النص المفهرس
صفحات 321-340
١٦ - باب فضل صلاة العصر الحديث: ٥٥٤ بالقبولِ والتصديقٍ . قالَ يزيدُ بْنُ هَارونَ: من كذَّبَ بهذا الحديث فهو بَرِيءٌ من الله ورسولهِ. وقالَ وكيعُ: من رَدَّ هذا الحديثَ فاحْسَبُوهُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ. وكانَ حُسينٌ الجعفيُّ إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ قَالَ: زَعَمَ المريسي. وقولُهُ: ((لا تضَامونَ فِي رُؤْنِهِ) قَالَ الخطَّبيُّ: ((لا تَضَامُّونَ) رُوِيَ على وجهين : مَفْتوحة النَّاءِ مُشَدَّدة الميمِ وأصلُهُ يَتَضَامُّونَ - أي: لا يُضَامُّ بعضُكم بعضًا أي: لا يزاحمُ - من الضَّمِّ - كما يفعلُ النَّاسُ في طلبِ الشيءٍ الخفيِّ يريدُ أنَّكم ترونَ رَبَّكُمْ، وكلُّ واحدٍ منكم واحد في مكانِهِ لا ينازعه فیه أحدٌ. والآخرُ: مُخفَّفٌ تُضامُونَ بضمِّ التَّاءِ، من الضيمِ أي: لا يضيم ٩ بَعْضُكم بعضًا فيه، انتهى(١). وذكرَ ابنُ السَّمَعانيِّ فيه روايةً ثالثةً ((تُضَامَّونَ)) بضمِّ التاءِ، وتَشْدیدِ الميم قال: ومَعْنَاهَا: لا تُزَاحِمُونَ. قال: رواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها: لا تزاحمون. وقولُه: (كَمَا تَرَوْنَ القمرَ ليلةَ البدرِ)) يُقَوِّي المعنى الأولَ، وجاءَ التَّصريحُ به في روايةِ أبِي رَزِينِ العُقُيليِّ أَنَّه قالَ: يا رسولَ اللهِ، أكلُّنَا يَرَى ربَّهُ يومَ القيامةِ؟ وما آية ذَلك في خلقِهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أليسَ (١) ((أعلام الحديث)) (٤٣٠/١ - ٤٣١) و ((معالم السنن)) (٣٢٩/٤). ٣٢١ الحديث: ٥٥٤ كتاب مواقيت الصلاة كلُّكُمْ ينظرُ إلى القمرِ مُخلّيًا به))؟ قَالَ: بلى، [قَالَ](١): ((فاللهُ أعظمُ)). خرَّجَه الإمام أحمدُ، وخرَّجه ابنُه عبدُ الله في ((المسندِ» بسياقِ مُطوَّلٍ جدا، وفيه ذكرُ البعث، والنُّشور، وفيه: ((فيخرجونَ من الأهوال(٢) أو من مَصَارعِكم فتنظرونَ إليه، وينظرُ إليكم قَالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، وكيفَ ونحنُ مِلءُ الأرضِ وهُوَ شخصٌ واحدٌ ينظرُ إلينا وننظرُ إليه؟ قَالَ: (٣٩/م) ((أنبِتُكَ بمثلِ ذلكَ: الشمسُ، والقمرُ آية منه صغيرةٌ تَرَوْنَهما وتَرَيانكم ساعةً واحدةً، وتريانهما لا تُضَامُّونَ في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدرُ على أَنْ يراكم، وترونَه منهما إذ ترونهما ويريانكم لا تُضَارون(٣) في رؤيتهمَا))(٤). وذكرَ بقيةَ الحديث (٥). وخرّجَهَ الحاكمُ وقال: صحيحُ الإسنادِ(٦). وقد ذكرَ أبو عبد الله بْنُ منده إجماعَ أهلِ العلمِ على قبولِ هذا الحديثِ، ونقلَ عبَّاسٌ الدوريُّ، عن ابنِ معينٍ أَنَّه اسْتَحْسَنَهَ(٧). وقَوْلُهُ: ((فإن استطعتمْ أن لا تُغْلَبُوا(٨) على صَلاة قبلَ طُلوع (١٩٣ - (١) من ((م)). (٢) فى ((المسند)) وكذا ((زاد المعاد)) (٦٧٥/٣) - وقد نقله بنصه -: ((الأصواء)) والأصواء يعني: القبور. انظر ((النهاية)) مادة: صوى. (٣) في ((ك١)): ((لا تضامون)). (٤) («المسند» (١١/٤، ١٢، ١٣ - ١٤). (٥) وفي الحديث اختلاف في السياق عما في ((المسند)) وانظر ((زاد المعاد)) (٦٧٣/٣ - ٦٧٧) فقد نقله . (٦) ((المستدرك)) (٥٦٠/٤، ٥٦٤)، وانظر ((تلخيص الذهبى)) و((اختصار ابن الملقن)) (٣٤٧٩/٧ - ٣٤٨٩). (٧) انظر ((زاد المعاد)) (٦٧٧/٣ - ٦٧٨) و((الرؤية)) للدارقطني (١٨٦ - ١٩١). (٨) في ((م)): ((أن تغلبوا))، وأقحمت ((لا)) في («ك١). ٠٫٠ ٣٢٢ ١٦ - باب فضل صلاة العصر الحديث: ٥٥٤ ب / ك١) الشَّمْس وقبلَ غُروبها فافعلوا)) أمرٌ بالمحافظة على هاتينِ الصَّلاتينِ، وهُمَا صَلاةُ الفجر وصلاة العصرِ . وفيه إشارةٌ إلى عظَم قدرِ هَاتينِ الصَّلاتين، وأَنَّهما أَشرفُ الصَّلوات الخمسِ؛ ولهذا قيلَ في كلٌّ منهما: إنَّها الصَّلاةُ الوسْطَى. والقولُ بأنَّ الوسطى غيرُهُما لا تعويلَ عليه. وقد قيلَ في مناسبةِ الأمرِ بالمحافظةِ على هاتينِ الصَّلاتينِ عَقِيبَ ذكرِ الرؤية: إنَّ أعلى ما في الجنَّةِ رؤيةُ اللهِ - عزَّ وجلَّ -، وأشرفَ ما في الدنيا مِنَ الأعمال هاتان الصَّلاتان فالمحافظةُ (١) عليهما يُرْجَى بها دخولُ الجنَّة، ورؤيةُ الله - عزَّ وجلَّ - فيها كما في الحديثِ الآخرِ: ((من صَلَّى البردينِ دَخَلَ الجنَّة)). وسيأتي - إنْ شَاءَ اللهُ - في موضِعِهِ. وقيلَ: هو إشارةٌ إلى أنَّ دخولَ الجنة إنما يحصلُ بالصَّلاةِ مع الإيمانِ: فَمَنْ لا يصلّي فليسَ بمسلمٍ، ولا يدخلُ الجنَّةَ؛ بل هو من أهلِ النَّارِ؛ ولهذا قالَ أهلُ النَّارِ لَّا قيلَ لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرِ قالوا لم نك (٢) مِنَ الْمُصلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]. ويظهرُ وجهٌ آخر في ذلكَ وهو أنَّ أعلى أهل الجنَّةِ منزلةً من ينظرُ في وجه الله - عزَّ وجلَّ مرتين بُكْرَةً وَعَشيا، وعمومُ أهلِ الجنَّةِ يرونَه في كلِّ جمعةٍ في يومِ المزيدِ . والمحافظةُ على هاتينِ الصَّلاتينِ على ميقاتِهِمَا، ووضوئهما، وخشوعهما، وآدابهمَا يُرْجَى به أنَّ يُوجبَ النَّظرَ إلى الله عزَّ وجلّ في ٠٠ (١) في ((ك١)): ((والمحافظة)). (٢) في ((م)) و((ك١)): ((نكن) ٣٢٣ الحديث: ٥٥٤ كتاب مواقيت الصلاة الجنَّةِ في هذينِ الوقتين، ويدلُّ على هذا: ما رَوَى ثُويرُ بْنُ أبي فَاختةَ قَالَ: سمعتُ ابْنَ عمرَ يقولُ: قَالَ رسولُ اللهِ وَِّ:((إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جنَّاتِهِ، وأزواجهِ، ونعيمه، وخدمه وسروره مسيرةَ ألف سنة، وأكرمُهُمْ على الله مَنْ ينظرُ إلى وجهه غدوةٌ وعَشيا))، ثُمَّ قرأَ رسولُ الله وَ لَه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضرةٌ إلى ربِّها نَاظرةٌ(١)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ - وهذا لفظُه(٢). وخرَّجَه - أيضًا - موقوفًا على ابنِ عمرَ، وتُويرٌ فيه ضعف (٣). وقد رُويَ هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلميِّ مرفوعًا أيضًا، وفي إسناده ضعف (٤٠/م). وقالَه غيرُ واحد من السَّلْف، منهم: عبدُ الله بْنُ بريدةَ، وغيرُه. فالمحافظةُ على هاتينِ الصَّلاتينِ يكونُ سبًا لرؤيةِ اللهِ في الجنّةِ في مثلٍ هذينِ الوقتينِ، كما أنَّ المحافظةَ على الجمعةِ سبب لرؤيةِ اللهِ في يومٍ المزيدِ في الجنَّة كما قالَ ابْنُ مسعود: سَارِعُوا إلى الجمعات؛ فإنَّ اللهَ يبرزُ الأهلِ الجنَّةِ في كلِّ جمعةٍ على كثيبٍ من كافورِ أبيضَ فيكونونَ منه في الدنوِّ على قدرِ تبكيرِهم إلى الجمعاتِ(٤). ورُوِيَ عنه مرفوعًا، خرَّجَهَ ابْنُ ماجه(٥). (١) في ((ك١)) و((م)) بالضاد المعجمة. (٢) أحمد (١٣/٢، ٦٤) والترمذي (٢٥٥٣). (٣) انظر ((العلل)) للدار قطني (٤/ ق ٦٣ - أ، ب). (٤) أخرجه الدارقطني في ((الرؤية)) (١٦٥، ١٦٦). (٥) ابن ماجه (١٠٩٤)، وفيه ضعف. ٣٢٤ ١٦ - باب فضل صلاة العصر الحديث: ٥٥٤ ورُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ دخل الجنَّةَ من أهلِ القرى لم ينظرٌ إلى وجه الله؛ لأنّهم لا يشهدونَ الجمعةَ. خرَّجَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بْنُ جعفرٍ في كتابِ ((الشَّفِي)) بإسنادٍ ضعيف . وقد رُوِيَ من حديث أنسٍ مرفوعًا أنَّ النِّساءَ يَرَيْنَ رَبَّهنَّ في الجنَّةِ [في] (١) يومي العيدين. والمعنى في ذلك أنَّهنَّ كنَّ يُشَارِكْنَ الرِّجالَ في شهود (١٩٤ - أ/ ك١) العيدينِ دونَ الجمعِ. وَقَوْلُهُ: ((ثُمَّ قرأَ: فسبِّحْ (٢) بحمد ربك قبل طلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ حت االله الغروبِ)) الظاهرُ أنَّ القارئَ لذلك هو النّبيّ نَّه . وقد رُوِيَ من روايةٍ زيدٍ بْنِ أبي أنيسةَ، عن إسماعيلَ بْنِ أبي خالدِ، عن جَرِيرٍ البجليِّ في هذا الحديثِ: ثُمَّ قرأَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ ((فَسَبِّحْ(٣) بحمد ربِّك)) الآية. خرَّجه أبو إسماعيلَ الأنصاريّ في كتابِ ((الفاروق)) - وقد قيلَ: إنَّ هذه الكلمةَ مدرجةٌ؛ وإنَّما القارئُ هو جريرُ بْنُ عبد الله البجليّ(٤) وقد خرَّجَهَ مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) عن أبي خيثمةَ، عن مروان بن (١) من (م)). (٢) التلاوة بالواو، وسبق أول الحديث. (٣) كذا بالفاء ومثله ((الرؤية)) للدار قطني. (٤) انظر ((الرؤية)) للدار قطني (١٢٩، ١٣٠) و((الأوسط)) للطبراني (٨٠٥٧) (٩٣٠١) وسبق عن المؤلف تحت الحديث (٥٢١). ٣٢٥ الحديث: ٥٥٥ كتاب مواقيت الصلاة معاويةَ. فذكر الحديثَ وقال في آخره: ثُمَّ قرأَ جريرٌ ((فَسَبِّحُ(١) بحمد ربك قبل طلوع الشَّمْسِ وقبلَ الغروبِ))(٢). وكذا رواهُ عمرو بْنُ زرارةَ، وغيرُهُ، عن مروانَ بْنِ معاويةَ، وأدرجَه عنه آخرونَ. الحديثُ الثَّاني: ٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أبنا(٣) مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ(٤) وَ قَالَ: ((يَتَعَاقُبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّلِ، وَمَلائِكَةٌ بالَّهارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ، وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ كَانُوا فِيَكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ). قَوْلُهُ: ((يتعاقبونَ فيكم ملائكةٌ)) جَمعَ فيه الفعلَ مع إسنادِهِ إلى ظاهرٍ، وهو مُخرَّجٌ على اللغةِ المعروفةِ بلغةِ ((أكَلُوني البراغيثُ)). وقد عرَّفَهَا بعضُ متأخِّري النُّحاةِ بهذا الحديثِ فقالَ: هي لغةُ ((يتعاقبونَ فيكمْ ملائكةٌ)). والتَّعاقبُ التَّناوبُ، والتَّداولُ. والمعنى أَنَّ كلَّ ملائكة تأتي تعقب (٤١/ م) الأخرى. وقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ملائكةَ الليل غيرُ ملائكة النَّهار. وقد خرَّجَا في (الصحيحين)) من حديثِ الزّهْريِّ، عن سعيدٍ، وأبي سلمةَ، (١) في ((صحيح مسلم)) بالواو. (٢) مسلم (٦٣٣ / ٢١١). (٣) فى ((اليونينية)): ((أخبرنا)) وفي نسخ: ((حدثنا)). (٤) فى ((اليونينية)): ((أن رسول الله)). ٣٢٦ ١٦ - باب فضل صلاة العصر الحديث: ٥٥٥ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ بَ ◌ّهِ قالَ: ((تجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفجرِ))، ثُمَّ يقولُ أبو هريرةَ: اقْرَأَوا إِنْ شِئْتُم ﴿إِنَّ قرآنَ الفجرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٨] ففي هذه الروايةِ ذَكَرَ اجتماعَهم في صلاة الفجرِ، واستشهدَ أبو هريرةَ بقول الله عزَّ وجلَّ ﴿إِنَّ قرآنَ الفجرِ كانَ مشهودًا﴾ . وقد رُوِيَ في حديثٍ من رواية أبي الدَّرداءِ مرفوعًا أنَّه يشهدُهُ الله، وملائكتهُ، وفي رواية ((ملائكةُ الليل وملائكة النَّهار)). خرَّجَه الطبرانيُّ، وابنُ منده، وغيرُ هما (٢). فقد يكونُ تخصيصُ صلاة الفجر لهذا، وصلاةُ العصرِ تجتمعُ فيها ملائكةُ الليلِ والنَّهار - أيضًا - كما دلَّ عليه حديثُ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ. وقد رُويَ نحوُهُ من حديثِ حُميدِ الطّويلِ، عن بكرٍ المزنيِّ، عن النَّبِّ وَِّ مُرْسَلًا. وهؤلاء الملائكةُ يحتملُ أنَّهم المعقبات وهم الحفظةُ، ويحتملُ أنَّهم كتبةُ الأعمال. وَرَوَى أبو عبيدةَ، عن أبيه عبدِ الله بْنِ مسعودٍ في قولِهِ: ﴿إِنَّ قرآنَ الفجر كانَ مشهودًا﴾ قَالَ: يعني صلاةَ الصَّبحِ يتداركُ فيه الحارسان ملائكةُ اللَّيلِ وملائكة النَّهارِ(٣). (١) البخاري (٦٤٨) ومسلم (٦٤٩). (٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٣٥)، وانظر ((التفسير)) لابن كثير (١٠٠/٥). (٣) الطبري في ((التفسير)) (٩٤/١٥). ٣٢٧ الحديث: ٥٥٥ كتاب مواقيت الصلاة وقالَ إبراهيمُ، عن الأسودِ بْنِ يزيدَ: يَلْتقي الحارسانِ مِنْ ملائكة الليلِ، وملائكة النَّهار عندَ صلاة الصَّبح فَيُسَلِّمُ بعضُهم على بعضٍ، ويُحِّي بعضُهم بعضًا. فتصعدُ ملائكةُ الليلِ، وتبسط ملائكةُ النَّهارِ. قالَ ابْنُ المبارك: وُكِّلَ بابنِ آدمَ خمسةُ أملاك: مَلكَا الليل، ومَلكَاً النَّهارِ (١٩٤ - ب/ ك)) يجيئانِ، وَيَذْهبانِ، والخامسُ لا يفارقُه ليلا ونهاراً. ومِمَّنْ قالَ: إنَّ ملائكةَ اللَّيلِ، وملائكةَ النَّهارِ تجتمعُ في صلاةٍ الفجرِ، وفسَّرَ بذلكَ قولَ الله عزَّ وجلَّ ﴿إِن قرآنَ (١) الفجر كانَ مشهودًا﴾: مجاهدٌ، ومسروقٌ، وغيرُهُمَا. قالَ ابْنُ عبد البرِّ: والأظهرُ أَنَّ ذلكَ في الجماعات. قالَ: وقد يحتملُ الجماعات وغيرَهَا(٢). قلتُ: يشهدُ للأولِ: قولُ النَّبِيِّ وَِّ: ((إذا أمَّنَ الإمامُ فَأَمِّنُوا؛ فمن وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبه))، ونهيُ النَّبِيِّ،وَهِ مَنْ أكَلَ الثُّومَ أن يشهد المسجد، وتعليلُه أَنَّ الملائكةَ تَتَأَذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منه بَنُو آدم(٣) . وقد بوَّبَ البخاريُّ على اختصاصهِ بالجماعاتِ في «أبوابِ صلاةِ الجماعة))، كما سيأتي في موضِعِهِ، إن شاءَ الله تعالى. ويشهدُ الثَّاني: (٤٢/م) أن المصلي يُنْهَى عن أن يبصق في صلاته عن يمينه؛ لأن عن يمينه ملكًا، ولا يفرق في هذا بين مصلي جماعة وفرادى. (١) في ((م)) و((ك)): ((وقرآن)). (٢) من قوله: ((قال ابن عبد البر)) إلى هنا ليس في ((ك١)). (٣) متفق عليهما، إلا أن ذكر العلة في الحديث الثاني تفرد به مسلم وحده، والله أعلم. ٣٢٨ الحديث: ٥٥٦ ١٧ - بَاب ◌ٌ(١) مَنْ أَدْرَكَ منَ الْعَصْرِ (٢) رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوب فيه ثلاثةُ أحاديثَ: الأولُ: ٥٥٦ _ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ(٣) رَسُولُ اللهِّ: ((إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيْتِمَّ صَلَانَةُ». وقد خرَّجَه - فيما بعدُ من وجه آخر -، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ كيا الله ولفظُه: «مَن أَدركَ مِن الصبحِ ركعةً قَبَلَ أنَ تَطْلعَ الشمسُ فَقَدْ أَدركَ وَسَلمُ الصبحَ، ومن أدركَ رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تغربَ الشَّمْسُ فقد أدركَ العصر))(٤). ومقصودُ البخاريِّ بهذا الحديثِ في هذا البابِ أنَّ وقتَ العصرِ يمتدُّ إلى غروبِ الشَّمْسِ؛ ولهذا جعلَه مدركًا لها بإدراك ركعة منها قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، فإدراكُها كلِّها قبلَ الغروبِ أولى أن يكونَ مدركًا لَهَا. وقد سبقَ قولُ مَنْ قالَ: إنَّ وقتَ العصرِ إلى غروبِ الشّمْسِ منهم: (١) كذا في ((ك))، وفي («اليونينية)): ((بابُ)). (٢) في ((ك)): ((صلاة العصر))، وكان في ((م): ((من أدرك صلاة العصر)) ثم ضرب على ((صلاة)) وأضاف ((من)) و((ركعة)). (٣) زاد في ((اليونينية)): ((قال)). (٤) حديث (٥٧٩). ٣٢٩ الحديث: ٥٥٦ كتاب مواقيت الصلاة ابنُ عبَّاسٍ، وعكرمةُ. وهو روايةٌ، عن مالك، والثوريِّ، وهو قولُ إسحاق، قال إسحاقُ: آخرُ وقتها للمفرِّط، وصاحبُ عذر هو قدرُ ما يبقى إلى غروبِ الشَّمْسِ ركعةٌ. فَقَلَه عنه ابْنُ منصورٍ، وحكي مثلُه عن داودَ، ورُوِيَ، عن أبي جعفرِ محمدِ بْنِ عليّ ما يُشْبهُهُ، وهو وجهٌ ضعيفٌ للشَّافعية مبنيٌّ على قولِهِم: إنَّ الصلاةَ كلَّها تقعُ أداءً - كما سيأتي. والصحيحُ عندهم: أنَّه لا يجوزُ التأخيرُ حتَّى يبقى من الوقتِ ركعةٌ، وإنْ قيلَ: إنها [إذا](١) كمذهبنا ومذهب الأكثرينَ، وأكثرُ العلماء على أنَّ تأخيرَها إلى أَنْ يبقى قدرُ ركعةٍ قبلَ الغروبِ لا يجوزُ لغيرِ أهلِ الأعذارِ. وهو قولُ الأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثورٍ، وحكاه عن العلماء . وقد دلَّ على ذلكَ: ما خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) من حديث عبدالله ابْنِ عَمَرٍو، عن النَّبِيِّ بَِّ قالَ: ((وقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشَّمْسَ) (٢). ومن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَ ◌ّهِ قال: ((تلكَ صلاةُ المنافقِ يجلسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذا كانتْ بينَ (٤٣/م) قرْني الشَّيطان قامَ فنقر أربعًا (١٩٥ - أ/ ك١) لا يذكرُ اللهَ فيها إلا قليلا))(٣). (١) من ((م)). (٢) مسلم (٦١٢)، وسبق (ص٢٨٩)عن المؤلف أن أشار إلى أن هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه تحت الحديث (٥٥١). (٣) أخرج مسلم (٦٢٢) هذا الحديث بهذا اللفظ، ولكنه من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس. ولا يوجد في مسلم ولا غيره - من الستة - رواية العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة لهذا الحديث، والله أعلم. ٣٣٠ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٦ وخرَّجَه أبو داودَ بمعناه، وزادَ: ((حَتَّى إذا اصْفَرَّت الشَّمْسُ فكانتْ بين قرنى الشيطانِ - أو على قرنيِ الشَّيْطَانِ)(١). وَذَكَرَ بَاقِيَّةُ (٢). فهذا يدلُّ على تأخيرِها إلى بعدَ اصفرارِ الشَّمْسِ، وتضيفها للمغرب غيرُ جائزٍ لمنْ لا عذرَ لَهُ وأجمعَ العلماءُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى بعضَ العصرِ، ثم غربتِ الشَّمْسُ أَنَّه يُتُمُّ صلاتَهُ، ولا إعادةَ عليه، وأجمعوا على أَنَّ عليه إتمامَ ما بَقِيَ منها، وهو يدلُّ على أنَّ المرادَ بإدراكِهَا إدراكُ وَقْتها، واختلفوا في الواقعِ منها بعدَ غروبِ الشَّمْسِ هل هو أداء، أو قضاء؟ وفيه وجهانٍ لأَصْحَابِنَا، والشَّافعيَّة. أحدُهما: أنَّه قضاءٌ. وهو قولُ الحنفيَّةِ لوقوعٍ(٣) خارجَ الوقتِ. الثَّاني: أنَّه أداءٌ، وهو أصحُ عندَ أصحابِنَا والشَّافعيةِ لقولِهِ وَلَه: ((فَقَدْ أدركَهَا». وللشَّافعية وجهُ آخر: أَنَّها كلَّها تكونُ قضاء، وهو ضعيفٌ. هذا كلُّه إذا أدركَ في الوقتِ ركعةً فصاعدًا، فإن أدركَ دونَ ركعة. فقيه للشَّافعيةِ طريقانِ : أحدُهما: أنَّه على هذا الخلاف - أيضًا. والثَّاني: أنَّ الجميعَ قضاءٌ. وبه قطعَ أكثرُهُمْ. وأمَّا مذهبُ أصحابنا: فقالَ أكثرُهُمْ: لا فرقَ بينَ أن يدركَ في الوقت (١) أبو داود (٤١٣) عن العلاء، عن أنس. (٢) في ((ك)): ((وذكرنا فيه)) وفي ((م): ((وذكر بافيه)) بالفاء. (٣) كذا، وفي ((م)): ((کوقوع)). ٣٣١ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة ركعةً، أو ما دونَها حتى لو أدركَ تكبيرة الإحرامِ كانَ كإدراكِ ركعةٍ، واستدلُّوا بحديث ((مَنْ أدركَ سجدةً)) وقالوا: المرادُ به قدرُ سجدة. وفيه نظرٌ؛ فإنَّ السجدةَ يرادُ بها الركعةُ، وهو المرادُ من هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. وحَكَى بعضُهُمْ روايةً عن أحمدَ أنَّه لا يكونُ مدركًا لها في الوقتِ بدون إدراك ركعة كاملة، وبذلكَ جزمَ ابْنُ أبي موسى في ((إرشاده))، وجعلَه ہے مذهبَ أحمدَ، ولم يَحْك عنه فيه خلافًا - فعلى هذا ينبغي أن يكونَ الجميعُ قضاءً إذا لم يُدْرِكْ في الوقتِ ركعةٌ، وهو ظاهرُ قولِ الأوزاعيِّ. الحديثُ الثَّاني: قَالَ: ٥٥٧ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ إنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ (١) كَمَا بَيْنَ صَلاة الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِي أَهْلُ النَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأَعْطُوا قِرَاطًا قِرَاطًا، ثُمَّ أُوِي أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأَعْطِنَا قِيرَطِيْنِ قِرَاطِيْنٍ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّا! أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِرَاطِيْنِ قِيِرَاطِيْنٍ ، وَأَعْطَيْتَنَا قيرَاطًا قيراطًا، وَنَحْنُ (٢) أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ اللهُ(٣) عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ ٠ (١) في ((اليونينية)): ((قبلكم من الأمم)). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((كنا)). (٣) فى ((اليونينية)): ((قال: قال الله عز وجل)). ٣٣٢ الحديث: ٥٥٧ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب مِنْ (٤٤ /م) أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِه مَنْ أَشَاء)). وَقَوْلُهُ بِهِ: ((إِنَّمَا بَقَاؤُكُم فيما سَلَفَ مِنَ الأممِ قبلكم)) إنَّما أرادَ به - واللهُ أعلمُ - أَتْباعَ موسى، وعيسى - عَليهما السَّلامُ - وقد سَمَّى اللهُ بني إسرائيل(١) بانفرادهم (٢) أممًا فقالَ ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ في الأرضِ أُعَمَا﴾ [الأعراف: ١٦٨]؛ ولهذا فسَّر النبيّ ◌ِّهِ (١٩٥ - ب/ ك١) ذلكَ بعملِ أهلِ التَّوراةِ بها إلى انتصاف النّهارِ، وعمل أهل الإنجيلِ إلى العصرِ، وعملِ المسلمينَ بالقرآنِ إلى غروب الشّمسِ. ويدلُّ على ذلكَ - أيضًا - حديثُ أبي موسى الذي خرَّجَه البخاريُّ بعدَ هذا، ولفظُه: ((مثلُ المسلمينَ، واليهودِ، والنَّصارى كمثلِ رجل استأجرَ قومًا يعملونَ له إلى الليلِ)). وذكرَ الحديثَ كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ [تعالى](٣). وإنَّما قلنا: إنَّ هذا هو المرادُ من الحديث؛ لأنَّ مدةَ هذه الأمة بالنسبة إلى مدةِ الدنيا من أولها إلى آخرِهَا لا يبلغُ قدرَ ما بينَ العصرِ إلى غروبِ الشَّمْسِ بالنسبةِ إِلى مَا مَضَى مَن النَّهارِ؛ بل هو أقلُّ من ذلكَ بکثیر . ويدلُّ عليه صريحًا: ما خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ من حديثِ أبي سعيدِ أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى بهم صلاةَ العصرِ يومًا بنهارِ، ثُمَّ قامَّ خَطيبًا فلم يدعْ شيئًا يكونُ إلى قيامِ السَّاعةِ إلا أخبرنا بهِ. فذكرَ الحديثَ بطولِهِ وقال في آخرِهِ: قالَ: وجعلنا نلتفتُ إلى الشَّمْسِ هل بقي منها شيء، فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((ألا إنَّه لم يبقَ من الدنيا فيما مَضَى إلا كما (١) في ((ك١)): ((نبي بني إسرائيل))، وضرب في ((م)) على كلمة ((نبي)). (٢) في ((ك)): ((فانفرادهم)). (٣) من ((ك١)). ٣٣٣ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة بَقِيَ من يومِكم هذا فيما مَضَى منه))(١) وقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ(٢). وخرَّجَ الإِمامُ أحمدُ من حديثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنَّا جلوسًا عندَ النَّبِيِّ وَّهِ وَالشَّمْسُ عَلَى فُعَيْقِعانَ(٣) بَعَدَ العصرِ، فقالَ: ((ما أعمارُكم في أعمار مَنْ مَضَى إلا كَمَا بَقِيَ مِنَ النَّهارِ فيما مَضَى منه)»(٤). ومن حديثِ ابْنٍ عُمَرَ أَنَّه كانَ واقفًا بعرفاتٍ ينظرُ إلى الشَّمْسِ حينَ تَدَلَّتْ مِثْلَ التَّرسِ للغروبِ فبكى وقَالَ: ذكرتُ رسولَ الله وَلِ وهو واقفٌ بِمَكَاني هذاَ فقالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ لم يبقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فيمَا مَضَى إلا كما بَقِيَ مَن يومِكُم هذا فيما مَضَى منه))(٥). ويشهدُ لذلك من الأحاديثِ الصحيحةِ: قولُ النَّبِيِّ وَلِّ: (( بعثتُ أنا والسَّاعةُ كهاتين)) وقرنَ بين أُصبعيه: السّابةِ والوسطى. خرَّجَاهُ في ((الصَّحيحينِ)) من حديث أنسٍ(٦) . وخرَّجَاه - أيضًا - بمعناه من حديث أبي هريرةَ، وسهلٍ بْنِ سعدٍ (٧). وخرَّجَه مسلمٌ بمعناه من حديث جابر (٨). (١) أحمد (١٩/٣) والترمذي (٢١٩١). (٢) في ((التحفة)): ((حسن)) وفي المطبوع: ((حسن صحيح)). (٣) هو: جبل بمكة. (٤) أحمد (١١٥/٢ - ١١٦). (٥) أحمد (١٣٣/٢). (٦) البخاري (٦٥٠٤ - فتح) ومسلم (٢٩٥١) وآخره عن مسلم وحده. (٧) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٦٥٠٥ - فتح) ولم يخرجه مسلم، وانظر ((النكت الظراف» (٤٣٩/٩). وحديث سهل: خرجه البخاري (٦٥٠٣ - فتح) ومسلم (٢٩٥٠). (٨) مسلم (٨٦٧). ٣٣٤ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٧ وخرَّجَ التِّرمذيُّ من حديث المستوردِ بْنِ (٢/٤٥) شَدَّادِ، عن النَّبِيِّ وَه قال: ((بعثتُ في نفس السَّاعةِ فسبقتُهَا كما سبقتْ هذه هذه» لأصبعيه: السَّبابة والوسطى(١). وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ))، عن بُرَيدةَ، عن النَّبِيِّ وَ لَّ قال: ((ُبُعثتُ أنا والسَّاعةُ جميعًا إن كادتْ لَتَسْبقُني)(٢). ورَوَى الإمامُ أحمدُ - أيضًا: حَدَّثْنا أبو حمزةً(٣) : حَدَّثْني أبو حازمٍ : لا أعلمُه إلا عن سهلِ بْنِ سعدٍ، عن النَّبِيِّ بَّهِ قالَ: ((مَثَلِي وَمثلُ السَّاعَةِ كهاتين)) وفرَّقَ كذا(٤) بينَ أصبعيهِ الوسْطَى والتي تلي الإبهامَ، ثم قالَ: ((مَثَلِي ومَثَلُ السَّاعَةِ كمثلٍ فَرَسَيَّ رِهَانٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((مَثَلِي ومَثَلُ السَّاعةِ كمثلٍ رَجُلٍ بَعَثَه قومٌ طليعةً فلمَّا خَشِي أَنْ يُسْبَقَ الاحَ بثوبه(٥) : أُتَيتم أُتْيتم)). ثُمَّ يقولُ رسولُ الله وَ له: (أَنا ذاك))(٦). وكلُّ هذه النصوص تدلُّ على شدَّةً اقتراب السَّاعة كما (١٩٦ - أ/ ك١) دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿اقْتَربتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقولُهُ تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وقد فُسِّرَ قولُهُ وَهِ ((بُعثتُ أنا والسَّاعةَ كهاتين)) وقَرِنَ بين السَّبَّابةِ والوسطى، فَقُرْبُ زمانه من السَّعة كقربِ السََّّابةِ من الوسطى، وكأنَّ زمنَ بعثتِهِ يعقبهُ السَّعةُ من غير تخللَ نبيّ آخر بينه وبينَ السَّاعةِ، كما قالَ في الحديثِ الصَّحيحِ: «أنا الحاشِرُ (١) الترمذي (٢٢١٣) وقال: ((غريب)). (٢) أحمد (٣٤٨/٥). (٣) كذا في ((م)) و ((ك ١"، والصواب: أبو ضمرة، وهو: أنس بن عياض. (٤) قوله: ((كذا)) ليس في المطبوع من ((المسند)). (٥) في ((ك١))و ((م): (بثوابه)) وما أثبتناه من («المسند»، وهو الصحيح. (٦) أحمد (٣٣١/٥). وانظر (ص٣٣٩). - ٣٣٥ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة يحشرُ النَّاسُ على قدمي، وأنا العاقبُ))(١). فالحاشر: الذي يَحْشِرُ النَّاسَ لبعثهم يومَ القيامةِ على قدمِهِ - يعني أن بعثَهم وحَشْرَهم، يكونُ عَقِيبَ رسالته فهو مبعوثٌ بالرِّسالة، وعقيبه يُجْمعُ النَّاسُ لحشرِهم. والعاقبُ: الذي جاء عقيبَ الأنبياء كلِّهم، وليسَ بعدَه نبيّ؛ فكانَ إرسالُه من علامات السَّاعةِ. وفي (المسند))، عن أبْن عمرَ، عن النَّبيِّ وَلِّ قال: ((بعثتُ بالسَّيف بينَ يدي الساعة، حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له))(٢). وفسَّرَ قتادةُ، وغيرُهُ: (كهاتينِ وأشارَ بالسََّّبَة والوسطى)) بأنَّ المرادَ كفضلِ إحداهما على الأخرى - يعني كفضلِ الوسطى على السّابةِ. وقد ذكَرَ ابنُ جريرِ الطبريُّ أنَّ فضلَ ما بينَ السَّابة والوسطى نحوُ نصف سُبْع، وكذلك قدرُ ما بينَ صلاة العصرِ في أوسطِ نهارِها بالإضافةِ إلى باقي النَّهار نصفُ سبعِ اليومِ تقريبًا(٣). فإنْ كانتِ الدنيا سبعةَ آلافِ سنةٍ فنصفُ يوم خَمْسُمائةِ سنةٍ . وقد رُوِيَ في ذلكَ حديثُ ابنِ زميل مرفوعًا: ((إنَّ الدنيا سبعةُ آلاف سنة، وأَنَّه ◌َ له في آخِرِهَا ألفًا))(٤). (١) متفق عليه من حديث جبير بن مطعم. (٢) أحمد (٢/ ٥٠، ٩٢) وفيه ضعف. (٣) («تاريخ الطبري)) (١٦/١). (٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣٠٢/٨ - ٣٠٣) والبيهقي في ((الدلائل)) (٣٦/٧ - ٣٨) في حديث طويل، وفيها: ((ابن زمل)). ٣٣٦ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب الحديث: ٥٥٧ وإسناده لا يصح. ويشهدُ (٤٦/م) لهذا الذي ذَكَرَهُ ابْنُ جرير: ما خرَّجَه أبو داودَ من حديث أبي ثعلبةَ الُشنيِّ، عن النَّبِيِّ بَهِ قال: ((لنَ يُعْجِزَ اللهُ هذه الأمةَ من نصف يوم))(١). ورُوِيَ موقوفًا، ووقْفُه أصحُّ عند البخاريِّ وغيرِهِ. وخرَّجَ أبو داودَ - أيضًا - بإسنادٍ منقطعٍ، عن سعد، عن النَّبيِّ صَلى الله وَسَلم قال: ((إِنِّي لأرجُو أَنْ لا يَعْجِزَ أُمتي عندَ ربِّهم أَنْ يُؤْخِّرَهم نصفَ يومٍ» قيلَ لسعدٍ: كم نصفُ يومٍ؟ قال: خمسمائة سنة(٢). وإنْ صحَّ هذا فإنَّما يدلُّ على أنَّهِ وَّهِ رَجَا لِأُمَّتُه تأخيرَ نصفِ يومٍ فأعطاه اللهُ رجاءَه، وزاده عليه(٣). فأنا الآن في قريبِ رأسِ الثَّمانِمائةِ من الهجرةِ وما ذكره ابن جرير من تقدیر ذلك بنصف سبع یوم علی التحدید لا يصلح. وقد ذكَرَ غيرُهُ أَنَّ المسبِّحةَ ستةُ أسباع الوسطى طُولا فيكونُ بينهما من الفضلِ سُبعٌّ كاملٌ، وذلكَ ألفُ سنة على تقدير أن تكونَ الدنيا بسبعة آلاف سنةٍ، وأنَّ بعثة النَّبيِّ وَّ في آخرِها ألفًا، وهذا - أيضًا - لا يصحّ، ولا يبلغُ الفضلُ بينهما سُبْعًا كاملا وقيل: إنَّ قدر الفضلِ بينهما نحوّ مِنْ ٥ ثُمُنٍ كما سنذكره - إن شاء الله. (١) ابن جرير في ((التاريخ)) (١٦/١) وأبو داود (٤٣٤٩) وانظر ((السلسلة الصحيحة)) (١٦٤٣). (٢) أبو داود (٤٣٥٠). (٣) انظر («البداية والنهاية)) (١٦٦/١٢). ٣٣٧ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة وفي ((صحيح مسلمٍ))، عن أنسٍ أنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قال: ((بُعثتُ (١٩٦ - ب/ ك١) أنا والسّاعةُ كهاتينٍ)) قَالَ: وضَمَّ السَّبَّابَةَ والوسطى(١). وقد سبقَ في روايةِ الإمامِ أحمدَ أَنَّه فَرَّقَ بينهما(٢). وقد ذكرَ بعضُهم على تقديرٍ صحةِ رواية النَّفريقِ أَنَّ فرجَ ما بينَ الأصابعِ الخمسِ ستةُ أمثال فرجة ما بينَ السَّبابة والوسطى، وحجمٌ الأصابعِ الخمسِ ضعفُ ما بينَ المسبِّحة(٣) والوسطى فيكونُ حجمُ الأصابعِ الخمسِ مع الْفُرَجِ الأربعِ الواقعة بينهن ثمانيةَ أجزاءِ فرجةٍ ما بينَ السََّّابة والوسطى جزء منها ويؤولُ المعنى إلى أَنَّ مَا بَيْنَهُ وَ لَه وبينَ السَّاعةِ قدرُ ثُمُنِ الدنيا، وهو ثمانُمائة وخمسٌ وسبعونَ سنةً على تقديرِ ما تقدم ذكره. قالَ: ويعتضدُ ذلكَ بقولِهِ مِّهِ: ((إنَّما بَقَاؤُكُم فيما سَلَفَ من الأممِ كما بينَ صلاة العصرِ والمغرب))، فإنَّ ما بينَ العصرِ والمغربِ قريبٌ من ثُمُنِ زمانٍ دورةِ الفلكِ التَّامَّةِ مرةً واحدةً، وهي أربعةٌ(٤) وعشرونَ ساعةً انتهى ماذكره. وأَخْذُ بقاء ما بقي من الدنيا على التَّحديدِ من هذه النصوصِ لا يصحُّ؛ فإنَّ اللهَ استأثرَ بعلمِ السَّاعَةِ، ولم يُطْلِعُّ عليه أحدًا مِنْ خَلْقِهِ، وهو مِن مفاتحِ الغيبِ الخمسِ التي لا يعلمُهَا إلا اللهُ؛ ولهذا قالَ النَّبيِّ وَر (٤٧/م): ((ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السَّائلِ)»(٥)، وإنَّما خَرَجَ هذا من النَّبِيِّ وََّ على وَجْهِ التقريب للسَّاعةِ بغير تحديد لوقتها. (١) مسلم (٢٩٥١). (٢) حديث سهل بن سعد (٣٣١/٥). (٣) في ((ك١)»: ((السبحة)). (٤) كذا، والجادة: أربع. (٥) جزء من حديث جبريل المعروف. ٣٣٨ الحديث: ٥٥٧ ١٧ - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب وقَدْ قدَّمْنَا أَنَّ المرادَ بهذا الحديث مدةُ أُمَّةِ محمدٍ نَّهِ مع مُدَّةٍ أُمَّةٍ موسى وعيسى عليهم السَّلامُ. فَمُدَّةُ هَذهِ الأممِ (١) الثَّلاثِ كيومٍ تَامٍّ، ومدة مَا مَضَى مِنَ الأمم فِي أَوَّلِ الدنيا كليلةِ هذا اليومِ فإنَّ اللَيلَ سابقٌ للَّهَارِ، وقد خُلِقَ قبلَهُ على أصحِّ القولينِ وتلك الليلةُ السَّبِقةُ كان فيها نُجومٌ تُضِيءُ ويُهتدى بها وهُمُ الأنبياءُ المبعوثونَ فيها، وقد كانَ - أيضًا - فيهم قمرٌ منيرٌ، وهو إبراهيمُ الخليلُ عليه السَّلامُ إمام الحنفاءِ، ووالدُ الأنبياءِ، وكانَ بينَ آدَمَ ونوحِ ألفُ سنةٍ، وبينَ نوحٍ وإبراهيمَ ألفُ سنةٍ، وبينَ إبراهيمَ وموسى عليه السَّلامُ ألفُ سنة. قَالَ ذلك غيرُ واحد من المتقدِّمِينَ حَكَاهُ عنهم الواقدىُّ، وذَكَرَ بعضُ علماءِ أهل الكتابِ أَنَّ مِنْ آدَمَ إلى إبراهيمَ ثلاثة آلاف وثلاثمائة، وثمان وعشرون سنة، ومن إبراهيمَ إلى خروجٍ موسى من مصرَ خمسمائةٍ، وسبعٌ وستونَ سنةً، وذَكَرَ أنَّ من آدم إلى مولدِ المسيحِ خمسةَ آلاف، وخمسَمائة سنةٍ، ومن مولدِ المسيحِ إلى هجرة محمد بَّ ستَّمائة وأربعَ عشرةَ سنةً، [ومن آدمَ إلى الهجرةِ ستةُ آلاف سنة ومائة وأربع عشرةَ سنةً](٢)، ومن خروجٍ بني إسرائيلَ إلى الهجرةِ ألفانِ ومائتان وتسعٌ وسبعونَ سنة. ولكنْ إنَّما يُؤرِّخونَ بِالسَّةِ الشَّمْسيةِ لا القمريةِ. وأمَّا ابتداءُ رسالة موسى عليه السلامُ - فكانتْ كابتداء النَّهار، فإنَّ موسى وعيسى ومحمدًا صلى الله عليهم وسلم هم أصحابُ الشَّرائعِ والكتبِ المتّبعةِ، والأممِ العظيمةِ، وقد أقسمَ الله بمواضعِ رِسَالاتِهم (١٩٧ - أ/ ك) في قولهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيتونِ، وطُورِ سِينِينَ، وهذا البلدِ الأمينِ﴾ (١) في (ك١)): ((الأمة)). (٢) من ((م)). ٣٣٩ الحديث: ٥٥٧ كتاب مواقيت الصلاة [التين: ١-٣]، وفي التَّوراة: ((جاءَ اللهُ مِنْ طُورِ سيناءَ، وأشرقَ مِنْ ساعير، واستعلنَ من جبال فاران)) ولهذا سَمَّى محمدًاً وَّله سراجًا منيرًا؛ لأنَّ نورَهَ للدنيا كنورِ الشَّمْسِ، وأعمَّ، وأعظمُ، وأنفعُ (١)، فكانتْ مدةٌ عملٍ بني إسرائيلَ إلى ظهورٍ عيسى كنصف النَّهارِ الأول، ومدةُ عمل أُمَّة عيسى كما بينَ الظُّهرِ والعصرِ، ومُدَّةُ عملِ المسلمينَ كما بينَ العصرِ إلى غروب الشَّمْسِ، وهذا أفضلُ أوقاتِ النَّهارِ ولهذا كانتِ الصَّلاةُ الوسطى العصرَ على الصحيحِ، وأفضل ساعاتِ الجمعةِ ويومٍ عرفةَ مِن العصرِ إلى غروبِ الشَّمْسِ، فلهذا كان خيرُ قرونِ بني آدمَ القرنَ الذي بُعثَ فيه محمدٌ رَّدٍ (٤٨/ م). وقد خرَّجَ البخاريُّ ذلكَ من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا (٢). وقد أَعْطَى اللهُ تعالى مَنْ عَمِلَ بالثَّوراةِ، والإنجيلِ قيراطًا قيراطًا، وأعطى هذه الأُمَّةَ لعملهم قيراطين، فَقَالَ الخطَّبيُّ(٣): كانَ كلٌّ من الأممِ الثَّلاثةِ قد اسْتُؤجرَ ليعملَ تمامَ النَّهارِ بقيراطينٍ، فلمَّا عَجَزَ كلُّ واحدٍ من الأمتينِ قبلَها، وانقطعَ عن عملِهِ في وسط المدة أُعْطِيَ قيراطًا واحدًا، وهذه الأمةُ أتَمَّتْ مدةَ عملها فَكَمُلَ لها أَجْرُها. وقد جاءَ في روايةٍ أُخرى من حديثِ ابْنِ عمرَ أنَّ كلَّ طائفةٍ منهم اسْتُؤْجرتْ لتعملَ إلى مدةِ انتهاءِ عملِهَا على ما حَصلَ لها من الأجرِ فقال الخطَّبيُّ: لفظُه مختصرٌ، وإنَّما أخبرَ الراوي بما آلَ إليه الأمرُ فقط. (١) في ((ك١)): ((وأثم واعطم وانقع)) كذا. (٢) البخاري (٣٥٥٧ - فتح). (٣) انظر ((أعلام الحديث)) (٤٤١/١، ٤٤٣). ٣٤٠