النص المفهرس

صفحات 161-180

٤٠ - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء
الحديث : ٦٠١
النَّبِيِّنَّهِ صَلاةَ الْعِشَاءِ فىِ آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ◌َلِ فَقَالَ:
(أَرَّأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذَه؟ فَإِنَّ رَأَسََ مائَةَ سَنَةٍ لا يَبْقَى ممِّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى
ظهر (١) الأَرْضِ أَحَدَّ.)) فَوَّهِلَ النَّاسُ فِي مَقَّلَةِ النَّبِيِّ بَّهِ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ
مِنْ (٢) هَذه الأَحَادِيثِ عَنْ مائَةٍ سَنَة. وَإِنَّمَا قَلَ الَّبِيُّ ◌َ: ((لاَيَبْقَى مِمَّنْ
هُوَ الْيَوْمَ عَلَّى ظَهْرِ الأَرْضِ» يُرِيَدُ بذَلَكَ أَنّها تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ.
((وَهَلَ بفتحِ الْهَاءِ. قَالَ الخطَّبِيُّ(٣): مَعْنَاهُ غَلِطُوا وتوهموا، والوهَلُ:
الوهْمُ، يقالُ: وَهَل إذا ذهبَ وَهله إلى الشيءِ. انتهى، وضَبَطَه بعضُهم
وَهِل - بكسر الهاء - وقال: معناه فَزَعَ ونَسِيَ، والوَهَلُ - بالفتحِ -:
الفزعُ، وقيل: معناه وَقَع في وَهلِه. والأولُ أصوبُ، واللهُ أعلمُ.
ومرادُ ابْنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ◌َ أَرَادَ أنَّ مِنْ كانَ مَوْجوداً في وقتٍ قولِه
ذلكَ لا يَبْقَى منهم أحدٌ على رأسِ مائةٍ سنةٍ فَيَنْخَرِمُ ذلكَ القرنُ، فظنَّ
بعضُهم أنَّ مرادَه أَنَّ الساعةَ تقومُ بدون مائةٍ سنةٍ، وَهُوَ وَهْمٌ ممن ظنَّ
ذلكَ؛ ولذلكَ أنكرَه عليّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَّ اللهُ عنه عَلَى مَنْ توهَّمه.
ومقصودُ البُخاريِّ بهذين الحديثينِ: الاستدلالُ على جَوازِ الْمَوْعظة،
وذكرِ العلمِ بعدَ العشاءِ، وأَنَّهَ ليسَ منَ السَّمَرِ المنهيِّ عَنْهُ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وغيرُهُ من فُقهاء الكوفةِ يَسْمُرُونَ في الفقهِ إلى
أَذان (٤). ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أَنَّه لا يُكْرَهُ السمرُ في العلمِ.
(١) في ((ك١)) كتب ((وجه)) وكتب فوقها ((ظهر)) في نسخة.
(٢) كتب في الهامش: في نسخة ((في)) وهي كذلك في «اليونينية)).
(٣) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٥١)، و((إصلاح غلط المحدثين)) (ص: ٧٧ - ٧٩)، وانظر
((النهاية)» (٢٣٣/٥) .
(٤) كذا في ((ك١)) ولعلَّ سقطت كلمة ((الفجر)).
١٦١

الحديث : ٦٠١
كتاب مواقيت الصلاة
وَرَوَى قَتَادةُ، عَنْ أبى (٢٥٠ - أ/ ك١) حسان، عن عبدِ اللهِ بْنِ عمروٍ
قَالَ: كَانَ النبيِّ وَّهِ يُحدِّثْنَا عَنْ بني إسرائيلَ حَتّى يصبحَ ما يقومُ إلا إلى
عظم صلاة.
خرَّجَه أبو داودً(١) .
وكذا رواهُ هَشَامٌ الدَّسْتَوائِيُّ، وعمرو بنُ الحارثِ، وسعيدُ بْنُ بَشِير.
وخَالَفَهم أَبُو هلالٍ، فَرَوَاه عَنْ قتادةَ، عن أبي حسان، عَنْ عِمْرانَ بْنِ
حُصَين.
والقولُ: قولُ هشَامٍ وَمَنْ تَابَعَه، قَالَه الإمامُ أحمدُ، وأبو حاتمٍ (٢)،
وأبو بكر الأثرمُ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وابنُ خزيمةً(٣) في
((صحيحه)) من حديثٍ علقمةَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ قالَ: كانَ رسولُ الله
وَِّ يَسْمِرُ مَعَ أبي بكرٍ في الأمرِ مِنْ المسلمينَ وأَنَا معهم.
قال الترمذيَّ: حسن.
وقد قيل: إن علقمة لم يسمعه من عمر، وبينهما رجل. قاله
البخاري والأثرم ورجَّحَ الدارقطني أنه ليس بينهما أَحَدّ(٤).
(١) ((السنن)) (٣٦٦٣).
(٢) ((علل الرازي)) (١ / ١٦٠).
(٣) ((المسند)) (٢٦/١)، و((الكبرى)) للنسائي (٧١/٥)، و((جامع الترمذي))(١٦٩)، و ((صحيح
ابن خزيمة» (٢ /١٨٦).
(٤) راجع ((التاريخ الكبير)) البخاري (٧ /١٩٩)، ((وعلل الترمذي الكبير)) (ص: ٥٣١)،
((وعلل الدارقطني)) (٢ /٢٠٣)، والحديث رواه إبراهيم النخعي واختلف عليه، فرواه
الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر.
=
١٦٢

٤٠ _ باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء
الحديث : ٦٠١
وفيه دليلٌ على جوازِ السَّمَرِ في مَصالحِ المسلمينَ وما يعودُ بنفعِهم.
وقد رُوِيَ عن عبد الرحمنِ بْنِ أبي ليلى أَنَّه كانَ يَسْمُرُ مَعَ عليّ بنِ
أبي طالبٍ حَتّى يذهبَ ليلٌ طويلٌ.
ورواه الحسن بن عُبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة، عن القرثع، عن قيس - أو ابن
=
قيس - رجل من جعفى - عن عمر.
فرجَّح الدارقطني طريق الأعمش بقوله: وقد ضبط الأعمش إسناده وحديثه. وهو
الصواب.
فقيل له: إن البخاري فيما ذكره أبو عيسى عنه حكم بحديث الحسن بن عبيد الله على
حديث الأعمش.
فقال الدارقطني: وقول الحسن بن عبيد الله: ((عن قرثع)) غير مضبوط، لأن الحسن بن
عبيد الله ليس بالقوي ولا يقاس بالأعمش. اهـ
وهذا ليس يشك فيه أحد، إذ الأعمش جبل من جبال الحفظ، والحسن بن عبيدالله لا
يصل إلى مرتبته، إلا أن القلب إلى ما حرره الإمام البخاري أميل للأمور التالية:
(أ) كان أسهل على الحسن أن يقول علقمة عن عمر، إذ هي الجادة التي يكثر في الأسانيد
تكرارها، فلما أن قال: عن علقمة، عن القرثع، عن قيس - أو ابن قيس - رجل من
جُعْفَى، عن عمر، دلَّ على أنه قد حفظ هذا الحديث.
(ب) رغم أن الحسن بن عبيد الله في حفظه ليس كالأعمش إلا أنه أضاف في الإسناد
اسم رجلين ليس من السهل حفظهما، وهو: القرثع عن قيس أو ابن قيس رجل من
جعفى، مما يؤكِّدُ حفظه لهذا الحديث، وقد كان من الأولى والأسهل أن يقول علقمة عن
عمر، فلما زاد في الإسناد رجلين كما ذكرنا دل على أنه قد حفظ. والله أعلم.
هذا وقد رجَّح البيهقي في ((الكبرى)) (١ /٤٥٣) طريق الحسن بن عبيد الله بقوله: وهذا
الحديث لم يسمعه علقمة من قيس عن عمر، إنما رواه عن القرثع عن قيس عن عمر،
أخبرنا بصحة ذلك أبو الحسن ... اهـ
وقد أخطأ ابن التركماني في تعليقه على البيهقي فقال: ((علقمة سمع من عمر حديث:
((الأعمال بالنيات)) خرجه الجماعة من روايته عنه، فيحمل على أنه سمع منه حديث:
((السمر)) بلا واسطة مرة وبواسطة مرة أخرى .. )) اهـ.
وهذا ليس بصحيح وذلك أن علقمة في حديث: ((السمر))هو: ابن قيس النخعي، وعلقمة
صاحب حديث: ((النية)) هو: ابن وقاص الليثي، وبينهما بون. والله أعلم.
١٦٣

الحديث : ٦٠١
كتاب مواقيت الصلاة
وكَانَ ابنُ عباسٍ يَسْمُرُ عندَ معاويةً.
وخَرَجَ ابنُ مسعودٍ، وأبي موسى مِنْ عند الوليدِ وَقَدْ تحدَّثُوا ليلا
طويلا فجاءوا إلى سُدَّةِ المسجدِ فتحدّثُوا حَتَّى طلعَ الفجرُ.
وَقَدْ ذَكَرَ البخاريُّ في أواخرٍ كتابِ ((العلم)) بابَ «السَّمَرِ بالعلمِ)»،
وَقَدْ سبقَ في موضِعِه، وذكرنَا فيه زيادة هاهنا واللهُ أعلم (١).
(١) جاء في نهاية هذا الباب من النسخة ((ك١)) مانصه :
آخرُ المجلد الخامسِ والستين (*) من ((الكواكبِ الدَّرَاري)» والحمدُ لله ربِ العالمين حمدًاً
كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُ ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرمٍ وجهِهِ ولعز جلالِه،
وصلى اللهُ على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وسلم
تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يومِ الدينِ. وكان الفراغُ من تتمتِهِ يومَ الخميسِ سابعَ عشر شهر
رمضان سنةً ثمان وعشرين وثمانمائة من الهجرة النبوية.
غفرَ اللهُ لمؤلفِه ولكاتبِه ولقارئِه ولمن نظرَ فيه ولجميعِ المسلمينَ وَجَعَلَه خَالصًا لوجهه
الكريم؛ إنَّه على كلِّ شيء قديرٌ، اللهم صلى على سيِّدنا محمد، والحمدُ لله ربِّ
العالمين.
يتلوه إن شاء الله تعالى باب («السَّمرِ مع الضيفِ والأهلِ»ا. هـ.
(*) في ((ك١)": ((والستون))، وهو خطأ.
١٦٤

الحديث: ٦٠٢
٤١ - بَابُ
السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَِّ
٦٠٢ - ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَا(١) أَبِي: ثَنَا
أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا
ناسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ:
((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعَةِ بِخَامِسٍ (٢) أَوْ
سَدِسٍ). وَإِنَّأَبَا بَكْرِ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َّ بِعَشَرَةٍ. قَالَ: فَّهُوَ أَنَا
وأَّبِي وَأُمِّي - وَلَا أَذْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأِي - وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْنَا(٣) وَبَيْتِ
أَبِي بَكْرِ. وَإِنَّأَبَا بَكْرٍ تَعَنَّى عِنْدَ النَِّّ ◌َةِ، ثُمَّلَبِثَ حَتَّى صُلِّبَتِ الْعِشَاءُ،
ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النِّيُّ ◌ِهِ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيلِ مَا شَاءَ
اللهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ (٤): ضَيْفِكَ -؟
قَالَ: أَوَ مَا عَشَِّيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا. قَالَ:
فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ - فَجَدَّعَ وَسَبَّ - وَقَالَ: كُلُوا لا هَنِيْئًا.
فَقَالَ: وَالله لا (١ - ب / ث٢) أَطْعَمُهُ أَبَدًا. وَأَيْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ
(١) في ((ك٢)): (ثا)) بالمثلثة، وفي ((اليونينية)): ((حدثنا))، والنقط في (٢٥)) غير منضبط.
(٢) في ((اليونينية)): ((فخامس)).
(٣) في ((اليونينية)): ((بين بيتنا وبين بيت أبي بكر)).
(٤) في ((ك٢)): ((أو قال)) والتصويب من ((اليونينية)).
١٦٥

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
إلا رَبَا مِنْ أَسْفَلَهَا أَكْثَرُ مِنْهَا(١) حَتّى شَبَعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ ممَّا كَانتْ قَبْلَ
ذَلِكَ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرِ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ (٢) لامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ
بَنِي فِرَسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لا وَقُرَّةٍ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ
بِثَلاثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي
يَمِينَهِ ثُمَّ أَكُلَ مِنْهَا لُغْمَةَ، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَِّّ ◌َ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ
بَيْنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ فَعَرَّفْنَ اثْنَيْ عَشْرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ
مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
في هذا الحديث فوائد كثيرةٌ، منها:
استحبابُ إيثارِ الفقراءِ بالشبعِ من الطعامِ ومواساتِهم فيهِ؛ فلهذا أمرَ
من كانَ عندهُ طعامُ اثنين أن يذهبَ بثالث، ومن كانَ عندهُ طعامُ أربعة أن
يذهبَ بخامسٍ أو سادسٍ، وهذا شكٍّ من الراوي، ولفظُ مسلمٍ(٣) في هذا
الحديث: ((مَنْ كانَ عنده طعامُ اثنينِ فليذهبْ بثلاثة، ومَنْ كانَ عندهُ طعامٌ
أربعة فليذهبْ بخامسٍ بسادسٍ)) أو كما قَالَ. وهذا يدل على أن الراوي
ءَ
ے
شكَّ.
وفي ((الصحيحين)) (٤)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِ وَلَّ قالَ: ((طعامُ
الاثنينِ كافي الثلاثةِ، وطعامُ الثلاثةِ كافي الأربعةِ)).
(١) ((منها قال: يعني حتى شبعوا)) كذا في ((اليونينية)).
وقال القسطلاني: ولأبوي الوقت وذر والأصيلي: ((قال وشبعوا))، وفي رواية: ((فشبعوا)) ا. هـ
(٣) مسلم (٢٠٥٧).
(٢) في ((اليونينية)): ((فقال)).
(٤) (فتح: ٥٣٩٢) ومسلم (٢٠٥٨).
١٦٦

٤.١ - باب السمر مع الأهل والضيف
الحديث: ٦٠٢
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (١)، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيُّ وَله:
((طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعة
يكفي الثمانية».
وفي هذا إشارةٌ إلى أن البركة تَتَضَاعَفُ (٢) مع الكَثْرةِ والاجتماعِ على
الطعامِ.
وفي ((سنن ابن ماجه))(٣) بإسنادٍ ضعيف، عنْ عمرَ مرفوعًا: ((كُلُوا
جميعًا ولا تفرقوا؛ فإن البركةَ معَ الجماعةِ)). وخرج أبو داودَ، وابن
ماجه(٤) من حديث وحشيٍّ أن أصحابَ النبيِّ وَ لَهَ قالوا: يا رسولَ اللهِ إنا
نأكلُ ولا نشبعُ. قال: ((فلعلكم تتفرقونَ)) قالوا: نعم. قال: ((فاجتمعوا
على طعامكمْ، واذكروا اسمَ اللهِ يباركْ لكمْ فيهِ)).
ومعنى ((يكفي)) أنه يَكْتفي بهِ وإنْ لم يشبعهُ.
وكانَ عمرُ في عامِ الرمادةِ يدخلُ على أهلِ البيتِ منَ المسلمينَ مثلهمْ
ويقولُ: لنْ يهلكَ امرؤٌ عن نصفِ قوتِه. فهذا مأخوذٌ من هذا الحديث
واللهُ أعلمُ.
ومجيءُ أبي بكرِ بثلاثةٍ إنْ كانَ هو وامرأتهُ وابنُهُ فقطْ فقدْ أتى بنظيرٍ
(١) مسلم (٢٠٥٩) أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.
(٢) في ((ك٢)) ((تتاضغف)) هكذا رسمها خطأ.
(٣) ابن ماجه (٣٢٨٧) وفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير أحسن أحواله أنه ضعيف جدّاً
وانظر ((تهذيب الكمال)) (٢٢ / ١٣) وخاصة في روايته عن سالم كما قال الفلاس:
ضعيف الحديث روى عن سالم عن ابن عمر عن النبي ◌َّخلال أحاديث منكرة انظر ((الكامل))
لابن عدي (٥ / ١٣٥).
(٤) أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦).
١٦٧

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
عدتهم، وإن كانوا خمسةً - على رواية الشكِّ - فقد صاروا ثمانيةً،
وطعامُ الأربعةِ يكفي الثمانيةَ.
وأخذَ النبي بَلِ عشرةً على (٢ - أ/ ك٢) قدر قوته على الإيثار وما
خصه الله به من الجود والكرم في اليُسْرِ والإعسارِ .
ومنها: أنه إذا أتَى الإنسانُ بضيف إلى منزله فإنهُ يجوزُ لهُ أن يكلهم
إلى أهلِه وولدِهِ ولا يحضرُ معهم في الأكلِ؛ فإنَّ في ذلك كفايةً إذا وثقَ
من أهلِه وولدِه بالقيامِ بحقهم.
وَلل في عشائه عندهُ واحتباسِه إلى
ومنها: اختصاصُ أبي بكرٍ بالنبي
أن يمضي ما شاء اللهُ منَ الليلِ، وقد سبقَ حديثُ عمرَ في سمرِ أبي بكرٍ
وعمرَ عندَ النَّبِيِّ بَلِّ فِي البابِ الماضي.
وأما سبُّ أبي بكرٍ ولدَهُ فظنهُ أنه قصَّرَ في حقِّ ضيفِه ولم يقُمْ بِهِ
كما ينبغي.
ومعنَى: ((جَدَّعَ)) أي: قَطَعَه بالقَوْلِ الغليظِ.
◌ُ(١) ، أحدهما :
وأما قولُه ((يا غُنْثَرُ)) فرُويَ بوجهين ذكرهما الخطابي(١
((عَنْتَر)) بالعينِ المهملة والتاء المثناة من فوق، وهما مفتوحتان. قالَ الخطابيّ:
إن كانَ(٢) هَذَه محفوظةٌ فَالعْتَرُّ الذبابُ، قاله ثعلبٌ، سُميَ بِهِ لصوتِهِ
وكأنهُ حين حقَّرهُ وصغَّرهُ شبهه بالذبابِ .
والثاني: ((غُنثر)) بالغين المعجمة المضمومة، وبالثاء المثلثة(٣) - فهو
مأخوذ من الغثارة وهي الجهل، يقال: رجل أغْثرُ وغَنْثرٌ، والنون زائدة.
(٢) كذا، وفي ((أعلام الحديث)): ((كانت)).
(١) ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٥٤).
(٣) في ((ك٢)): ((المثلة)).
١٦٨

٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف
الحديث: ٦٠٢
ومنها: إثباتُ كرامات الأولياءِ وخرْقُ العوائدِ لهمْ. وهو قولُ عامة
أهلِ السُنَّةِ - ووافقَ على ذلك المعتزلةُ في زمنِ الأنبياءِ خاصةً - كما جَرَى
في هذه القضيةِ، وجعلوها من جملةٍ معجزاتهم حينئذٍ.
والتحقيقُ: أنها من جملةِ معجزاتِ الأنبياءِ على كلِّ حالٍ وفي كلِّ
زمان؛ لأنَّ ما يكرمُ اللهُ بذلكَ أولياءَهُ فإنما هو من بركةِ اتَّبَاعهمْ للأنبياءِ
وحسنِ اقتدائهمْ بهم، فدوامُ ذلك لأتباعهمْ وخواصهم مِنْ جملةٍ
معجزاتهم وآیاتهم.
ومنها: جواز الإهداء إلى الإخوانِ الطَّعامَ باللَّيْلِ مع العلم بأنهم قد
تعشَّوْا واكتفَوْا وإنْ أدَّى ذلكَ إلى أن يبيتَ الطعامُ عندهم واستمرت هذه
الآيةُ في ذلكَ الطَّعامِ حتى أكلَ منهُ الجمعُ الكثيرُ من الغدِ.
ومعنى ((عرَّفْنا اثني عشرَ رجلا) أي: جعلناهم عرفًا، وَرُوِيَ ((فَفَرَّقْنَا)).
ومنها: من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها فإنهُ يأتِي الذي هوَ
خيرٌ ولا تُحَرِّمُ عليهِ يمينهُ فعلَّ ما حلف على الامتناعِ منهُ. وهذا قول
جمهورِ العلماءِ. وقد ثبتَ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمْرَ بأنْ يأتيَ الذي هو خيرٌ
ويُكَفِّرَ، وكانَ في نفسهِ يفعلُ ذلكَ.
وقد قيلَ: إن اليمينَ تُحرمُ المحلوفَ عليهِ عليهِ تحريمًا ترفعهُ الكفَّارَةُ.
والصحيحُ: خلافُه؛ لأنهُ يجوزُ الإقدامُ علَى فعلِ المحلوفِ قبلَ
التكفيرِ بالاتفاقِ، ولو كان محرمًا لوجبَ تحليلُه بالكفَّارةَ قبلَه كالظَّهارِ .
(٢ - ب / ك٢).
وفي ((سنن أبي داودَ)(١) هذا الحديثُ قالَ: ولم يبلغني كفَّارةٌ. وهذا
(١) أبو داود (٣٢٧٤ - ٣٢٧٥).
١٦٩

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
من قولِ بعضِ الرّواةِ، وهذا بمجرده لا ينفي أن يكونَ أبو بكر كفَّر عن
يمينه؛ بل الظاهرُ أو المجزومُ به أن (١) كفرها.
وقد ثبتَ من حديثِ هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ قالتْ:
كانَ النبيِّ بَّهِ و(٢) أبو بكرٍ إذا حلفَ على يمينٍ لم يحنثْ حتى نزلتْ آية
الكفَّارة فقال: لا أحلفُ على يمين فأرَى غيرِهَا خيراً منها إلا أتيتُ الذي
هو خيرٌ وكفرتُ يمينِي.
كذا رواه يحيى القطانُ، واللَّيْثُ، والثوريُّ، وابنُ المبارك، وغيرُهم،
عن هشامٍ. وخرَّجهُ البُخاريُّ في ((صحيحِه)(٣) هذا من روايةِ النَّضْرِ بنِ
شميلٍ، عن هشامٍ.
وخالفهم الطُّفَاويُّ(٤)، فرواه عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ؛ ورفْعُهُ
وهْمٌ منه (٥).
(١) كذا في ((ك)) ولعل الصواب: ((أنه))، والله أعلم.
(٢) حرف الواو ليس في ((ك)).
(٣) (فتح: ٤٦١٤).
(٤) تصحَّفت في ((ك٢)) إلى ((الطحاوي))، والصواب: ((الطَّفَاوي)) وهو محمد بن عبد الرحمن.
(٥) («الإحسان)) (١٠ /١٩٥)، و((المستدرك)) (٣٠١/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخر جاه . اهـ.
وهذا ليس بصحيح؛ وذلك أن الترمذي سأل البخاري عن حديث الطفاوي هذا فقال:
((حديث الطفاوي خطأ، والصحيح: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان
أبوبكر» . اهـ.
فانتفى شرط البخاري. ولم يخرج الإمام مسلم للطفاوي فانتفى بذلك شرط مسلم هذا
وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم في كتابه ((تسمية من أخرجهم البخارى ومسلم)) الطفاوي
ضمن من أخرج البخاري وحده (ص ٢١٨) وينتبه إلى رداءة النسخة التي حققها ((الحوت))
حيث سقط منها العنوان في بداية الصفحة، ووجد فيها كثير من التصحيفات والخلط في
التمييز بين أسماء الرجال.
١٧٠

٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف
الحديث: ٦٠٢
والصحيحُ: ((كانَ أبو بكرٍ))، كذا قالهُ البخاريُّ، والدار قطنيُّ(١).
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢)، عن أبي هريرةَ قالَ: أعتَمَ رجلٌ عند النبي
﴿َّه ثم رجعَ إلى أهلهِ فوجدَ الصبيةَ قد ناموا فأتاهُ أهلُه بطعام فحلفَ لا
يأكلُ من أجلٍ صبيتِهِ، ثم بدا له فأكلَ، فأتَى رسول الله وَلِّ ذلكَ(٣)،
فقالَ رسول الله: ((مَنْ حلفَ على يمينِ فرأَى غيرَها خيراً منها فليأتها
ولیکفر يمينه)).
ولعلَّ هذا الرجلَ هو أبو بكرِ الصديقُ، ويكونُ الإشارةُ إلى هذه
القصة؛ إلا أن حديثَ عبد الرحمنِ يدلُّ علَى أنهُ لم يكنْ لأبي بكرِ
صِبْيَةٌ.
وقدْ ذهبَ قومٌ إلى أن مَنْ حلفَ على شيءٍ فرأَى غيرَهَ خيرًا منهُ أنه
يأتِي الذي هو خيرٌ ويكونُ ذلك كفارة يمينه ولا يحتاجُ إلى كفَّارة بمالِ أَوْ
صومٍ.
وهذا معروفٌ عنْ ابنِ المسيبِ، والشعبيِّ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وسالمٍ،
وعكرمةً، وزادَ عليهِ: فجعلَ من حلفَ بطلاقٍ على معصيةٍ أنه لا يفعلُ
ما حلفَ عليهِ ولا طلاقَ عليهِ. وهذا شذوذ.
ورُويَ أصلُ هذا عن ابنِ عباسٍ (٤)، ورُويَ عنه مرفوعًا.
(١) نقله عنه الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص ٢٥١)، ((وعلل الدارقطني)) (٥ ١ / ٣٦ - ب)
وذكر رواية الطفاوي وقال: ((ووهم في رفعه، وخالفه يحيى القطان ومفضل بن فضالة
والليث بن سعد وأبو معاوية الضرير والثوري والنضر بن شميل و ... و ... فرووه عن
هشام ، عن أبيه، عن عائشة. أن أبا بكر كان إذا حلف؛ وهو الصحيح)). اهـ.
(٢) مسلم (١٦٥٠).
(٣) في ((صحيح مسلم)): ((فذكر ذلك له)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨ / ٤٩٧ - ٤٩٨)، والبيهقي (١٠ / ٣٤) موقوفًا.
١٧١

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
خرجهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِه)(١)، ولا يصحُّ رفعُهُ.
وروَى مالكُ بنُ يحيى بنِ عمرو بنِ مالكِ النکريَّ، عن أبيه، عن
جدِّه، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ رَ له: ((مَنْ حلفَ على
يمينٍ فرأَى غيرَها خيرًا منها فليأتِهَا؛ فإنها كفارتُها إلا طلاقًا أو عَنَاقًا)).
خرجهُ ابنُ عديٍّ (٢)، وقالَ: هو غيرُ محفوظِ، تفردَ به: يحيى، عن
أبيه .
ويحيى هذا ضَعَّفَهُ ابنُ معينٍ(٣) وغيرُهُ.
وقد رُويَ عنِ النبيِّ نَ لّ من وجوهِ متعددة أنها(٤) كفارتُها أنْ يأتيَ
الذي هو خيرٌ، وفي أسانيدها كلِّها مقالٌّ، والأحاديثُ الصِّحاحُ كلُّها تدلُّ
على أنهُ يكفِّرُ يمينَه.
قال ذلكَ أبو داودَ، ومسلمٌ - في كتاب ((التمييز))(٥) -، وغيرُهُمَا (٦).
وكانت يمينُ (٣ - ٢/ ٢٥) أبي بكرٍ أن لا يأكلَ هذا الطعامَ في غضبٍ،
ولهذا قالَ: إنما ذلكَ منَ الشيطانِ - يعني: يمينَه.
وفيه دليلٌ على انعقادِ يمينِ الغضبانِ كما حلفَ النبيّ وَّ في غضبهِ
أن لا يحملَ النَّفَرَ من الأشعريين (٧)، ثم حملهمْ، وقالَ: لا أحلفُ على
يمينٍ فَأرَى غيرَها خيراً منها إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خيرٌ».
(١) (الإحسان: ١٠ / ١٨٦).
(٢) ((الكامل)) (٧ /٢٠٥).
(٣) قال في رواية ابن الجُنيد (ص ١٤١): ((ليس بشيء)). وانظر ((الكامل)) (٧ / ٢٠٥).
(٤) كذا في ((ك٢)) ولعل الصواب: ((أن))، والله أعلم.
(٥) في ((ك)): ((اليمين))، وهو خطأ.
(٦) ((التمييز)) (ص ٢٠٥)، وأبو داود (٣٢٧٨). (٧) في ((ك٣)): ((الأشعرين)).
١٧٢

٤١ - باب السمر مع الأهل والضيف
الحديث: ٦٠٢
وفي الحديث: جوازُ الحلف بقرة العينِ؛ فإنَّ امرأةً أبي بكرِ حلفتْ
بذلكَ ولم ينكرهُ عليها، وقرةُ عينِ المؤمَنِ: هو ربُّه وكلامُهُ وذكرُهُ
ـ و
وطاعتُهُ.
ومقصودُ البخاريِّ من هذا الحديث: جوازُ السمرِ عند الأهل
والضيف؛ فإنَّ أبا بكرٍ سمرَ عنده أهلُه وضيفُه لما رجعَ من عندِ النبيِّ ◌َيُّ
بعد أن ذهبَ من اللَّيَّلِ ما ذهبَ منهُ. والظَّاهرُ - أيضًا - أنهُ سمرَ عندَ
النبيِّ ◌َد .
وفي السمرِ عندَ الأهلِ حديثُ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ نِّهِ صِلَّى العشاءَ،
ثم دخلَ بَيْتَهُ فتحدثَ معَ أهلِهِ ساعةً. وقد خرَّجهُ الترمذيُّ(١) في موضع
آخر(٢) ..
وقد رُوِيَ عنْ عائشةَ أنها رأتْ قومًا يسمرونَ فقالتْ: انصرفُوا إلى
أهليكُم؛ فإنَّ لهمْ فيكم نصيبًا.
وهذا يدلُّ على أنَّها استحبت السمرَ عندَ الأهلِ لما فيهِ منَ المؤانسةِ
لهم، وهوَ من حُسنِ العِشرةِ.
وقد رُويَ عن النبيِّ وَّهِ أنه كانَ يسمرُ معَ بعضِ الوفودِ الذينَ يفدونَ
عليه المدينةَ، وهو من نوعِ السمرِ معَ الضيفِ؛ فخرَّجَ أبو داودَ، وابنُ
ماجه(٣) من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعلى الطائفيِّ، عنْ عثمانَ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ أوسٍ، عن جدهِ أوسِ بنِ حذيفةَ قالَ: كنتُ في وفد
(١) كذا في ((ك))): ((الترمذي))، ولعل الصواب: ((البخاري) بدلالة قوله بعدها: في موضع آخر.
(٢) في ((كتاب التفسير)) برقم (٤٥٦٩) قريبًا من لفظ المصنف.
(٣) أبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥).
١٧٣

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
ثقيفٍ، فكانَ النبيُّ يأتينا كلَّ ليلةٍ بعدَ العشاءِ فيحدثنا قائمًا على رجْلَيْهِ
حتى يتراوحَ بينَ رجليهِ، وأكثر ما يحدثنا ما لقِيَ من قومِهِ من قريشٍ،
وذكرَ الحديثَ.
وسُئلَ أبو حاتم(١) عن هذا الحديث، فقال: حديثُ أبي برزةَ أصحٌ
منه - يعني حديثَه: كانَ يكرَهُ الحديثَ بعدَها.
ورَوَى الرُّخْصَةَ في السمرِ للمصلِّي والمسافرِ خاصةً (٢). خرجه الإمامُ
أحمدُ (٣) من روايةٍ خيثمة، عن رجلٍ من قومِه من قريشٍ، عن عبد الله
قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((لا سمرَ بعدَ الصَّلاةِ - يعني العشاءَ الآخرةَ -
إلا لمصلي (٤) أو مسافرٍ)).
قال ابنُ(٥) المدينيِّ: في إسنادِهِ انقطاعٌ؛ لأن الرجلَ الذي لم يُسمِّه
خيثمة لا أدري هوَ مِنْ أصحاب عبد الله أو لا؟ وقد روى خيثمةٌ عن غير
واحدٍ مِنْ أصحابِ عبدِ اللهِ منهم: سُويدُ بن غفلةَ، وأرجو أن يكونَ هذا
الرجلُ منهم(٦). (٣ - ب / ك٢).
(١) ((علل الرازي)) (١ / ٧٦).
(٢) في ((ك٢)): ((والمسافر مر خاصة)). وليس لـ ((مر)) معنى، والله أعلم.
(٣) («المسند» (٣٧٩/١، ٤٤٤) من رواية خيثمة عن رجل من قومه عن عبد الله، (١ / ٤٤٤)
عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود، (٤١٢/١، ٤٦٣) عن خيثمة - وهو ابن
عبد الرحمن -، عن عبد الله .
(٤) في المطبوع من («المسند»: ((لمصل)).
(٥) تحرفت في ((ك(٢)) فصارت: ((أنس المديني)) ووضع فوق حرف السين علامة الإهمال كي لا
تلتبس مع الشين المعجمة، وهذا خطأ بيِّن، والصواب ما أثبتناه.
(٦) ونص ابن المديني رحمه الله في ((العلل)) له (ص ١٠١): ((وفي إسناده انقطاع من قبل
هذا الرجل الذي لم يسمه خيثمة، [و] قد روى خيثمة عن أصحاب عبد الله، ولا أدري
هذا الرجل من أصحاب عبد الله أم لا؟ ولم يُسَمَّ هذا الرجل .
١٧٤

١ ٤ - باب السمر مع الأهل والضيف
الحديث: ٦٠٢
وقالَ الأثرمُ: هو حديثٌ غيرُ قويٌّ؛ لأنَّ في إسنادِهِ رجلا لم يُسَمَ،
وقد أخذَ به الإمامُ أحمدُ، فكرهَ السمرَ في حديثِ الدنيا ورخصَ فيهِ
للمسافرِ.
ورُويَ من وجهِ آخر بزيادةٍ من روايةِ ابنِ وهبٍ، عن معاويةً، عن
أبي عبد الله الأنصاريِّ، عن عائشةَ أنَّ النبيَّ وَّ قالَ: ((لا سمرَ إلا
لِثَلاثَةٍ: مُصلِّي أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ عَرُوسٍ».
خرَّجَهُ سَمُّويَهِ(١) الأصبهانيُّ الحافظُ: نا عبيدُ اللهِ بنُ الزبيرِ: نا ابنُ
وهب، فذكره.
وخرَّجَ بقيُّ بنُ مخلدٍ في ((مسندِه): ثنا ابنُ مقلاصٍ: ثنا ابنُ وهبٍ:
أخبرني معاويةُ، عن أبي حمزةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ بَلَّ قالتْ: ما
رأيتُ رسولَ اللهِ وَّلَهَ نائمًا قبلَ العشاءِ ولا لاغيًا بعدَها، إما ذاكرًا فيغنمُ
أو نائمًا فيسلمُ.
قالَ معاويةُ: وحدثني أبو عبدِ اللهِ الأنصاريّ، عن زوجٍ النبي
صَلى الله
وَسَم
علـ
قالت: ((السمرُ لثلاثة: لعروسٍ أو لمسافرِ أو لمتهجدٍ بالليلٍ)).
وقد روى خيثمة عن غير واحد من قومه من جعفى من أصحاب عبد الله، منهم سويد
=
ابن غفلة ومنهم فلفلة.
قال: وكان هذا الرجل الذي قال جرير في حديثه: عن منصور، عن خيثمة، عن رجل
من قومه، وأرجو أن يكون بعض الجعفيين من أصحاب عبد الله، لأن خيثمة جعفي،
وهو خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة)). اهـ من آخر كتاب ((العلل)) لابن المديني
رحمه الله تعالی.
(١) عزاه الشيخ الألباني إلى سمويه في ((الفوائد))، انظر ((الصحيحة)) (٢٤٣٥).
١٧٥

الحديث: ٦٠٢
كتاب مواقيت الصلاة
وهذا موقوفٌ على عائشةً(١)؛ وأبو عبدِ اللهِ وأبُو حمزةَ مجهولانٍ.
ورَوَى الحسينُ بنُ إسحاقَ التستريَّ، عن أحمدَ أنه سُئِلَ عن السمرِ
بعدَ العشاء الآخرةِ، قالَ لا، إلا لمسافرٍ أو مصلٍّ، فأما الفقهُ فأرجو أن لا
یکون به بأسٌ.
ونقلَ عبدُ اللهِ بنُ أحمد (٢)، عن أبيهِ أنه سُئِلَ عن الحديثِ: ((نَهى
رسولُ اللهِ وَّهَ عن النومِ قبلَ العشاءِ والحديثِ بعدها)) والرجلُ يقعدُ معَ
عيالهِ بعدما يصلي يتحدثُ ثم ينامُ هل يخرجُ؟ قال: ينبغي أن يتجنبَ
الحديثَ والسمرَ بعدها.
وهذا يدلُّ على كراهةِ السمرِ معَ الأهلِ - أيضًا. وقالَ سفيانُ الثوريُّ:
كانَ يُقالُ: لا سمرَ بعدَ العشاءِ إلا لمصلٌّ أومسافرٍ. قالَ: ولا بأسَ أن
يكتبَ الشيءَ أو يعملَ بعدَ العشاءِ.
وهذا يدلُّ على أن سهرَ الإنسانِ في عملٍ يعملُه وحدَه من غيرِ
مسامرة لغيرِه أنه لا كراهةَ فيهِ بخلافِ المسامرةِ والمحادثة، واللهُ سبحانه
ہے
وتعالى أعلمُ.
(١) ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٩/ ٤٠٠) عن عائشة قالت: السمر لثلاث ... اهـ
بمعنى أنه موقوف من قولها، وكذا البخاري في ((الكنى)) (ص: ٤٨ - ٤٩) ذكره موقوفًا.
(٢) ((مسائل عبد الله)) (ص: ٨٣).
١٧٦

بسم الله الرحمن الرحيم
کتاب الأذان
١ - بَابُ
بدو الأَذَانِ(١)
وَقَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعبًا
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ
لِلصَّلاةِ(٢) مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩].
يشيرُ إلى أنَّ الأذانَ مذكورٌ في القرآنِ في هاتينِ الآيتينِ، الأولى
منهما: يشتملُ (٣) النداءَ إلى جميعِ الصلواتِ؛ فإنَّ الأفعالَ نكراتٌ،
والنكرةُ في سياقِ الشرطِ تعمّ كلَّ صلاة، والثانيةُ منهما: يختصُّ بالنِّدَاء
إلى صلاة (٤ - أ / ك٢) الجمعةِ.
وقد رَوَى عبدُ العزيز بنُ عمرانَ، عنْ إبراهيمَ بنِ أبي خبير(٤)، عنْ
(١) قال القسطلاني: ((كتاب الأذان)) ... ثابت لابن عساكر، ساقط في رواية أبي ذر وغيره
(باب بدء الأذان)) وللأصيلي وأبي ذر ((بدء الأذان)) فأسقط التبويب. ا. هـ.
(٢) في ((٢٥)): ((إلى الصلاة)).
(٣) ولعل ((يشمل)) أقرب إلى الصواب.
(٤) كذا في ((ك٢)): ((إبراهيم بن أبي خبير)) وغالب الظن أنه تصحيف وصوابه: ((إبراهيم بن
إسماعيل بن أبي حبيبة))- وهو الأشهلي. وانظر ترجمته من ((تهذيب الكمال)) (٢ /٤٢).
١٧٧

كتاب الأذان
داودَ بنِ الحصينِ(١)، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ (٢) قالَ: الأذانُ نزلَ
على رسولِ اللهِ وَلَّ معَ فرض الصلاةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُوديَ
للصّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]
هذا إسنادٌ ساقطٌ لا يصحُّ، وهذه الآيةُ مدنيةٌ، والصلاةُ فرضت بمكةَ،
ولم يصح أنَّ النبيَّ بِّهِ صلَّى بمكةَ جمعةً، وقولُهُ: ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المائدة: ٥٨] مدنيةٌ - أيضًا - ولم يؤذن للصلاة بمكةَ.
والحديثُ الذي رُوِيَ أنَّ جبريلَ لما أمَّ النبيَّ مَلَّ أولَ ما فرضت
الصلاةُ أمرهُ أن يؤذنَ بالصلاة قدْ جاءَ مقتصرًا في روايةٍ أخرَى أنهُ يؤذنُ:
((الصلاةُ جامعةٌ))، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ ((كتابِ الصلاةِ)).
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َهِ ليلةَ أُسْرِيَ (٣) خرجَ ملكٌ من وراءِ الحجابِ
فأذَّن، وحدثهُ ربهُ عزَّ وجلَّ والنبيُّ بَّهِ يسمعُ ذلكَ، ثم أخذَ الملكُ بيدَ
محمد فقدمهُ فأمَّ أهلَ السماءِ، منهم آدمُ ونوح.
قالَ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ علِيٍّ: فيومئذٍ أكملَ اللهُ بمحمد نَِّ الشرفَ
علَى أهلِ السماءِ وأهلِ الأرضِ. وقد خرجهُ البزارُ(٤)، والهيثمُ بنُ كليب
في ((مسندَيْهِما)) بسياقٍ مُطولٍ من طريقِ زيادِ بنِ المنذرِ أبي الجارودِ، عن
محمدِ بنِ علي بنِ الحسينِ، عن أبيهِ(٥)، عن جدَّهِ، عن عليّ.
(١) قال علي بن المديني عندما سئل عن داود بن الحصين: ((ما روى عن عكرمة: فمنكر
الحديث، ومالك روى عن داود بن حصين عن غير عكرمة)) (٣ / ٤٠٩) ((الجرح
والتعديل))، ويقول ابن عدي في ((الكامل)) (١ / ٢٣٤): ((سمعت محمد بن أحمد بن
حماد يقول: قال البخاري: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري مدني يحدث
عن داود بن الحصين: منكر الحديث)).
(٢) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦ /٢١٨) لأبي الشيخ في كتاب ((الأذان)).
(٣) كذا ولعل ((أسري به)) أقرب فسقطت ((به)) والله أعلم.
(٤) ((البحر الزخار)) (٢ /١٤٦).
(٥) في (ك٢)): ((عن ابنه)) وهو خطأ بيِّنٌ.
١٧٨

١ - باب بدو الأذان
وهو حديثٌ لا يصحُّ، وزيادُ بنُ المنذرِ أبو الجارودِ الكوفيُّ قالَ فيهِ
الإمامُ أحمدُ: متروكٌ. وقالَ ابنُ معينٍ: كذَّابٌ، عدوُّ اللهِ، لا يساوي
فلسًا. وقال ابنُ حبانَ: كانَ رافضيًا، يضَعُ الحديثَ(١).
وروَى طلحةُ بنُ زيدِ الرقيُّ، عن يونسَ، عنِ الزهريِّ، عن سالمٍ،
عن أبيهِ أن النبيَّ نَّ لما أُسْريَ به إلى السماءِ أوحَى اللهُ إليهِ الأذانَ،
فنزلَ بهِ فعلمهُ جبريلُ.
°(٢)
خرجهُ الطبراني
وهو موضوعٌ بهذا الإسناد بغير شكٍّ، وطلحةُ هذا كذَّابٌ مشهور.
ونبهنا على ذلك لئلا يُغترَّ بشيءٍ منهُ.
وإنما شرعَ الأذانُ بعد هجرة النبيِّ مَله إلى المدينة، والأحاديثُ
الصحيحةُ كلُّهَا تدلُّ على ذلكَ.
والأذانُ له فوائدُ، منها: أنه إعلامٌ بوقت الصلاة أو فعلها، ومِنْ هذا
الوجه هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفعلِ؛ ولهذا كان المؤذنُ مؤتمنًا .
ومنها: أنه إعلامٌ للغائبينَ عنِ المسجدِ؛ فلهذا شُرعَ فيهِ رفعُ الصوتِ
وسُميَ نداءً (٤ - ب/ ك٢)؛ فإن النداءَ هو الصوتُ الرفيعُ، ولهذا المعنى قال
النبيِّ وَِّ لعبد اللهِ بنِ زيدٍ: ((قمْ فألقهِ على بلالٍ؛ فإنه أندَى صوتًا
منكَ)(٣).
(١) ((تهذيب الكمال)) (٩ / ٥١٧).
(٢) ((الأوسط)) للطبراني (٩٢٤٧) وقال: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، ولا عن
يونس إلا طلحة بن زيد، تفرد به: محمد بن ماهان الواسطي)).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، وغيرهم.
١٧٩

الحديث: ٦٠٣
كتاب الأذان
ومنها: أنه دعاءٌ إلى الصلاة؛ فإنه معنى قوله: ((حيّ على الصلاة،
حيَّ على الفلاحِ».
وقد قيلَ (١): إن قولَه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مّمَّن دَعَا إِلَى الله
وَعَمَلَ صَالحًا﴾ الآية [فصلت: ٣٣] نزلت في المؤذنين(٢). رُويَ عن
طائفةٍ منَ الصحابةِ .
وقيلَ في قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾
[القلم: ٤٣] أنها الصلواتُ الخمسُ حينَ يُنادَى بها.
ومنها: أنه إعلانٌ بشرائع الإسلامِ منَ التوحيدِ، والتكبيرِ، والتهليلِ،
والشهادة بالوحدانية والرسالة.
خرَّجَ البخاريَّ في هذا البابِ حدیثینٍ.
الحديثُ [الأولُ](٣): قالَ:
٦٠٣ - ثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ: نَا عَبْدُ الْوَارث: ثا(٤) خَالدُ، عَنْ أَبي
قلابة، عَنْ أَنَس قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّانُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى،
فَأُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُونِرَ(٥) الإِقَامَةَ).
وَقَدْ خرجهُ البخاريّ في البابِ الآتي بلفظ آخر وهوَ: قالَ: لما كثُر
(١) ((وقد قيل)) مكررة في (ك)))): مرة في المتن ومرة في الهامش.
(٢) انظر ((مسند الفاروق)) لابن كثير (١ /١٤٤).
(٣) ((الأول)) ليست في ((ك٢)) والسياق يقتضيها.
(٤) لعله أراد: ((نا)) فجاءت منه كما ترى بالمثلثة، والنقط في ((ك٢)) غير منضبط.
(٥) في ((اليونينية)): ((وأن يوتر الإقامة)) ولم يشر إلى خلاف في ذلك.
١٨٠