النص المفهرس
صفحات 301-320
١٤ - باب إثم من فاتته العصر الحديث: ٥٥٢ والمال قولان: أحدُهما: نصبُهما وهو الذي سَمِعْنَاهُ، وضبطاه على(١) أشياخنا في ((كتابِ أبي عبيد)) وغيره، ويكونُ (٣٠/م) المعنى: فكأنَّما وُتُرَ في أهلِهِ وماله فلمَّا حذفَ الخافضَ انتصبَ. والثَّاني: رفعُهُمَا على مَنْ لم يُسمَّ فاعلُه، والمعنى: نقصًا، وكأنَّه يشيرُ إِلى أَنَّ النصبَ والرفعَ ينبني على (١٨٩ - أ/ ك١) الاختلاف في معنى ((وُتُرَ)) هل هو بمعنى: ((سُلِبَ)) أو بمعنى: (نَقُصَ))، واللهُ أعلمُ. وفي الحديثِ دليلٌ على تعظيمِ قدرِ صلاةِ العصرِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ وموقعها من الدين، وأنَّ الذي تفوتُه قد فُجعَ بدينه بما ذهب منه كما يُفْجَعُ مَنْ ذَهبَ أهلُّه ومالُه. وهذا مما يُسْتدلُّ به على أنَّ صلاة (٢) العصر هي الصَّلاةُ الوسطى المأمورُ بالمحافظة عليها خصوصًا بعدَ الأمرِ بالمحافظةِ على الصّلواتِ عمومًا . وقد زعمَ بعضُ العلماء أنَّ هذا لا يختصُّ بفوات العصر، وأنَّ سائرَ الصَّلواتِ فواتُها كَفَواتِ العصرِ في ذلك، وأنَّ تخصيصَ العصرِ بالذكرِ إنَّما كانَ بسؤالِ سائلٍ سألَ عنهُ فأجيبَ. ورحَّجَه ابنُ عبد البرِّ(٣)، وفيه نظرٌ. وقد يُسْتدلُّ له بما خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وغيرُهُ من حديثِ عمرو بْنِ (١) تكررت كلمة: ((على)) في ((ك!)). (٢) في ((م)): ((الصلاة)) ثم ضرب على الألف واللام، وانظر ما سيأتي. (٣) في ((التمهيد)) (١٢٠/١٤ -١٢١). ٣٠١ الحديث: ٥٥٢ كتاب مواقيت الصلاة شعيب(١)، عن أبيه، عن عبدِ الله بْنِ عمرٍو، عَنِ النَّبِيِّ نَ لَ قَالَ: ((من تركَ الصَّلاةَ سكرًا مرةً واحدةً فكأنَّما كَانتْ له الدنيا، وما عليها فسُلِبَهَا))(٢). واستدلَّ مَنْ قالَ: إِنَّ جميعَ الصَّلَواتِ كالصَلاةُ(٣) العصرِ في ذلكَ بما رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن أبي بكرِ بْنِ عبدِ الرحمنِ بْنِ الحارثِ بْنِ هِشَامٍ، عن نَوْفَلِ بْنِ معاويةَ الدِّيلِيِّ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ فكأنَّما وُثِّرَ أَهْلَه ومالَه))(٤). قال: وهذا يَعُمُّ جميعَ الصَّلواتِ، فإنَّ الاسمَ المعرَّفَ بالألفِ واللامِ كما في قولهِ تعالى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهذا ليسَ بمُتَعَيَّنِ لجواز أَنْ يكونَ الألفُ واللامُ هنا للعهد كما في قولهِ تعالى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] على تأويلٍ مَنْ فَسَّرَهَا بصلاةِ العصرِ. وحديثُ نَوْفَلِ بْنِ معاويةَ قد اختُلِفَ في إسناده ومتنِهِ . وقد خرَّجه البخاريُّ، ومسلمٌ في ((الصحيحينِ)) في ضمن حديثٍ آخر تبعًا لغيره مخرجًا من حديث صالح بنِ كيسانَ، عن الزهريِّ، عن (١) في (ك)) و((م): ((ابن عمرو بن شعيب)) وكشطت في ((ك١)) على: ((ابن))، وهو الصواب. (٢) أحمد (١٧٨/٢). (٣) كذا، وانظر ما سبق. (٤) أخرجه أحمد (٣٢٩/٥) وابن حبان (٤/ ٣٣٠) والطيالسي (١٢٣٧) والبيهقي (٤٤٥/١) عن ابن أبي ذئب به وفي إسناده اختلاف، انظر تخريج الإحسان مع ((التمهيد)) (١١٨/١٤ - ١٢١) وما سيأتي عن المؤلف. ٣٠٢ ١٤ - باب إثم من فاتته العصر الحديث: ٥٥٢ ابن المسيَّبِ، وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ بَّهِ: ((ستكونُ فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائمِ)) الحديث. وعَنِ الزُّهريِّ: حدَّثْنِي أبو بكرِ بْنُ عبدِ الرحمنِ بْنِ الحارثِ، عَنْ عبدِالرحمنِ بْنِ مطيع بْنِ الأسودِ، عن نوفلِ بْنِ مُعَاوِيةً مثلَ حديثٍ أبي هريرةَ إلا أنَّ أَبَا بكرٍ يزيدُ (من الصَّلاةَ صلَةٌ مَنْ فاتَتْهُ فكأنَّما وُثُرَّ أهلَه ومالَە)). كذا خرَّجَه البخاريُّ في ((علاماتِ النُّبوةِ)) من ((صحيحه))، وخرَّجَه مسلم في كتابِ ((الفتنِ))(١). وكذا رَوَاه عبدُ الرحمنِ بْنُ إسحاقَ، عن الزَّهريِّ بهذا الإسناد لحديث نوفلٍ . ورواه ابْنُ أبي ذئبٍ، عن (٣١/ م) الزَّهريِّ فأسقطَ(٢) من إسناده عبدالرحمنِ بْنَ مطيع(٣) . وكذلكَ روى (١٨٩ - ب/ ك١) عن معن، عن مالك، عن الزّهريِّ. قَالَ النَّسائيُّ: أخافُ أن لا يكونَ محفوظًا، عن مالك. ولعلَّه: معنِّ، عن ابنِ أبي ذئبٍ. وقد رُوِيَ، عن ابْنِ أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن نوفلٍ، وهو وهمٌ على ابنِ أبي ذئبٍ (٤). (١) البخاري (٣٦٠١، ٣٦٠٢ - فتح) ومسلم (٢٨٨٦). (٢) في ((ك١)): ((وأسقط)). (٣) سبق هذا. (٤) انظر ((التمهيد)). ٣٠٣ الحديث: ٥٥٢ كتاب مواقيت الصلاة وأمَّا الاختلافُ في متنِ الحديثِ: فقد رُوِيَ عَنِ [ابن](١) أبي ذئب أنَّه قَالَ في الحديثِ: ((مَنْ فَاتَّتَّهُ الصَّلاَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَرُوِيَ، عنه أَنَّه قَالَ في حديثِهِ: (مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ))، ورُوِيَ عنه في حَدِيثِ(مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ))، وفي روايةٍ لَهُ: ((مَنْ فَاتته الصلاةُ)، وفي آخرِ الحديثِ : قلتُ لأبي بكرٍ: ما هذه الصَّلاةُ؟ قَالَ: هي العصرُ سَمِعْتُ ابْنَ عمرَ يقول: قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ العصرِ ... )) الحديث. وفي رواية: قال أبو بكرٍ: لا أدري. وقد خرَّجَه الإمامُ [أحمد](٢) بالوجهينِ(٣) . وهذه الروايةُ إن كانتْ محفوظةٌ فإنها تدلُّ على أنَّ الزُّهريَّ سَمِعَه من أبي بكرِ بْنِ عبدِ الرحمن، عن ابْنِ عمرَ، عن النَّبِيِّنَّ كَمَا سَمِعَه من سالمٍ، عن أبيه، وقد أشار الإمامُ أحمدُ في رواية (٤) ابنه عبد الله إلى أنّ الصَّحيحَ حديثُ الزَّهريِّ، عن سالم، عن أبيه كما سَبَقَ. ويدلُّ على صحةٍ ما ذكَرَه أنَّ البيهقيَّ خَرَّجَ حديثَ ابنِ أبي ذئبٍ ولفظُه: ((من فَاتَتْه الصَّلاةُ فكأنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه)). وزاد: قالَ ابْنُ شهاب: فقلتُ: يا أبا بكر أتدري أيت صلاة هي؟ قَالَ ابْنُ شهاب: بَلَغني أنَّ عبدَ الله بْنَ عُمَرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العصرِ فكأنَّما وُتُرَ أهلَه وماَه)). قَالَ: وَرَوَاهُ أبو داودَ الطيالسيّ، عن ابْنِ أبي ذئبٍ، وقالَ في آخرِهِ: قالَ الزُّهريُّ: فذكرتُ ذلك لسالمٍ فقال: حدّثْني أبي أنَّ رسولَ اللهِ وَلِلّ قَالَ: (مَنْ ترك صلاة العصرِ)). (١) سقطت من ((ك)) و((م). (٢) من ((م)). (٣) انظر ((المسند)) (٤٢٩/٥) - كما سبق - وكذا ((أطراف المسند)) (٤٢٤/٥) و((المسند الجامع)) (٦١٥/١٥ - ٦١٦). (٤) في ((ك١)): ((روايته)) وهى محتملة في ((م)). (٥) سبق تخريج هذه الطرق. ٣٠٤ ١٤ - باب إثم من فاتته العصر الحديث: ٥٥٢ وأمَّا رواية صالح بْنِ كيسانَ، عن الزهريِّ المخرجةُ في ((الصَّحيحين)) فقد سبقَ لفظُها وهو: ((إنَّ من الصَّلاة صلاةً مَنْ فَاتَتْه فكأنَّما وُتُرَ أهلَه، وماله))(١). ولحديث نوفلٍ طريقٌ آخر من روايةٍ جعفرِ بْنِ رَبيعةَ، عن عِرَاكِ بْنِ مالك، عن نَوْفَلِ بْنِ معاويةَ أَنَّه حدَّثَهُ أَنَّه سَمِعَ رسولَ الله وَلَهِ يقولُ: ((مَنْ فَاتَتْه صلاةٌ(٢) فكأنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه)). قَالَ عراكٌ: فأخبرني(٣) عبدُالله بْنُ عمرَ أَنَّه سمعَ رسولَ اللهِ وَلَهِ يقولُ: ((مَنْ فَاتَتْهِ صَلاةُ العصر فكأنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه)). خرَّجَهَ النَّسائيُّ، وخرَّجَه - أيضًا - من طريقِ الليثِ، عن يزيدَ بْنِ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ أَنَّه بَلَغَه أنَّ نوفلَ بْنَ معاويةَ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((مِنَ الصَّلاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْه فكأنَّما وُتُرَ أهلَه (٣٢/م) ومالَه)) قال ابْنُ عُمَرَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((هي صَلاةُ العصرِ». وخرَّجَهَ - أيضًا - من طريقِ ابْنِ إسحاقَ: حَدَّثني يزيدُ بْنُ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ قَالَ: سمعتُ نوفلَ بْن معاويةَ يقولُ: صلاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه، قالَ ابنُ عُمَرَ: قال (١٩٠ - ب/ك١) رسولُ اللهِ وَ ظله: ((هي صلاةُ العصرِ))(٤). ففي رواية ابْنِ إسحاقَ وجعفرِ بْنِ ربيعةَ أَنَّ عِرَاكًا سَمِعَه من نوفلٍ، وفي حديثِ الليثِ أنَّ عِرَاكًا بلغَه، عن نوفلٍ . (١) سبق تخريج هذه الطرق. (٣) في النسائي: ((وأخبرني)). (٤) (سنن النسائي)) (٢٣٧/١ - ٢٣٩). (٢) في النسائي: ((صلاةُ العَصْرِ)). ٣٠٥ الحديث: ٥٥٢ كتاب مواقيت الصلاة قَالَ أبو بكر الخطيبُ: الحكمُ يوجبُ القضاءَ في هذا الحديثِ لجعفرِ ابْنِ ربيعةَ بثبوتِ اتِّصالِهِ للحديث لثقته وحفظه - قالَ: وروايةُ الليث ليستْ تكذيبًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ عراكٌ بَلَغَه الحديثُ عن نوفلٍ ثم سَمعَه منه، فرواهُ على الوجهينِ جميعًا. انتهى. وخَرَّجَ الطَّحاويُّ حديثَ ابْنِ إسحاقَ - بزيادةٍ حسنةٍ - عن يزيدَ بْنِ أبي حبيبٍ، عن عِراكِ بْنِ مالك قالَ: سمعتُ نَوْفلَ بْنَ معاويةَ - وهو جالسٌ مع عبدِ الله بْنِ عمرَ بسوقِ المدينةِ - يقولُ: سَمِعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: ((صلاةٌ مَنْ فاتَتْه فكَأَنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه. فقالَ ابْنُ عُمَرَ: قالَ رسولُ الله وَخَلَهُ: ((هِيَ العصرُ))(١). وهَذِهِ الروايةُ إن كانتْ محفوظةً دلَّتْ على سماعٍ عِرَاكِ للحديثِ من نوفلٍ، وابنِ عمرَ، وقالَ البيهقيُّ: الحديثُ محفوظٌ عنهما جميعًا. رَوَاه عِراكٌ عنهما إمَّا بلاغًا، أو سماعًا. وهذا يدلُّ على توقُّفِهِ في سماعِ عراكِ [له] (٢) منهما. (١) أخرجها الطحاوي في ((فوائده عن علي بن معبد)) كما ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١١٩/١٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق. (٢) من ((م)). ٣٠٦ الحديث: ٥٥٣ ١٥ - بَابُ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ ٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا هِشَامٌ: ثَنَا يَخْبَى بْنُ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أبي الملِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاة الْعَصْرِ فإنَّ النَّبِيَّنَِّ قَالَ: (مَنْ تَركَ صلاةَ العصرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ». قد سبقَ القولُ مبسوطًا في حبوطِ العملِ بتركِ بعضِ الفرائضِ، وارتكابِ [بعضٍ](١) المحارمِ في كتابِ ((الإيمانِ))، وبيَّنَّا أنَّ أكثرَ السَّلْفَ والأمة على القول بذلكَ، وإمرارِ الأحاديثِ الواردة فيه على ما جاءتْ من غيرِ تعسَّفِ في تأويلاتها، وبيَّنَّا أنَّ العملَ إذا أُطْلِقَ لم يدخل فيه الإيمانُ وإنَّما يرادُ به أعمالُ الجوارحِ، وبهذا فارقَ قُولُ السَّلْفِ قولَ الخوارِج؛ فإنَّهم أَحْبَطُوا بالكبيرة الإيمانَ [والعملَ](٢)، وخلَّدوا بها في النَّارِ وهذا قَولٌ باطلٌ. وأَمَّا المتأخِّرُونَ فلمْ يُوافقوا السَّلْفَ على ما قالوه فاضْطُربوا في تأويلٍ هذا الحديثِ، وما أشبهَه، وأَتَوا بأنواعٍ من التكلُّفِ، والتعسُّفِ: فمنهم: مَنْ قَالَ: تركُ صلاةِ العصرِ يحبطُ عملَ ذلكَ اليومِ. ومنهم مَنْ قالَ: إنَّما يحبطُ العملَ الذي هو تلكَ الصَّلاةُ التي تركَها، (١) من ((م)). (٢) من (م)). ٣٠٧ الحديث: ٥٥٣ كتاب مواقيت الصلاة فيفوتُه أجرُها، وهذا هو الذي ذكَرَه ابنُ عبد البرّ(١)، وهو من (٣٣/ م) أضعف الأقوالِ. وليسَ في الإخبارِ به فائدةٌ. ومنهم مَنْ حملَ هذا الحديثَ على أنَّ مَنْ تركَ صلاةً (٢) واحدةً متعمِّدًاً حتَّى يخرجَ وقتُها فإنَّه يصيرُ بذلك(٣) كافرًا مرتدا كما يقولُ ذلكَ من يقولُه مِمَّن يرى أنَّ ترك الصلاة كفرٌ وهذا يسقطُ فائدةَ تخصيصِ العصرِ بالذِّكْرِ فإنَّ سائرَ الصَّلوات عنده كذلك (١٩٠ - ب/ ك١). وقد رُوِيَ تقييد تركِها بالتَّعَمُّدِ، فَرَوَى عَبَّدُ بْنُ رَاشدٍ، عَنِ الحسنِ، وأبي قلابةَ أنَّهما كَانَا جَالسين فقالَ أبو قلابَةَ: قَالَ أبو الدرداء: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ ترك صَلاةَ العصرِ مُتْعمِّدًا حَتَّى تفوتَه فقد حَبَطَ عَمَلُه)). خرَّجه الإمام أحمد٤ٌ). وأبو قلابةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أبي الدرداءِ. ورواه أَبَانُ بْنُ أبي عَيَّاشٍ - وهو متروكٌ-، عن أبي قِلابَةَ، عن أمِّالدرداءِ، عن النَّبِيِّ وَلِهِ. ورَوَى راشدٌ أبو محمدٍ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشب، عَنْ أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ قال: أَوْصَانِي خليلي وجَّهِ: ((لا تترك صَلاةً مكتوبةً متعمِّدًا؛ فمن تركَهَا مُتُعمِّدًا فقد برئتْ منه الذمة)) . خرَّجَهَ ابْنُ مَاجه(٥)، وخرَّجَه البزَّارُ، ولفظُه ((فقد كَفَرَ)). (١) في ((التمهيد)) (١٢٥/١٤). (٣) في ((ك)): ((بذاك)). (٢) في ((ك)): ((الصلاة)). (٤) في ((المسند)) (٤٤٢/٦) وانظر: ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٤٢/١)، (٣٥/١١). (٥) ابن ماجه (٤٠٣٤). ٣٠٨ ١٥ - باب من ترك العصر الحديث: ٥٥٣ وهذا مما يُسْتدلَّ به على كفر تارك الصَّلاة المكتوبة مُتعمِّدًا؛ فإنه لم يفرِّقْ بينَ صلاة وصلاة. ورَوَى إسماعيلُ بْنُ عيَّاشٍ، عن صفوانَ بْنِ عَمْرٍو، عن عبدِ الرحمنِ ابْنِ جُيْرِ بْنِ نُفَيرٍ، عن معاذِ بْنِ جبلٍ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِينَ﴿ فذكَرَهُ بنحوِهِ، وقالَ: فقد بَرِئتْ منه ذمَّةُ الله عزَّ وجلَّ. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(١). ورَوَاه أيضًا - عمرُو بْنُ واقد - وهو ضعيفٌ -، عن يونسَ بْنِ ميسرةَ، عن أبي إدريس، عن معاذ. خرَّجَهَ الطَّبرانِيُّ، ومحمدُ بْنُ نصرِ المروزيّ(٢). وخرَّجَهَ المروزيُّ - أيضًا - من طريقِ سَيَارِ (٣) بْنِ عبدِ الرحمنِ، عن يزيدَ بْنِ قوذر(٤)، عن سلمة بن شريح، عن عُبادةَ بْنِ الصَّامتِ، عن النَّبِيِّ وَّ ◌ُله بنحوه، [وقالَ](٥): ((فَمَنْ تركَهَا مُتَعمِّدًا فقد خرجَ مِنَ الملَّةِ))(٦). وقالَ البخاريُّ في ((تاريخِه)): لا يعرفُ إسنادُهٌ(٧). (١) («المسند» (٢٣٨/٥). وهو مرسل؛ عبد الرحمن بن جبير بن نفير لا يدرك معاذًا. ثم وجدت المنذري قال: إسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع؛ فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ (الترغيب ٨٠٧). وانظر التعليق عليه. (٣) في ((ك١)): ((يسار)) خطأ. (٢) الطبراني (٢٠ / ٨٢) والمروزي (٨٩٠/٢ - ٨٩١). (٤) في ((ك)): ((ذر)) وفي ((م): ((قوذر)) ولكنه خط خطا على ((قو)) فظهرت كأنها ضرب. (٦) المروزي (٨٨٩/٢). (٥) من ((م)). (٧) ((التاريخ الكبير)) (٧٥/٤). ٣٠٩ ... الحديث: ٥٥٣ - كتاب مواقيت الصلاة وَرَوَى مَكْحُولٌ، عن أمِّ أيمِنَ أنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: لا تتركي(١) الصَّلاةَ متعمِّداً فإنَّه مَنْ تركَ الصَّلاةَ متعمدًا فقد بَرئتْ منه ذمَّةُ اللهِ ورسولِهِ)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٢)، وهو منقطعٌ؛ مكحولٌ لم يلقَ أمَّ أيمنَ. ورواه غيرُ واحدٍ عن مكحولٍ، عن النَّبِيِّ ◌َِّ مُرْسَلَا(٣). ورَوَاهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن محمدِ بْنِ راشدٍ، عن مكحولٍ، عن رجلٍ، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبِّ ◌ِلـ. قالَ عبدُ الرزَّاقِ: وأبنا شيخٌ من أهلِ الشَّامِ، عن مكحولٍ قالَ: ومَنْ بَرِئتْ منه ذمَّةُ الله فقد كَفَرَ (٤). وَرَوَاهُ أَبُو فَروةَ الرُّهاويُّ - وفيه ضعفٌ - عن أبي يحيى الكَلاعيِّ، عن جُبير بن نُفير، (٣٤/م) عن أُميمةَ مولاةِ النَّبِيِّ وَّةِ، عن النَّبِيِّ وَسَلام كَنَا اللَّه صـ بمعناه. خرَّجَهَ محمدٌ بْنُ نصرِ المروزيُّ. وذَكَرَ عَنْ محمدِ بْنِ يحيى الذُّهْلِيِّ (١) كذا: ((لا تتركي)) و((متعمدًا)) ومثله في المطبوع من ((المسند))، وفي ((أطراف المسند)) (٣٧٢/٩) و((مجمع الزوائد» (٢٩٥/١) و((الترغيب)) (٨١٣): «لا تترك)). وقال الشيخ الألباني في ((صحيح الترغيب)) (ص٣٠١): الخطاب لبعض أهله، وهو ثوبان كما في بعض الروايات عند عبد بن حميد كما نقله الناجي (٨٠ - ٨١)، وذكر أن من ساق الحديث بلفظ: ((لا تتركي)) بزيادة ياء التأنيث فقد وهم. ا.هـ. وفي ((المنتخب من مسند عبد بن حميد)) (ص٤٦٢)، أما الزهري قال: كان الموصى بهذه الوصية ثوبان. (٢) ((المسند)) (٦/ ٤٢١). (٣) أخرجه المروزي (٨٨٨/٢ - ٨٨٩). (٤) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه المروزي (٢/ ٨٨٨) وفيه: قال أبو عبد الله - هو المروزي -: وأخبرنا شيخ من أهل الشام ... ٣١٠ ١٥ - باب من ترك العصر الحديث: ٥٥٣ أنَّه قالَ: هذه هي أمُّ أيمنَ، فقال أبو فروةَ: أميمةُ - يعني أنَّه أخطأ في تسميتِها(١). فأسانيدُ هذا الحديثِ كلُّها (١٩١ - أ/ ك١) غيرُ قويةٍ. وأما حديثُ بُريدةَ فصحيح، وقد رواهُ عن يحيى بنِ أَبي كثيرٍ: هِشام الدَّسْتَوَائِيُّ، والأوزاعيُّ. فأمَّا هشامٌ: فَرواهُ كَمَا خَرَّجَهُ البخاريِّ مِن طريقهِ. وأمَّا الأوزاعيُّ فَخالفَهُ في إِسنادهِ ومَتِهِ. أَمَّا إسنادُهُ: فَقيل فيهِ: عَن الأوزاعيِّ: حَدَثَني يَحيى: ثَنِي(٢) أبو قلابةَ: حَدَثْنِي أَبُو المهاجرِ، عَنَ بُريدةَ. وخَرَّجَهُ مِن هَذا الوَجْهِ الإمامُ أحمدُ، وابنُ مَاجِه(٣). وقال الإمامُ أحمدُ في رواية مُهَنَّا: هُو خَطأ مِن الأوزاعيِّ، والصحيحُ(٤) حديثُ هِشامِ الدَّستوائي. وذَكرَ - أيضًا - أنَّ أبا المهاجرِ لا أصْلَ لهُ؛ إنما هُو أبو المُهلَّبِ عَمُّ أبي قلابةَ، كانَ الأوزاعيُّ يُسمِّيهِ أَبَا الْمُهاجرِ خَطأ، وذِكرُهُ في هذا الإسنادِ من أَصله خطًا، فإنهُ لَيسَ مِن رِوايتهِ؛ إِنما هُو من رِوايةِ أَبِي المَليحِ. (١) المروزي (٨٨٥/٢ - ٨٨٦، ٨٨٨)، وانظر ((الإصابة)) (٥١٦/٧ - ٥١٧). (٢) في ((ك)): ((وثني)) وسقط في ((م)) ((أبو قلابة)) وألحقها بالهامش وضاع أكثر أداة التحديث في التصوير فلم يظهر منها سوى الياء ((ي)). ويحيى بن أبي كثير يروي هذا الحديث عن أبي قلابة . (٣) أحمد (٣٦١/٥) وابن ماجه (٦٩٤). (٤) الواو، ليست في ((ك١)). ٣١١ الحديث: ٥٥٣ كتاب مواقيت الصلاة وكذا قَالهُ الإمامُ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ عبدِ اللهِ. وقيل: عَن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قلابةَ، عن أبي المَليح، كَما رواهُ هشامٌ، عن یحیی . وخرَّجَهَ من هذا الوجهِ: الإسماعيليُّ في ((صحيحِهِ)). وقيلَ: عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن ابن بريدةَ. وقيلَ: عَنِ الثَّوريِّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن أبي قلابةَ، عن بُريدةَ، بغيرِ واسطةٍ بينهما. وهذا كلُّه مما يدلُّ على اضطرابِ الأوزاعيِّ فيه، وعدمٍ ضبطه. وأمَّا مَتْتُهُ: فقالَ الأوزاعيُّ فيه: إنَّ بريدةَ قال: كُنَّا مع رسولِ الله وَّـ في غزوة فقالَ: ((بَكِّرُوا بالصَّلاةِ في اليومِ الغيم؛ فإنَّه مَنْ فاتَتْه صلاةٌ العصرِ فقد حَبِطَ عملُه)). كذلكَ خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجَه، والإسماعيليَّ، وغيرُهم(١). فخالفَ هِشَامًا في ذلك؛ فإنَّ هِشَامًا قالَ في روايتِهِ: إنَّ أبا المليح قال: كُنَّا مع بريدةَ في غزوةٍ في يومٍ غَيْمٍ. فَقَالَ: بَكِّرُوا بصلاة العصرِ(٢)؛ فإنَّ رسولُ الله وَّ قال: ((من تركَ صَلاةَ العصرِ فقد حَبِطً عملُه)). فلمْ يَرْفعْ منه غيرَ هذا القدرِ، وجعلَ الذين كانوا معه في الغزوةِ في يومِ الغيمِ، والذي أمرَ بالتبكيرِ بصلاةِ العصرِ هو بريدةُ، وهو الصحيحُ، (١) أحمد (٣٦١/٥) وابن ماجه (٦٩٤) والبيهقي (٤٤٤/١). (٢) كلمة ((العصر)) تكررت في ((ك))، وكتب فوق الثانية: ((كذا)). ٣١٢ ١٥ - باب من ترك العصر الحديث: ٥٥٣ واللفظُ الذي رَوَاه الأوزاعيّ لو كانَ محفوظًا لكانَ دليلا على تأخير العصرِ في غيرِ يومِ الغيمٍ. ولكنَّه وهمٌ. وقد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ بريدةَ - فيما بعد - وبوَّبَ عليه ((بابَ التَّبكيرِ بالصَّلاةِ في يومٍ غيمٍ)، ثُمَّ خرَّجَ فيه حديثَ بريدةَ، عن معاذِ بْنِ فَضَالَةَ، عن هشامٍ. فذكره كما خرَّجَه هاهنا غيرَ أنَّه لم يذكُرْ في غزوةٍ. وقالَ: فيه عن بريدة («بكِّرُوا (٣٥/م) بالصلاة))، ولم يقلْ: ((صلاةُ العصر))(١). قَالَ الإسماعيليُّ: جعلَ الترجمةَ لقولِ بُريدةَ لا لِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ وَخَّهِ وكانَ حقُّ(١٩١ - ب/ك١) هذه الترجمة أَنْ تكونَ للحديث(٢) المقرون بها ما فيه، عن النَّبِيِّ وَِّ الأمر بتعجيلِ العصرِ في اليومِ الغيمِ، [ثم] (٣) ذكر حديث (٢) الأوزاعيِّ بإسناده، ولفظُه، ثم قالَ: فإنْ كانَ هذا الإسنادُ ٩ لا يصحّ عنده كان تركُ هذه الترجمة أولى (٤) . وإنَّما أرادَ البخاريُّ قولَ بريدةَ في يومٍ غيمٍ: ((بكِّرُوا بِالصَّلاة))؛ ولهذا ساقَ الروايةَ التي فيها ذكرُ الصلاة، ولم يَسُقْه كَمَا ساقَه في هذا البابِ بتخصيصِ صلاةِ العصرِ يشيرُ إلى أنَّه يُسْتحبُّ في الغيمِ التبكيرُ بالصَّلوات، والقولُ بالتبكيرِ لجميعِ الصَّلواتِ في يومِ الغيمِ مِمَّا لا يعرفُ به قائلٌ مِن العُلماءِ، ولم يُرِدْ بُرَيْدَةُ ذلكَ؛ إنَّما أرادَ صلاةَ العصر خاصَّةً، ولا يقتضي القياسُ ذلك؛ فإنَّ التَّبكير بالصَّلواتِ في الغيمِ مطلقًا يُخْشَى منه وقوعُ الصلاة قبلَ الوقت. وهو محذورٌ، والأفضلُ أن لا يُصَلِّيَ (١) حديث (٥٩٤). (٢) في ((ك)): ((الحديث)). (٣) من ((م)). (٤) انظر ((الفتح)) (٦٦/٢). ٣١٣ الحديث: ٥٥٣ كتاب مواقيت الصلاة الصلاة حتى يتيقَّنَ دخولَ وقتها، فإن غلب على ظنِّه، فهل يجوز له الصَّلاةُ حينئذ أَمْ لا؟ فيه قَوْلانِ: أحدُهُمَا: أَنَّه جَائِزٌ، وهو قولُ الثَّرِيِّ والشَّافعيِّ، وأكثرِ أَصْحابِنَا. والثَّاني: لا يجوزُ حتَّى يَتَقَّنَ، وهو وجهٌ لأصحابِنَا، وأصحابٍ الشَّافعيِّ. واستدلَّ الأَوَّلُونَ بأنَّ جماعةً من الصَّحابةِ صَلَّوا ثُمَّ تَبَيَّنَ لهم أنَّهمِ صَلَّوا قبلَ الوقتِ فَأَعَادُوا، منهم: ابْنُ عُمَرَ، وأبو موسى. وهذا يدلّ على أنَّهم صَلَّوا عن اجتهاد، وغَلَبَ على ظَنِّهم دخولُ الوقتِ من غيرِ یقین . وقالَ الحسنُ: شكُّوا في طُلوعِ الفجرِ في عهدِ ابْنِ عبَّاسٍ فَأَمَرَ مُؤْذِّنَه فأقامَ الصَّلاةَ. خرَّجَهَ ابْنُ أبي شَيْبَةً(١). وقالَ أبو داودَ: ((بابُ المسافرِ يُصلِّي ويَشُكُّ في الوقتِ))، ثُمَّ خرَّجَ من حديثِ المِسْحَاجِ بْنِ موسى أنَّ أنسًا حدَّثَهُ قالَ: كُنَّا إذا كنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي السَّفَرِ فقُلْنَا: زَالتِ الشَّمْسُ، أو لم تَزُلْ صَلَّى الظُّهرَ ثُمَّ ارتحل (٢). والمنصوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يُصَلِّي الظُّهرَ حَتَّى يَتَيقَّنَ الزَّوالَ في حَضَرٍ، ولا سفرٍ. وكذا قالَ إسحاقُ في الظَّهرِ، والمغربِ، والصَّبح؛ لأنَّ هذه الصلواتِ لا تُجمعُ إلى ما قبلَهَا. ولكنْ وَقَعَ في كلامِ مالكٍ، (١) ((المصنف)) (٢١٤/١). (٢) أبو داود (١٢٠٤). ٣١٤ ١٥ - باب من ترك العصر الحديث: ٥٥٣ وأحمدَ، وغيرهما من الأئمة تسميةُ الظنِّ الغالب يقينًا، ولعلَّ هذا منه، واللهُ أعلمُ. وقد اختلف العلماءُ في الصَّلاةِ في يومِ الغيمِ: فقالَ الشَّافعيُّ: ويَحْتَاطُ ويتوخَّى أَنْ يُصَلِّيَ بعدَ الوقت، أو يحتاطُ بتأخيرِهَا ما بينَه وبينَ أن يخافَ خروجَ الوقتِ . وقال إسحاقُ نحوَه. ولا يُسْتَحِبُّ عندَ الشَّافعيِّ التأخيرُ في الغيمِ مع تَحقُّقِ دخولِ الوقتِ إلا في حالٍ يستحبُّ التأخيرُ في الصحوِ كَشِدَّةِ الحرِّ (٣٦/م) ونحوه. وحكى بعضُ أصحابنَا مثلَ ذلكَ عن الخِرَقِيِّ، وحَكَاه - أيضًا - روايةً عن أحمدَ، وعن أبي حَنَيفةَ روايةٌ باستحبابِ تأخيرِ الصَّلواتِ كلِّها مَعَ الغيم. وقالتْ طائفةٌ: يؤخّرُ الظُّهْر، ويُعجّلُ العصر، ويؤخرُ (١٩٢ - أ/ ك١) المغرب، ويُعجّلُ العشاء مع الغيمٍ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، وأحمدَ، وحُكِيَ - أيضًا - عن الحسنٍ، والأوزاعيِّ، ونقله ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ. وقالَ النَّخعيُّ: كَانوا يُؤْخِّرُونَ الظُّهرَ، ويعجِّلُون العصرَ ويؤخّر المغرب في يومِ الغيمِ. قالَ ابْنُ المنذر: رُوِّيْنَا، عن عُمَرَ أَنَّه قَالَ: إذا كانَ يومُ الغيمِ فَعَجِّلُوا العصرَ، وأخِّرُوا الْظُهرَ (١). قالَ أصحابُنَا: يُسْتحبُّ ذلكَ مع تَحققِ دخولِ الوقتِ، واختلفوا في (١) ((الأوسط)) (٣٨١/٢ -٣٨٢)، وانظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٧). ٣١٥ الحديث: ٥٥٣ كتاب مواقيت الصلاة تعليلِ ذلك فمنهم مَنْ علَّلَ بالاحتياطِ لدخولِ الوقتِ، ولو كانَ الأمرُ كذلكَ لاسْتوت الصَّلواتُ كلَّها في التأخيرِ، ومنهم من عَلَّلَ بأَنَّ يومَ الغيم يُخْشَى فيه وقوعُ المطرِ، ويكونُ فيهَ ريحٌ، وبردٌ غالبًا فيشق(١) الخروجُ إلى الصَّلاتينِ المجموعتينِ في وقتينٍ، فإذا أخَّر الأولى، وقدَّمَ الثَّانيةَ خرجَ لهما خُروجًا واحدًا فكانَ ذلكَ أرفقَ به. وهذا قولُ القَاضي أبي يعلى وأصحابِهِ. واختلفوا هل يختصُّ ذلك بَنْ يُصَلِّي جماعةً أو تعمُّ الرخصةُ مَنْ يصلّي وحده؟ وفيه وجهانٍ. ومِنَ المتأخِّرِينَ مَنْ قَالَ: المعنى في تأخيرِ الأولى من المجموعتينِ في يومٍ الغيمٍ، وتعجيل الثّانية: أنَّ تعجيلَ الأولى منهما عن الوقتِ غير و جائزٍ، وتعجيلَ الثَّانيةِ جائزٌ في حالِ الجمعِ، والجمعُ يجوزُ عندَ أحمدَ للأعذار، والاشتباهُ في الوقت نوعُ عذرٍ؛ فلهذا اسْتُحبَّ تأخيرُ الأولى حتَّى يتيقَّنَ دخولَ الوقتِ دونَ الثّانيةِ فهذا احتياطٌ للوقتِ، لكنْ معَ وقوعِ الصَّلاةِ في الوقتِ المشتركِ، فكانَ أولى. وقد نصَّ أحمدُ على أنَّ المسافرَ حالَ اشتباهِ الوقتِ عليه في الصَّحوِ . أيضًا - يؤخِّرُ الظُّهرَ ويعجِّلُ العصرَ لهذا المعنى. وهو يدلُّ على أنَّ التفريقَ بينَ المجموعتينِ في وقتِ الأولى لا يضرّ ٩١ فإنَّ نيةَ الجمعِ لا تشترط، وقد سبقتِ الإشارةُ إلى ذلكَ في أولِ ((أبوابِ المواقيت)). ويدلُّ - أيضًا - على أنَّه يجوزُ تعجيلُ الثّانيةِ من المجموعتين وإنْ لم يتيقنْ دخولَ وقتها . (١) من ((ك))، وفي ((م)) غير واضحة. ٣١٦ ١٥ - باب من ترك العصر الحديث : ٥٥٣ ويُستحبُّ تأخيرُ الأولى منهما حَتَّى يتيقَّنَ دخولَ وقتِها في السَّفْرِ والغیم. وهذا أشبهُ بكلامِ الإمامِ أحمد . وَمِنْ أصحابِنَا من استحبَّ تأخيرَ الظُّهر، وتعجيلَ العصرِ في الغيمِ دونَ المغربِ لما في تأخيرِهَا من الكراهة؛ فإنَّ وقتَها مُضَيَقٌ عندَ كثيرٍ من العلماء . والمنصوصُ عن أحمدَ خلافُه. ورُوي عن ابن مسعود قال: إذا كانَ يومُ الغيمِ فَعَجِّلُوا الظُّهرَ، والعصرَ وأخِّروا (٣٧/ م) المغربَ والإفطارَ. وعن عبدِ العزيزِ بِنْ رُفَيْعِ قَالَ: عجِّلُوا صلاةً (١) العصر فإنَّه بَلَغَنَا أنَّ رسولَ الله وَلَه قالَ: عَجِّلُوا الصَّلاة - يعني (٢) في اليومِ الغيمِ. وفي رواية قال: قال رسُول الله وَّهِ: ((عجِّلُوا الصَّلاة في يوم غيمٍ، وأخروا المغرب)). وكان الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيم (١٩٢ - ب/ ك١) إذا كان يومُ غيمٍ قال لمؤذنه: أغسق أَغْسِقْ. يعني أخِر حتَّى يُظْلَمَ الوقتُ (٣). ورويَ استحبابُ التبكيرِ بالصَّلاة في اليوم الغيمِ من وجوهِ. فخرَّجَ محمد بن نصرِ المروزيَّ في ((كتاب الصَّلاة)) بإسناد فيه ضعفٌ، عن أبي سعيد الخدريِّ مرفوعًا قَالَ: ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه بلغَ حقيقة الإيمانِ)) (١) في ((ك١)): ((الصلاة)) (٢) في ((م): ((يعني: صلاةً)) . (٣) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٣٧/٢) و((الأوسط (٣٨٢/٢) و((المراسيل)) لأبي داود(١٣). ٣١٧ الحديث: ٥٥٣ كتاب مواقيت الصلاة فذكر منها ابتدارَ الصَّلاةِ في اليومِ الدَّخَنِ . وخَرَّجَ ابنُ وهبِ في ((مسندِه)) بإسناد ضعيف أيضًا -، عن أبي الدرداءِ مرفوعًا قال: ((تعجيلُ الصَّلاة في اليوم الدخنِ من حقيقةِ الإيمانِ)). وَرَوَى ابْنُ سعدٍ في (( طبقاتِهِ) بإسنادِهِ أَنَّ عمرَ بْنَ الخطّاب - رضي الله عنه - وَصََّ ابنَه عندَ موته بخصال الإيمان، وعدَّ مِنها: تعجيلَ الصَّلاة في يومٍ الغيم(١). وقالَ الأوزاعيُّ، عَنْ يحيى بْنِ أبي كثيرٍ: ستٌّ من كُنَّ فيه فقد استكمل الإيمانَ، فذكرَ منها التَّبكير بالصَّلاة في اليومِ الغيمِ. (١) ((الطبقات))(٣٥٩/٣). ٣١٨ الحديث: ٥٥٤ ١٦ - بَابٌ فَضْلُ صَلاة الْعَصْرِ فيه حَديثان: أَحدُهُمَا: قَال: ٥٥٤ _ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ(١): ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَّةَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَنَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (٢) فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتَهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلُبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا)) ثُمَّ قَرَأَ ((فَسِّح(٣) بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ) قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ. هذا الحديثُ نصٌّ في ثُبُوتِ رؤية(٤) المؤمنين لِربِّهمْ في الآخرةِ كَمَا دَلَّ على ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وُجُوه يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَّةٌ (٥) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، ومفهومُ قوله في حقِّ الكُفَّار ﴿كَلا إِنَّهم عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قَالَ الشَّافِعِيُّ، وغيرُهُ: لَّا حَجَبَ أعداءَه في السّخطِ دلَّ على أنَّ أولياءَه يَرَوْنَه في الرِّضا. (١) في ((ك)): ((الجهيدي)) خطأ. (٢) في ((اليونينية)): ((ليلةً - يعني البدر ـ)) وسقط ((يعني البدر)) من بعض النسخ. (٣) كذا في بعض نسخ البخاري، والتلاوة كما في سورة [ق: ٣٩] بالواو: ﴿وسبح﴾ وانظر ((اليونينية)) و((القسطلاني)). (٤) في ((م): ((رؤيته))، وأصلحها في ((ك١). (٥) في ((ك١)) و((م)) بالظاء المعجمة. ٣١٩ الحديث: ٥٥٤ كتاب مواقيت الصلاة والأحاديثُ فى ذلكَ كثيرةٌ جدا، وقد ذكَرَ البخاريِّ بعضَهَا في أواخرِ الصَّحيحِ في كتابٍ ((التَّوحيد))(١). وقد أجمعَ على ذلكَ السَّلْفُ الصَّالِحُ من الصَّحابةِ، والتَّابعينَ لَهُمْ بإحْسَان مِنَ الأئمة، وأتباعهم، وإنَّما خالفَ فيه طوائفُ أهلِ البدعِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ، ونحوَهَم مِمَّنْ يَرُدُّ النُّصُوصَ الصحيحةَ لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة يُخَيِّلُها لهم الشَّيْطانُ فَيُسْرِعُونَ إلى قَبُولها منه، ويُوهِمُهُمْ أنَّ هذه النُّصوصَ الصحيحةَ تَسْتلزمُ - باطلا وتُسمِيه (٣٨/ م) تشبيهًا أو تجسيمًا فينفرون منه، كما خَيَّلَ إلى المشركينَ قبلَهُمْ أَنَّ عبادةَ الأوثان ونحوها تعظيمٌ لجناب الربِّ، وأنَّه لا يُتُوصَّلُ إليه من غيرِ وسائطَ تعبدُ فَتُقَرِّبُ إليه زُلَفًا، وأنَّ ذلك أبلغُ في التعظيمِ والاحترامِ، وقاسه لهم على (١٩٣ - أ/ ك١) ملوك بني آدم، فاسْتَجَابوا لذلك وقَبلُوهُ منه. وإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ الرُّسلَ، وأنزل الكتبَ لإبطال ذلكِ كلِّه، فمنِ اتَّبِعَ ما جاءوا به فقدِ اهتدى، ومَنْ أعرضَ عنه، أو عن شيءٍ منه واعترض فقد ضلَّ. وقولُه: ((كَما تَرَوْنَ هذا القمرَ)) شَبَّه الرؤيةَ بالرؤية لا المرئيّ بالمرئي سبحانه وتعالى، وإنَّما شَبََّ الرؤيةَ برؤيةِ البدرِ لمعنيينِ : أحدُهُمَا: أنَّ رؤيةَ القمرِ ليلةَ البدرِ لايشَكَّ فيه، ولا يُمْتَرَى. والثَّاني: يستوي فيه جميعُ النَّاسِ من غيرِ مشقة. وقد ظن المريسي ونحوُهُ ممَّنْ ضَلَّ وافترى على الله أنَّ هذا الحديثَ يُرَدُّ لما يتضمَّنُ من التشبيه، فضلًّ، وأضلَّ واتَّفَقَ السَّلَفُ الصَّالحُ على تَلقِّي (٢) هذا الحديث (١) أحاديث (٧٤٣٤، ٧٤٤٧). (٢) في ((ك)): ((التلقي)) وضرب في ((م)) على الألف واللام. ٣٢٠