النص المفهرس
صفحات 361-380
الحديث : ٥٦٣ ١٩ - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: الْعِشَاءُ (٢٠١ - ب / ك) ٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيّنِ: ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِالمزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: (لاَ تَغْلِّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ». قَالَ: وَتَقُولُ الأَعْرَبُ(١):((هِيَ الْعِشَاءُ). عبدُ اللهِ المزنيُّ هو: ابنُ مُغَفَّلٍ - رضي الله عنه. وقد استدلَّ بهذا الحديثِ من كَرِهَ تسميةَ المغربِ العشاءَ، وهو قولُ أصحابِ الشَّافعيِّ، وغيرِهم. وقال أصحابنا: لا يُكره ذلك، واستدلُّوا بأنَّ العشاءَ تسمَّى العِشاءَ الآخرةَ كما قال النَّبِيُّ ◌َ: «أَيُّمَا امرأة أصابتْ بَخُورًا فلا تشهدْ معنا العشاءَ الآخرة)). خرَّجَه مسلمٌ(٢)، وسيأتي بعضُ الأحاديثِ المصرِّحةِ بذلك، فدلَّ على أنَّ المغربَ: العشاءُ الأولى. (١) في ((اليونينية)): ((الأعراب وتقول)). (٢) (٤٤٤)، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧٢/٢٤): ((هكذا قال عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة وهو - عندي - خطأ وليس في الإسناد من يتهم بالخطإ فيه إلا أبو علقمة الفروي، فإنه كثير الخطإ جدًا، والحديث إنما هو لبسر بن سعيد، عن زينب الثقفية)) اهـ، وانظر ((العلل)) للحافظ الدارقطني (٩/ ٧٥ - ٨٧). ٣٦١ الحديث : ٥٦٣ كتاب مواقيت الصلاة وأجابَ بعضُهم: بأنَّ وصفَ العشاء بالآخرة؛ لأنَّها آخرُ الصَّلوات. لا لأنَّ قبلها عشاءً أخرى . وقد حُكِيَ عن الأصمعيِّ أَنَّه أنكرَ تسميتها العشاءَ الآخرةَ، ولا يُلتفتُ إلى ذلك. وفي صحيح مسلمٍ (١) عن عَلَيِّ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ صلَّى العصرَ يومَ الأحزاب بينَ العشائين المغرب والعشاء. قال أصحابُنَا: وحديثُ ابنِ مغفلٍ يدلُّ عَلَى أنَّ تَسميتَها بالمغرب أفضلُ، ونحنُ نقولُ بذلك. ومن متأخِّريهم من قال: حديثُ ابنِ مغفل إنَّما يدلُّ على النَّهي عن أن يغلبَ اسمُ العشاءِ على المغربِ، حتى يُهْجَرَ اسمُ المغربِ، أو يَقلَّ تَسميتُها بذلك، كما هي عادةُ الأعرابِ. فأمَّا إذا لم يغلبْ عليها هذا الاسمُ فلا يتوجَّهِ النَّهيُ حينئذٍ إليه. وقد تقدَّمَ أنَّها تُسمَّى صلاةَ البَصَر - أيضًا(٢)، فإذا سُمِّيت بذلك من غيرِ أن يُهجرَ تسميتُها بالمغربِ، ويغلبَ تسميتُها بذلك جازَ. (١) (٦٢٧/ ٢٠٥)، والطريق الذي خرجه مسلم هو الذي رجحه الدارقطني في ((العلل)) (٢٣٩/٣ - ٢٤١). (٢) راجعه (ص٣٤٩) تحت الحديث (٥٥٩). ٣٦٢ ٢٠ - بَابُ ذكْر الْعشَاء والْعَتَمَة، وَمَنْ رَآهُ واسعًا مرادُه: أنَّ العشاءَ الآخرةَ تُسمَّى العشاء وتسمى العتمة، وأنَّه يجوزُ تسميتُها بالعتمة من غيرِ كراهةٍ، وإن كان تسميتُها بالعشاء أفضلَ اتِّباعًا لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَمِن بَعْدٍّ صَلَةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ أو أكثرِهم، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، وقول أكثرِ أصحابِه وكذا قال الشَّافعيُّ في ((الأمّ)(١): أَحَبُّ إليَّ أن لا تُسمَّى العشاءُ الآخرةُ عتمةً. وهو قولُ كثيرٍ من أصحابِهِ، أو أكثرِهم. ومنهم من قال: يكره أنْ تُسمَّى عتمةً، وهو وجهٌ ضعيفٌ لأصحابنا. وقد رُوِيَ عن طائفةٍ من السَّلِفِ منهم: ابنُ عمرَ (٥٩/ م)، وكان يكرهُه كراهةً شديدةً، ويقولُ: أول من سمَّاها بذلك الشَّيطانُ، وكَرِهَه - أيضًا ابنُه سالمٌ، وابنُ سيرينَ(٢) . وخرَّج مسلمٌ(٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي لبيدٍ، عن أبي سلمةَ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِيِّ بَّهِ قال: ((لا يغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتكم، ألاَ إنَّها العشاءُ، وهم يعتمونَ بالإبلِ، وفي روايةٍ(٤) له - أيضًا - ((لا يغلبنّكم الأعرابُ على اسمٍ صلاتِكم العشاء؛ فإنّها في كتاب الله (١) (١ / ٧٤) . (٢) خرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢/ ٤٣٩)، (٨٩/١٤). (٤) (٦٤٤ / ٢٢٩). (٣) (٦٤٤ / ٢٢٨). ٣٦٣ كتاب مواقيت الصلاة العشاءُ؛ وإنَّها تُعِمُ بحلاب(١) الإبل)). كذا رواه ابنُ أبي لبيدٍ، عن أبي سلمةَ. وابنُ أبي لبيدٍ كان يُتَّهَمُ بِالقَدَرِ (٢)، وقال العقيليُّ(٣): كان يخالفُ في بعضِ حديثِهِ. وتابعه عليه ابنُ أبي ليلى، عن أبي سلمةَ. وابنُ أبي ليلى ليسَ بالحافظ (٢٠٢ - أ / ك١). ورواه عبدُ الرحمن بنُ حرملة، عن أبي سلمةً، عن النَّبِيِّ مرسلا(٤). صَلى الله وَسَا وقيل: عن ابنِ حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرةَ مرفوعًا . وخرَّجَهَ ابنُ ماجه(٥). وليس بمحفوظ . وفيه - أيضًا - عن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن النبيِّ نَِّ. وفي إسناده جهالةٌ (٦). (١) في ((م): ((بحلاف)) - بالفاء. (٢) قاله سفيان بن عيينة - كما في ((التاريخ الصغير)) (١ / ٣٦٢) للبخاري، وقاله - أيضًا - الإمام أحمد كما في ((العلل)) لابنه عبد الله (١٨٩)، (١٨٤٧) (٣) في ((الضعفاء)) (٢ / ٢٩٢). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٤٣٨). (٥) (٧٠٥). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٣٩)، وعبد الرزاق (١ / ٥٦٦) والبزار في ((مسنده)) (٣ / ١٠٥٥) وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد» اهـ. وأبو يعلى في ((مسنده)»(٢ / ١٧٣)، وأبو نعيم فى ((الحلية)»(٨ /٣٨٥) واستنكره حيث قال: ((غريب من حديث عبد الرحمن بن عوف، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد)) اهـ. ٣٦٤ ٢٠ - باب ذكر العشاء والعتمة وقد حَمَلَهُ بعضُ أصحابنا على كراهةٍ نفي الكمالِ دون الكراهة، وحَمَلَه بعضُهم على كراهة هجرانِ اسمِ العشاءِ، وغلبةِ (١) اسمِ العتمةِ عليها كفعل الأعرابِ. وتسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدلُّ على كراهة تسميتها بغيرِهِ، كما أن الله تعالى سمّى صلاةَ الصَّبح صلاةَ الفجر، ولا يكره تسميتها وَ صلاةَ الصُّبْحِ. خرَّج البخاريَّ في هذا البابِ حديثًا مسندًا، وذكرَ فيه أحاديثَ كثيرةً تعليقًا، وقد خرَّج عامتها في مواضعَ أخر من كتابه، فقال: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ: «أَنْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمِنَافِقِينَ: الْعَشَاءُ وَالْفَجْرُ))، وَقَالَ: (لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَمَةِ وَالْفَجْرِ)). حديثُ أبي هريرةَ: قد أسنده في باب ((فضلِ صلاةِ العشاء في جماعةٍ))(٢). وخرَّجَ قبله في بابِ ((فضلِ التَّهجيرِ إِلى الظُّهرِ)) من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: ((لو يعلمونَ ما في العتمةِ والصُّبْحِ))(٣). وخرَّجه - (٤) أيضًا - في بابِ ((الاستهامٍ على (٥) الأذان)). ثم قال البخاريُّ : (١) في ((ك): ((وعليه)). (٣) (٦٥٤). (٢) سيأتي (٦٥٧). (٤) (٦١٥). (٥) في ((اليونينية)): ((في)). ٣٦٥ كتاب مواقيت الصلاة فَالاخْتِيَارُ (١) أَنْ يَقُولَ: الْعشَاء؛ لقَوْل الله: ﴿وَمَن بَعْد صَلاة الْعَشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. ويُذْكَرُ عَنْ أبي مُوسَى قال: (٢) كُنَّا نَتَوَبُ إلى (٣) النَّبَِِّ عِنْدَ صَلاةٍ الْعِشَاءِ، فَأَعْتَمَ بِهَا. حديثُ أبي موسى هذا: قد خرّجه بعد هذا قريبًا في بابِ ((فضل العشاء))(٤)، وخرَّجه في مواضعَ أخر(٥).، وقد علَّقَهُ هنا بقوله: ((ويُذْكَرُ)، فدلَّ على أنَّ هذه الصيغةَ عنده لا تقتضي ضعفًا فيما عَلَّقَهُ بها، وأنَّه يعلّقُ بها الصَّحيحَ، والضَّعيفَ إلا أنَّ أغلبَ ما يعلّقُ بها ما ليسَ (٦٠ /م) على شرطه. ثم قال : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ: أَعْتَمَ النَِّيُّ ◌َِّ بِالْعَتَمَةِ(٦). حديثُ عائشةَ: خرَّجَهَ(٧) في باب ((فضلِ العشاء))، ولفظه: أعتمَ بالعشاء . وحديثُ ابنِ عبّاس: خرَّجَه(٨) في ((باب النّومِ قبلَ العشاء)) بلفظ حديث عائشةَ. وخرَّجَ مسلمٌ (٩) حديثَ عائشةَ، ولفظُه أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِّهِ لَيْلَةً (١) في ((اليونينية)): ((قال أبو عبد الله والاختيار)) بالواو. (٣) (إلى)) ليست في ((اليونينية)). (٥) انظر أطرافه تحت رقم (٣١٣٦: الفتح). (٧) (٥٦٦). (٨) (٥٧١). (٢) ((قال)) زيادة من ((اليونينية)). (٤) (٥٦٧). (٦) في ((اليونينية)): ((بالعشاء)). (٩) (٦٣٨). ٣٦٦ ٢٠ - باب ذكر العشاء والعتمة بِصَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ التي تُدْعَى الْعَتَمَةَ. وخرَّجِ النَّسائيُّ حديثَ عائشةَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعنده فيهما: أعتمَ رسولُ اللهِ وَلَيهِ بالعتمةِ(١). وخرَّج أبو داودَ من حديث أبي سعيد الخدريِّ، قال: صلَّينا مع رسول الله وَ له صلاةَ العتمة(٢). ومن حديث معاذِ بنِ جبلٍ قالَ: أتينا (٣) النَّبِيَّ وَّ في صلاةٍ العتمةِ(٤). ثمَّ قَالَ البخاريُّ: وقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُّصَلِّي الْعِشَاءَ. حديثُ جابر: قد خرَّجَه البخاريّ في الباب الذى بعد هذا، وقد خرَّجَه فيما مضى - أيضًا(٥). قال : وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ(٦) فَ يُؤْخِّرُ الْعِشَاءَ. حديثُ أبي (٢٠٢ - ب/ ك١) برزة هذا: خرَّجَه(٧) فيما مضى في ((باب وقتِ العصرِ))، ولفظُه: وكان يَستحبُّ أن يؤخرَ من العشاءِ التي (١) النسائي (٢ /٢٦٦) من حديث عائشة، وحديث ابن عباس (٢ /٢٦٥). (٢) أبو داود (٤٢٢)، وانظر ((العلل)) للحافظ الدارقطني (٤ / ق ٤ - أ). (٣) في المطبوع من ((السنن)): ((أبقينا)). (٥) تقدم (٥٦٠). (٦) في ((اليونينية)): ((النبي)). (٤) أبو داود (٤٢١). ٣٦٧ (٧) (٥٤٧). الحديث : ٥٦٤ كتاب مواقيت الصلاة تدعونها العتمة . ثم قالَ: وَقَالَ أَنَسٌ: أَخَّرَ رَسُولُ الله(١) ◌َِّ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ. حديثُ أنسِ هذا: خرَّجَهَ النَّسائيُّ(٣)، وخرَّجَه البخاريُّ في مواضع(٣)، ولفظُه: («أخَّرَ العشاء)). وخرَّجَ مسلمٌ(٤) من حديثِ ابنِ عمرَ، قال: مكثنا ليلةً ننتظرُ رسولَ الله وَّ لصلاة العشاء الآخرةِ. ثُمَّ قَالَ البخاريُّ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أُوبَ (٥): صَلَّى النَّبِيَُّلِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. وحديثُهما في جمعِ النَّبِيِّ وَِّ بينَ المغربِ والعشاءِ بالمزدلفةِ، وقد خرَّجه البخاريُّ في ((كتاب الحِج)، وخرَّجه مسلمٌ - أيضًا(٦). وأمَّا الحديثُ الذي أسندَه في هذا الباب، فَقَالَ: ٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبّدَانُ: أبنا(٧) عَبْدُ الله: ثَنَا(٧) يُؤنُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبدُ اللهِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِلَّهُ لَيْلَةٌ صَلاةَ الْعَشَاءِ - (١) في ((اليونينية)): (النبي)). (٣) (الفتح: ٥٧٢) مع أطرافه. (٢) (١ / ٢٦٨) . (٤) (٦٣٩). (٥) زاد في ((اليونينية)): ((وابن عباس رضي الله عنهم)) وسياق الشرح يدل على أنهما اثنان، وحديثهما في ((الحج)) كما قال المؤلف وأخرجهما مسلم، بخلاف حديث ابن عباس. (٦) حديث ابن عمر: عند البخاري (١٦٧٣: الفتح)، ومسلم (١٢٨٨)، وحديث أبي أيوب: عند البخاري (١٦٧٤: الفتح)، ومسلم (١٢٨٧)؛ وحديث ابن عباس: عند البخاري (٥٤٣). (٧) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). ٣٦٨ ٢٠ - باب ذكر العشاء والعتمة الحديث: ٥٦٤ وَهِيَ التِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمَ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؛ فَإِنَّ رَأْسَ مَائَةٍ سَنَةٍ [منها](١) لا يبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ). (٦١/م). في هذا الحديثِ: أنَّ صلاةَ العشاء يدعوها (٢) النَّاسُ: العتمة (٣)، وكذا في حديث عائشةَ، وأبي برزةَ، وهذا كله يدلُّ على اشتهار اسمها بين النَّاس بالعتمةِ، وهو الذي نهى النبيُّ ◌َِه . وكان ابنُ عمرَ وغيرُهُ يكرهونَه أنْ يغلب عليها اسمُ العتمةِ حتى لا تسمَّى بالعشاءِ إلا نادرًا، وأمَّا إذا غلبَ عليها اسمُ العشاءِ ثُمَّ سمِيت أحيانًا بالعتمة بحيثُ لا يزولُ بذلك غلبةُ اسم العشاءِ عليها. فهذا غيرُ منهيُّ عنه، وإن كان تسميتُها بالعشاء كما سمّاها الله بذلك في كتابه أفضل . وأمَّا ما قَالَهِ وَّه من أنَّه ((لا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَحَدٌ»، فمرادُه بذلك: انخرامُ قرِنِه، وموتُ أهلِهِ كلِّهم الموجودين منهم في تلكَ الليلةِ على الأرضِ ، وبذلك فسَّرَه أكابرُ الصَّحابةِ : كعليٍّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِ عمر، وغيرهما. ومن ظنَّ أنَّه أرادَ بذلك قيامَ السَّاعةِ الكبرى، فقد وهمَ، وإنَّما أراد قيامَ ساعةِ الأحياءِ حينئذ، وموتهم كلهم، وهذه السَّاعةُ الوسطى، والسَّاعةُ الصغرى [موتُ كلِّ إنسانٍ في نفسِهِ فمن ماتَ فقد قامتْ ساعتُه الصغرى](٤)، كذا قاله المغيرةُ بنُ شعبة، وغيرُه. (١) من («اليونينية)). (٣) في ((ك)): ((بالعتمة)). (٢) في ((م)): ((تدعوها)) بالتاء. (٤) ما بين المعقوفين سقط من ((ك١)). ٣٦٩ الحديث : ٥٦٥ كتاب مواقيت الصلاة ٢١ - بَابُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ نَأَخَّرُوا ٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ عَمَرِو - وَهُوَ: ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ -، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِّ ◌ِ، فَقَالَ: كَانَ النبيَّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ: إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. هذا الحديثُ دليلٌ على أنَّ الأفضلَ في صلاةِ الإمام العشاءَ الآخرة مراعاةُ حال المأمومينَ المصلِّين في (٢٠٣ - أ / ك١) المسجد، فإن اجتمعوا في أولِ الوقتِ، فالأفضلُ أن يصلِّيَ بهم في أول الوقتِ، وإن تأخَّرُوا، فالأفضلُ أن يؤخِّرَ الصَّلاةَ حتى يجتمعوا؛ لما في ذلك من حصولِ فضلٍ كثرة الجماعة؛ ولئلا يُفُوِّت صلاة الجماعةِ للكثيرِ من المصلِّين. وتبويبُ البخاريِّ يدلُّ على استحبابِ ذلك، وهو - أيضًا - قولُ عطاء وأبي حنيفةً وأحمدَ، نصَّ عليه في رواية الأثرمِ، قال: يؤخِّرُها ما قدرَ بعد أن لا يشقَّ (٦٢ / م) على النَّاسِ، وهو المذهبُ عند القاضي أبي يعلى (١) في كتابٍ ((الجامع الكبير)) من غير خلافٍ. ومن الأصحابِ من حكى روايةً أخرى عن أحمدَ: أنَّ تأخيرَها أفضلُ (١) في ((ك)): ((أبو يعلى)). ٣٧٠ ٢١ - باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا الحديث: ٥٦٥ بكلِّ حالٍ، والصَّحيحُ ما قالَه القاضي. وأنَّ المذهبَ: أنَّ تأخيرَها أفضلُ، إلا أن يشقَّ على المأمومينَ، أو يشقَّ على من كانَ يصلِّي وحدَه. وقال عطاءٌ: الأفضلُ تأخيرُها، إمامًا كان أو منفردًا، إلا أن يَشقّ عليه، أو على الجماعة فَيُصلِيها وسطًا لا معجلةً ولا مؤخرةً. خرَّجه مسلمٌ بإسنادِه عنه في ((صحيحه)(١). ورُويَ أنَّ عمرَ كتبَ إلى أبي موسى كتابًا، وقالَ فيه: صلّي العشاءَ ما لم تخفْ رقادَ النَّاسِ . خرَّجَه البيهقيُّ(٢). وقولُ النِبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّه لوقتُها لولا أن أشقَّ على أمتي))؛ (٣) يدلُّ على أَنَّه كان يراعي حالَهم إذا شقَّ عليهم التأخيرُ إلى وقتِها الأفضل. وقد رُوِيَ عن النبيِّ وَ لَّهِ أَنَّه وصَّى معاذَ بنَ جبلٍ لما بعثَه إلى اليمنِ أن تعجلَ العشاءَ في الصَّفِ، وتؤخرها في الشِّتاءِ، وذلك مراعاةً لحال المأمومين . وقد قال ابنُ أبي هريرةَ - من أعيانِ الشَّافعية - إنَّ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ في استحبابِ تأخيرِ العشاء، وتقديمها ليسَا على قولينٍ، بل على حالين، فإنْ علم من نفسه أنَّه إذا أخرها لا يغلبُه نوٌ ولا كسلٌ، استحبَّ تأخيرُها وإلا فتعجيلُها. وجمع بين الأحاديث بهذا. (١) (٦٤٢) ونص قوله ((أحب إليَّ أن أصليها إمامًا وخِلوًا، مؤخرةً كما صلاها النبي وَه ليلتئذ فإن شق عليك ذلك خلواً أو على الناس في الجماعة وأنت إمامهم فصلها وسطًا لا معجَّلة ولا مؤخرة)» . (٢) فى ((معرفة السنن والآثار)) (٢ / ٢٩١) بنحوه. (٣) ((صحيح مسلم)) (٦٣٨) من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. ٣٧١ الحديث : ٥٦٥ كتاب مواقيت الصلاة وضعَّفَ الشَّاشىُّ(١) قولَهُ فى ذلك، وردَّ عليه صاحبُ ((شرح المهذب)) ورجَّح ما قالَهُ ابنُ أبي هريرةَ وقال: هو ظاهرٌ، أو الأرجحُ، والله أعلم. (١) في ((ك١)) و((م)) بالمهملة في الأولى. والصواب ما أثبتناه. ٣٧٢ الحديث: ٥٦٦ ٢٢ - بَابُ فَضْل العشاء فيه حديثان : الأولُ: ٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَخْبَى بْنُ بُكَيْرٍ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَبْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عائشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَ (١): أَعْتَمَ رَسُولُ اللهَِّ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصَِّانُ. فَخَرَجَ، فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: (مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ). قولُهُ وَله: ((ما ينتظرُها أحدٌ من أهل الأرض غيرُكم))، قَد فهمت منه عائشةُ - رضي اللهُ عنها - أنَّ الصَّلاةَ لم يكنْ يُجتمعُ لها بغيرِ المدينةِ . وقد خرَّجَه البخاريُّ(٢) في موضع آخرٍ، وفيه: قال: ((ولا يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة)). ولعلَّ هذا مدرجٌ من قول الزُّهريِّ، أو عروةَ، وقد كان يُصلَّى بالمدينة في غير مسجد النبيِّ وَّةٍ، (٦٣ /م) كمسجدٍ قباءِ، وغيرِه من مساجدِ قبائل الأنصار. وقد رُويَ (٢٠٣ - ب/ ك١) ما يدلُّ على أنَّ مرادَ النبيِّ وَلَ، أَنَّه لا يصلِّيها أحدٌ من أهلِ الأديانِ غير المسلمينَ. (١) في اليونينية: ((قالت)). (٢) (٨٦٤). ٣٧٣ الحديث : ٥٦٦ كتاب مواقيت الصلاة ففي ((صحيحِ مسلمٍ)) (١) من حديثِ منصورٍ، عن الحكمِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: مكثنا ذاتَ ليلة ننتظرُ رسولَ الله وَلّ لصلاة عشاء(٢) الآخرةِ، فخرجَ إلينا حين ذهبَ ثلثُ الليل، أو بعدَه، فلا ندري أشيءٌ شغله في أهلِه، أو غير ذلك، فقال حين خرج: ((إنَّكم لتنتظرونَ صلاةً ما ينتظرُها أهلُ دينٍ غيركم، ولولا أن يَثْقُلَ على أُمَّتِي لصلّيْتُ بهم هذه السَّاعَةَ)). ثُمَّ أَمَرَ المؤذِّن، فأقامَ الصَّلاة وصلَّى. وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٣) من روايةِ عاصمٍ، عن زِرِّ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: أخَّرَ رسولُ الله ◌ِّهِ صلاةَ العشاء، ثم خرجَ إلى المسجد، فإذا النَّاسُ ينتظرونَ الصَّلاةَ، فقال: ((أما إنَّه ليسَ من أهل ملة (٤) من أهلِ هذه الأديان أحدٌ يذكرُ اللهَ هذه الساعة غيركم)). قال: وأنزلت هؤلاء الآيات ﴿لَيْسُوا سواءً من أهلِ الكتابِ أمَّةٌ قَائمةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وخرَّجَهُ يعقوب بنُ شيبةً في («مسنده))، وقال: صالحُ الإسناد. وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودً(٥) من روايةٍ عاصمٍ بنِ حميدِ السِّكُونيِّ، أَنَّه سمعَ معاذَ بنَ جبلٍ قال: رَقَبْنَا النبيَّ بَّهِ فِي صَّلاةِ العتمة، فتأخَّرَ حتَّى خرجَ، فقال: ((أَعْتموا بهذه (٦) الصَّلاةِ؛ فإنكم قد فُضِّلتم بها على (٢) فى ((مسلم)): ((العشاء)) بتعريفها. (١) (٦٣٩). (٣) ((المسند)) (٣٩٦/١). (٤) قوله ((من أهل ملة)) سقط من ((ك)). وليس في المطبوع من ((مسند أحمد)) وكذا لم يذكرها الحافظ ابن حجر في ((أطراف مسند أحمد)) (٤/ ١٣٧) حين ساق طرف هذا الحديث فيه. (٥) («المسند» (٥/ ٢٣٧)، و («السنن)) لأبي داود (٤٢١). (٦) في ((م): ((بهذا)) والمثبت من ((ك١))، وهو موافق لما في ((المسند))و ((السنن)). ٣٧٤ ٢٢ - باب فضل العشاء الحديث: ٥٦٦ سائرِ الأممِ، ولم يصليها(١) أمةٌ قبلكم)). وعاصمٌ هذا: وثَّقَهُ ابنُ حبان، والدَّارقطنيُّ (٢)، وهو من أصحابِ معاذ. وخرَّج أبو مسلم الكَجِّيَّ (٣) في ((سننه)) من حديث الشعبيِّ، قال: بلغني أنّ رسولَ الله وَّهِ أَخَّر صلاةَ العشاء ذاتَ ليلة، حتَّى ذهبَ من الليل ما شاء اللهُ، ثمَّ جاءَ، فقال: «هذه الصَّلاةُ لم يعطها أحدٌ من الأممِ قبلكم، أو غيركم، فمن كان طالبًا إلى الله عزَّ وجلَّ حاجةً لآخرة أو دنيا فليطلبْهَا في هذه الصَّلاة)). وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على فضلِ ذكرِ اللهِ تعالى في الأوقاتِ التي يغفلُ عمومُ النَّاسِ فيها؛ ولهذا فُضِّل التَّهَجُّدُ في وسطِ الليلِ على غيره مِنَ الأوقاتِ؛ لقلةٍ مَنْ يذكرُ الله في تلكَ الحالِ. وفي (المسند)(٤) عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ النبيَّ وَّهِ: أيُّ قِيامِ الليلِ أفضلُ؟ قال: ((جوفُ الليل الغابر، أو نصفُ الليل ، وقليلٌ فاعلُه)). (٦٤/ م). وفي الترمذيِّ(٥)، عن عَمْرو بنِ عَبَسَةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبدِ في جوف الليلِ الآخر، فإن استطعتَ أن تكونَ(٦) ممَّن يذكرُ اللهَ في تلك السَّاعةِ فَكُنْ)) . (١) كذا وفي ((سنن أبي داود)): ((تصلها)). وفي ((المسند)): (يصلها)). (٢) ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) (٥ / ٢٣٥)، وفي ((سؤالات البرقاني للدار قطني)) رقم (٣٣٣) بتحقيقنا: فعاصم بن حميد السكوني يروي عن معاذ؟ قال: ((هو من أصحابه: ثقة)». (٣) هو الشيخ الحافظ أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم. ترجمه الذهبي في ((السير)) (١٣ / ٤٢٣). (٤) (٢/ ١٩٥). (٦) في ((م)): ((يكون)) بالمثناة التحتية. (٥) (٣٥٧٩). ٣٧٥ الحديث : ٥٦٧ كتاب مواقيت الصلاة قال بعضُ السَّلْف: ذاكرُ الله في الغافلين كمثلِ الذي يحمي الفئة المنهزمةَ، ولولا من يذكرُ الله في غفلةِ النَّاس، هلك النَّاسُ. ورويناه مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: ((ذاكرُ الله فى الغافلين كالذي يقاتل عن الفارِّين، وذاكرُ الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحاتَّ ورقُه من الصَّريد - والصَّريدُ: البردُ الشديدُ(١) - والذاكر (٢) الله في الغافلين يُغفرُ له بعدد كلِّ رطب ويابس، وذاكر الله في الغافلين يعرفُ مقعده من الجنة)) (٣) (٢٠٤ - أ / ك١). الحديث الثاني: ٥٦٧ - حدثَنَا(٤) مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَّعِي في السَّفِينَةِ نُزُوا فِي بِقِيعِ بُطْحَانَ وَالنَِّيُّ ◌َ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ◌َ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَِّيُّنَّ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لمنْ حَضَرَهُ: ((عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّه لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ (١) وقال ابن الأثير في مادة (صرد): الصريد: البرد، ويروى من الجليد. اهـ. وذكر رواية أخرى في مادة (حت) وهي ((تحات ورقه من الضريب)) وقال: الضريب: السقيع. (٢) كذا، وفي الرواية: وذاكر. (٣) أخرجه ابن عدي (٥ / ٩١)، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (٦ / ١٨١) وإسناده ضعيف جدًا. انظر ((الضعيفة)) للألباني (٦٧١)، (٦٧٢). (٤) في ((م): ((ثنا)). ٣٧٦ ٢٢ - باب فضل العشاء الحديث : ٥٦٧ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ)، أَوْ قَالَ: ((مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ، غَيْرُكُمْ) - لا أَدْرِي أَيَّالكَلِمَتَيْنِ قَالَ - قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرْحَى وَفَرِ حْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُول الله وَال ـ البقيعُ في اللغة: المكانُ الذي فيه شجرٌ من ضروب شتى، وبُطْحَان: أحدُ أوديةِ المدينةِ المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقناة. وبطحان: يقولُه أهلُ الحديثِ بضمٌّ أولِه، وسكونِ ثانيه، وقيلَ بفتحِ أوله. وأهلُ اللغة يقولونَه بفتح أوله، وكسر ثانيه، وقالوا: لا يجوزُ فيه غير ذلك، ذكره صاحبُ ((معجم البلدان))(١) . وقوله: ((أعْتَمَ بالصَّلاة)) أي: أخَّرَها، ومنه: قيل: ((قرِي عاتم)) إذا لم يقدِّم العُجالَةَ للضَّيفِ، وأبطأ عليه بالطَّعامِ. ومعنى: ((ابْهَارَّ الليلُ)): انتصفَ، قالَه الأصمعيَّ وغيرُهُ، وقالوا: بُهْرةُ كلِّ شيءٍ: وسطُهُ، وقيل: معناه: استنار (٦٥ /م) الليلُ باستنهامِ طلوعِ نجومِه بعد أن يذهب فحمة الليل وظلمتُه بساعة، وهذا بعيدٌ. وقولُه: ((لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ))، أَوْ ((مَا صَلَّى هَذِه السَّاعةَ أَحَدٌ غَيْرِكُمْ)) يَحتملُ أَنَّه أَرَادَ به أهلَ الأديانِ - كما تقدم(٢) -، وأنه أرادَ به المسلمين - أيضًا. وفي هذا الحديثِ، والذي قبله دليلٌ على استحبابِ تأخيرِ العشاءِ. وفي حديث أبي موسى دلالةٌ على جواز تأخيرِها إلى انتصافِ الليلِ، وسيأتي القولُ في ذلك مبسوطًا - إن شاء الله تعالى. (١) (١ / ٩ ٥٢) . (٢) أول الباب. ٣٧٧ الحديث : ٥٦٨ كتاب مواقيت الصلاة ٢٣ -باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ ٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّبِ النَّقَفِيُّ: ثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي المُنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّةِ، كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعشَاءِ، وَالْحَديثَ بَعْدَهَا. قد أخذَ بظاهر هذا الحديث طائفةٌ من العلماءِ، وكرهوا النَّومَ قبل العشاء بكلِّ حال. قال ابنُ المبارك: أكثرُ الأحاديث على ذلك. ورُويتِ الكراهةُ، عن عُمَرَ، وابنٍ عُمَرَ، وابنٍ عِبَّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعن مجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبيرٍ، وسعيد بنِ المسيّبِ، وعطاء، والنَّخعيّ(١)، وهو قولُ أصحابِ الشَّافَعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ، وأبي حنيفةً، والشَّافعيِّ، حكاه ابنُ عبد البرِّ(٢)، وذكره ابنُ أبي موسى من أصحابنا مذهبًا لنا، وهو قولُ الثَّوريِّ. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ كراهةُ النَّومِ قبل العشاءِ وإن وكَّلَ به من يوقظُه، من رواية الفقيرِ وغيرِه، عنه (٣) (٢٠٤ - ب / ك١). وعن مجاهد: لأن أُصَلِّيَ صلاةَ العشاء قبل أن يغيبَ الشَّفْقُ وحدي أحب إليَّ من أن أنامَ، ثم أدركُها مع الإمام. (١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢ / ٣٣٣ - ٣٣٥)، وعبد الرزاق (١ / ٥٦٤ - ٥٦٥). (٢) فى (التمهيد)) (٢١٦/٢٤ - ٢١٧). (٣) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (١ / ٥٦٤)، و((التمهيد)) (٢٤ /٢١٧). ٣٧٨ ٢٣ - باب ما يكره من النوم قبل العشاء الحديث : ٥٦٨ كذا رواه عبدُ الكريمِ البصريّ، عنه. وَرَوَى عنه - أيضًا - أنَّ النَّبِيَّ نَِّ قال: ((لا نامتْ عَيْنُ رجلٍ نامَ قبل أن يصلي العشاءَ)). وعبدُ الكريمِ هذا ضعيفٌ(١). وَرَوَى عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بنِ يعلى الطَّاتفيُّ، عن عبد الرحمن ابنِ القاسم(٢)، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ما نامَ رسولُ اللهِ وَّةٍ قبل العشاء الآخرة ولا سمرَ بعدها. خرَّجه ابنُ ماجه(٣). وعبدُ الله هذا: قال ابنُ معينٍ: صويلحٌ، وقال البخاريّ: مقاربُ الحديثِ، وقال الدارقطنيُّ: يُعْتَبَرُ به، وقال النَّسائيُّ: ليسَ بالقويِّ. ورَوَى يحيى بنُ سُليمٍ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله وَله نائمًا قبل العشاء، ولا متحدثًا بعدها. ذكره الأثرمُ، وضعَّفه من أجل يحيى بنِ سليمٍ. (٦٦/ م) وقال: لم يروه غيرُهُ. كذا قاله(٤). وخرَّجه ابنُ حبان في ((صحيحه))(٥) من طريق جعفر بنِ سليمانَ، عن هشامٍ. (١) الأثر، والمرسل عن مجاهد: أخرجها ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥). (٢) في ((م)) ((القسام)) خطأ . (٣) (٧٠٢)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٢٦٤)، وأبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (١٤١٤) والبيهقي في ((الكبرى)) (١ / ٤٥١ - ٤٥٢). (٤) وخرَّجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١ / ٥٦٢) من طريق ابن جريج قال: حدثني مَنْ أُصَدِّقُ عن عائشة به، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٤٥٢) من طريق آخر عنها. (٥) (١٢ / ٣٥٥ - الإحسان). ٣٧٩ الحديث : ٥٦٨ كتاب مواقيت الصلاة وخرَّجه الَّزارُ(١) من طريقِ محمدِ بنِ عبيدِ الله بنِ عمير(٢) - وهو متروكٌ -، عن ابن أبي مليكة، عن عروةَ، عن عائشةَ، وزاد فيه، في، أَوَّلَه: عن النَّبِّ وََّ، قال: ((من نامَ قبلَ العشاءِ فلا أَنَامَ اللهُ عِينَه)). وهذا لا يثبتُ مرفوعًا؛ وإنَّما رُوِيَ عن عُمَرَ من قولِه(٣). ورَوَى ابنُ وهبٍ في («مسنده))، قال: أخبرني مخرمةُ بنُ بكيرِ، عن أبيه، أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ وَّةِ، قالت: سئل رسولُ اللهِ وَله عن الإنسان يرقُدُ عن العِشاءِ قبلَ أن يصلِّي؟ قال: ((لا نامتْ عينُه)) - ثلاث مرات. وخرَّجه بقيُّ بنُ مخلدٍ من طريقِهِ، وهو منقطعٌ بينَ بكيرِ بنِ الأشج، وعائشة(٤). وخرَّجه بقيٌّ من وجه آخر، ضعيف، عن عائشةَ، مرفوعًا، بمعناه. (١) (٣٧٨ - كشف الأستار) وقال - عقبه -: ((لا نعلم روى ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة إلا هذا)) اهـ. (٢) وقع في ((ك١)) و((م): ((عمار)) خطأ، وهو محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير - بالياء بعدها راء - الليثي انظره في ((الجرح)) (٧ / ٣٠٠) وغيره. (٣) خرَّجه ابن أبي شيبة (٢ / ٣٣٤)، وعبد الرزاق (١ / ٥٦٣ - ٥٦٤). (٤) وكذلك مخرمة لم يسمع من أبيه إلا حديث الوتر؛ قاله أبو داود وغيره، انظر ((تهذيب الكمال)» (٢٧ /٣٢٥ -٣٢٦). ٣٨٠