النص المفهرس

صفحات 241-260

٩ - باب الإبراد بالظهر فى شدة الحر
الحديث: ٥٣٨
كالصَّلاة تحضره طعامٌ(١) تتوقُ نفسُهُ إليه، وكصلاةٍ مَنْ يدافعُ الأخبثينِ؛
فإِنَّ النُّفوسَ حينئذ تتوقُ إلى القَيْلولة والرَّاحة، وعلى هَذَاَ فلا فرقَ بينَ
مَنْ يصلِّي وحدَه أو في جماعةٍ .
ومنهم مَنْ قالَ: هو خشيةُ المشقَّةِ على من بَعُدَ مِنَ المسجدِ بمشيهِ في
الحرِّ. وعلى هَذَا فيختصّ الإبرادُ بالصَّلاةِ في مَسَاجدِ الجماعةِ التي تَقْصد
ـو
وم
من الأَمْكنةِ المتباعدةِ .
ومنهم مَنْ قَالَ: هو وقتُ تَنْفُسِ جهنَّمَ. وقد ثَبتَ في ((صحيحِ
مسلمٍ)) من حديثٍ عمرو بْن عَبَسَةَ، عن النبيِّ نَخلَّ قَالَ: ((الصَّلاةُ مَشْهودةٌ
مَحْضورةٌ حَتَّى يستقلَّ الظُّلُّ بالرُّمحِ، ثم أَقْصِرْ عنِ الصَّلاةِ فإنَّ حينئذٍ
تُسْجَرُ جهنّمُ، فإِذَا أقبلَ الفيءُ فإنَّ الصَّلاةَ مَشْهودةٌ(٢) محضورةٌ. حَتَّى
تُصلِّيَ العصرَ))(٣). وفي ((صحيحي)) ابْنِ خُزيمةَ وابن حبَّان من حديث
أبي هريرةَ مرفوعًا قَالَ: ((فَإِذَا انتصفَ النَّهَارُ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتَّى تميلَ
الشَّمْسُ؛ فإنَّ حينئذٍ تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ، وشِدةُ الحرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فإذَا مَالتِ
الشَّمْسُ فالصَّلاةُ مَحْضورةٌ مَشْهودةٌ مُتَقَبََّةٌ حتَّى تُصَلِّيَ العصرَ)(٤).
وخرَّجَهَ ابْنُ مَاجَه، ولفظُه: ((فَإِذَا كانتْ - يعني: الشَّمْس - على
رَأْسِكَ كالرُّمحِ فدعِ الصَّلاةَ؛ فإنَّ تلكَ الساعةَ تسعر(٥) فيها جَهَنَّمُ، وتُفْتَحُ
فيها أبوابُهَا حتَّى تزيغ الشَّمْسُ عَنْ حَاجِبِكَ الأَيْمِنِ، فَإِذَا زَالتْ فالصَّلاةُ
(١) كذا في ((ك))، ولعل الأصوب: ((كصلاة من يحضره طعام)).
(٢) في ((صحيح مسلم)): ((فإذا أقبل الفيء، فصل، فإن الصلاة مشهودة)).
(٣) مسلم (٨٣٢).
(٤) ابن خزيمة (١٢٧٥) وابن حبان (١٥٥٠ - إحسان).
(٥) في ((سنن ابن ماجه): ((تسجر)) بالجيم.
٢٤١

الحديث : ٥٣٨
كتاب مواقيت الصلاة
محضورةٌ مُتَقَبَّلةٌ(١))(٢).
وهذا يدلُّ على أَنَّ شدَّةَ الحرِّ عَقيبَ الزوال من أَثَرِ سَجْرِهَا، فَكَمَا
تُمْنَعُ الصَّلاةُ وقتَ الزَّوالِ فإنَّه يُسْتَحَبُّ تَأْخُرُهَا بعدَ الزوالِ حَتَّى يبردَ
حرُّهَا ويزولَ شدةُ وهجِهَا فإنه إثر (٣) وقت عصر، والمصلِّي يناجي ربَّهُ
فينبغي أن يتحرَّى بصَلاتِه أوقاتَ الرِّضَى والرحمة ويجتنبَ أوقاتَ السَّخْط
والعَذَابِ. وعلى هذا فلا فرقَ بين المصلِّي وحدَه وفي جماعةٍ . .
أيضًا - والأمرُ بالإبراد أمرُ ندبٍ واستحبابٍ، لا أمر حتمٍ وإيجابٍ
هذا مما لا اختلاف فيه بينَ العلماء. فإنْ شَذَّ أحدٌ من أهلِ الظاهرِ - جَرِيًا
على عادتهم - ولم يبالِ بخرقِ إجماعِ المسلمينَ كان محجوجًا بالإجماع
قبلَه وبحديث (٤) عمرو بْنِ عَبَسَةً وأبي هريرةَ المذكورينِ؛ فإنَّهما يُصرِّحَانِ
بأنَّ الصَّلاةَ بعدَ الزوال مشهودةٌ محضورةٌ متقبَّةٌ، ولم يفرِّقْ بينَ فرضٍ
ونفلٍ .
وذهبَ طائفةٌ من العلماء إلى أَنَّ الإبرادَ رخصةٌ، وأن تركَه سنةٌ،
والصَّلاةُ في أولِ الوقتِ بكلٌّ حالٍ أفضلُ. وهو قولُ الليثِ بْنِ سعدٍ،
وطائفة من أصحابِ الشافعيِّ. والأحاديثُ الصحيحةُ تردَّه.
وقد جعلَ مالكٌ القولَ بتركِ الإبرادِ قولَ الخوارجِ.
وأما حدَّ الإبراد: فقالَ القاضي أبو يَعْلَى من أصحابِنَا: يكون بين
الفراغ من الصَّلاةِ وبين آخرِ وقتِ الصَّلاة فَضْل(٥).
(١) في ((ك)): ((متقلبة)).
(٢) ابن ماجه (١٢٥٢).
(٣) لعل الصواب: ((فإن إثره)»، وما في ((ك١)) يصير المعنى مقلوبا، والله أعلم.
(٥) («المغني)) (٣٧/٢).
(٤) كذا، والجادة بحديثي.
٢٤٢

٩ - باب الإيراد بالظهر في شدة الحر
الحديث: ٥٣٨
وقال الشَّافعيَّةُ: حقيقةُ الإبراد: أَنْ يُؤْخِّرَ الصَّلاةَ عن أولِ الوقتِ بقدرٍ
ما يحصلُ للحيطانِ في يمشي فيه طالبُ الجماعةِ، ولا يؤخِّرُ عن النصف
الأولِ من الوقتِ .
وحكى سفيانُ الثوريُّ، وإسحاقُ بْنُ راهَويه عن بعضِ العلماءِ أَنَّه إذا
أَخَّرِ الصَّلاةَ إلى نصفِ وقتِهَا فلم يفرِّطْ، وإذا أَخَّرَهَا حتَّى كانتْ إلى
وقت الصَّلاة الأخرى أقربَ فقد فرَّطَ.
ولعلَّه يريدُ أنه يُكْرَهُ ذلكَ؛ لا أَنَّه يحرمُ.
وَأَمَّا صلاةُ الظُّهرِ فِي غَيْرِ شدةِ الحرِّ فجمهورُ العلماءِ على أَنَّ الأفضلَ
تعجيلُها. وفيه خلافٌ عن مالك (١٧٧ - أ/ ك١) يأتي ذكرُهُ فيما بعدُ إنْ
شاءَ اللهُ.
واستدلَّ من لم يَرَ استحبابَ الإبرادِ بحديثٍ خَبَّابِ بْنِ الأرتِّ:
شكَوْنَا إلى رسولِ اللهِ بِ ل﴿ حرَّ الرَّمضاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا. وقد ذَكَرْنَاه في بابِ
(السجود على الثوب))(١)، وذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحيحَ في تفسيرِهِ: أنَّهم طلبوا
منه تأخيرَ الصَّلاة بالهاجرةِ فلم يُجِبْهم إلى ذلكَ، وأمرهم بالصّلاة إذا
زالت الشَّمْسُ.
وقد أُجيبَ عنه بوجهين، أحدُهُمَا: أَنَّهم طَلَبُوا منه التَّأْخِيرَ الفاحشَ
المقاربَ آخِرَ الوقتِ فلم يُجِبَّهُمْ إليه.
والثَّاني: أنه منسوخٌ بالأمرِ بالإبرادِ. وهو جوابُ الإمامِ أحمدَ،
والأثرمِ، واستدلا بحديثِ المغيرةِ بْنِ شعبَة قَالَ: كُنَّا نصلِّي مَعَ رسولِ اللهِ
(١) (٣٨/٣) تحت الحديث (٣٨٥).
٢٤٣

الحديث : ٥٣٨
كتاب مواقيت الصلاة
وَّ الظُّهرَ بالهاجرة فقالَ لنا: ((أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ؛ فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْح
جهنَّمَ)). خرجَه الإمامُ أحمدُ، وابْنُ حبَّانَ في ((صحيحِهِ)، وابْنُ ماجه(١).
صلى الله
وزعمتْ طائفةٌ أَنَّ معنى حديث خبَّابٍ: أَنَّهم شكَوا إلى النبيِّ :
وَستَلا
أَنَّهم يَقْدُمونَ في رمضاءِ مكةَ في شدةِ الحرِّ، وسألوه أن يدعُوَ لهم فلم
یجبهم .
وهذا بعيدٌ، وألفاظُ الحديثِ تردُّه، وقد سبقَ ذكرُه.
وأما قولُهُ وَّجله: ((اشْتكت النَّارُ إلى ربِّهَا)) فالمحقِّقونَ من العلماءِ على
أَنَّ اللهَ أَنْطَقَهَا بذلكَ نُطْقًا حَقِيقيا كما يُنطقُ الأيديَ والأرجلَ والجلودَ يومَ
القيامة، وكما أنطقَ الجبالَ وغيرَهَا من الجماداتِ بالتَّسبيحِ والسّلامِ على
رسولِ اللهِ يَّهَ وغيرُ ذلكَ مِمَّا يُسْمَعُ نُطْقُه في الدنيا.
ويشهدُ لذلكَ ما خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ وصحَّحه من حديث
الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّ قال: ((يَخْرجُ
عنقٌ من النَّارِ يومَ القيامةِ لها عينانِ تَنْظرانِ، وأذنانِ تسمعانٍ، ولسانٌ ينطقُ
يقولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بثلاثة: بكلِّ جَبَّارِ عنيد، وبكلِّ مَنْ دعا مَعَ اللهِ إلهًا
آخر، والمُصوِّرِينَ))(٢).
كيا الله
وَسَّلا
وقد رُوِيَ عن الأعمشِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيُّ
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ - أيضًا - وقيلَ: إِنَّ هذا الإسنادَ هو المحفوظُ (٣).
(١) أحمد (٤ /٢٥٠) وابن حبان (الإحسان: ١٥٠٥ - ١٥٠٨) وابن ماجه (٦٨٠).
(٢) أحمد (٣٣٦/٢) والترمذي (٢٥٧٤).
(٣) لم نجده في ((المسند)) من طريق الأعمش، ولا ذكره الحافظ في ((أطراف المسند)).
والذي في ((المسند)) (٣/ ٤٠) من طريق فراس، عن عطية. وانظر ((المصنف)) لابن أبي
شيبة (١٦٠/١٣).
٢٤٤

الحديث: ٥٣٨
٩ - باب الإبراد بالظهر فى شدة الحر
وخرَّجَه البزَّارُ بهذا الإسناد، ولفظُ حديثه: ((يخرجُ عنقٌ من النَّار
يتكلَّمُ بلسانِ طَلْقٍ ذَلْقٍ، لَهَا عينانِ تبصرُ بِهِما، ولها لسانٌ تتكلَّمُ بِهِ)(١)
وذكرَ الحديثَ.
وقولُه: ((فأشَدُّ ما تجدونَ من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدونَ من الزَّمهرير))
بمعنى: إنَّه من تنفُسِ جهنَّمَ.
وقد فسَّرَ ذلكَ الحسنُ بما يحصلُ منه للنَّاسِ أدَّى من الحرِّ والبردِ.
قالَ ابْنُ عبدِ البرِّ: أحسنُ ما قيلَ في معنى هذا الحديثِ ما رُوِيَ عن
الحسنِ البصريِّ رحمه اللهُ قالَ: اشتكتِ النَّارُ إلى ربِّها، قالتْ: يَارَبِّ،
أَكَلَ بعضي بعضًا فَخَفِّفْ عَنِّي. قال: فَخَفَّفَ عنها وجعلَ لها كلَّ عام
نَفَسينٍ، فما كانَ من بردِ يهلكُ شيئًا فهو مِنْ زَمْهَرِيرِها، وما كانَ من
سَمُومٍ تهلكُ شَيْئًا فهو مِنْ حَرِّهَا (٢).
وقد جَعَلَ اللهُ تعالى ما في الدنيا من شدة الحرِّ والبردِ مُذكِّرًا بحرٍّ
جهنّمَ وبردِهَا ودليلا عليها؛ ولهذا تُسْتحبُّ الاستعاذة منها عند وجود
ذلكَ، كما رَوَى عثمانُ الدَّارميُّ وغيره، من روايةٍ درّاجٍ، عن
أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ - أو - عن ابن حجيرة الأكبرِ، عن أبي
هريرةَ - أو أحدهما - حَدَّثْهَ عن النبيِّ ◌َِلِّ قَالَ: ((إذا كانَ يومٌ حارٌّ فإذا
قالَ الرجلُ: لا إلَه إلا اللهُ، ما أشدَّ حرَّ هذا اليومٍ، اللهمَّ أَجِرْني من حَرِّ
(١) حديث الأعمش: أخرجه البزار (٣٥٠٠ - كشف) وذكره الترمذي بعد حديث أبي هريرة.
ورُوِي عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي سعيد عند الطبراني في «الأوسط))
(٣١٨)، وانظر «علل الدارقطني)) (١٤٧/١٠).
(٢) ((التمهيد)) (٨/٥).
٢٤٥

الحديث : ٥٣٨
كتاب مواقيت الصلاة
جهنَّمَ قال اللهُ لجهنَّمَ: إِنَّ عبدًا من عَبِيدِي اسْتَجارَني من حرِّك، وأنا
أشهدُك أَنِّي قَدْ أَجَرَّتُه. وإذا كانَ يومٌ شديدَ البردِ فإذا قالَ العبدُ: لا إلَه
إلا اللهُ ما أشدَّ بردَ هذا اليومِ (١٧٧ - ب/ ك١)، اللهمّ أَجِرني مِنْ زمهريرِ
جهنَّمَ، قالَ اللهُ لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استعاذَني من زمهريرِكِ
وأَنَا أشهدُك أَنّي قد أجرتُه)). قالوا: وما زَمْهريرُ جهنَّمَ؟ قال: ((بيتٌ يُلْفَى
فيه الكَافرُ فَيتميّزُ من شدَّةٌ بردهَا))(١).
(١) الحديث أخرجه البيهقى في ((الأسماء والصفات)) (ص ١٧٧ - ١٧٨) وابن السني في
((اليوم والليلة)) (٣٠٦) من طريق عبد الله بن سليمان، عن دَرَّاج، به.
وأخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص٤٨٦) من وجه آخر.
٢٤٦

الحديث: ٥٣٩
١٠ - بَابُ
الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ - مَوْلَى بني تيم
الله - قَالَ: سَمِعْتُ زِيدَ بْنَ وَهْبٍ، [عَنْ أَبِي ذَرِّ] (١) الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ
رَسُولِ الهَوَ فِي سَفَرَ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرِ، فَقَالَ له: ((أَبْرِدْ))، ثُمَّ
أَرَدَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ:(أَبْرِدْ) حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ النُُّولِ. فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ: ((إِنَّ
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّالْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بالصَّلاة)).
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَفَّأُ: يَتَمَيَّلُ.
مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: أَنَّ الإبرادَ بالظُّهرِ مشروعٌ في الحضرِ
والسَّفْر، وسواءً كانَ جماعةُ المصلِّينَ مجتمعينَ في مكان الصَّلاة أو كانوا
غَائبينَ .
وقَد استدلَّ التِّرمذيُّ فى ((جامعه))(٢) بهذا الحديث على أَنَّ الإبرادَ لا
يختصُّ بالمصلِّي في مسجدٍ ينتابُهُ النَّاسُ من الْبُعْدِ كما يقولُهُ الشَّافِعِيُّ؛
فإنَّ النبيَّ ◌َّ كانَ هُو وأصحابُه مجتمعينَ في السَّفْرِ وقد أبردَ بالظُّهْرِ.
وقولُه: ((حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ)) يعني: حَتَّى مَالتِ الشَّمْسُ وبَعُدتْ
عن وسط السَّماء حَتَّى ظهرَ للتلولِ فيء .
(١) سقطت من ((ك))، واستدركناه من اليونينية.
(٢) (٢٩٦/١ - ٢٩٧) تحت الحديث (١٥٧).
٢٤٧

الحديث : ٥٣٩
كتاب مواقيت الصلاة
والفيءُ: هو الظلُّ العَائدُ بعدَ زواله؛ فإنَّ الشمسَ إذا طلعتْ كانَ
للتلولِ ونحوِها ظلِّ مستطيلٌ ثم يقصرُ حتَّى يتَنَاهى قِصَرُهُ وقتَ قيامِ
الشّمسِ بالظَّهيرةِ، ثم إذا زالتِ الشَّمسُ عادَ الظلُّ وأخذَ في الطولِ، فما
كانَ قبلَ الزوالِ يُسمَّى ظلا، وما كانَ بعدَه يُسمَّى فَيْئًا؛ لرجوع الظلِّ بعدَ
ذهابِه، ومنه يُسمَّى الفيءُ فيئًا كأنَّه عادَ إلى المسلمينَ ما كانوا أحقَّ به مما
كان في يدِه.
وقد حكَى البخاريُّ عن ابْنِ عِبَّاسٍ أَنَّه فسَّرَ قولَه ﴿يتفيَّأُ ظلالُهُ﴾
[النحل: ٤٨]: يتميل(١).
٩
وفي حديث أبي ذرِّ دليلٌ على أَنَّ حدَّ الإبراد: إلى [أن](٢) يظهرَ فيءَ
التُّول ونحوها.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والحاكمُ من حديثِ ابْنِ
مسعودٍ قَالَ: كانَ قدرُ صلاة رسول الله بَّهِ فِي الصَّيفِ ثَلاثةَ أقدامٍ، وفي
الشِّنَاءِ خَمْسةَ أقدامٍ إلى سبعةِ أقدامٍ(٣).
وقد رُوِيَ موقوفًا على ابْنِ مسعودٍ، وأَنَّه قالَ: في الصَّفِ ثَلاثةُ أقدامٍ
إلى خمسةِ أقدامٍ .
قال بعضُ أصحابنا: وهذا يدلُّ على أنَّه إلى الطرف الأول أقربُ
وهذا يشبه قولَ الشَّافِعية أَنَّه لا يؤخرُ إلى النَّصف الآخر من الوقتِ، وهو
(١) جاءت في ((ك١): ((يتتميل))، خطأ.
(٢) ليست في ((ك١)).
(٣) أبو داود (٤٠٠) والنسائي (٢٥٠/١ - ٢٥١) وفي ((الكبرى)) (١٤٩٢) والحاكم (١٩٩/١)
من طريق الأسود بن يزيد، عنه.
والحديث لم نجده في ((المسند))، ولا ذكره الحافظ في ((أطراف المسند)).
٢٤٨

١٠ - باب الإيراد بالظهر فى السفر
الحديث: ٥٣٩
الصَّحيحُ. وقد تقدَّمَ عن سفيانَ أَنَّه حَكَى عن بعض العلماء أنَّه عدَّ
التأخيرَ إلى النصفِ الثَّاني تفريطًا.
وظاهرُ حديثِ أبي ذر الذي خرَّجَه البخاريُّ يدلُّ على أنَّه يشرعُ
الإبرادُ بالأذان عندَ إرادة الإبراد بالصَّلاة، فلا يُؤذِّنُ إلا في وقتٍ يُصلِّي
فيه، فإذا أُخِرِتِ الصَّلاةُ أَخَّرَ الأَذانَ معها، وإن عُجِّلتْ عَجَّل الأذانَ.
وقد وقعَ في كلامِ بعضِ أصحابِنَا ما يدلُّ على أَنَّ من أَخَّرَ الصَّلاةَ في
السَّفْرِ إلى آخرٍ وقتِهَا وهو سائرٌ أَنَّه يؤذِّنُ إذا نزلَ وأرادَ الصَّلاةَ، وحملوا
فعلَ ابْنِ مسعودٍ بالمزدلفة على ذلكَ إذا دخلَ وقتُ الثَّانية أَذَّنَ لها، ويشهدُ
لذلكَ أَنَّ النبيَّ وَّ ليلةَ جمع لَّا غربتْ له الشَّمْسُ بعرفةَ ودفعَ لم يُنْقَلْ
عنه أَنَّه أَذَّنَ الصَّلاة، فلمَّا قَدمَ جمعًا أَذَّنَ وأقامَ وصلَّى.
وهذا يدلُّ على أَنَّ الصَّلاتينِ المجموعتين في وقتِ الثَّانية لا يُؤْذَّنُ
لهما إلا عندَ صلاتهما في وقتِ الثَّانيةِ فيكونُ الأذانُ للوقتِ الذي يُصلِّي
فيه لا للوقتِ الذي يجمع فيه.
ولكن قد رَوَى أبو داودَ الطيالسيُّ هذا الحديثَ في ((مسندِه))، عن
شعبةَ، وخرَّجَه من طريقه الترمذيُّ، ولفظُه: قَالَ أبو ذرٍّ: كَانَ رسولُ الله
وََّ فِي سَفْرٍ ومعه بلالٌ، فأرادَ أن يقيمَ فقالَ النبيُّ ◌َلَّ: ((أبردْ) ثم أرادَ أن
(١٧٨ - أ/ ك١) يُقِيمَ فقالَ النبيُّ وَله: ((أَبْرِدْ في الظَّهرِ)) قَالَ: حتَّى رأينا
فيءَ التُّلولِ، ثم أقامَ فصلَّى فقالَ رسولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((إِنَّ شدةَ الحرِّ من فيحِ
جهنَّمَ؛ فأبردوا عَنِ الصَّلاةِ»(١).
(١) الطيالسي (٤٤٥) والترمذي (١٥٨) واللفظ له.
٢٤٩

الحديث : ٥٣٩
كتاب مواقيت الصلاة
ففي هذه الروايةِ التَّصريحُ بأنَّ الإبرادَ إنَّما كانَ بالإقامة، والإقامةُ
تُسمَّى أَذَانا كما في قولِهِ بِّهَ: ((بينَ كُلِّ أذانينِ صلاةٌ)(١) ومرادهُ: بينَ
الأذان والإقامة .
وقد خَرَّجَه البخاريُّ في البابِ الماضي، ولفظُه: أَذَّنَ مؤذِّن رسولِ الله
وَِّ الظُّهرَ، فَقَالَ: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ)) - أو قالَ: ((انتظرْ انتظرْ)).
وَسَلام
وهذا - أيضًا - يدلُّ على أنَّه إنَّما أَخَّرَهُ بالإبراد والانتظارِ بعد أَنْ أَذَّنَ،
وهو دليلٌ على أَنْ يُؤْذِّنَ في أولِ وقتِ الصَّلاةِ بكلِّ حالٍ سواء أبردَ بها أو
لم يبردْ؛ ولكنْ إِنْ أرادَ تأخيرها عن وقتها بالكليةِ حتَّى يصلَّهَا في وقتٍ
الثّانيةِ جمعًا فإنَّهَ يُؤْخِّرُ الأذانَ إلى وقتِ الثّانيةِ .
ويَدلُّ على هذا: ما خرَّجَه مسلمٌ من حديث جابرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:
كَانَ بلالٌ يُؤْذِّنُ إذا دحضتِ الشَّمْسُ فلا يقيمُ حَتَّى يخرجَ النَّبِيُّ ◌َهِ، فإذا
خرجَ أقامَ حينَ يَرَاهُ(٢).
وفي الأذانِ للمجموعَيْنِ (٣) في وقتِ الثَّانيةِ خلافٌ يذكرُ في موضعٍ
آخر .
ومتى فَرَّقَ بينَ المجموعتينِ في وقتِ الثَّانيةِ تفريقًا كثيرًا، فقالَ القاضي
أَبُو يعلى من أصحابِنَا: تحتاجُ الثَّانيةُ إلى أذانِ آخر. وقد رُوِيَ عن ابْنِ
مسعودٍ في جمعِهِ بالمزدلفة ما يشهدُ له، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ.
(١) متفق عليه من حديث ابن مُغَفَّل.
(٢) مسلم (٦٠٦).
(٣) كذا، ولعله: ((للمجموعتين)) إلا أن يقصد بها الفرضين.
٢٥٠

١١ - بَابٌ
وَقْتُ الظُّهْرِ عِندَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٍ: كَانَ النَِّيَُّ﴿ يُصَلِّي الظُّهْرَ (١) بِالْهَاجِرَةِ .
حديثُ جابرِ هذا خرَّجَه في بابِ ((وقتِ المغربِ)) ويأتي في موضعه
إن شاءَ اللهُ(٢). وقد سبقَ حديثُ أبي حنيفة (٣) فِي صَلاةِ النبيِّ وَهِ الظُّهَرَّ
بالبطحاءِ بالهاجرة، وقد ذكرْنا - أيضًا - حديثَ جابر بن سمرة أَنَّ النبي
حَّ كان يُصلِّي الظُّهرَ إذا دَحَضتِ الشَّمْسُ.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من حديثِ زيدِ بْنِ ثابتٍ قَالَ: كانَ
النَّبِيِ وَِّ يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ ولم تكنْ صلاةً أشدُّ على أصحابِ النبيِّ
وَالَّ منها، فنزلتْ ﴿حَافظُوا على الصَّلَواتِ والصَّلاة الْوُسْطَى﴾ (٤)
[البقرة: ٢٣٨].
وخرَّجَ الإمام أحمدُ، والنَّسائيُّ نحوَه من حديث أسامةَ بْنِ زيد أَنَّ
رسولَ اللهِ وَّلَه كانَ يُصلِّي الظُّهرَ بالهَجيرِ، ولا يكونُ وراءَه إلا الصفّ
والصََّانِ والنَّاسُ في قَائِلَتِهم وتجارتهم(٥)، فأنزلَ اللهُ ﴿حَافِظُوا على
الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوسطى﴾(٦).
(١) كلمة ((الظهر)) ليست في ((اليونينية)).
(٢) حديث (٥٦٠).
(٣) كذا في ((ك)) والصواب: أبي جحيفة، وسبق حديثه (٥٠١).
(٤) أحمد (١٨٣/٥) وأبو داود (٤١١).
(٥) في ((ك١)» بالحاء المهملة، والباء الموحدة.
(٦) أحمد (٢٠٦/٥) والنسائي في ((الكبرى)) (١٥٢/١ - ١٥٣).
٢٥١

الحديث : ٥٤٠
كتاب مواقيت الصلاة
والحَديثان إسنادُهما واحدٌ مختلفٌ فيه، وفيه نظرً (١).
خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديثَ.
الحديثُ الأولُ: قَالَ:
٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَبنا (٢) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي
أَنَسُ بْنُ مَالكِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ،
فَقَامَ على الْمِنْبَرِ فَذَكَر السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فيها أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ
أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيءٍ إِلا أَخْبَرْتُكُمْ مَا
دُمْتُ فِي مَقَامِي)) فَأَكْثَرِ النَّاسُ في البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُوا)) فَقَامَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ(٣): (أَبُوكَ: حُذَافَةُ)) ثم
أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِ)). فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِيْنَا بِاللهِ رَبّاء،
وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدِ نبيا. فسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ
والنَّارُ آنِفًا في عُرْضِ هَذَا الْخَائِطِ، فَلَمْ أَرَ (٤) كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ).
زيغُ الشَّمْسِ: ميلُها، وهو عبارةٌ عن زوالِهَا.
والحديثُ يدلُّ على أَنَّه وَِِّّ صَلَّى الظُّهْرَ في ذلكَ اليومِ حينَ زالتِ
الشَّمْسُ من غيرِ مُهْلةٍ؛ لكن هل كانتْ تلكَ عادتَه في صلاةِ الظُّهْرِ؟ أَمَّ
(١) انظر ((الكبرى)) للنسائي (١٥١/١ - ١٥٣) و((سنن البيهقي)) (٤٥٨/١) و((التاريخ الكبير))
للبخاري (٤٣٤/٣) و((سؤالات الدار قطني)) للبرقاني (١٦٧) و((شرح المعاني)) (١٦٧/١).
(٣) في ((اليونينية)): ((قال)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٤) كتب في هامش ((ك)): ((كاليوم)) وأشار بعلامة لحق بعد: ((أر)). وليست في ((اليونينية))
فلم نثبتها في المتن لذلك.
٢٥٢

١١ - باب وقت الظهر عند الزوال
الحديث: ٥٤٠
عَمَلَها ذلكَ اليومَ لأمر حَدَثَ حَتَّى يخبرَهم به؟ ولذلكَ خطبهم وذكر
السَّاعَةَ. هذا مُحْتَمَلٌ.
والثَّاني (١٧٨ - ب / ك١) أظهرُ؛ فإنَّه ◌َِّ كَانَ يُؤْخِّرُ صلاةَ الظُّهرِ في
شدّة الحرِّ - كما تقدَّمَ - وأما في غيرِ ذلكَ فكان يُعجِّلُها؛ لكن هل كانتْ
عادتُهُ أن يدخلَ في صلاةِ الظُّهرِ حينَ تزول الشَّمسُ في غيرِ وقتِ شِدَّةٍ
الحرِّ دائما؟ هذا فيه نَظرٌ؛ بل الأظهرُ خلافُه. وقد رُويَ عنه وَّ أنه كان
يُصلِّي إذا زَالتِ الشَّمْسُ أربعَ ركعاتٍ، ويقولُ: ((إنَّها سَاعةٌ تُفْتَحُ فيها
أبوابُ السَّماءِ ويُسْتَجابُ الدُّعَاءُ).
خرَّجَه الترمذيُّ وغيرُ(١).
وقد كَانَ يصلّي قبلَ الظُّهرِ ركعتينٍ، ورُوِيَ عنه أَنَّه كانَ يُصلِّي أربعًا.
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّه لم يكنْ يحرمُ بَالصَّلاةِ عَقِيبَ الزَّوالِ من غيرِ مهلةٍ
بينهما. وقد ذكرنا في البابِ الماضي حديثَ ابْنِ مسعودٍ في صَلاةِ النبيُّ
وَّ في الشَِّاءِ خمسة أقدامٍ إلى سبعةٍ - يعني: قدرَ الظُّلِّ. وقد رُويَ عن
النبيِّ وَ أَنَّه أمرَ بلالا أن يجعلَ بينَ أَذانِهِ وإِقَامِهِ قدرَ ما يفرغُ الآكلُ من
أَكْلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ والمعتصر إذا دخلَ لقَضاءِ حَاجَتِهِ.
خرَّجَه الترمذيَّ من حديث جابرٍ، وقَالَ: إسنادُه مجهولٌ (٢)
وخرَّجَهَ عبدُ اللهِ ابْنُ الإمامِ أحمدَ من حديثِ أُبِيَ بْنِ كعب(٣).
٠
وخرَّجَهَ الدَّارقطنيُّ وغيرُهُ من حديثٍ عليّ(٤).
(٢) الترمذي (١٩٥).
(١) الترمذي (٤٧٨) وأحمد (٤١١/٣).
(٣) عبد الله في ((زوائد المسند)) (١٤٣/٥).
(٤) انظر ((السنن)) للدار قطني (٢٣٨/١).
٢٥٣

الحديث : ٥٤٠
كتاب مواقيت الصلاة
ورُويَ - أيضًا - من حديث أبي هريرةَ وسلمان.
وأسانيدُه كلُّها ضعيفةٌ (١).
والصَّحيحُ عندَ أصحابِنَا: أَنَّه يستحبُّ أَنْ تكونَ الصَّلاةُ بعدَ مُضِيِّ
قدرِ الطَّهارةِ وغيرِهَا من شرائطِ الصَّلاةِ. وكذلكَ هو الصَّحيحُ عندَ
أصحابِ الشافعيِّ، وقالوا: لا يضرُّ الشُّغْلُ الخفيفُ كأكلِ لُقْمٍ وكلامٍ قصيرٍ
ولا يكلف العجلة على خلاف العادة.
ولهم وجهٌ آخرُ: أَنَّه لا يحصلُ فضيلةُ أول الوقت حتى يقدم ذلك
كلَّه قبلَ الوقتِ حَتَّى تنطبقَ الصَّلاةُ على أولِ الوَقْتِ. قَالَ بعضُهم: وهذا
غلطٌ صريحٌ مخالفٌ للسُّنة المُسْتفيضة. وقد جعلَه مالكٌ قولَ الخوارجِ
وأهلِ الأهواءِ.
وللشَّافعية وجهٌ آخرُ: لا تَفوتُ فضيلةُ أول نصف الوقت، ولا
يستحبُّ عندَهم أن ينتظرَ بها مصيرَ الفيءِ مثلَ الشِّراكِ. وحكى السَّاجِيُّ
عن الشَّافِعِيِّ أنه يستحبُّ ذلك.
وحَكَى عن غيرِهِ أَنَّه لا يجوزُ فعلُها قبلَ ذلكَ؛ فإنَّ جبريلَ عليه
السَّلامُ صَلَّى بالنبِيِّ نَّهِ أولَ يومٍ الظُّهرَ والفيءُ مثلُ الشِّراكِ. وهذا ليسَ
بشيءٍ، وهو مخالفٌ للإجماعِ، وقد حُمِل حَديثُ جبريلَ على أَنَّ
الشمسَ يومئذ زالتْ على قدرِ الشِّراكِ من الفيءٍ.
ونقلَ ابْنُ القاسم، عن مالكِ أَنَّه كانَ يستحبُّ لمساجد الجماعات أَنْ
يُؤْخِّرُوا صَلاةَ الظُّهرِ بعدَ الزَّوالِ حَتَّى يكونَ الفيءُ ذراعًا صيفًا وشتاءً؛
(١) انظر ((نصب الراية)) (٢٧٥/١) و((الإرواء)) (٢٤٤/١) و ((سنن البيهقي)) (٤٢٨/١)
و ((الفتح)) (١٠٦/٢).
٢٥٤

١١ - باب وقت الظهر عند الزوال
الحديث : ٥٤١
عملا بما رَوَاه في ((الموطَّأ))، عن نافع أَنَّ عمرَ كتبَ إلى عُمَّاله بذلكَ(١).
وقالَ سفيانُ الثوريُّ: كانَ يُسْتَحِبُّ أَنْ يمهلَ المؤذِّنُ بينَ أذانه وإقامته
٠٠
في الصيفِ مقدارَ أربعينَ آيَةً، وفي الشِّاءِ على النِّصفِ منها، ويمهلُ في
العصرِ أربعينَ آيَةً، وفي الشِّتَاءِ على النِّصفِ منها، وفى المغرب إذا وجبت
الشمس أَذَّنَ ثم قعد قعدة ثم قام وأقام الصلاة قال: ويمهل في العشاء
الآخرة قدر ستين آيةً، وفي الفجرِ: إذا طَلَعَ الفَجرُ أَذَّنَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعتينِ
ثم سبِّحَ اللهَ وذَكَره.
وهذا يدلُّ على استحبابِهِ الإبرادَ بالعصرِ في (١٧٩ - أ/ ك١) الصَّيف،
وحُكِيَ مثلُه عن أشهبَ من المالكيةِ .
وقد استحبَّ كثيرٌ من السَّلفِ المشيَ إلى المساجدِ قبلَ الأذان، وكانَ
الإمامُ أحمدُ يفعلُه في صلاةِ الفجرِ. والآثارُ في فضلِ المبادرةِ بالخروجِ
إلى المساجدِ كثيرةٌ.
وبقيةُ الحديث قد سبقَ الكلامُ عليه: بعضُه في كتابِ ((العلمِ))(٢)،
وبعضُهُ في ((الصَّلاةِ إلى النُّور والنَّارِ))(٣).
وعُرْضُ الحائطِ - بضمِّ العينِ - : جانبُه.
الحَديثُ الثَّاني: قَالَ:
٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ
أبِي بَرْزَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، ويقرأُ
(١) ((الموطأ)) (ص٣١) و((حلية العلماء)) للشاشي (١٥/٢).
(٢) حديث (٩٣ - فتح).
(٣) حديث (٤٣١).
٢٥٥

الحديث : ٥٤١
كتاب مواقيت الصلاة
فيها ما بَيْنَ السَّيْنَ إلى المائةِ. وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَلَتِ الشَّمْسُ، والْعَصْرَ
وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِع وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ
فِي الْمَغْرِبِ. وَلَا يُبَلِي بِتَأخِرِ الْعِشَاءِ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ - ثُمَّ قَالَ : - إِلَى
شَطْرِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُم (١ ) لقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
الكلامُ على هذا الحديثِ يَأْتِي مُفُرَّفًا في أبوابِهِ حيثُ أعادَ البخاريُّ
تخريجه فيها .
والغرضُ منه هَاهُنَا: صَلاةُ الظُّهْرِ وَأَنَّهُ كانَ يُصلِيها إذا زَالت
الشَّمْسُ. وهذا يدلُّ على مُدَاومتِهِ على ذلكَ أو على كثرتِهِ وتكرارِهِ،
وهذا هو الأغلبُ في استعمال: ((كانَ فلانٌ يفعلُ)) وإنَّما يقعُ ذلكَ لغيرِ
التكرارِ نادرًا، وهذا لا ينافي ما قَدَّمنا أَنَّه يتأهَّبُ لها بعدَ دخولِ الوقتِ
وبعدَ الأذان فيه وصلاة ركعتين أو أربعٍ .
كانَ يُصلِّ الجمعةَ إذا زالتِ الشَّمْسُ،
صَلىالله
وقد رُويَ أَنَّ النبيَّ
وسام
ومعلومٌ أَنَّه كانَ يخطبُ قبلَ صلاتِهِ خطبتينٍ، ثم يصلِّي. وهذا كلُّه لا
يمنع أَنْ يُقَالَ: كانَ يُصلِّي الظُّهرَ أو الجمعةَ إذا زالتِ الشّمْسُ.
وفي روايةٍ لحديث أبي برزةَ - وقد خرَّجَهَا البخاريُّ فيما بعدُ (٢)- كانَ
يُصلِّي الهجيرَ التي تدعونَهَا: الأولى إذا دَحَضتِ الشَّمْسُ.
وفي هذه الروايةِ أَنَّ لصلاةِ الظُّهْرِ اسمينِ آخرينٍ، أحدُهما: الهجيرُ؛
لأَنَّها تُصلَّى بالهاجرة والثَّاني: الأولى، وقيلَ: سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّها أولُ
(١) كلمة ((ثم)) ليست في ((اليونينية)).
٢٥٦
(٢) (٥٤٧).

١١ - باب وقت الظهر عند الزوال
الحديث : ٥٤٢
صلاة صلاها جبريلُ بالنبيِّ وَ لِّ عندَ البيت في أول ما فُرضت الصَّلواتُ
= ٠
الخمسُ ليلةَ الإسراءِ.
الحديثُ الثَّالثُ: قَالَ:
٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتل (١): ثَنَا عَبْدُ الله: أبنا(٢) خَالدُ بْنُ
عَبْدِ الرحمنِ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القطََّنُ، عن بكرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مالكَ قَالَ: كُنَّا إِذَ صَلَيْنَا مَعَ(٣) رَسُولَ الله ◌َهَ بَالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا
عَلَىَ ثِيَابِنَا أَنْقَاءَ الْحَرِّ.
قَدْ سَبَقَ هذا الحديثُ في بابِ ((السُّجود عَلَى الّياب)) (٤).
وفيه دليلٌ على أَنَّ صلاةَ الظُّهْرِ كَانَتْ تُصَلَّى في حالِ شِدَّةٍ حَرِّ
الحصى الذي يُسْجَدُ عَلَيْهِ، ويشهدُ لهذا المعنى حديثُ خَبَّابٍ: شَكَّوْنَا إلى
رَسُولِ اللهِ بَلَه حَرَّ الرَّمْضَاء فَلَم يُشْكِنَا(٥).
وكلُّهُ يدلُّ على أَنَّهِ وَ كَانَ يبرد(٦) بالظهر إبرادًا يسيرًا حَتَّى تنكَسِرَ
شدَّةُ الحرِّ، ولم يكنْ يُؤْخِّرُها إلى آخرٍ وقتِهَا حتَّى يبردَ الحَصى.
وقد رُوِيَ بمثلِ هذا الإسنادِ الذي خرَّجَه البخاريُّ ها هنا عن بكرٍ،
عن أنسٍ قَالَ: كُنَّا نصلِّي مَعَ رسولِ اللهِ بَه في شدَّةِ الحرِّ فيأخذُ أحدٌنًا
الحصى في يَدِهِ فإذا بَرَدَ وَضَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ.
ذَكَرَه البيهقيّ في كتابِ ((المعرفة)) تعليقًا(٧).
ءِ
(١) في ((اليونينية)): ((يعني: ابن مقاتل)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٣) في ((اليونينية)): ((خلف)).
(٤) رقم (٣٨٥) ونقل المصنف عن العقيلي أنه قال: حديث أنس في هذا فيه لين.
(٥) أخرجه مسلم وغيره.
(٧) (٢٥/٣).
(٦) في ((ك١)): ((يرل)) خطأ.
٢٥٧

الحديث : ٥٤٢
كتاب مواقيت الصلاة
والمعروفُ في هذا حديثُ جابرٍ قَالَ: كنتُ أصلِّي الظُّهرَ مَعَ رسولِ
اللهِ وَهُ فَآَخُذُ قبضةً مِنَ الْحَصَى لتبردَ في كَفِّي أضعُهَا لَجَبْهَتَي أسجدُ
عَلَيْهَا لشدّة الحرِّ.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ (١٧٩ - ب/ ك١)، وابنُ
حبَّنَ في ((صحِيحِهِ)، والحاكمُ (١).
وليسَ هذا مما يُنْهَى عنه مِنْ مَسِّ الحصى في الصَّلاةِ كما سيأتي ذكرُهُ
إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنَّ ذلك المنهيَّ عنه مسَّه عَبَثًا، وهذا لمصلحة
الْمُصَلِّي. وَقَالَ مالكٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَنْقُلَ التَّرابَ والْحَصَى من موضعِ الظلِّ
إلى موضعِ الشَّمْسِ ليسجدَ عَلَيْهِ.
ب
(١) أحمد (٣٢٧/٣) وأبو داود (٣٩٩) والنسائي (٢٠٤/٢) وابن حبان (٦/ ٥٢) والحاكم
(١٩٥/١).
٢٥٨

الحديث : ٥٤٣
١٢ - بَابُ
تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلى الْعَصْرِ
٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمانِ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو - وَهُوَ: ابْنُ
دِينَار - عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّالنَّبِيَِّ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا
وَثَمَنِيًا الظُّهْرَ والْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّه فِي لَيْلَةً
مَطَيرة؟ قَالَ: عَسَى.
ء
وخرَّجَهَ مُسلمٌ من طريقِ حَمَّدٍ - أيضًا - ولم يذكرْ فيه قولَ أُّوب(١).
وخرَّجَهَ من طريقِ ابْنِ عُيينةَ عن عَمرٍو، ولفظُ حديثِه: صَلَّيْتُ مَعَ
النبيِّ وَّ ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا. قلتُ: يا أبا الشَّعْثاء، أظنُّه أَخَّرَ
الظُّهْرَ وعجَّلَ العصرَ، وأَخَّرَ المغربَ وعجَّلَ العشاءَ. قَالَ: وأَنَا أَظنُّ
ذاك(٢).
وخرَّجَه البخاريُّ - أيضًا - في ((أبوابِ صَلاةِ التَّطوعِ)) (٣).
وخرَّجَهَ النَّسائيُّ، عن قُتِبَةَ، عَنْ سُفيانَ، وأدرجَ تفسيره في الحديثِ (٤).
قَالَ ابْنُ عبد البرِّ: الصحيحُ أَنَّ هذا ليسَ من الحديث؛ إنَّما هو من
ظنِّ أبي الشَّعْثاءِ، وعَمرِو بْنِ دينار (٥).
(١) مسلم (٧٠٥ / ٥٦).
(٣) حديث (١١٧٤).
(٥) ((التمهيد)» (٢١٩/١٢).
(٢) مسلم (٧٠٥/ ٥٥).
(٤) النسائي (٢٨٦/١).
٢٥٩

الحديث : ٥٤٣
كتاب مواقيت الصلاة
وَرَوَاه محمدُ بْنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عَمَرِو بْنِ دينارٍ، وزادَ في
حديثه: من غيرِ مرضٍ ولا علَّةِ.
خرَّجَه من طريقِهِ الطبرانيُ (١)؛ ومحمدُ بْنُ مسلمٍ ليسَ بذاكَ الحافظِ.
وخرَّجَ النَّسائيُّ من طريقِ حَبِيبِ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عن عَمْرِو بْنِ هَرِمِ،
عن جابرِ بْنِ زيدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّه صلَّى بالبصرةِ الأولى والعصرَ ليسَ
بينهما شيءٌ، والمغربَ والعشاءَ ليسَ بينهما شيءٌ فعلَ ذلكَ من شُغْلٍ،
وزَعَمَ ابنُ عبَّاسٍ أَنَّه صلَّى مع النَّبِيِّ بِّهِ بالمدينةِ الأولى والعصرَ ثمانٍ
سجداتٍ ليسَ بينهما شيءٌ(٢).
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن ابْنِ عَّاسٍ من وجوهٍ أُخر بألفاظ مختلفة،
رُوِيَ عنه من روايةٍ سعيدِ بْنِ جُبَّيْرٍ، عَن ابْنِ عَّاسٍ قال: صَلَّى لَّنا
رسولُ اللهِ وَّةِ الظُّهْرَ والعصرَ جميعًا بالمدينةِ في غير خوفٍ ولا سفرٍ .
خرَّجَه مسلمٌ، وخرَّجَه أبو داودَ، وزادَ: قالَ مالكٌ: ◌ُرَىَ ذلكَ كانَ في
مَطَرٍ(٣) .
وخرَّجَه مسلمٌ - أيضًا - من طريقِ زُهيٍ، عن أبي الزُّبِيرِ بمثلِه وزادَ:
قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: أرادَ أن لا يحرِجَ أحدًا من أَمَتِهِ(٤).
وخرَّجَه - أيضًا - من طريقِ قُرةَ، عن أبي الزُّبِيرِ، وذكر فيه أَنَّ ذلك
كانَ في سفرةٍ سَافَرَها في غزوة تبوكِ، وذكرَ فيه قولَ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أرادَ
(١) في ((الكبير)) (١٢/ ١٧٧).
(٢) النسائي (٢٨٦/١).
(٣) مسلم (٧٠٥/ ٤٩) وأبو داود (١٢١٠).
(٤) مسلم (٧٠٥ / ٥٠).
٢٦٠