النص المفهرس
صفحات 41-60
٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٧،٥٨٦ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْنَفِعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ(١) بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشّمْسُ)). وقد رُويَ هذا عن أبي سعيدٍ من وجوه متعددة . وخرَّجَه البخاريُّ في ((الصيام)(٢) من طريقِ عبد الملك بنِ عميرٍ، عَن فَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ بَلّ قال: ((لا صلاةَ بعدَ الصبحِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ، ولا بعدَ العصرِ حتَّى تغربَ الشَّمسُ)). ومن حديث عمرو بنِ يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهى عن صلاةٍ بعد الصَّحِ والعصرِ(٣). الحديثُ الثَّالثُ: قال: ٥٨٧ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ: ثَنَا غُنْدَرُّ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي النََّّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَّةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةٌ لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهَِّ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيْهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا. يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. قال الإسماعيليَّ: قد رواه عُثمانُ بنُ عمرَ، عن شعبةَ، عن أبي التَّاحِ، عن معبد الجهنيِّ، عن مُعَاويةَ - جعل بدل حمران: معبدًا. قلتُ: غندرٌ مقدَّمٌ في أصحابِ شعبةَ على عثمانَ بنِ عمرَ، وغيرِهِ. قال أحمدُ: ما في أصحابِ شعبةً أقلّ خطأ من غندر. (١) لفظ ((صلاة)) سقط من ((ك)) واستدركناه من ((اليونينية)). (٢) (الفتح: ١٩٩٥). (٣) (الفتح: ١٩٩٢). ٤١ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة وقد تُوبِعَ عليه، فخرَّجَه الإمامُ أحمدُ في ((مسندِه))(١) عن غندر، وحجاج، عن شعبةَ، عن أبي النَّّاحِ، عن حُمران. وكذا رَوَاه شبابةُ بنُ سوَّار، وقُراد أبو نوحٍ، عن شعبةً. ورواه أبو داودَ الطيالسيُّ (٢)، عن شعبةَ قال: أخبرني أبو التياح، عن معبد الجهنيِّ قال: خطبَ معاويةُ فقالَ: ألا ما بالُ أقوامٍ يُصلُّونَ صلاةً قد صحبتُ رسولَ الله وَلَّ فما رأيناه يُصلِّيها، وقد سمعناه نهى عنها - يعني: الركعتين بعدَ العصرِ -. وهذه متابعةٌ لعثمانَ بنِ عمرَ. قالَ البيهقيُّ(٣): كأنَّ أبا التياحِ سَمعَه منهما، واللهُ أعلمُ. الحديثُ الرََّبِعُ: قَالَ: ٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ (٢٢٣ - ب/ك١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ بَّهَ عَنْ صَلاَتَيْنٍ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. وهذا الحديثُ سبقَ في البابِ الماضي بأتمّ من هذا السِّيَّاق. ومقصودُ البخاريِّ بهذا: ذكر الوقتين الضَّيقينِ للنَّهي عن الصَّلاةِ فيهما، وهما عند غروبِ الشَّمسِ وعند طلوعها . ومقصودُه بالباب الذي قبله: ذكرُ الوقتينِ المتَّسعينِ وهما بعدَ الفجرِ، وبعد العصرِ. (١) (٩٩/٤ - ١٠٠). (٢) أخرجه من طريقه البيهقي في ((سننه الكبرى)) (٢ /٤٥٣). (٣) في نفس المصدر السابق. ٤٢ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ فهذه أربعةُ أوقات. الوقتُ الأول: أولُه: طلوعُ الفجرِ عند جمهورِ العلماءِ، ومنهم من قالَ: الانصرافُ من صلاة الفجرِ، وقد سبق ذكرُ هذا الاختلاف في الباب الماضي وآخرُهُ: أخذُ الشَّمسِ في الطُّلوعِ . والوقتُ الثّاني: أولُه: أخذُ الشَّمسِ في الطُّلوعِ وهو بدوُ حاجِبها - كما في حديثِ ابنِ عمرَ، وآخره: أن ترتفعَ الشَّمسُ - كما في حديثٍ ابنِ عمرَ، وأبي سعيدٍ، وغيرِهما، وجاءَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: ((حتّى ترتفعَ وتبيضَ)). خرَّجَه الهيثم بنُ كليبِ بإسنادٍ فيه انقطاعٌ، وجاء في حديثِ كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - عن النبيِّ وَُّلّ: ((حتّى ترتفعَ صَل الله قِيدَ رمحٍ أو رمحين)». خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١)، وفي إسنادِهِ اختلافٌ. صَلى الله وخرَّجه الإسماعيليُّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطَّبِ، عن النبيِّ وسام ـتـ ءِ بإسناد حديثه الذي خرجه البخاريّ ها هنا؛ ولكن متنُه بهذا الإسناد منكرٌ غيرُ معروف. وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ)(٢)، عن سعيد بنِ نافعٍ قال: رآني أبو بشيرٍ الأنصاريُّ صاحبُ رسول الله وَّهِ وأنا أُصلِّي صلاة الضحى حين طلعت الشَّمسُ فعابَ ذلك عليَّ ونهاني وقال: إنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((لا تُصلُّوا حتَّى ترتفعَ الشَّمسُ؛ فإنها تطلعُ في قرني الشَّيْطانِ». وسعيدُ بنُ نافعٍ روى عن جماعةٍ من الصّحابةِ، وذكره ابن حبان في «ثقاته)»(٣). (١) فى ((المسند)) (٢٣٤/٤ - ٢٣٥). (٣) (٤ / ٢٩١). (٢) (٥ / ٢١٦). ٤٣ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة وخرَّجَ النَّسائيُّ(١) من حديث عبد الرحمن بنِ البيلمانيِّ، عن عمرو ابن عبسةَ أَنَّه سألَ النبيَّ وَّ: هل من ساعة أقرب من الله؟ قال: ((نعم، جوفُ الليلِ الآخر فصلِّ ما بدا لك حتَّى تُصلِّيَ الصُّبْحَ، ثم انتهِ حتى تطلعَ الشَّمسُ وما دامت كأنَّها حجمه(٢) حتى تنتشرَ، ثم صلِّ ما بدا لك)) وذكر الحديثَ. وخرَّجه - أيضًا(٣) - من حديث أبي أمامةَ الباهليِّ، عن عمرو بنِ عبسةَ، عن النبيِّ نَّهِ، وفيه قال: ((فدع الصَّلاةَ حتّى ترتفعَ قِيدَ رمحٍ، ويذهبَ شعاعُها)). وخرَّجه أبو داود(٤)، وعنده: ((ثم أقصرْ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ قِيدَ رمحٍ أو رمحینٍ». وقال سفيانُ، عن هشامٍ، عن ابنِ سيرينَ: تحرم الصلاة إذا طلعت الشَّمسُ حتَّى تكونَ قيد نخلة، وتحرم إذا تغيَّرتْ حتَّى تغرب(٥). والوقتُ الثَّالثُ: أولُه: إذا فرغَ المصلِّي من صلاة العصرِ، وآخره: دخولُ الوقتِ الرابع . والوقتُ الرابعُ: آخرُهُ: تكاملُ غروبِ الشَّمسِ بغيرِ خلافٍ، ولم يَرِدْ ما يخالفُ هذا إلا حديثُ: ((لا صلاةَ بعدها)) - يعني: العصر - ((حتى (١) في ((المجتبى)) (١ / ٥٨٤). (٢) كذا في ((ك)) وفي ((المجتبى)): ((حجفة)» بالفاء. (٣) (٢٧٩/١ - ٢٨٠)، وانظر ((التمهيد)) (٤ /١٥). (٤) (١٢٧٧)، وانظر «التمهيد)» (٤ /١٥). (٥) راجع ((مصنف ابن أبي شيبة))(٢ / ٣٥٠) ٤٤ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ يطلعَ الشَّاهِدُ)(١) - وهو النَّجمُ - وقد سبق ذكرُهُ، وأنَّ من الفقهاءِ من تعلَّقَ به في قولِه بكراهةِ النفل قبلَ صلاةِ المغربِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وغيره. قال إسحاقُ: صلاةُ الركعتين قبلَ المغرب رخصةٌ، فلا يزادُ حينئذ على ركعتين، وليستْ بسنة. نقلَه عنه ابنُ منصور، ويكون عنده ما بعد غروبِ الشمس، وقبل صلاة المغرب كما بينَ طلوع الفجرِ وصلاة الصبحِ لا يزادُ فيه على ركعتينِ . وأما أولُه: ففيه قولان، أحدُهما: أَنَّه أَخْذُ الشَّمسِ في الغروبِ حتى تتكاملَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: ((إذا غابَ حاجبُ الشَّمسِ فدعوا الصَّلاةَ حتَّى (٢٢٤ - أ/ ك١) تغيب))(٢). وهذا قولُ الحنفية، وأكثرِ أصحابنا، وغيرِهم. والثَّاني: أولُه: إذا اصغرَّتِ الشَّمسُ. وقد تقدَّمَ عن ابنِ سيرينَ، وحُكِيَ عن مالكٍ، والشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وحكاه ابنُ المنذرِ(٣) عن أهلٍ الرأي، ورجَّحَه بعضُ أصحابِنا . ومنهم من حكاهما روايتين عن أحمدَ. ورأى شريحٌ رجلا يُصلِّي حينَ اصفرَّت(٤) الشَّمسُ فقال: انهوه أن يصلّيَ، فإنَّ هذه ساعةٌ لا يحلُّ فيها الصَّلاةُ(٥). وتبويبُ البخاريِّ ها هنا يشهدُ لهذا القول؛ ولكنَّه لم يستشهدْ له إلا (١) أخرجه أبو عوانة في ((مسنده)) (١ /٣٥٩ - ٣٦٠). (٢) سبق برقم (٥٨٣). (٣) في («الأوسط)) (٢ / ٤٠٠). (٤) في ((ك)): ((اصفارت)) خطأ . (٥) خرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢ /٣٥٤). ٤٥ الحديث : ٨ ٥٨ كتاب مواقيت الصلاة بالنهي عن الصّلاةِ بعد العصر - وفيه نظرٌ - فإنَه يجعلُ الوقتينِ وقتًا واحدًا . وإنَّما يستدلُّ له بحديثِ عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهى عن الصَّلاة حين تضيَُّ الشَّمسُ للغروبِ حتَّى تغربَ. خرَّجَه مسلمٌ (١). ومعنى تضيَّفُ للغروب: تميلُ إليه. وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ(٢) من حديثِ كعبِ بنِ مرةً - أو مرةً بن كعب -، عن النبيِّ وَّ أَنَّه قالَ بعد زوالِ الشَّمسِ: ((ثم الصَّلاةُ مقبولةٌ حتى تكونَ الشَّمسُ قِيدَ رمحٍ أو رمحين، ولا صلاةَ حتَّى تغربَ الشَّمسُ)). وخرَّجَ - أيضًا (٣) - من حديث عمرو بنِ عبسةً، عن النبيِّ وَ لَّ قال: ((إذا تدلَّتِ الشَّمسُ للغروبِ فَأَقْصِرْ عن الصلاة حتَّى تغيبَ الشَّمْسُ)) وسنذكره بتمامِه فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالى(٤). فأمَّا الوقتانِ الضّيِّقَانِ عند طلوعِ الشَّمسِ وغروبها: فجمهورُ العلماء على النَّهي عن التَّفلِ بالصلاةِ فيهما. وقد حكاه غيرُ واحدٍ إجماعًا(٥)؛ ولكن رُوِيَ عن ابنِ الزُبيرِ أَنَّه كان يُصلِّي عند غروبِ الشَّمسِ، فخرج النَّسائيُّ(٦) من طريق عمرانَ بنِ حُدير (١) (٨٣١). (٢) في ((المسند)) (٤ / ٢٣٤ - ٢٣٥) (٣) أي الإمام مسلم في ((صحيحه)) (٨٣٢). (٤) في ثنايا شرحه للحديث رقم (٥٨٩). (٥) منهم أبو محمد بن حزم في ((مراتب الإجماع)) (ص / ٣٤) (٦) في ((المجتبى)) (١ / ٢٨٢). ٤٦ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ قال: سألتُ أبا مجلزٍ عن الركعتينِ عند غروبِ الشَّمسِ؟ فقال: كان عبدُ الله ابنُ الزُّبيرِ يصلِّيهما، فأرسل إليه معاويةُ: ما هاتان الركعتان عند غروب الشَّمسِ؟! فاضطر الحديثَ إلى أمِّ سلمةَ، فقالت أمَّ سلمةَ: إنَّ رسولَ الله وَِّ كان يُصلِّي ركعتين قبلَ العصرِ فَشُغِلَ عنهما فركعهما حين غابت الشَّمْسُ ولم أره يصلِيها قبل ولا بعد. وروى محمد بنُ حُيي بن يعلى بن أمية، عن أبيه قالَ: رأيتُ يعلى ابنَ أمية صلَّى قبل أن تطلعَ الشَّمسُ، فقيل له: أنتَ رجلٌ من أصحاب رسولِ اللهِ وَّه تصلِّي قبل أن تطلعَ الشَّمْسُ؟ قال يعلى: سمعتُ رسولَ الله وَله يقولُ: ((إنَّ الشَّمسَ تطلعُ بين قرني شيطانٍ، فلأن تطلعَ وأنتَ في أمرِ اللهِ خيرٌ من أن تطلعَ وأنت لاه). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١)، ومحمدُ بنُ حُيي بن يعلى بن أميةَ قال ابنُ المدينيٌّ: هو مجهولٌ، قال: وأبوه معروفٌ قد رُويَ عنه مع أنَّ يعلى إنما كانت صلاتُه قبلَ طلوعِ الشَّمسِ؛ لكن تعليلُه يقتضي عدمَ كراهة الصَّلاة عند طلوعِها . وأما الوقتان المتَّسعان: وهما بعدَ الفجرِ وبعدَ العصر: فاختلفَ العلماءُ، فمنهم من قال: لا بأسَ بالصَّلاةِ فيهما. وهذا مرويٌّ عن جماعة من الصّحابةِ منهم: ابنُ عمرَ - وقد خرَّجَ البخاريّ قوله في الباب الآتي (٢) ومنهم: عائشةُ؛ ففي ((صحيحِ مسلمٍ))(٣)، عن طاوس قال: قالتْ عائشةُ: وهم عمرُ، إنَّما نهى رسولُ اللهِ نَّهِ أن يتحرَّى طلوعَ (١) فى ((المسند)) (٤ / ٢٢٣). (٢) (٥٨٩). (٣) (٨٣٣). ٤٧ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة الشَّمسِ أو غروبها - وتعني بقولها: ((وَهِمَ عمرُ)) أي: فيما روى من النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر، وبعد العصرِ . وفي ((صحيح ابن حبان))(١) من روايةٍ شعبةَ، عن المقدامِ بنِ شريحٍ، عن أبيه قال: سألتُ عائشةَ عن الصَّلاة بعد العصرِ؟ فقالتْ: صلِّ، إنّما نهى رسولُ اللهِ بَّهَ عن الصَّلاةِ إذا طلعَتِ الشَّمْسُ وإذا غربت الشَّمسُ. ومنهم: بلالٌ؛ روى قيس بنُ (٢٢٤ - ب / ك١) مسلمٍ، عن طارقٍ ابنِ شهابٍ، عن بلال قال: لم يكن ينهى عن الصَّلاة إلا عند طلوع الشَّمسِ؛ فَإنَّها تطلعُ بين قرني الشَّيطانِ. وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وخرَّجه ابنُ أبي شيبة (٢)، وعندَه: عند غروبِ الشَّمسِ. والظَّاهرُ: استواءُ الطُّلوعِ والغروبِ، ولا يُعلمُ عن أحدِ التَّفْرِيقُ بينهما، واختارَ ابنُ المنذرِ(٣) أنَّ أوقاتَ النَّهي ثلاثة: وقتُ الطُّلُوعِ، ووقتُ الغروبِ، ووقتُ الزَّوَالِ خاصةً. وثمَّنْ رخَّصَ في الصَّلاةِ بعدَ العصرِ والشمسُ مرتفعةٌ: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، والزُّبِيرُ، وتميمٌ الداريُّ، وأبو أيوبَ، وأبو موسى، وزيدُ بنُ خالد الجهنيُّ، وابنُ الزُّبِيرِ، والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ، وأمُّ سلمةَ رضي اللهُ عنهم. ومن التَّابعينَ: الأسودُ، ومسروقٌ، وشريحٌ، وعمرو بنُ ميمون، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبيدةُ، والأحنفُ بنُ قيسٍ، وطاوس، وحكاه ابنُ عبد البر(٤) عن: عطاءٍ، وابنِ جريجٍ، وعمرو بن دينارٍ، قال: (٢) ((المسند)) (٦ /١٢)، و((المصنف)) (٢ /٣٥٤). (١) (١٥٦٨ - إحسان). (٣) في ((الإقناع)) (١ / ٨٣). (٤) ((التمهيد)» (٣٦/١٣ - ٣٧). ٤٨ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ وروي عن ابنِ مسعودٍ نحوه(١). ولم يُعْلَم عن أحدٍ منهم الرخصةُ بعدَ صلاة الصبح، وهو قولُ داودَ - فيما حكاهُ ابنُ عبد البرّ(٢) - وحُكي روايةً عن أحمدَ، قال إسماعيلُ بنُ سعيد الشَّالنجيُّ: سألتُ أحمدَ: هل ترى بأسًا أن يصلِّيَ الرجلُ تطوعًا بعد العصرِ والشَّمسُ بيضاء مرتفعةٌ؟ قال: لا نفعلُهُ، ولا نعيبُ فاعلَه. قالَ: وبه قالَ أبو حنيفةَ. وهذا لا يدلُّ على أنَّ أحمدَ رأى جوازَه؛ بل رأى أن من فعلَه متأولا أو مقلدًا لمن تأولَه لا ينكر عليه ولا يعابُ قولُه؛ لأنَّ ذلك من موارد الاجتهادِ السَّائغِ. ومما استدلَّ به من ذهبَ إلى ذلك: ما رواه هلالُ بنُ يسافٍ، عن وهبِ بنِ الأجدعِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((لا تُصلَّوا بعد العصر إلا أن تُصلُّوا والشَّمسُ مرتفعةٌ)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيّ وعنده: ((إلا أن تكونَ الشَّمسُ بيضاء نقية مرتفعة)) - وابن خزيمةَ، وابنُ حبان في ((صحيحيهما))، وثبّتَه ابنُ المنذر(٣). ووهبُ بنُ الأجدع، قال محمدُ بنُ يحيى الذُّهْلِيُّ: ليسَ بمجهول، (١) انظر للأهمية ((الأوسط)) لابن المنذر (٣٩٢/٢ - ٣٩٦)، و((التمهيد)) (١٣ / ٣٦ -٣٧). (٢) في ((التمهيد)) (١٣ / ٣٧)، وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢ / ٣٩٧). (٣) ((المسند)) (١ /١٢٩)، وأبو داود (١٢٧٤)، والنسائي (١ / ٢٨٠ - ٢٨١)، وابن خزيمة (١٢٨٥)، وابن حبان (١٥٤٧ - إحسان) وقال ابن المنذر في ((الأوسط))(٣٨٨/٢): ( .. فدلت الأخبار الثابتة عن النبي بَّه على أن النهي إنما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها فمما دل على ذلك حديث علي بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد لا مطعن لأحد من أهل العلم فیھا)) انتھی. ٤٩ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة قد روى عنه الشَّعبيُّ - أيضًا. واحتجُّوا - أيضًا - بأنَّ النبيّ حبا الله عليية وَسَيَّة : صلَّى ركعتينِ بعدَ العصرِ. وقد خرَّجَه البخاريُّ فيما بعد(١). وخرَّجَ النَّسائيُّ(٢) من حديث أبي أمامةً، عن عمرو بنِ عبسةَ، عن النبيِ وَ لِ أَنَّه قالَ: ((إن استطعتَ أن تكونَ مُمْن يذكر اللهَ في تلك الساعةِ)) - يعني: جوف الليل - ((فكن؛ فإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ إلى طلوع الشمس فإنَّها تطلعُ بين قرني الشَّيطان)» وذكر الحديث، وقال فيه: «ثم الصَّلاة مشهودة)) - يعني: بعد أن يفيءَ الفيءُ - ((حتَّى تغيبَ الشَّمسُ؛ فإنَّها تغيب بين قرني شيطانٍ)). وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٣) بنحوه من حديثِ سليمٍ بنِ عامرٍ، عن عمرو ابن عَبَسةَ، عن النبيِّ وَِّ وقال فيه في ذكرِ جوفِ الليل: ((فصلِّ حتَّى تطلعَ الشَّمْسُ)) وقال فيه: ((فإذا فاءَ الفيُ فصلِّ؛ فإنَّ الصَّلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ حتى تدلى الشَّمسُ للغروب، فإذا تدلَّتْ فأقصرْ عن الصَّلاة حتَّى تغيبَ الشَّمسُ)) . وهذا كلُّه تصريحٌ بجوازِ الصَّلاةِ بعدَ العصرِ وبعد الفجرِ؛ ولكن في هذه الرواياتٍ، فإنَّ مسلمًا خرَّجَ حديثَ عمرو بن عبسةً (٤) من طريقِ أبي أمامةَ عنه وذكر فيه أنَّه أمره أن يقصرَ عن الصَّلاةِ بعد صلاةِ الصّبحِ حتى تطلعَ الشَّمسُ، وبعد صلاة العصرِ حتَّى تغربَ، وكذا في أكثرِ الروايات، (١) (٥٩٠). (٣) في ((مسنده)) (٤ /٣٨٥). (٢) في ((المجتبى)) (١ / ٢٧٩ - ٢٨٠). (٤) (٨٣٢). ٥٠ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ وهذه زيادةٌ صحيحةٌ سقطتْ في(١) تلك الروايات. وذهبَ أكثر العلماء (٢٢٥ - أ/ ك١) إلى النَّهي عن الصَّلاةِ بعدَ الفجرِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ، وبعد العصرِ حتَّى تغربَ الشَّمسُ. وهذا هو الثابتُ عن عمرَ بنِ الخُطَّابِ - وكان يضربُ من صلَّى بعد العصرِ. وكذلك رُوِيَ عن خالدِ بنِ الوليدِ - أيضًا - وهو قولُ: ابنِ عباسٍ، ومعاويةَ، ورُوِيَ عن: ابنِ عمرَ، وجماعة من الصَّحابة(٢)، وحكاه الترمذيُّ(٣) عن أكثر أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ ومن بعدهم، وهو قولُ: مالك، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ . وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٤)، عن المختارِ بنِ فُلْفُلِ قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك عن التَّطوعِ بعدَ العصرِ؟ فقال: كان عمرُ يضربُ الأيدي على صلاة بعد العصر. وروى الأعمشُ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ قال: كره عمرُ الصَّلاةَ بعدَ العصرِ، وأنا أكرهُ ما كره عمرُ. وقد صحَّ عن النبيِّ ◌ِّهِ النَّهيُ عن الصَّلاةِ بعد الصُبْحِ حَتَّى تطلعَ الشمسُ، وبعد العصر حتَّى تغربَ كما سبق ذلك من حديث عمرَ وغيرِه من الصّحابةِ الذي رواه عنهم ابنُ عباس، ومن حديث أبي هريرةَ، وأبي (١) لعل الأليق ((من)) والله أعلم. (٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢ / ٣٩٢ - ٣٩٦)، و((التمهيد)) (١٣ / ٤٢ - ٤٣). (٤) (٨٣٦). (٣) عقب الحديث رقم (١٨٤). ٥١ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة سعيد، ومعاويةً(١). وخرَّجَ مسلمٌ من حديثِ عمرو بن عبسةً(٢)، ومن حديث أبي بصرةً (٣) في الصَّلاةِ بعد العصرِ كحديث معاويةً وأكثرُ من جعلَ ما بعد الفجرِ والعصرِ وقتَ نهي حرَّم الصَّلاةَ فيه إلى طلوعِ الشّمسِ وغروبِها في الجملةِ، وإن أجاز بعضَهم في الوقتين الطويلين للتنزيه . رُوِيَ ذلك صريحًا عن ابنٍ سيرينَ، وسببُ هذا: أَنَّ المقصودَ بالنَّهي بالأصالةِ هو وقت الطلوعِ والغروبِ؛ لما في السَّجودِ حينئذٍ من مشابهة سجود الكفَّارِ في الصُّورة، وإنَّما نهى عن الصَّلاة قبل ذلك سدّاً للذريعة لئلا يتدرجُ بالصَّلاةِ فيه إلى الصَّلاةِ في وقتِ الطُّلُوعِ والغروبِ(٤). وقد جاءَ ذلك صريحًا عن غيرِ واحد من الصَّحابة والتَّابعين. وروى ابنُ جريجٍ: سمعتُ أبا سعد الأعمى(٥) يخبرُ عن رجلٍ يقالُ (١) حديث عمر سبق برقم (٥٨١)، وحديث أبي هريرة (٥٨٨)، وحديث أبي سعيد (٥٨٦)، وحديث معاوية (٥٨٧). (٢) (٨٣٢). (٣) (٨٣٠). (٤) من قوله: ((لما في السجود حينئذ)) إلى هنا كُرر في ((ك١)» (٥) هكذا في ((ك))وفي ترجمته من ((الكنى)) (ص: ٣٦) للبخاري، و((الجرح)) (٣٧٩/٩)، و((تهذيب الكمال)» (٣٣ /٣٤٧) - بسكون العين - ووقع في المطبوع من ((المسند)) (١١/٤) وكذلك في ((أطرافه)) (٢ / ٤٠٥): ((أبو سعيد الأعمى)) - بفتح العين - وكذلك في ((الأوسط)) لابن المنذر (٢ / ٣٩٨)، وقال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) (ص / ٤٨٨): ((أبو سعد المكي ويقال أبو سعيد الأعمى)» ثم ذكر له هذا الحديث وقال «ذكره أبو أحمد فيمن لم يعرف اسمه فقال: أبو سعد الأعمى سمع منه عطاء وابن جريج فالظاهر أن الجميع واحد)» انتهى. وانظره في ((الكنى)) لأبي أحمد الحاكم (ق/ ٢٠٣أ). ٥٢ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ له: السَّائبُ مولى الفارسيين، عن زيد بن خالد أنَّ عمرَ رآه يركع بعدَ العصرِ ركعتين فمشى إليه فضربَه بالدِّرة وهو يُصلِّ، فلمَّا انصرفَ قال: دعها يا أميرَ المؤمنين فوالله لا أدعها أبدًا بعد إذ رأيتُ رسولَ الله وَه يُصلِّيهما فجلسَ إليه عمرُ فقال: يا زيدُ لولا أني أخشى أن يَتَخذَها النَّاسُ سلمًا إلى الصَّلاةِ حتى الليل لم أضرب فيها. وخرّجَه الإمامُ أحمدُ(١)، وفي إسنادِه رجلان غيرُ معروفين. ورَوَى الليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الأسودِ، عن عروةَ أَنَّه قال: أخبرني تميم الداريُّ - أو: أخبرت أنَّ تميمًا الداريَّ - ركعَ ركعتينِ بعد نهي عمر ابنِ الخَطَّابِ عن الصَّلاةِ بعد العصرِ، فأتاه عمرُ فضربه بالدِّرةِ فأشارَ إليه تميمٌ أن اجلسْ - وهو في صلاتِه - فجلسَ عمرُ حتَّى فرغَ تميمٌّ من صلاتِه فقال لعمرَ: لِمَ ضربتني؟ قال: لأنَّكَ ركعتَ هاتين الركعتين وقد نهيتُ عنهما قال: فإنِّ صلَّيْتُهما مع من هو خيرٌ منك: رسول الله وَظله فقال عمرُ: إنَّه ليسَ لي أيها الرهطُ؛ ولكنِّي أخافُ أن يأتي بعدكم قومٌ يصلُّونَ ما بين العصرِ إلى المغربِ حتى يمرُّوا بالسَّاعةِ التي نهى رسولُ اللهِ وَلّ أن يُصلُّوا فيها كما وَصَلُوا ما بينَ الظّهرِ والعصرِ . خرَّجَه الطبرانيُّ وخرَّجَه الإمامُ أحمدٌ(٢) مختصرًا، عن أبي أسامةَ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه قال: خرجَ عمرُ على النَّاسِ فضربَهم على السَّجدتينِ بعدَ العصرِ حتَّى مرَّ تميمٌ الداريَّ فقال: لا أدعهما (٢٢٥ - ب (١) ((المسند)) (٤ / ١١٥)، وسيأتي الإشارة إليه (ص: ٩٣). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (٢ /٥٨ - ٥٩)، و((المسند)) (٤ /١٠٢)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٩٣/٢) ٠ ٥٣ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة / ك١) صلَّيْتُهما مع خيرِ منك: رسول الله وَ له، فقال عمرُ: لو أَنَّ النَّاسَ كانوا كهيئتك لم أبالِ. وروايةُ عروةَ، عن عمرَ مرسلةٌ (١). وخرَّجَ الحاكمُ (٢) من روايةِ هشامٍ بن حجير قال: كان طاوسٌ يُصلِّي ركعتينِ بعدَ العصرِ، فقال له ابنُ عباسٍ: اتركها، فقال: إنَّما نهى عنهما أن تتخذ سلمًا أن يوصلَ ذلك إلى غروبِ الشَّمسِ، قال ابنُ عباسٍ: فإن النبيَّ بَّهَ قد نَهى عن صلاةٍ بعد العصرِ وما ندري أنعذَّبُ عليه أم نؤجرُ لأنَّ اللهَ يقولُ ﴿وما كانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسولُه أَمْرًا أَن يَكُونَ لهم الْخِيَرَةُ﴾. [الأحزاب: ٣٦]. وقولُ من قالَ: إِنَّ النَّهيَ عنها كانَ سدًا لذريعةِ الصَّلاةِ في وقتٍ الكراهة الأصليِّ فلا يكونُ محرَّمًا، غيرُ صحيح؛ فإنَّه إذا ثبتَ نهيُ النبيِّ نَّه عنها كان نهيُهُ للتَّحريم وإن كان معللا بسدِّ الذریعة كما نهى عن ربا الفضلِ معللا بسدِّ الذريعة ربا النَّسيئة وكلٌّ منهما محرمٌ، وكما نهى عن شربِ قليلٍ ما أسكر كثيرُه لأنَّه ذريعةٌ إلى السُّكْر وكلاهما محرمٌ، ونظائرٌ ذلك. والذين حرَّمُوا الصَّلاةَ بعدَ الفجرِ والعصرِ اتَّفقوا على تحريمِ التَّنفلِ الذي لا سببَ له، وأما ماله سببٌ كتحية المسجدِ ونحوِها فلهم فيه قولانِ مشهوران: أجازَهَ الشَّافعيُّ، ومنعه أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وعن أحمدَ فيه روايتان؛ ولذلك اختلفت الروايةُ عن مالك فيمن صلَّى ركعتي الفجر في (١) قال أبو زرعة: ((عروة بن الزبير عن عمر؛ مرسل)) انتهى من ((المراسيل)) (ص / ١٤٩) لابن أبي حاتم. (٢) في ((المستدرك)) (١ / ١١٠)، وانظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢ / ٤٣٣). ٥٤ ٣١ - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس الحديث : ٥٨٨ بيته، ثم دخلَ المسجدَ هل يصلِّي أم لا؟ وأجازَ سجودَ التِّلاوة في هذا الوقت، وأما بعدَ صلاة الفجر فلا يُفعلُ عنده شيءٌ من ذلك في المشهورِ عنه، وعنه روايةٌ أخرى: يُفْعَلُ سجودُ التلاوة وصلاةُ الكسوف خاصةً. وفي ((سنن أبي داود)»(١) - بإسنادِ فيه نظرٌ - عن ابنِ عمرَ أَنَّه نهى عن سجودِ التِّلاوةِ بعدَ الصُّبْحِ وقال: صلَّيتُ خلفَ رسولِ اللهِ وَّ، ومع أبي بكرٍ، وعمرَ، (٢٢٦ - ٢/ ١٥)(٢) وعثمانَ فلم يسجدوا حتَّى تطلعَ الشَّمسُ. وأما قضاءُ الفرائضِ الفائتة: فأجازَه الأكثرونَ، منهم: مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ استدلالا بأمرِ النبيِّ بَّه مَن صلَّى ركعةً من الصِّبْحِ ثم طلعتْ عليه الشَّمسُ أن يتمَّ صلاتَه. ومنع ذلك أبو حنيفةَ، وقد سبقَ ذكرُهُ، ويأتي فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ. وأمَّا فروضُ الكفاية: كصلاة الجنازة فيجوزُ فعلُها في الوقتينِ المتسعينِ عند الجمهورِ ومنهم من حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ، وغيرِه. وفي فعلِهَا في الوقتينِ الضَّيقين قولان هما روايتان عن مالك، وأحمدَ، ومنعَ أحمدُ في روايةٍ عنه من فعلِها بعدَ صلاةِ الفجرِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ وترتفع اتباعًا لما رُوِيَ في ذلك عن ابنِ عمرَ، وكذا روى ابنُ القاسمِ عن مالكِ أَنَّه لا يُصلَّى على الجنائزِ إذا اصفرَّتِ الشَّمْسُ حتى تغربَ، وإذا أسفرَ الضَّوءُ حتى ترتفعَ الشّمسُ. (١) (١٤١٥). (٢) سقط من الناسخ ورقتان - لعله في أثناء تقليبه للصفحات والله أعلم - ثم استدركهما فيما بعد - ولعله عند المقابلة - فوضع علامة لحق بعد كلمة ((عُمر)) وقال في الهامش: ((يتلوه في الورقة الملحقة في أولها: وعثمان فلم يسجدوا))، وسبق التنبيه على ذلك مستوفى في مقدمتنا في وصف النسخ، فراجعه غير مأمور. ٥٥ الحديث : ٥٨٨ كتاب مواقيت الصلاة وهذا يرجعُ إلى أنَّ وقتَ الاختيارِ يخرجُ بالإسفارِ ويدخلُ وقتُ الكراهة . وعلى مثلِ هذا ينبغي حملُ المرويِّ عن أحمدَ - أيضا - وينبغي على هذا القول: أن يكونَ أولُ وقت النَّهي عن الصَّلاة إسفارَ الوقت جدّاً. وعن الليث قال: لا يُصلَّى على الجنازة في السَّاعةِ التي يُكْرَهُ فيها الصَّلاةُ. ومنعَ الأوزاعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ من الصَّلاة على الجنازة في الوقتين الضَّقينِ دونَ الواسعينِ، وأجازَه الشَّافعيُّ في جميعِ الأوقاتِ؛ لأَنَّه يرى أنَّ النَّهيَ يختصُّ بالتَّطوعِ المطلقِ الذي ليسَ له سببٌ. ٥٦ الحديث : ٥٨٩ ٣٢ - بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاةَ إلا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْر رَوَهُ عُمَرُ، وَبْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. معنى هذا الباب: أنَّه لا تكرهُ (١) الصَّلاةُ إلا بعدَ العصرِ والفجرِ، فلا تُكرهُ (١) في وقتِ قيامِ الشَّمسِ في وسطِ النَّهارِ قبلَ الزَّالِ . وقولُه: (رواه عمرُ، وابنُ عمرَ، وأبو سعيد، وأبو هريرةً)) يعني أنَّهم رووا النَّهيَ عن الصَّلاةِ بعد الفجرِ والعصرِ سوى ابن عمر؛ فإنَّه لم تصح عنه الروايةُ إلا في النَّهي عن الصَّلاةِ في وقتِ الطُّلُوعِ والغروبِ خاصةً ومرادُه: أنَّ أحدًا منهم لم يروِ النَّهيَ عن الصَّلاةِ في وقتٍ آخر غير هذه الأوقات. ثُمَّ قالَ: ٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبُوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُصَلِّي كَمَّا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لا أَنْهَى أَحَّدًا يُصَّلِّي بِلَيْلِ أو نَهَارِ (٢) مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لا تَتَحَّرَّوْا(٣) طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا وز - غُرُوبَهَا. ووجهُ استدلاله بهذا على مراده: أنَّ ابنَ عمرَ أخبر أنَّه لا ينهى أحدًا (١) في ((ك١)): ((يكره)) بالياء. (٢) في ((اليونينية)): ((ولانهار))، وفي بعض النسخ: ((ونهار))، والمثبت كما في بعض النسخ. (٣) فى ((اليونينية)): ((تحروا)). ٥٧ الحديث : ٥٨٩ كتاب مواقيت الصلاة يُصلِّي في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ غير أنَّه لا يتحرَّى طلوعَ الشَّمسِ ولا غروبَها، وأَنَّه يُصلِّي كما رأى أصحابَه يُصُّونَ، وهذا يشعرُ بأنَّه رأى أصحابَه - وهم أصحابُ محمدٍ وَّهَـ يُصلُّونَ في كلِّ وقتٍ من ليلٍ أو نهارِ سوى وقتِ الطَّلوعِ والغروبِ . وهذا عجيبٌ من ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنه؛ فإنه يعلمُ أَنَّ أباه كان ينهى عن الصَّلاةِ بعد العصرِ ويضربُ على ذلك. وقد رُوِيَ عن عمرَ من وجوهِ أَنَّ نهى عن سجودِ التِّلاوةِ وصلاةٍ الجنازة بعد الصَّبْحِ قبل طلوعِ الشّمسِ. وقد رُوِيَ مثلُ قولِ ابنِ عمرَ مرفوعًا، رويناهُ في كتابٍ ((وصايا العلماء))(١) لابنِ زبر من طريقِ مروانَ بنِ جعفر، عن محمد بنِ إبراهيمَ بنِ خبيبٍ، عن جعفر بنِ سعدٍ، عن خبيب بنِ سليمانَ، عن أبيه: سليمانَ ابنِ سمرةَ، عن سمرة قالَ: هذه وصية سمرةَ (٢٢٦ - ب / ك١) إلى بنيه، فذكرَ منها: أن رسول الله وَ له كانَ يأمرُنا أن نُصلِّيَ أيَّ ساعة شئْنا من اللَّيل والنَّهارِ؛ غير أنَّه أمرَنَا أن نجتنبَ طلوعَ الشَّمسِ وغروبَها، وقال: (إِنَّ الشَّيطانَ يغيبُ معها حين تغيبُ، ويطلعُ معها حينَ تطلعُ» . وهذه نسخةٌ خرَّجَ منها أبو داودَ في ((سنِه)) أحاديثَ، وخرَّجَه البزَّارُ فى (مسنده)(٢)، عن خالدِ بنِ يوسفَ السّمتيِّ، عن أبيه، عن جعفرِ بنِ سعد. ويوسفُ بنُ خالد (٣) السَّمْتِيُّ ضعيفٌ جدّاً. (١) (ص / ٨٨ - ٨٩). (٢) (١ / ٢٩٢ - كشف). (٣) في ((ك)) وقع: ((يوسف بن سمرة)) وهو خطأ ظاهر، وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (٣٢ / ٤٢١ - ٤٢٤). ٥٨ ٣٢ - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر الحديث : ٥٨٩ وقد اختلف العلماءُ في وقتِ قيامِ الشَّمسِ في نصفِ النَّهارِ وقبل زوالها هل هو وقتُ نهي عن الصَّلاةِ أم لا؟ فقالت طائفةٌ: ليسَ هو وقتُ نهي - كما أشارَ إليه البخاريُّ - وهو قولُ مالك، وذكر أنَّه لا يعرفُ النَّهي عنه قال: وما أدركتُ أهلَ الفضلِ إلا وهم يجتهدونَ ويُصلُّونَ نصفَ النَّهارِ، ورُوي عنه أَنَّه قالَ: لا أكرهُهُ ولا أحبّه؛ هذا مع أَنَّه روى في ((الموطأ))(١) حديثَ الصّنابحيِّ في النّهي عنه، ولكنَّه تركَه لما رآه من عملِ أهلِ المدينةِ . ومِمَّنْ رخَّصَ في الصَّلاةِ فيه: الحسنُ، وطاوسٌ، والأوزاعيُّ في رواية عنه -، وهو ظاهرُ كلامِ الخرقيِّ من أصحابِنا. وقال آخرونَ: هو وقتُ نهي لا يُصلَّى فيه. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، والحسنِ بنِ حِيٍّ، وابن المباركِ، وأحمدَ، وابن المنذرِ وقال: ثبتَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه نهى عنه، ونهى عنه عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وقال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نُنهى عنه. وقال سعيدٌ المقبريُّ: أدركتُ النَّاسَ وهم يتَّقُونَ ذلك. وقد خرَّجَ مسلمٌ في ((صحيحِه)) حديثينِ فِي النَّهي عن الصَّلاةِ في هذا الوقت، أحدهما: حديثُ أبي أمامةً، عن عمرو بن عبسةَ(٢) قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني عن الصَّلاةِ قال: ((صَلي صلاةَ الصّبْحِ، ثم أَفْصِرْ عن الصَّلاةِ حَتَّى تطلعَ الشَّمسُ حتَّى ترتفعَ؛ فإِنَّها تطلعُ حينَ تطلعُ بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفَّارُ، ثم صلِّ فإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ (١) (ص / ١٥٣). (٢) (٨٣٢). ٥٩ الحديث : ٥٨٩ كتاب مواقيت الصلاة محضورةٌ حتَّى يستقلَّ الظلُّ بالرمحِ، ثمَّ أَقْصِرْ عنِ الصَّلاةِ فإنَّ حينئذ تُسجرُ جَهَنَّمُ فإذا أقبلَ الفيُ فصلِّ فإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ حتَّى تُصلِّيَ العصرَ، ثمَّ أَقصرْ عن الصَّلاة حتَّى تغربَ الشَّمسُ فإنَّها تغربُ بينَ قَرْنَيْ شَيْطانِ وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفَّارُ)). والثَّاني: حديثُ موسى بنِ علي بنِ رباحٍ، عن أبيه: سمعتُ عقبةً ابنَ عامر (١) يقولُ: ثلاثُ ساعات كانَ رسولُ الله ◌ِّ ينهانا أن نُصلِّيَ فيهنَّ وأن نقبرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تَطْلعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يَقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمسُ، وحينَ تَضِيَّفُ الشَّمْسُ للغروبِ حتَّى تغربَ. وفي المعنى أحاديثُ أُخرُ. منها: حديثُ الصنابحيِّ، وقد ذكرناه فيما تقدَّمَ (٢). ومنها: حديثُ كعبِ بنِ مرةَ - أو مرةَ بن (٢٢٧ - أ / ك١) كعب - أنّ النبيِّ وَلّه، فذكرَ الحديثَ، وفيه: ((ثمَّ الصَّلاةُ مقبولةٌ حتَّى يقومَ الظلّ قيام الرمحِ، ثم لا صلاةَ حتَّى تزولَ الشَّمسُ. خرَّجَه الإمامُ أحمد (٣). وخرج - أيضًا (٤) - من حديثٍ ليثٍ، عن ابنِ سابطٍ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَّةِ قال: ((لا تُصلُّوا عند طلوع الشَّمسِ؛ فإنّها تطلعُ بينَ قرني شيطان، ويسجدُ لها كلُّ كافٍ، ولا نصف النهار فإنَّها عند سَجْرِ جهنَّمَ)). (١) (٨٣١). (٢) وهو عند الإمام مالك في ((الموطأ)) (ص / ١٥٣). (٣) في ((المسند)) (٤ / ٢٣٤ - ٢٣٥) وقد سبق. (٤) (٥ / ٢٦٠) ٦٠