النص المفهرس
صفحات 341-360
١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٧ وفيما قالَه نظرٌ. وسيأتي الكلامُ عليه في الحديث الثَّالث إن شاء الله. وعجزُ اليهود والنَّصارى عن إتمامٍ المدةِ هو بما حصلَ لهم مما لا ينفعُ معه عملٌ مع البقاءِ على ما هم عليه من النَّسخِ والتبديلِ مع تمكّنهم من إتمامِ العملِ بالإيمان بالكتابِ الذي أُنزل بعدَ كتابِهِم. وقولُهم: ((نحنُ أكثرُ عملا، وأقلُّ أجرًا)) أَمَّ كثرةُ عملِ اليهودِ فظاهرٌ فإِنَّهِم عَمِلُوا إلى انتصافِ النَّهارِ، وأمَّا النَّصارى فإِنَّهم عَمِلُوا من الظُّهرِ إلى العصرِ وهو نظيرُ مدةٍ عملِ المسلمينَ. فاستدلَّ بذلكَ مَنْ قالَ: إنَّ أولَ وقتِ العصرِ مصيرُ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثليه، وهم أصحابُ أبي حنيفةَ، قالوا: لأنَّه لو كانَ أولُ وقتِ العصرِ مصيرَ ظلِّ كلِّ شىءٍ مثلَه(١)، لكانَ مدةُ عمِلِهِم، ومدةُ عملِ المسلمينَ سواءً، وأجابَ عن ذلكَ مَنْ قَالَ: إنَّ أولَ وقتِ العصرِ مصيرُ ظلِّ الشيءِ مثلَه من أصحابِنَا والشَّافعيةِ وغيرهم بوجوهٍ منها: أَنَّ أحاديثَ المواقيت مُصَرِّحةٌ بأنَّ أولَ وقتِ العصرِ مصيرُ ظلِّ الشيء مثله. وهذا الحديثُ إِنَّمَا سَاقَه النبيُّ نَّهِ مساقَ ضربِ الأمثالِ، والأمثالُ مَظِنَّةُ التَّوسِّع فيها فكانَ الآخِذُ بأَحَاديث (٢) توقيتِ العصرِ المسوقة لبيانِ الوقت أولى. ومنها: أَنَّ المرادَ بقولهم: ((أكْثُرُ عملا)) أَنَّ عملَ مجموعِ (١٩٧ - (١) فى ((ك)): ((مثليه)). (٢) في ((ك)): ((بالأحاديث)) وكان في ((م)) كذلك، وضرب على: ((لا)) ضربًا غير واضح. ٣٤١ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة ب / ك١) الفريقين أكثرُ، فإنْ قيلَ: فقد قالوا: ((وأقلُّ أجرًا))، ومجموعُ الفريقين لهم قيراطانِ كأجرِ هذه الأمةِ قيل: لكنِ القيراطانِ في مقابلةِ عملٍ كثيرٍ، فإنَّهما عَمِلا ثلاثة أرباعِ النَّارِ بقيراطينٍ وعَملَ المسلمونَ ربعَ النَّهارِ بقيراطين؛ فلذلكَ كانَ أولئك أقلَّ أجرًاً. ومنها: أنَّ وقتَ العصر إذا سقطَ من أوله مدةُ التَّهُّب للصَّلاة بالأذان والإقامة، والطَّهَارة، والستارة وصلاةٍ أربع ركعاتٍ، والمشي إلى المساجد، صارَ الباقي منه إلى غروبِ (٤٩/ م) الشمسِ أقلَّ مَمّا بينَ الظّهرِ والعصرِ، وحقيقةُ هذا: أنَّ النَّبِيَّ نَّهَ إنما أرادَ أنَّ أمتَه عَمِلَتْ من زمنِ فعلِ صلاةِ العصرِ المعتادِ، لا من أولِ دخولٍ وقتها. ومنها: أن كثرةَ العملِ لا يلزمُ منه طولُ المدةِ فقد يَعْمَلُ الإنسانُ فِي مدة قصيرة أكثرَ مَّا يعملُ غيرُه(١) في مدةٍ طويلةٍ، وقد ضُعََّ هذا بأنَّ ظاهرَ الحديثِ يردُّه، ويدلُّ على اعتبارِ طولِ المدةِ، وقِصَرِهَا إلا أن يقالَ: كُنِّيَ عن كثرةِ العملِ، وقِلَتِهِ بطولِ المدةِ، وقِصَرِهَا، وفيه بعدٌ. وقد رَوَى هشامُ بْنُ الكلبيِّ، عن أبيه، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاس قال: كانَ بينَ موسى وعيسى ألفُ سنةٍ وتسعمائة سنةٍ، ولم يكنْ بينهما فترةٌ، وإنَّه أُرْسِلَ بينهما ألف نبي من بني إسرائيلَ سوى من أُرْسِلَ من غيرِهم، وكان بينَ ميلادٍ عيسى، والنَّبِيِّ صلى الله عليهما وسلم ألفُ سنةٍ، وتسعٌ وستونَ سنةً بُعثَ في أَوَّلِها ثلاثةُ أنبياءَ، وكانت الفترةُ التي لم يَبْعَثِ الله فيها رسولا أربعمائة سنةٍ، وأربع وثمانون سنةً(٢). (١) جملة ((في مدة قصيرة أكثر مما يعمل غيره)) كررت في ((م)). (٢) كذا، والصواب: ((أربعا وثمانين سنة)). ٣٤٢ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٧ هذا إسنادٌ ضعيفٌ لا يعتمدُ عليه، وإنَّما يَصحُّ ذلك على تقديرٍ أَنْ يكونَ بينَ عيسى ومحمد أنبياء، والحديثُ الصحيحُ يدلُّ على أنَّه ليسَ بينهما نبيٌّ ففي ((صحيح البخاريِ)، عن سلمانَ أَنَّ مدةَ الفترة كانت ستَّمائة سنة(١). وقد ذكرَ قومٌ أنَّ من لدنْ خلقِ آدَمَ إلى وقت هجرة النَّبِيِّ نَظله ستَةَ آلاف سنة تنقصُ ثمان سنين. وقال آخرون: بينهما أربعةُ آلاف وستمائة ءِ واثنان وأربعونَ سنةً، وأشهرٌ. واختلفوا في مدة بقاءِ الدنيا جميعها. فِرُوِيَ، عن ابْنِ عَّاسِ أَنَّها جمعةٌ من جمعِ الآخرةِ سبعةُ آلاف سنةٍ، وعن كعبٍ، ووهب: أنَّها ستةُ آلاف سنة، وعن مجاهد، وعكرمةَ قالا: مقدارُ الدُّنْيًّا من أولِها إلى آخرِها: خمسونَ ألف سنة، وَلا يَعْلَمُ ما مضى منه، وما بَقِيَ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ وإنَّ ذلك هو اليومُ الذي قال الله فيه ﴿تعرجُ الملائكةُ والروحُ إليه في يوم كان مقداره خمسينَ ألف سنة﴾ [المعارج: ٤]. خرَّجَهَ ابنُ أبي حاتمٍ في ((تفسيرِه)). وقد قدَّمْنَا أَنَّ حديثَ ابنِ عمرَ الذي خرَّجَه البخاريُّ هاهنا يدلُّ على أنَّ مدةَ الدُّنيا كلِّها كيوم وليلة، وأنَّ مدةَ الأممِ الثلاث (١٩٨ - أ/ ك١) أصحابِ الشَّرائعِ المتبعةِ قريبٌ من نصفِ ذلك، وهو قدرُ يومٍ تامٍّ، وأنَّ مدةَ اليهودِ منه إلى ظهور عيسى، حيثُ كانت أعمالُهم صالحةً تنفعهم (١) البخاري (٣٩٤٨). ٣٤٣ الحديث: ٥٥٨ كتاب مواقيت الصلاة عند الله كما بينَ صلاةِ الصَّبح إلى صلاة (٥٠/ م) الظُّهر، ومدةَ النَّصارى إلى ظهورِ محمدٍ بِّله حيثُ كانتْ أعمالُهم صالحةً مقبولةً كما بينَ صلاةٍ الظُّهرِ والعصرِ، ومدةُ المسلمينَ منه من صلاةِ العصرِ إلى غروبِ الشَّمْس، وذلكَ في الزمانِ المعتدلِ قدرُ ربعِ النَّهارِ، وهو قدرُ ثُمُنِ الليلِ والنَّهارِ . كما سبقَ ذكرُهُ وتقديرُه - لكنْ مدةُ الماضي من الدنيا إلى بعثةِ محمدٍ وَلَّه، ومدةُ الباقي منها إلى يومِ القيامةِ لا يعلمُهُ على الحقيقة إلا اللهُ عزَّ وجلَّ وما يُذْكَرُ في ذلكَ فإنَّما هو ظنونٌ لا تفيدُ علمًا. وكانَ مقصودُ البخاريِّ بتخريجِ هذا الحديثِ في هذا الباب أنَّ وقتَ العصرِ يمتدُّ إلى غروبِ الشَّمْسِ؛ لأنَّه جعلَ عملَ المسلمينَ مُسْتمرا من وقتِ العصرِ إلى غروبِ الشَّمْسِ وإنَّما ضربَ المثلَ لهم بوقتِ صلاةٍ العصرِ، واستمرارِ العمل إلى آخرِ النَّهارِ؛ لاستمرارِ مدةٍ وقتِ العصرِ إلى غروبِ الشَّمْسِ؛ وأنَّ ذلكَ كلَّ وقتٌ لعملِهِم، وهو صلاةُ العصرِ؛ فكما أَنَّ مدةَ صلاتِهم تستمرُّ إلى غروبِ الشَّمْسِ؛ فكذلكَ مدةُ عملِهِم بالقرآنِ في الدنيا مستمرٌّ من حينِ بُعِثَ محمدٌ فَلِّ حَتَّى تقومَ عليهم السَّاعةُ، ويأتيَ أمرُ الله وهم على ذلكَ. الحديثُ الثَّالثُ: قال: ٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيَدِ، عَنْ أبي بُرْدَةَ، عن أبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُوْدِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلُ اسْتَأَجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلا إِلى اللَّيْلِ فَعَمِلُواَ إلى نِصْفِ النَّهَارَ فَقَالُوا: لا حَاجَةً لَنَا إِلى أَجْرِكَ فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ. فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةً ٣٤٤ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٨ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ. فَعَمِلُوا حَتَّى إذا كَانَ حِينَ صَلَاةُ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمَلْنَا. فَاسْتَأَجَرَ قَوَمَا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّىَ غَابَتَ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمِلُوا أَجْرَ الْفِرِيقَيْنِ)). ظاهرُ هذه الرواية تدلُّ على أنَّ كلا من الفريقينِ اليهود والنَّصارَى أبطَلُوا عملَهم، ولم يسقطْ أجرُهُم، فلم يَسْتحقُّوا شيئًا، وهذا بخلاف ما في حديثِ ابْنِ عمرَ الماضي أَنَّهُمْ أُعْطُوا قيراطًا قيراطًا . وقد يُحْمَلُ حديثُ ابنِ عمرَ على مَنْ ماتَ قبلَ نسخِ دِينِهِ، وتبديلِه، وكان عملُه على دينٍ حقٍّ، وحديثُ أبي موسى هذا على مَنْ أدركَهُ التبديلُ والنَّسخُ فاستمرَّ على عمله فإنَّه قد أحبطَ عملَه، وأبطلَ أَجرَهُ فلم يَستحقَّ شَيْئًا مِن الأجرِ، فإِن قيل: فَمن ماتَ قبلَ التَّبديلِ والنَّخِ مُؤمن لَهُ أجرُهُ عند الله كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّبِتِينَ (٢/٥١) مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (١٩٨ - ب/ك١) وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] قيلَ: هُوَ كذلك، وإنَّما لهم أجرٌ واحدٌ على عملهم؛ لأنَّه شَرَطَ لهم ذلكَ كما جاءَ في رواية أخرى صريحة من حديثِ أُوبَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ. وهذه الأُمَّةُ شُرِطَ لَهَا على إِتمامٍ عملِ بقيةِ اليومِ أجرانٍ . وقولُه: ((فاستكمَلوا أجرَ الفريقين)) لأنَّه لما بَطُلَ عملُهُمَا، وسقطَ أجرُهُمَا وعَمِلَ المسلمونَ بقيةَ النَّهارِ على قيراطينٍ، فكأنَّهم أخَذُوا القيراطين منهما، واستحقّوا ما كانَ لهما على عملهما، وجازوه دونَهما؛ ٣٤٥ الحديث : ٥٥٨ كتاب مواقيت الصلاة ولهذا قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَِّلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَا(١) يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيه مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩]؛ ولهذا اعترفَ أهلُ الكتابِ أَنَّهم لم يُظْلَمُوا من أجرِهم شيئًا، وفي حديث أَيُّوبَ أنَّ اليهودَ استؤجرتْ لتعملَ إلى الظَّهر على قيراطِ، والنَّصارى إلى العصرِ على قيراط، وهذا صحيحٌ؛ فإنّ كلا من الطائفتين أُشْعِرَ بنسخ دينِهِ، وتَأَقِيتِهِ(٢) ، وأَنَّه يعملُ عليه إلى أن يأتيَ نبي آخر بكتابٍ آخر مصدق له، وإن لم يذكرْ لهم ذلك الوقتَ مُعيَّنًا . وقد تنازعَ أهلُ الأصولِ فيمن أُمِرَ أن يعملَ عملا إلى وقتٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أُمِرَ بتركِ ذلك العملِ، والعملُ بغيرِهِ هل هو نسخٌ في حقِّه أم لا؟ مثلُ قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا واصْفَحُوا حَتَّى يأتيَ اللهُ بأمرٍهٍ﴾ [البقرة: ١٠٩] وفي الجملة فاستحقاقُ اليهود، والنَّصارى قيراطًا واحدًا على عملِهم، وإحباطِ أجرِهم، وإبطالِهِ هو بالنسبة إلى طائفتينٍ منهم لا إلى طائفة واحدة . وقد استدلَّ أصحابُنَا بحديث أبي موسى هذا على أَنَّ من اسْتُؤْجرَ لعملٍ في مدةٍ معينةٍ فَعَمِلَ بعضَه في بعضِ المدةِ، ثم تركَ العمل في باقي المدةِ باختيارِه من غير عذرٍ أَنَّه قَدْ أسقطَ حَقَّه من الأُجرة، ولا يُسْتَحق منها شيء. (١) في (م)) و((ك)): ((أن لا)). (٢) في ((م)): ((توقيته)) ثم أصلحها إلى: ((تأقيته)) وهما بمعنى. ٣٤٦ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٨ ومقصودُ البخاريِّ بهذا الحديث - أيضًا - أنَّ ضربَ المثلِ لعملٍ المسلمينَ من وقتِ صلاة العصرِ إلى غروبِ الشَّمْسِ يؤخذُ منه بقاءُ وقت صلاة العصرِ، وامتدادُه إلى غروبِ الشَّمْسِ - كما سبقَ. : ٣٤٧ الحديث: ٥٥٩ كتاب مواقيت الصلاة ١٨ - بَابُ وَقْتِ الْمَغْربِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَ الْعِشَاءِ. قد سبقَ الكلامُ على جمعِ المريضِ (٥٢/م) مستوفَّى في الكلام على حديثِ ابنِ عباسٍ في الجمعِ لغيرِ عذرٍ(١). وخرَّجَ في هذا الباب أربعةَ أحاديثَ: الحديثُ الأَولُ: قَالَ: ٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ: ثَنَا الْوَلِيدُ: ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعٍ - هُوَ عَطَاءُ بْنُ صهيب(٢) - قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ (٣): كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيْصِرُ مَوَاقِعَ نَبِهِ. وقد رُويَ هذا المعنى عن غيرٍ واحدٍ من الصَّحَابةِ (١٩٩ - أ/ ك١) في صلاتِهِم مَعَ النَّبِّ وَّهِ المغربَ - وَلَم يُخَرَّجْ في ((الصَّحيحينِ)) من غيرِ هذهِ الطريقِ . وقد رَوَى شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن حسََّن بْنِ بلالٍ، عن رجالٍ من أسلمَ من أصحابِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهم كانوا يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّنَّهِ ثُمَّ يرجعون (١) تحت الحديث (٥٤٣) (٢) في ((ك١)) و((م): ((حبيب)) وهو مخالف لما في ((اليونينية)) و((الفتح)) والقسطلاني، وغيرهم. (٣) في ((اليونينية)): ((يقول)). ٣٤٨ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث : ٥٥٩ إلى أهليهم إِلَى أقصى المدينةِ يرمونَ يُبْصرونَ مواقع سهَامهم. خرّجَه النَّسائيُّ(١). وخَرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عن أبي بسٍ (٢)، عن عليٍّ بْنِ بلالٍ الليثيِّ، عن ناسٍ من الأنصارِ قَالُوا: كُنَّا نُصَلِّي مع رسولِ اللهِ وَّهِ المغربَ، ثُمَّ ننصرفُ فنترامى حَتَّى نأتيَ ديارَنَا فما تَخْفَى علينا مواقعُ سِهَامِنْا(٣). وخرَّجَه - أيضًا - من روايةِ أبي عَوانةَ، عن أبي بسر (٢) بنحوِه(٣). وهو أشبهُ من رواية شعبةَ. قالهُ البخاريُّ في ((تاريخه))(٤) . ورَوَى الزُّهرىُّ، عن رجلٍ من أبناء النقباء، عن أبيه قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مع رسولِ اللهِ وَّ المغربَ، ثُمَّ ننصرفُ فننظرُ إلى مواقعِ النَّبلِ - وبينهم نحوّ من ميلٍ - يعني قباء. وفي روايةٍ: ثُمَّ نخرجُ إلى منازلنَا، وإن أحَدَنَا لينظر إلى موقعٍ نبلِهِ. قيلَ للزُّهريِّ: كَمْ كانَ منازلُهم؟ قَالَ: ثلثا ميلٍ . وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ خزيمةَ في ((صحيحِهِ» من حديث جابرٍ قال: كُنَّا نُصَلِّي معَ رسولِ اللهِ بَلّ المغربَ، ثُمَّ نأتي بني سلمةَ، ونحنُ نبصرُ مواقعَ النبل(٥) . وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ من روايةِ ابْنِ عَقِيلٍ، عن جابر بنحوه؛ إلا أنَّه قَالَ: ثم نرجعُ إلى منازِلِنَا، وهي ميلٌ، وأَنَا أَبَصرُ موقعَ النبلِ(٦) . (١) النسائي (٢٥٩/١) وفيه: ((عن رجل من أسلم)) وكذا((التحفة)) (١٣٦/١١-١٣٧) وكذا ((المسند)) (٣٧١/٥) و((تهذيب الكمال)) (١٦/٦). (٢) كذا في ((م)) بالسين المهملة، وكذا في ((ك١)) ووضع علامة الإهمال، والصواب بالمعجمة، هو: أبو بشر: إياس بن أبي وحشية، معروف. (٣) أحمد (٣٦/٤). (٤) ((التاريخ الكبير)) (٢٦٣/٦). (٥) أحمد (٣٣١/٣) وابن خزيمة (١٧٣/١-١٧٤). (٦) ((المسند)» (٣٠٣/٣، ٣٦٩_٣٧٠). ٣٤٩ الحديث: ٥٥٩ كتاب مواقيت الصلاة وهذا كلُّه يدلُّ على شدةٍ تعجيل النَّبِيِّ نَّهِ لصلاةِ المغربِ، ولهذا كانت تُسمَّى صلاةَ البَصَر، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةِ أبي طريفٍ الهذليِّ، قال: كنتُ مَعَ النَّبِيِّنِّهِ حِينَ جاءَ خبرُ أهلِ الطَّائِفِ فكانً يُصَلِّي بنا صلاةَ البَصَرِ (١) حَتَّى لو أنَّ رجلا رَمَى لرأى موقعَ نبِلِه(٢) . (١) وفي ((المسند)) المطبوع، وكذا الطبراني في ((الكبير)) (٣١٥/٢٢ - ٣١٦): ((صلاة العصر)). وهو خطأ كما سيأتي. وفي ((أطراف المسند)) (١٦/٧) و((الآحاد والمثاني)) لابن أبي عاصم (٣١٣/٢) و((الاستيعاب)) (١٦٩٦/٤) و((أسد الغابة)) (١٧٩/٦) و((كنى البخاري)) (ص٤٦) و((الإصابة)) (٢٣٠/٧): ((صلاة المغرب)). وفي ((سنن البيهقي)) (٤٤٧/١): ((صلاة المغرب)) وفيها - أيضا - : ((صلاة البصر))، وقال البيهقي: ((وصلاة البصر: أراد بها: صلاة المغرب، وإنما سميت ((صلاة البصر))؛ لأنها تؤدّی قبل ظلمة الليل)). وفي ((الجوهر النقي)) (٤٤٦/١- ٤٤٧): ((الأظهر أن صلاة البصر: صلاة الفجر، وكذا جاء مفسراً في رواية الطحاوي، عن ابن أبي داود، عن ابن معين، بسنده المذكور، ولفظه: فكان يصلي بنا صلاة الفجر. الحديث. ذكره الطحاوي في ((باب الوقت الذي صلى فيه الفجر))، وأسند الهروي في ((الغريبين)) عن أحمد بن سعيد الدارمي قال: صلاة البصر صلاة الفجر، وقال الفارسي في ((مجمع الغرائب)): ((أراد به صلاة الفجر؛ لأنها إنما تصلى عند إسفار الظلام، وإثبات البصر الأشخاص، وقيل: إنها صلاة المغرب؛ لأنها تؤدى قبل ظلمة الليل الحائلة بين الإبصار والمرئيات، والأول أظهر)). وفي ((شرح المعاني)) للطحاوي (١٧٨/١): ((صلاة البصير)) بزيادة ياء - وفي نسخة منه: ((صلاة الفجر)). وفي ((مجمع الزوائد)) (١/ ٣١٠): ((صلاة النصر)) كذا بالنون وأظنه تصحيفًا، وهذه النسخة كثيرة التصحيف والخطأ، وقال الهيثمي: ((ورواه الطبراني في ((الكبير)) فجعل مكان ((النصر)) [كذا]: ((العصر))، وهو وهم، والله أعلم)). ورجح الخطابي أنها: صلاة الفجر. انظر ((الغريب)) (٢٩٨/١) وساق الحديث بإسناده. وانظر ((اللسان)) (٦٥/٤ - دار صادر)، و((النهاية)) (١٣١/١)، و((تاج العروس)) (٥٠/٣ - دار صادر)، و ((الغريب)) لابن الجوزي (١ / ٧٤). (٢) أحمد (٤١٦/٣). ٣٥٠ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث: ٥٦١،٥٦٠ قالَ الإمامُ أحمدُ: صلاةُ البَصَرِ (١) هي صلاةُ المغرب (٥٣/ م). الحديثُ الثَّاني: ٥٦٠ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيّ قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ(٢): كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، والعشَاءَ أحيانًا، وأحيانًا إذا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّل، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَأُوا(٣) أَخَّرَ، والصُّبْح - كَانُوا أَوْ كَانَ - النَّبِيُّ ◌َِّ يُصَلَيْهَا بِغَلَسٍ. مقصودُه من هذا الحديثِ في هذا البابِ: صلاةُ النَّبِيِّ نَّهِ المغربَ إذا وجبتْ - يعني الشَّمْس. ووجوبُها سقوطُها كقوله تعالى: ﴿فإذا وجَبَت جُنُوبُهَا (١٩٩ - ب/ ك١) فَكُلُوا منها﴾ [الحج: ٣٦] والمعنى إذا سَقَطَ قُرْصُ الشَّمْسِ، وذهبَ في الأرضِ، وغابَ عن أعينِ الناسِ . الحديثُ الثَّالثُ: قَالَ: ٥٦١ - حدثنا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةً قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِّ ◌َّ المغربَ (٤) إذا تَوارَتْ بِالْحِجَابِ. هذا أحد ثُلاثيات البخاريِّ، والضميرُ يعودُ إلى غيرِ مذكورٍ، وهو الشَّمْسُ، وقرينةُ صلاة المغربِ يدلُّ عليه، وهو كقولِهِ في قصةِ سليمانَ (١) في ((ك)): ((البصير)) ولم يظهر نقط الياء. (٢) في ((ك)): ((قال)). (٣) في ((اليونينية: «أَبْطَوْا)) من غير همز. (٤) كلمة ((المغرب)) ليست في ((ك١)). ٣٥١ الحديث: ٥٦١ كتاب مواقيت الصلاة ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصَّفِنَاتُ (١) الحِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَيْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنِ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣١-٣٢] فحذفَ ذكرَ الشَّمْسِ لدلالةِ العشيِّ عليها والمَعْنَى: يَتَوارِيها بالحجابِ تَوَارِي قُرْصها عن أعينِ النَّاظرينَ بما حَجَبَها عنها مِنَ الأرضِ . وخرَّجَ مسلمٌ حديث سلمةَ، ولفظُه: كانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُصَلِّي المغربَ إذا غربتِ الشَّمْسُ وتوارتْ بالحجابِ(٢). وخرَّجَه أبو داودَ، ولفظه: كانَ يُصَلِّ ساعةَ تغربُ الشَّمْسُ إذا غابَ حاجبُها(٣) . وهذا الحديثُ والذي قبلَه يَدُلانِ على أنَّ مجردَ غيبوبةِ القرص يدخلُ به وقتُ صلاة المغربِ كما يُفْطِرُ الصَّائِمُ بذلك، وهذا إجماعٌ من أهلِ العلمِ حكَاهُ ابْنُ المنذرِ، وغيرُ(٤). قَالَ أصحابُنَا والشَّفعيةُ وغيرُهُم: ولا عبرةَ ببقاءِ الْحُمْرةِ الشَّديدةِ في السَّماءِ بعدَ سقوطِ قرصِ الشَّمسِ، وغيبوبتهِ عنِ الأبصارِ، ومنهم من ٥ حَكَى رواية أحمدَ باعتبارِ غيبوبةِ هذه الحمرة، وبه قَالَ الماورديَّ مِنَ الشَّافعية، ولا يصحّ ذلكَ. وأمَّا إن بَقِيَ شيءٌ من شُعَاعِهَا على الجدرانِ أو تلك الجبالِ فلا بدَّ مِن ذَهَابه . وحكَى الطَّحاويُّ (٥) عن قوم أنهم اعتبروا معَ مغيبِ الشَّمس طلوعَ (١) كلمة ((الصافنات)) أصابها تصحيف في ((ك١)). (٣) أبو داود(٤١٧). (٥) ((شرح المعاني)) (١٥٣/١). (٢) مسلم (٦٣٦). (٤) انظر ((الأوسط)) (٣٣٤/٢). ٣٥٢ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث: ٥٦١ النَّجم (٥٤/م) ولم يسمهم(١). والظاهرُ أنّه قولُ طائفة من أهلِ البدعِ كالرَّوافضِ، ونحوهم، ولم يقلْ ذلك أحدٌ من العلماء المعتدِّ بهم. وَرَوى أبو نعيم الفضلُ بْنُ دُكَيْنِ: ثَنَا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بنِ المسيّب قَالَ: كتب عُمرُ إلى أمراء الأمصار: لاتُصلُّوا المغربَ حتى تشتبك النجوم. وهذا إنَّما يدلُّ على استحبابِ ذلك. وقد رُوي عن عمَر خلاف ذلك موافقة لجمهور الصَّحابة. والأحاديثُ، والآثارُ في كراهة التأخير حَتَّى يطلع النجمُ كثيرةٌ جدا، ومن أجودها: ما رَوَى ابْنُ إسحاق: ثَنَا يزيدُ بْنُ أبي حَبيبٍ، عن مرثد بن عَبدِ اللهِ قَالَ: قدِمَ علينا أبو أيوبَ غازيًا، وعقبةُ بْنُ عامر يَومَئذ على مصرَ فَأَخَّرَ الَغْرِبَ فَقَامَ إليه أَبو أيُّوبَ فَقَالَ لَه: ماهذه الصَّلاةُ يا عقبةُ؟ قال: شُغِلْنَا. قالَ: أَما سمعتَ من رسول الله وَله يقولُ: ((لاتزال أُمَّتِي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يُؤْخروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النجوم)»؟. خَرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابْنُ خزيمةَ في ((صحيحه)) والحاكمُ وصححه(٢). وقد خولِفَ[ابن](٣) إسحاق في إسناده. (١) في ((ك)): ((ولم يسميهم)). (٢) أحمد (٤١٧/٥، ٤٢١، ٤٢٢) وأبو داود (٤١٨) وابن خزيمة (١ /١٧٤ _١٧٥) والحاكم (١ / ١٩٠ - ١٩١). (٣) سقطت من ((ك١)) و((م)). ٣٥٣ الحديث: ٥٦١ كتاب مواقيت الصلاة فرواه حيوةُ بْنُ (٢٠٠ - أ/ ك١) شُريح، عن يزيدَ بْنِ أبي حَبيبٍ، عن أسلمَ أبي عمرانَ، عن أبي أُيُّوبَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المغربَ حينَ تَجبُ الشَّمسُ(١). ورواه ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ ورَفَعَه إلى النَّبِىِّوَلَّ(٢) وقالَ أبو زرعةَ: [حديثُ](٣) حيوة أَصحُ(٤). وخرَّج الإمامُ أحمدُ معناهُ من حديثِ السَّئبِ بْنِ يزيدَ، عن النَّبِيِّ ◌َلِلّه (٥). وبيِّلا وخَرَّجهُ ابنُ مَاجَه من حديث العبّاسِ بْنِ عبد المطّلب، عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله (٦) وستِّل . وقد رُويَ عن عمر بْنِ عبد العزيز أنَّه أخَّرَ ليلةً المغربَ حَتَّى طلع نجمان فأَعتقَ رقبتينِ كفَّارةً لتأخيرِهِ. فأمَّا الحديثُ الذي خرَّجهَ مسلمٌ من حديث أبي بصرة(٧) الغفاريِّ قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ وَلَّهَ العصرَ فقالَ: ((إنَّ هذه الصَّلاة عُرضتْ على مَنْ قبلكم فضيَّعُوها، فمن حافظ عليها كان له أجرُه مرتينٍ ولا صلاةَ بعدَها حَتَّى يطلع الشَّاهِدُ) - والشَّاهِدُ: النَّجْمُ(٨). (١) الطبراني في ((الكبير)) (١٧٦/٤). (٢) أحمد(٤١٥/٥) والطبراني (١٧٦/٤) والدار قطني (٢٦٠/١). (٣) من ((م)) . (٤) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٧٧/١)، وانظر ((العلل)) للدار قطني (١٢٤/٦ - ١٢٦). (٥) أحمد(٤٤٩/٣). (٦) ابن ماجه (٦٨٩) وانظر كلمة ابن ماجه بعده. (٧) فى((ك١)) بالنون، خطأ. (٨) مسلم (٨٣٠). ٣٥٤ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث: ٥٦١ فقد اختلف العلماءُ في تأويلهِ : فمنهم مَنْ حَمَلُه على كراهةِ التفُّل قبلَ المغربِ، حَتَّى تُصلَّى، وهو قولُ من كره ذلك من العلماء. وقالَ: قَولُه: ((لاصلاةَ بعدَها)) إنَّما هو نَهْيٌ عن التنفُّل بعدَ العصر فيستمرُّ النهيُ حتى يُصليَ المغرب فإذا فَرِغَ منها حينئذٍ جازَ التنفُّل (٢/٥٥)، وحينئذٍ تطلعُ النُّجومُ غالبًا. ومنهم مَنْ قَالَ: إنَّما أرادَ أنَّ النَّهيَ يَزول بغروبِ الشَّمسِ، وإنَّما علَّقَه بطلوعِ الشَّاهدِ لأنَّه مظِنَّةٌ له، والحكمُ يتعلَّقُ بالغروبِ نفسِهِ. ومنهم مَنْ زَعَم أَنَّ الشَّاهِدَ نجمٌ خفيٌّ يراه من كانَ حديدَ البصر بمجرد غروبِ الشَّمسِ، فرؤيته علامةٌ لغروبها . وزَعَمَ بعضُهم أَنَّ المرادَ بالشَّاهد الليلُ . وفيه بعدٌ. وقد أجمع العلماءُ على أَنَّ تعجيلَ المغربِ في أولِ وقتها أفضلُ، ولا خلافَ في ذلكَ مع الصَّحوِ في الحضرِ إلا ما رُويَ عن عمرَ - كما تقدَّم - ورُوِيَ، عنه خلافُهُ من وجوهٍ، فأمَّا في الغَيمِ ففيهِ اختلافُ سبقَ ذكرُهُ. وأمَّا في السَّفَرِ فيستحبُّ تأخيرُها ليلة النَّحرِ بالمزدلفةِ من دفع من عرفةَ حَتَّى يُصلِيهَا مع العشاءِ بالمزدلفةِ كما فَعَلَ النبيُّ ◌َّه. وفي صحَّةِ صلاتِها في طريقه قَبَلَ وُصُولِهِ إلى المزدلفة اختلافٌ يُذكرُ في موضعٍ آخر إن شاء الله . وأما [ما] (١) في غيرِ تلكَ الليلةِ في السفر فيجوزُ تأخيرها للجمع بينها، وبينَ العشاء، وقالَ مالكٌ: يُصَلِّي المقيمُ المغرب إذا غربتِ (١) من ((م). ٣٥٥ - - الحديث: ٥٦٢ كتاب مواقيت الصلاة الشَّمسُ، والمسافر لا بأسَ أن يمد ميلا ثُمَّ ينزلُ فيُصَلِّي - وقد رُويَ ذلك عن ابْنٍ(١) عُمَرَ، ورُوي عن النَّبِيِّ نَّه أيضًا. وكذلك رَخَّصَ الثوريُّ في تأخيرها في السفرِ دون الحضر، وقال: كانُوا يكرهونَ تأخيرها [في الحضرِ دونَ السَّفَرِ](٢). وهل يُسْتَحبَّ أَنْ يفصل بينَ أذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة؟ فيه ے قولان : أحدهما: يُسْتَحبُّ، وهو قولُ النخعيِّ والثوريِّ، وأحمدَ، وإسحاق، وأبي يوسفَ، ومحمد، وقالَ أبو حنيفةً: يفصلُ بينهما بسكتة (٢٠٠ - ب/ ك١) بقدر ثلاث آيات قائمًا؟ لأنَّ مبناها على التعجيل، والقائم أقرب م إليه. فإنْ وَصَل الإقامةَ بالأذان كُرِهَ عندَهُ. والقولُ الثَّاني: لايُسْتَحبَّ الفصلُ بجلوس، ولا غيره؛ لأنَّ وقتَها مُضيَّقٌ وهو قولُ مالكِ، وقال أحمدُ: الفصلُ بينهما بقدرٍ ركعتين كَمَا كَانُوا يُصَلُون الرَّكعتين في عهد النَّبِي ◌َّهِ بينَ الأذان والإقامة للمغرب - كما سيأتى في موضعه - إن شاءَ الله تعالى. وعندَ الشافعيِّ، وأصحابه: يفصلُ بينهما فصلا يسيرًا بقعدة، أو سكوت ونحوهما . الحديث الرابع: قال: ٥٦٢ - ثَنَا آدمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا عُمَرُو بْنُ دينَارِ قَالَ: سَمعتُ جَابِرَ بْنَ زَيّدٍ، عَنْ عَبَدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َ﴿َ (٥٦/ ٢) سَبْعًا جميعاً، (٢) من ((م). (١) قوله: ((ابن)) ملحق في هامش ((م)) وفوقه ((صح)) وانظر ما سبق (٢/ ٦٧). ٣٥٦ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث: ٥٦٢ وثَمَانِيًا جَميعًا. قَدْ سبقَ هذا الحديثُ في ((باب تأخير الظَّهر إلى العصر))(١)، والكلامُ عليه مستوفّی. ومقصود البخاريِّ بتخريجه في هذا البابِ أَنْ يستدلَّ به على جواز تأخير المغرب إلى آخر وقتها قبلَ غروبِ الشَّفَق، وأنَّ وقتها ممتدٌّ إلى غروب الشَّفْقَ؛ فإنَّ النَّبِيَّ وَهِ صَلَاهَا معَّ العشاءِ جميعًا في الحضرِ من علَّة. وقد حَمَلَهُ طائفةٌ من العلماء على أنَّه أخَّر المغربَ إلى آخر وَقْتها، وقدّمَ العِشاء في أول وقتها كذلك حَمَلَه عليه أبو الشَّعْثاء، وعمرو بْنُ دينارٍ، وأحمدُ في رواية عنه. وتبويب البُخاريِّ هنا يدلُّ عليه، وعلى هذا التقدير: فهو دليلٌ ظاهرٌ على امتدادِ وقتِ المغربِ إلى مغيبِ الشَّفْقِ . ويدلُّ على ذلكَ صَرِيحًا ما في ((صحيح مسلم)) عَنْ عبد الله بْن شَقيق قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عبَّاس يومًا بعدَ العصرِ حتَّى غربتِ الشَّمْسُ وبدتِ النُّجومُ، فجعلَ النَّاسُ يقولون: الصَّلاةَ! الصَّلاةَ! قالَ: فجاءه رجلٌ من بني تميم لا يفترُ ولا ينثني : الصَّلاةَ! الصَّلاةَ! فقال ابْنُ عبَّاسِ: أَتُعلِّمُنِي السَّنة، لا أمِّ لكَ، ثُمَّ قَالَ: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ جمعَ بينَ الظُّهر والعصرِ، والمغرب والعشاء. قَالَ عبدُ اللهِ بْنُ شقيقٍ: فحَاكَ في صَدْري من ذلك شيءٌ، فأتيت أبا هريرةَ فسألْتُه، فَصَدَّق مقالَتْهُ(٢). ومِمَّنْ ذهبَ إلى أنَّ وقتَ المغرب يمتدُّ إلى مغيب الشَّفْق: الحسنُ بن حي، والثوريّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ في ((الموطّا)) والشَّافعيُّ في قولٍ لَهُ رجَّحَه طائفةٌ من أصحابِهِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وَرُوِيَ عنَ ابْنِ عَبَّاس، وغيرهِ. وخرَّج مسلمٌ من حديث عبدِ الله بْنِ عمرو بْنِ العاص، عن النَّبِيِّ ◌َِ لهم (١) باب(١٢). (٢) مسلم (٧٠٥/ ٥٧). ٣٥٧ الحديث: ٥٦٢ كتاب مواقيت الصلاة قَالَ: ((إذا صلَّيتم المغرب فإنَّه وقتٌ إلى أَنْ يسقط الشفق))(١). وفي رواية له - أيضًا [وقت المغرب] (٢) مالم يَسْقُط ثَوْرُ (٣) الشفقِ))(٤). وفي رواية له - أيضًا: ((وقتُ صَلاة المغرب ما لم يَغبِ الشَّفَقُ))(٥). وقد اختُلِفَ في رَفْعِهِ ووقفِهِ(٦). وخرَّج مسلمٌ - أيضًا - من حديثٍ بُريدةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّ عن مواقيت الصَّلاة، فذكَرَ الحديثَ بطوله، وفيه أنَّه صلَّى في (٢٠١ - أ/ ك١) اليومِ الأولِ المغربَ حينَ وَجبتِ الشَّمْسُ، وفي اليومِ الثَّاني صَلَّى قبلَ أَنْ يقع الشَّفْقُ وَقَالَ: (( ما بينَ ما رأيتَ وقتُ)(٧). وَخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ [والترمذيُّ من](٨) حديثِ محمد بْنِ فُضيل ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِوَخَ ((إنَّ الصَّلاة أوَّلا وآخرًا)) فذكرَ الحديث. وفيه: (( وإن(٩) أولَ وقت (٥٧/ م) المغرب حِينَ تغرب الشَّمسُ، وإنَّ آخرَ وقتها حينَ يَغيب الأُفقُ))(١٠). وله عِلَّةٌ: وهي أنَّ جماعةً رَوَوَهُ، عن الأعمش، عن مجاهد قَالَ: كان يقالُ ذلك. وهذا هو الصحيحُ عندَ ابْنِ معينٍ، والبخاريِّ، والتِّرَّمذيِّ، (٢) ليس في ((ك١)). (١) مسلم (١٧١/٦١٢). (٣) محتملة في ((م)) وفي ((ك(١)) بالنون مكان الثاء المثلثة، والصواب بالمثلثة كما في ((صحيح مسلم))، ومعناه: ثورانه وانتشاره. وفي رواية أبي داود: ((فور)) بالفاء، وهو بمعناه. قاله النووي . (٤) مسلم (٦١٢/ ١٧٢). (٥) مسلم (٦١٢/ ١٧٣). (٦) وسبق عن المؤلف - أيضًا - (ص٢٨٩) الإشارة إلى ذلك تحت الحديث (٥٥١). (٧) مسلم (٦١٣ /١٧٧). (٨) لعله ضرب عليها في ((م)) وكما سبق: إنها نسخة سيئة التصوير لكثرة الخطوط الطولية والعرضية فيها. وقد سبق ذكر ذلك في ((المقدمة)). (٩) في ((ك١)): ((وفيه إن)). (١٠) أحمد (٢٣٢/٢) والترمذي (١٥١) والبيهقي (٣٧٥/١ - ٣٧٦) وابن حزم في ((المحلى)) (١٦٨/٣). ٣٥٨ ١٨ - باب وقت المغرب الحديث: ٥٦٢ وأبي حاتم، والبزَّار، والعقيليِّ، والدارقطنيٍّ، وغيرهم (١). وذهب طائفةٌ إلى أنَّ للمغرب وقتًا واحدًا حينَ تغربُ الشَّمْسُ ويتوضأُ ويُصَلِّي ثلاثَ ركعات. وهو قولُ ابْنِ المباركِ، ومالكِ في المشهورِ عنه، والأوزاعيِّ والشَّافعيِّ في ظاهرِ مذهبه، واستدلُّوا بأنَّ جبريلَ صَلَّى بِالنَّبِّ وَِّ المغربَ في اليومينِ في وقتٍ واحدٍ، وصلَّى به سائرَ الصَّلوات في وقتينٍ. وزَعَمَ الأثرمُ أنَّ هذه الأحاديثَ أثبتُ، وبها يُعمَلُ، ومَنْ قال: يمتد وقتها قال: قد صحَّ حديثُ بُريدةَ، وكان ذلك من فعل النَّبِيِّ وَجَل بالمدينة فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل، وفي حديث عبد الله بنِ عَمْرِو أنَّ النَّبِي وَّهِ بَيَّن ذلكَ بقولِهِ، وهو أبلغُ من بيانِهِ بفعلِهِ ويعضِّدُهُ عمومُ قولِهِ وَّله في حديث أبي قتادةَ ((إنَّمَا التَّفريطُ في اليقظة))(٢): أن (١) انظر كلامهم في ((الجامع)) للترمذي (٢٨٤/١ - ٢٨٥) عقيب الحديث (١٥١) وفي ((العلل الكبير)) - له - (ص ٦٢ - ٦٣) و((العلل)) لابن أبي حاتم(٢٧٣) و((تاريخ الدوري)) (٣٩٣/٣) (٦٦/٤) و((السنن) للدار قطني (٢٦٢/١) و((الضعفاء) للعقيلي (١١٩/٤) و((السنن)) للبيهقي (٣٧٦/١) و((التنقيح)) لابن عبد الهادي (٦٣٦/١). فكلهم أعلُّوه بأن ابن فضيل أخطأ فيه، وكأنه سار على الجادة. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٨٦/٨ - ٨٧): «هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر، وهو خطأ لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد إلا محمد بن فضيل، وقد أنكروه عليه. حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: قال لنا محمد بن نمير: هذا الحديث: حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في المواقيت: خطأ، ليس له أصل)). وأورد كلمة ابن معين، وهي في ((تاريخ الدوري)). هذا وقد صحح البعض هذا الحديث اعتمادًا منهم على ثقة رواته ، وليس كما قال؛ فإنه منكر عند جميع أهل الحديث كما قال ابن عبد البر. (٢) أخرجه مسلم (٦٨١) وانظر ((تاريخ البخاري))(٨٤/٥). ٣٥٩ الحديث: ٥٦٢ كتاب مواقيت الصلاة يؤخِّر صلاة حَتَّى يدخل وقتُ الأخرى خَرَجَ من عمومِ ذلك الصبح حَا الله بالنُّصوصِ والإجماعِ بَقِي(١) ما عداها داخلا في العموم؛ ولأنَّ النبيَّ وَسلم أَمَرَ مَنْ حضره العشاءُ بتقديمه على الصَّلاة، ولولا اتِّساع وقتِ المغربِ لكان تقديمُ العشاء تفويتًا للمغرب عن وقتها للأكلٍ، وهو غيرُ جائز؛ ولأنَّ الجمعَ بينَ المغرب والعشاءِ جائزٌ في وقتِ المغربِ للعذر بالاتفاق من القائلين بأنَّ وقتَها واحدٌ، ولا يمكن الجمعُ بينهما في وقتِ المغربِ إلا مع امتدادٍ وقتها واتساعهِ لوقوع الصلاتين. ولعل البخاريَّ إنما صدَّرَ البابَ بقول عطاءِ: «يجمعُ المريضُ بين المغرب والعشاء )) لهذا المعنى الذي أَشرْنَا إليه والله أعلمُ. ومتى غابَ الشَّفْقُ فَاتَ وقتُ المغربِ بإجماعٍ مَنْ سَمِّينَا ذكرَه، ورُويَ عن عطاء، وطاوسٍ: لا يفوتُ حتَّى يفوتَ العشاء بطلوعِ الفجرِ . وحُكِي، روايةً عن مالكِ - أيضًا - ، والأحاديث المذكورةُ تردُّ ذلك. واختلفوا في الشَّفْقِ الذي يفوتُ وقتُ المغربِ بمغيبهِ. هل هو الحُمْرةُ أو البياضُ؟ على قولينِ. ومذهبُ الثوريِّ، ومالكِ، والشَّافعيِّ أنَّه الحمرة. ومذهبُ أبي حنيفةَ، والمزنيِّ أنَّه البياضُ. واختلفَ قولُ أحمدَ وأصحابهِ في ذلكَ، وسنذكُرُهُ فيما بعد - إن شَاءَ الله تعالی (٥٨/ م). (١) في ((ك١)): ((بقا)) وضبب فوقها، وأصلحها في ((م)). ٣٦٠