سَمعتُ أبا المثنَّى مؤذنَ مسجد الأكبر يقولُ: سمعتُ
ابنَ عمرَ قالَ: إنما كانَ الأذانُ على عهد النبيِّ وَهِ مرتّيْنِ مرتينِ والإقامةُ
(١) تحت شرحه للحديث (٦٠٥، ٦٠٦).
(٢) ((المصنف)) (١ / ٤٦٤).
(٣) رفعه شعبة، وأوقفه إسماعيل بن أبي خالد، وانظر ((تاريخ البخاري الكبير)) (٧ /٢٥٦).
٢٠٦
٣ - باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة
الحديث : ٦٠٧
مرةً مرةً غيرَ أنهُ يقولُ: قد قامت الصلاةُ: قد قامت الصلاةُ (١١ - أ/ ك٢)،
فإذا سمعنا الإقامةَ توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاةِ.
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في
(صحيحَيْهِمَا)) والحاكم وصححهُ (١) وقال: أبو جعفرٍ هو عميرُ بنُ يزيدَ
٩
الخطمي.
ووهمَ في ذلكَ؛ إنما هو أبو جعفرِ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مسلمٍ أبي
المثنَّى وقد ينسبُ إلى جدهِ مسلمٍ (٢) أبي المثنَّى، وثَّقَهُ ابنُ معينٍ وابنُ
حبانَ (٣)، وقالَ ابنُ معين مرةً: لا بأسَ به. كذا ذكره ابنُ حبانَ وأبو
أحمدَ الحاكمُ (٤) وابنُ عقدةَ والدار قطنيّ وغيرُهم.
وفرَّقَ بينهما غيرُ واحدٍ، منهم مسلمٌ في كتابِ ((الكُنَى))(٥) وذكرَ (٦)
((أبو جعفرٍ))(٧) هذا ممن لا يعرفُ اسمُهُ، وأن محمدَ بنَ إبراهيمَ يُكْنَى أبا
إبراهیم.
وكذا ذكرَهُ ابنُ أبي حَاتِم(٨) أن (٩) أبا جعفرٍ هذا ليسَ هو محمدُ بنُ
إبراهيمَ بنِ مسلمٍ؛ بلْ قالَ في ذاكَ: يَكْنَى أبا إبراهيمَ، وقال في أبي
(١) ((المسند)) (٢ / ٨٥)، وأبو داود (٥١٠) وفيه: ((وقال شعبة: لم أسمع من أبي جعفر غير
هذا الحديث)) ا. هـ، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨/١)، وابن خزيمة (١٩٣/١)، و((الإحسان))
(٤ / ٥٦٦)، والحاكم (١ / ١٩٧).
(٢) ((تهذيب الكمال)) (٢٤/ ٣٣١).
(٣) الدوري (٤ /١٠٩ - ١١٠)، و«ثقات ابن حبان)) (٧ /٣٧١).
(٤) ((الكنى)) لأبي أحمد الحاكم (٣ /٤٣)، و((ثقات ابن حبان)) (٧ / ٣٧١).
(٥) ((الكنى)) لمسلم (ق: ١٨، ١٩).
(٦) يعني: الإمام مسلم.
(٧) ((أبو جعفر)) هكذا في ((ك٢)»، على الحكاية.
(٩) ((أن)) تكررت في ((ك٢)).
(٨) ((الجرح والتعديل)) (٩ / ٣٥٣).
٢٠٧
الحديث : ٦٠٧
كتاب الأذان
جعفرِ هذا: سُئِلَ أبو زرعةَ عنه فقالَ: هو كوفيٌّ، لا أعرفهُ إلا في هذا
الحديث، قال: وقلتُ لأبي: روَى عيسى بنُ يونسُ، عن شعبةَ فقالَ: عن
أبي جعفرِ القاريِّ، فقال: أخطأ عيسى بنُ يونس؛ ليس هذا أبو جعفرٍ
ءُ
القاريّ، هذا كوفيٌّ، القاريّ مديني . انتهى.
ورواه أبو داودَ الطيالسيُّ(١)، عن شعبةَ، عن أبي جعفرٍ - وليس
بالفراء -، وكذا قال أبو حاتم الرازيَّ: ليس بالفراءِ.
وخرجه البيهقيُّ(٢) من طريقِ أبي النضْرِ، عن شعبةَ، عن أبي جعفرٍ
- وليس يعني الفراءَ.
كذا قالَ؛ وهو من ظنِّ بعضِ الرواةِ، وليسَ هذا بالفراءِ؛ الفراءُ
اسمُهُ: كيسانُ أو سلمانُ، وهو غيرُ هذا. قال البيهقيُّ: ورواه غندرٌ،
وعثمانُ بنُ جبلةَ، عن شعبةَ، عن أبي جعفرٍ المديني(١).
قلتُ: هذا يوافقُ قولَ الحاكمِ أنه أبو جعفرِ الخطميُّ الأنصاريُّ.
وقالَ الحافظُ أبونعيمٍ: أبو جعفرٍ اسمُهُ: مسلمٌ - كذا رأيتُهُ ذكرَهُ في
(الحلية))، وليس بشيءٍ؛ وإنما مسلمٌ هو شيخُهُ أبو المثَنَّى.
وخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ(٤)، عن حجاج: حدثنا شعبةُ قالَ: سمعت أبا
جعفرٍ مؤذنَ مسجدٍ بني العريانِ في مسجدِ بني بلالٍ يحدثُ عن مسلمٍ
أبي المثنَّى مؤذنِ مسجدِ الجامعِ، فذكرَ هذا الحديثَ.
وأما أبو المشَّى فاسمُهُ: مسلمٌ ويقالُ: مهرانُ، ذكره مسلمُ بنُ الحجاجِ
(١) ((مسند الطيالسي)) (١٩٢٣).
(٣) وفي (الكبرى)) للبيهقي: ((المدني)).
(٢) ((الكبرى)) للبيهقي (١ / ٤١٣ -٤١٤).
(٤) ((المسند)) (٢ / ٨٥).
٢٠٨
٣ - باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة
الحديث : ٦٠٧
في كتاب ((الكُنَى)) (١)، وفي نسبهِ اختلافٌ وهو مؤذنُ مسجد الكوفة، وهو
عند ابن معين (١١ - ب / ٥ ٢) وابن عقدةَ: والدُ أبي جعفر، نقلَه عنه
عباسٌ الدوريُّ، وهو عندَ الدارقطنيِّ وابن حبانَ: ابنُ ابنِهِ، وعندَ أبي
زرعةَ ومسلمٍ وابن أبي حاتمٍ (٢) أنه ليسَ بينهما نسبٌ، وثقَهُ أبو زرعةً (٢)
وابنُ حبانَ(٣) وقالَ الدارقطنيّ: لا بأس به.
وقد روَى هذا الحديثَ إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي المثنّى،
فخالفَ شعبةَ في رفعِهِ ووقفه .
ذكره البخاريُّ في ((تاريخِهِ»(٤) وقالَ: قالَ وكيعٌ: عن ابنِ أبي خالدٍ،
عن المثنَّى أو أبي المثنَّى، عنِ ابنِ عمرَ قالَ: إذا قمتَ فاجعلْهَا واحدةً،
وقالَ عارمٌ: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ، عن إسماعيلَ، عن المثنَّى، عن
أبيهِ، عنِ ابنِ عمرَ مثلَه. انتهى ما ذكرَهُ.
وفي روايةِ عبدِ العزيزِ، عنْ إسماعيلَ زيادةُ رجلٍ وهو المثنَّى، وقالَ
ابنُ معينٍ: إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ يروي عن أبي المُثنّى الكوفيِّ وهو هذا
- يعني الذي روى عنه شعبةٌ.
وخرّجَ ابنُ أبي شيبةً في كتابه(٥): ثنا أبو معاويةً، عن حجاجٍ، عن
أبي المثنّى، عن ابنِ عمرَ قالَ: كانَ بلالٌ يشفعُ الأذانَ ويوترُ الإقامةَ.
وهذا في معنَى رفعِ الحديثِ كما رواهُ شعبةُ.
(١) ((الكنى)) لمسلم (ص: ١٠٤).
(٣) ((الثقات)) لابن حبان (٥ / ٣٩٢).
(٥) ((المصنف)) (٢٠٥/١).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٨ /١٩٥).
(٤) ((تاريخ البخاري)) (٧ /٢٥٦).
٢٠٩
الحديث : ٦٠٧
كتاب الأذان
قال(١): وثنا عبدةُ، عن إسماعيلَ، عن أبي المثنَّى أن ابنَ عمرَ كانَ
يأمرُ المؤذنَ يشفعُ الأذانَ ويوترُ الإقامةَ ليعلَم المارَّ الأذانَ من الإقامة.
وقد رواه الإمامُ أحمدُ - فيما رواه عنه ابنهُ عبدُ اللهِ في كتابٍ
((العللِ)) (٢) عن وكيع كما ذكرَهُ البخاريُّ. ورواه أحمدُ - أيضًا - عن
محمدِ بنِ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن المثَنَّى، عنِ ابنِ عمرَ مثلَه.
وعن محمدِ بنِ يزيدَ، عن حجاجٍ، عنْ أبي المثَنَّى، عنِ ابنِ عمرَ
نحوه(٣).
وذكر (٤) - أيضا - حديثَ شعبةَ، عن أبي جعفرِ المتقدمِ
روى أحمد(٥) - أيضاً -، عن وكيع [عن الثوري](٦)، عن أبي جعفرٍ
المؤذن، عن سلمانَ، عن أبي محذورةً(٧).
(١) ((المصنف)) (١ / ٢٠٥).
(٢) (العلل)) (١٠٦٦ - ١٠٦٩).
(٣) في المطبوع من ((العلل)) " مثله" والبَوْنُ بينهما كبير.
وفي هذا يقول أبو عبد الله الحاكم: ممّ يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثا
وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر أن يفرق بين أن يقول: ((مثله)) أو ((نحوه))، فإنه لا يحل
له أن يقول: ((مثله)» إلا بعد أن يقف على المتنين جميعًا فيعلم أنهما على لفظ واحد، وإذا
لم يُميِّز ذلك جاز أن يقول: ((نحوه)) فإذا قال: ((نحوه)) بيَّن أنه مثل معانيه ا. هـ.
سؤالات السجزي للحاكم (ص: ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٤) ((علل أحمد)) (١٠٦٦).
(٥) ((العلل)) (١٠٧٠).
(٦) ما بين المعقوفين ليس في ((ك)))، وقد سقط منها واستدركناه من ((العلل)) رواية عبد الله،
ومن ((المسند)) من طريق ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي جعفر به (٣ / ٤٠٨)، ومن
((المجتبى)) (١ /١٣ - ١٤) حيث رواه من طرق عن سفيان، عن أبي جعفر
(٧) فى ((ك٢)) تكررت الثلاثة أحرف الأخيرة فجاء رسمها هكذا: ((محذورةورة)).
٢١٠
٣ - باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة
الحديث: ٦٠٧
وعن(١) عبدِالرحمنِ بنِ مهديٌّ، عنْ سفيانَ - أيضًا - قالَ عبدُ الرحمنِ:
ليس هو الفراءَ - يعني أبا جعفرٍ -؛ وهذا إشارةٌ إلى اختلاف آخرَ على
أبي جعفرٍ، عنْ أبي محذورةَ أَنْهُ كانَ إذا بلغَ ((حيَّ على الفلاحِ)) في
الفجرِ قالَ: الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ - مرتينٍ.
وخرَّجهُ أبو نعيمٍ في كتابِ ((الصلاة)) عنْ سفيانَ، عن أبي
جعفرِ الفراءِ، فذكره بمعناهُ، وقد تقدمَ أن أبا جعفرٍ ليسَ بالفراءِ؛ بل هوَ
المؤذنُ.
وخرَّجهُ النسائيُّ(٢) من طرق عن سفيانَ ولفظ حديثهِ: عن أبي
محذورةَ قالَ: كنتُ أؤذنُ للنبيِّ وَّ فكنتُ أقولُ في أذانِ الفجرِ (١٢ -
أ/ ك٢) الأول: حيّ على الصلاةِ حيَّ على الصلاة حي على الفلاح حي
13
على الفلاحِ الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ
لا إله إلا اللهُ، وقالَ (٣): أبو جعفر ليس بالفراءِ.
وقد رُويَ عنْ أبي محذورةَ الأذانُ مثَى مثنَى والإقامةُ مرةً مرةً من
وجوهٍ غيرٍ قويةٍ .
ورُويَ عنْهُ أنَّ النبيَّ ◌ِ لّ علمهُ الإقامةَ مِثنَى مِثنَى.
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ والترمذيُّ(٤) من حديث
(١) ((العلل)) (١٠٧١)، و(«المسند» (٣ /٤٠٨).
(٢) ((المجتبى)) (١٢/١ - ١٣) من طريق عبد الله - وهو: ابن المبارك -، ويحيى - وهو:
(٣) يعنى: أبا عبد الرحمن النسائي.
القطان، وعبد الرحمن - وهو: ابن مهدي .
(٤) ((المسند)) (٦ / ٤٠١)، وأبو داود (٥٠٢)، والنسائي (٢ / ٤)، والترمذي (١٩٢) وقال:
حديث حسن صحيح.
٢١١
الحديث : ٦٠٧
كتاب الأذان
همام، عن عامرِ الأحول، عن مكحول، عن ابنِ محيريزٍ، عن أبي محذورة
أن النبيَّ نَّهَ علَّمهُ الأذانَ تسعَ عشرةَ كلمةً والإقامةَ(١) سبعَ عشرةَ
كلمةً، وصححهُ الترمذيُّ وخرَّجُهُ مسلم٢ٌ) من روايةِ هشامٍ الدستوائيِّ، عن
عامرٍ ولم يذكرْ فيه الإقامةَ ولا عددَ كلمات الأذان؛ بل ذكرَهُ مفصلا
والتكبيرُ في أولِهِ مرتينٍ، وفي روايةٍ مقام التكبيرِ في أولهِ أربعًا .
وقد اختلفَ العلماءُ في صفةِ الإقامةِ على أقوال(٣):
أحدُها: أنها فرادَى سوى التكبيرِ فإنه مرتينِ في أولها وآخرِهَا. وهذا
قولُ مالك والليثِ والشافعيِّ في القديمِ. وممن رُويَ عنهُ الأمرُ بإفراد
الإقامة: ابنُّ عمرَ، وسلمةُ بنُ الأكوعِ، وعطاءٌ، والحسنُ، وعمرُ بنُ
عبدالعزيزِ، وعروةُ، ومكحولٌ، والزهريُّ وقالا: مضت السنةُ بذلكَ،
وقالَ بُكَيْرُ بنُ الأشجِّ: أدركتُ أهلَ المدينةِ على ذلكَ.
والقولُ الثاني: أنهُ تُفردُ الإقامةُ سوى التكبيرِ وكلمة الإقامة فإنها
تُثَنَّى. وهو المشهورُ منْ مذهب الشافعيِّ، وقولُ أحمدَ، وإسحاقَ، ورُويَ
عن الحسنِ ومكحولٍ والزهريِّ والأوزاعيِّ.
والشافعية وجهٌ ومنهم من حكاهُ قولا: أنه تفردُ(٤) التكبير - أيضًا -
في أولِ الإقامةِ وآخرِها مع إفرادِ لفظِ الإقامةِ. ولهمُ قولٌ آخرُ: أنه
تفردُ(٤) التكبير في آخرِهَا خاصةً مع لفظِ الإقامةِ.
والثالثُ: أن الإقامةَ كالأذانِ مثنَى مثنَى؛ لحديثِ أبي محذورةَ.
(١) في ((ك))): ((وا الإقامة)).
(٢) مسلم (٣٧٩).
(٣) ((الأوسط)) لابن المنذر (١٧/٣)، و((المغني)) (٢ /٥٨).
(٤) كذا في ((٢٥)) ولعل الصواب: ((يفرد)) بالياء.
٢١٢
٣ - باب الإقامة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة
الحديث : ٦٠٧
ورُويَ - أيضًا - منْ حديث ابنِ أبي ليلى، عن معاذٍ، وعن بلال، وعن
أصحابِ محمدٍ (١)، كما سبق(٢) ذكرُ الاختلاف عنهُ، وهو قولُ الكوفيينَ:
النخعيِّ والثوريِّ والحسنِ بنِ صالحٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ وأبي بكرٍ بِنٍ
أبي شيبةَ، وهو قولُ مجاهدٍ وابنِ المباركِ، ورُويَ عن عليٍّ، وذكرَهُ
حجاجُ بنُ أرطاةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أصحابِ عليّ وابنِ مسعودٍ،
ورُويَ - أيضًا -، عن سلمةَ بنِ الأكوعِ، وقال النخعيَّ: لا بأسَ إذا بلغَ
حيَّ على الصلاةِ حيَّ على الفلاحِ أن يقولَها مرةً مرةً. ولو أرادَ أن يؤذنَ
فأقامَ فقالَ النخعيّ والشعبيّ: يعيدُ (١٢ - ب/ ك٢) الأذانَ. وقالَ الثوريُّ:
يجعلُ إقامتَهُ إذا قامَ بغيم (٣). ومذهبُ مالك: أنهُ يعيدُ الأذانَ؛ لكنه یرَی
الإقامةَ فرادَی.
والرابعُ: أنه يَجوزُ تثنيةُ الإقامةِ وإفرادُها؛ والإفرادُ أفضلُ. وهو قولُ
أحمدَ وإسحاقَ وداودَ الظاهريِّ وجماعةٍ من فقهاءِ أهلِ الحديثِ ؛ لورودِ
الحديث بذلكَ كلِّه، وكذا قالَ ابنُ خزيمةَ؛ لكنَّهُ قَالَ: يجوزُ الترجيعُ في
الأذانِ مع تثنيةِ الإقامةِ، وتثنيةُ الأذانِ بغيرِ ترجيعِ مع إفرادِ الإقامةِ .
فأمَّا تثنيةُ الأذانِ من غيرِ ترجيعٍ وتثنيةُ الإقامةِ فلمْ يصح ذلك عنِ
صَهَا الله
وسيلة .
النبي
والخامسُ: إنْ أَذَّن وأقامَ أفردَ الإقامةَ، وإن صلَّى وحدَهُ وإن اقتصرَ
على الإقامةِ ثناها ليكونَ له تأذينًا. رُويَ ذلكَ عن أبي العاليةِ، وسليمانَ
ابنِ موسَى، ونقلَهُ حربٌ عن إسحاقَ.
(١) يعني: ابن سيرين.
(٢) تحت شرح المصنف لباب ((الأذان مثنى مثنى)).
(٣) كذا في ((٢٥)
٢١٣
الحديث : ٦٠٨
كتاب الأذان
٤ - باب
فَضْلِ الَّذِينِ
٦٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبَنَا(١) مَالكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِّ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ(٢) أَدْبَرَ
الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ النَّذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا
ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّْوِيِبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ
وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا
يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
النداءُ بالصلاة: المرادُ به الأذانُ للصلاة، والتثويبُ(٣): المرادُ به
الإقامةُ؛ فإنه رجوعٌ إلى النداءِ، يُقالُ: تاب (٤) الرَّجُلُ إذا رجعَ، ومنه
قولُهُ تعالَى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ (٥) لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٠] أَيْ:
يَتَرَدَّدُونَ ويرجعونَ إليهِ، ومنهُ حديثُ أبي هريرةَ: ((إذا ثُوب بالصلاة فلا
تأتوهَا وأنتم تسعونَ)(٦) الحديث.
وقيل سميتِ الإقامةُ تثويبًا لترديدِ قولِهِ ((قد قامتِ الصلاةُ)) مرتينٍ.
(١) في ((اليونينية)): (أخبرنا)).
(٢) في ((اليونينية)): (الصلاة)).
(٣) في ((ك)»: بدون إعجام المثلثة.
(٤) كذا، ولعل الصواب بالثاء المثلثة.
(٥) في ((٢٥)»: ((متابتًا)» .
(٦) في ((ك)): ((تسعوون)).
٢١٤
٤ - باب فضل التأذين
الحديث : ٦٠٨
وهو بعيد(١)، حكاهُ الخطابيُّ(٢)، ورجَّح أنها تسمَّى تثويبًا(٣) لرفعِ الصوتِ
بها، قالَ: والتثويب(٣): الاستغاثةُ(٤)، وأصلُهُ: أن يلوحَ الرجلُ بثوبهِ
عندَ الفزعِ يعلمُ أصحابَهُ.
وهذا الذي قالَهُ ضعيفٌ؛ ولو كان صحيحًا لكانَ تسميةُ الأذان تثويبًا
أحقَّ منَ الإقامة.
وفي الحديثِ دليلٌ على فضلِ الأذان وأنهُ يطردُ الشيطانَ حتى يدبرَ
عندهُ وله ضراطٌ بحيث لا يسمعُ التأذينَ، والأذانُ والإقامةُ في هذا
سواءٌ. وضراطُ الشيطان محمولٌ على ظاهرِهِ عندَ كثيرٍ منَ العلماءِ،
ومنهم من تأولَهُ ولا حاجةَ إلى ذلكَ.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٥) عنِ الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ،
عنِ (١٣ - أ/ ك٢) النبيِّ وَّ قَالَ: ((إنَّ الشيطانَ إذا سمعَ النداءَ بالصلاةِ
ذهبَ حتى يكونَ مكانَ الروحاء)». قالَ الأعمشُ: سألتُهُ عنِ الروحاءِ
فقالَ: هوَ منَ المدينة ستة وثلاثون میلا.
(١) في ((ك(٢)): ((وهو يعيد))، والصواب ما أثبتناه؛ لأنه موافق للسياق، ثم إن الخطابي قال في
((أعلام الحديث)): ((وقيل))، وهو يشعر بأن هذا القول بعيد غير صحيح.
(٢) ((أعلام الحديث)) (١ /٤٥٨) وقال: ((وأصل التثويب رفع الصوت بالإعلام)).
وقال في ((معالم السنن)) (١ /١٥٥): وإنما سميت الإقامة تثويبًا لأنها: إعلام بإقامة
الصلاة، والأذان إعلام بوقت الصلاة .
(٣) في ((ك)): ((تبويبًا)).
(٤) في ((ك٢)): ((الاستعاثة)) كذا، والصواب: ((الاستغاثة)) وقد ذكر الخطابي في ((أعلام
الحديث)) (١ / ٤٥٨): يريد المستغيث وأصل هذه الكلمة أن يلوح الرجل بثوبه عند
الفزع .. )) اهـ وانظر ((النهاية)) (١ /٢٢٦) مادة: (ثوب)).
(٥) مسلم (٣٨٨).
٢١٥
الحديث : ٦٠٨
كتاب الأذان
وروَى النيسابورىُّ، عن بشيرِ بنِ عمرٍو، عنْ عمرَ بنِ الخطابِ قالَ:
إذا رأيتُم الغيلانَ فَأَذِّنوا بالصلاة.
وروَى الحسنُ، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ (١) قالَ: أُمِرْنا إذا رأينا الغولَ
أن ننادي بالصلاة. خرجهما ابن أبي الدنيا.
وقالَ مالكٌ: استعمل زيدُ بنُ أسلمَ على معدنٍ بني سُلَيْم وكانَ معدنا
لا يزالُ الناس يصابونَ فيه من قبَل الجنِّ، فذكروا ذلكَ لزيد بن أسلمَ
فأمرهم بالأذان وأن يرفعُوا أصواتَهم به ففعلوا فارتفع ذلكَ عنهم وهم
عليهِ حتَّى اليومَ. قالَ مالكٌ: وأعجبني ذلك من رأي زيدِ بنِ أسلمَ.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٢) عن سهيلِ بنِ أبي صالحِ قالَ: أرسلني أبي
إِلَى بني حارثةَ قالَ: ومعي غلامٌ لنا أو صاحبٌ لنا، فناداهُ منادٍ منْ حائط
باسمه قالَ: وأشرفَ الذي معي على الحائطِ فلم يرَ شيئًا، فذكرتُ ذلكَ
٠٠
لأبي فقالَ: لو شعرتُ أنك تَلْقَى هذا لم أرسلكَ؛ ولكن إذا سمعتَ
صوتًا فنادي(٣) بالصلاة؛ فإنِّي سمعتُ أبا هريرةَ يحدثُ عنْ رسول الله
مِّ أنّهُ قالَ: ((إن الشيطانَ إذا نوديَ بالصلاةِ ولَّى ولهُ خُصَاصٌ».
وقد قيل في سرِّ ذلكَ: إن المؤذنَ لا يسمعُهُ جنٌّ ولا إنسٌ إلا شهدَ لهُ
يومَ القيامةِ - كما سيأتي في الحديثِ بعد هذا - فيهربُ الشيطانُ من سماع
الأذانِ ويضرطُ حتَّى يمنعَهُ ضراطُه من استماعِهِ حتى لا يكلفَ الشهادةَ بهِ
يومَ القيامةِ .
(١) ((البحر الزخار)) (٤ /٧٨) وقال: (( ... ولا نعلم سمع الحسن من سعد شيئًا)).
(٢) مسلم (٣٨٩ / ١٨).
(٣) في ((صحيح مسلم)): ((فناد))، وهي الجادة.
٢١٦
٤ - باب فضل التأذين
الحديث : ٦٠٨
وقِيلَ: إن إعلانَ التكبيرِ له سرٌّ في إذابةِ الشيطانِ، وقد جاءَ في
حديث ضعيفٍ (١): ((إذا رأيتمُ الحريقَ فكبروا؛ فإنه يطفتُه)) والشيطانُ خُلقَ
من النارِ فهو يذوبُ من سماعِ التكبيرِ وإِعلانهِ، وكذلكَ الإعلانُ
بالتهليلِ، قالَ أبو الجوزاءِ: ما للشيطان طردٌ عن القلب غيرُ لا إلهَ إلا اللهُ
ثم تلا ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِم نُفُورًا﴾
[الإسراء: ٤٦].
ويُكرِهُ لمنْ كانَ جالسًا أن يبادرَ إلى القيامِ ولو إلى الصلاة؛ لأن فيه
مشابهةً للشيطانِ في إدبارِهِ عندَ سَماع الأذانِ.
قالَ الإمامُ أحمدُ - في رواية الأثرمِ - وسئلَ عن الرجلِ يقومُ حينَ
يسمعُ المؤذنَ يبادرُ يركعُ - (١٣ - ب/ ك٢) قال: يستحبُّ ركوعُه بعدما
يفرغُ المؤذنُ أو يقربُ من الفراغِ؛ لأنه يقالُ: إنَّ الشيطانَ ينفرُ حينَ يسمعُ
الأذانَ.
(١) انظر ((الكامل)) (٤ /١٥١)، (٥ / ١١٢).
٢١٧
كتاب الأذان
٥ ۔ بابُ
رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلا فَاعْتَزِلْنَا.
قَالَ وَكَيعٌ: ثنا سفيانُ، عنْ عمرَ بنِ سعيد بنِ أبي حسينِ المكيِّ أن
مؤذنًا أذَّن فطربَ في أذانِهِ فقالَ لهُ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: أذنْ أذانًا سمحًا
وإلا فاعتزلْنَا(١).
وخرَّجَ الدار قطنيُّ(٢) هذا مرفوعًا من حديثِ ابنِ عباسٍ؛ وإسنادُه لا
يصح.
ورُويَ عنِ ابنِ عمرَ (٣) أنهُ قالَ لمؤذنٍ: إني أبغضكَ في اللهِ؛ إنكَ
تبغِي في أذانِكَ - يشيرُ إلى أنه (٤) يتجاوزُ الحدَّ المشروعَ بتمطيطِهِ والتطريبِ
فيه .
وفي روايةٍ أنهُ قالَ: إنكَ تختالُ فى أذانكَ - كأنه يشيرُ إلى التفخيمِ
في صوتِهِ والتشادُقِ والتكبرِ .
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ٢٢٩).
(٢) ((السنن)) (١ / ٢٣٩) وفيه: إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، و((اللآلى المصنوعة)) (٢
/ ١١)، و((المجروحين)) (١ / ١٣٧) وقال: ((وليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول
الله {َّه)). اهـ وقال في إسحاق: ينفرد عن الثقات ماليس من حديث الأثبات ويأتي عن
الأئمة المرضيين ما هو من حديث الضعفاء والكذابين، لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية
عنه إلا على سبيل الاعتبار)) أ. هـ ثم بعد هذا ترجم له في ((الثقات)) (٨ / ١٠٩)!
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ٢٢٨).
٢١٨
(٤) في ((ك٢)): ((أن)) .
٥ - باب رفع الصوت بالنداء
الحديث ٦٠٩
وقالَ أحمدُ - في التطريبِ في الأذانِ -: هو محدثٌ - يعني أنهُ لم
= كيا الله
عليية
يكنْ علَى عهدِ النبيِّ
وستِعمَ.
والقولُ في الأذانِ بالتطريبِ كالقولِ في قراءةِ القرآنِ بالتلحينِ،
وكرهَهُ مالكٌ(١) والشافعيَّ - أيضًا - وقالَ إسحاقُ: هو بدعةٌ، نقلَهُ عنه
إسحاقٌ بنُ منصورٍ، ونقلَ عنهُ حربٌ قالَ: التسميحُ أحبُّ إليَّ، فإنْ كانَ
يؤذنُ بأجرِ فإني أكرهُهُ - يعني التطريبَ -، وإن كانَ بغيرِ أجرٍ وكانَ أنشطَ
للعامة فلا بأسَ .
وقد يستدلُّ لذلكَ بقولِ ابنِ عمرَ: إِنِّي أبغضُكَ في اللهِ؛ إنكَ تحسِّنُ
صوتَكَ - يعني في الأذانِ - لأجلِ الدراهمِ. وسنذكره - فيما بعد - إن
شاءَ اللهُ.
قالَ البخاريُّ رحمهُ اللهُ:
٦٠٩ - ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا (٢) مَالكٌ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِهِ أَنَّه أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا
سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ
ويَادِيتَكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّه ((لا يَسْمَعُ مَدَى
صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِّ وَلَا إِنْسٌ(٣) إِلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لِ.
كذَاَ روَى مالكٌ هذا الحديثَ، ورواهُ ابنُ عيينةَ، عنْ شيخه فقالَ: عنْ
٠٠
(١) ((المدونة)) (١ / ٦٣).
(٣) في ((اليونينية)) بزيادة: ((ولا شيء)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
٢١٩
الحديث : ٦٠٩
كتاب الأذان
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي صعصعةَ.
قالَ الشافعيُّ(١): أصابَ مالكٌ في اسمِ الرجلِ، وأخطأً ابنُ عيينةَ
فيما أرَى. وذكرَ الإمامُ أحمدُ هذَا المعنَى أيضًا.
وقد تقدمَ بهذا الإسنادِ في أوائلِ كتابِ ((الإيمانِ)) حديثُ (١٤ - أ/ ك٢):
((يوشكُ خيرُ مالِ المسلم غنمٌ يتبعُ بها شعفَ الجبال))(٢) الحديث، وذكرْنَا
الاختلافَ في إسناده على مالكِ وأنه سماهُ بعضُهُم عنهُ كما سماهُ ابنُ
عيينةَ، والصحيحُ خلافُهُ.
وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيز بنُ الماجشونَ، عنْ عبد الرحمنِ بنِ
أبي صعصعةَ كما رواهُ مالكٌ؛ إلا أنهُ لم يرفعُهُ.
وما تضمنَهُ حديثُ أبي سعيدٍ من سكنَى الباديةِ بالغنمِ: فقد سبقَ
القولُ فيه مستوفى في كتابِ ((الإيمانِ))(٢) عندَ الكلامِ على حديثِهِ المشارِ
إليه، وما تضمنَهُ منَ الأذانِ للصلاةِ بالباديةِ فيأتي بسطُ القول فيه عندَ
تبويب البخاريِّ علَى ((الأذانِ في السفرِ))(٣) إن شاءَ اللهُ.
أمَّا الأمرُ برفع الصوتِ في الأذانِ: فإنما هو من قولِ أبي سعيدٍ،
واستدلَّ له بقولِ النبيِّ ◌ِ لْ هِ: ((لا يسمعُ صوتَ المؤذنِ)) الحديثَ، كذا رواهُ
ابنُ عيينةَ صريحًا وكذا ما قبلَهُ كلُّه من قولِ أبي سعيدٍ .
وقد رُويَ نحوُهُ عنْ أبي هريرةَ؛ روَى وكيحٌ وأبو نعيمٍ في كتابَيْهِما:
ثنا أبو العنبسِ سعيدُ بنُ كثيرٍ، عنْ أبيهِ، عن أبي هريرةَ قالَ: ارفعْ
(١) ((معرفة السنن والآثار)) (٢ /٢٣٢)، و((التمهيد)) (٢٢٣/١٩) قال: وقد وهم ابن عيينة
في اسم هذا الشيخ - شيخ مالك - إذ روى عنه هذا الحديث.
(٢) حديث رقم: (١٩)(١٠٥/١).
(٣) عند شرح الأحاديث رقم: (٦٢٨ - ٦٣٣).
٢٢٠