النص المفهرس

صفحات 41-60

٩٣ - باب الصلاة إلى العنزة
الحديث : ٥٠٠
في روايةِ ابنِ القاسم: الحديثُ في الخطِّ ضعيفٌ(١).
وكان الشَّافعيُّ يقول بالخطِّ، ثم توقفَ [فيه، وقال: إلا أن يكون فيه
حديثُ يُثبُتُ. وهذا يدل على أنه توقف](٢) في ثبوته (١٣٦ - أ/ ك١).
وقال ابن عيينةَ: لم نجدْ شيئًا نشدُّ به هذا الحديثَ، ولم يجئْ إلا من
هذا الوجهِ، وذكر أن هذا الشيخَ الذي روى عنه إسماعيلُ بنُ أميةَ سُئِلَ
عنه فخلط فيه. ذكر ذلك أبو داودَ في ((سننه)) بإسنادِهِ عن ابنِ عُيينةَ.
وقد اختُلفَ على إسماعيلَ في تسمية( ١٧٠ - أ/ ط) شيخه وفیمن رواه
عنه شیخُه.
فقيل: عنه كما ذكرنا، وقيل: عنه، عن أبي عمرو بنِ محمدِ بنِ
حُرِيثٍ. وقيل: عنه، عن أبي عمرو بنِ حُریث.
وأما الاختلافُ فيمن رواه عنه شيخُه.
فقيل: عن إسماعيلَ، عن شيخه هذا - على اختلاف في تسميته كما
تقدم -، عن أبيه، عن أبي هريرةَ. وقيل: عنه، عن شيخه هذا، عن
جَده، عن أبي هريرةَ. وقيل: عنه، عن أبيه، عن أبي هريرةَ. وقيل:
عنه، عن شيخه هذا، عن أبي هريرةَ بغيرِ واسطةٍ بينهما.
وقال أبو زرعة: الصَّحيحُ: عن إسماعيلَ، عن أبي عمرو بنِ
حُرِيثٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةً (٣).
ونقل الغلابيُّ في ((تاريخه)) عن يحيى بن معينٍ أنَّه قال: الصَّحيحُ:
إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن جده حُريث - وهو أبو أميةً، وهو من عذرة.
(١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (١٩٩/١٢).
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٣٤).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ((ق)).
٤١

الحديث: ٥٠٠
كتاب الصلاة
قال: ومن قال فيه: ((عمرو بنُ حريث)) فقد أخطأ.
وهذا الكلامُ يفيدُ شيئين:
أحدهما: أنَّ إسماعيلَ بنَ أميةَ هذا هو ابنُ حريث، وهو يَروي هذا
الحديثَ عن جَدِّ حُريث العذري، عن أبي هريرةَ، وكذا (١) رواه عبدالرزاق،
عن ابن جريجٍ، عن إسماعيلَ ، عن حريثِ بنِ عمارٍ، عن أبي
۔(٢)
هريرة(٢).
والثَّاني: أنَّ إسماعيلَ هذا ليس هو ابن أميةَ القرشي المشهور؛ بل هو
ابنُ أمية بن حريث العذري.
وهذا غريبٌ (٤٦٤ - أ/ق) جدا، ولا أعلمُ أحدًا ذكر إسماعيلَ
هذا - وهذا الحديثُ قد رواه الأعيانُ عن إسماعيلَ منهم: الثَّوريُّ، وابنُ
جُرِيجٍ، وابنُ عُيينةَ، وإنما يَروي هؤلاء عن إسماعيلَ بنِ أميةَ الأُمَوِيِّ
المكيِّ الثقة المشهورِ، ويمتنع أن يرويَ هؤلاء كلَّهم عن رجلٍ لا يُعرفُ ولا
يُذْكَرُ اسمُه في تاريخٍ ولا غيره؛ ولكن هذا الرجل الذي رَوى عنه
إسماعيلُ، وأبوه وجده قد قيل: إِنَّهم مجهولون.
وقد اخْتُلفَ - أيضًا - في رفع هذا الحديثِ ووقفِه على أبي هريرةَ؛
لكنِ الأكثرونَ رفعوه، وقال الدارقطنيَّ: رَفْعُهُ عن إسماعيلَ بنِ أميةَ
صحیح .
وقد رُوِيَ عن أبي هريرةَ من وجهِ آخر، رَوَى وكيعٌ في كتابه، عن
أبي مالكٍ، عن أيوبَ بنِ موسى، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ قالَ: ((إذا
صلَّى أحدُكم فلم يجدْ ما يسترُه فليخط خطّا)).
(١) في (ك)) و(ط)): ((وكذلك)).
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٢/٢).
٤٢

٩٣ - باب الصلاة إلى العنزة
الحديث : ٥٠٠
وقد رُويَ عن (١٧٠ - ب/ ط) الأوزاعيِّ، عن أيوبَ بنِ موسى، عن
أبي سلمةَ مرفوعًا، وقيل: عن الأوزاعيّ، عن رجلٍ من أهلِ المدينةِ، عن
یں
أبي هريرةَ موقوفًا .
قال الدار قطنيُّ: والحديثُ لا يثبتُ(١).
قلتُ: وقد (١٣٦ - ب/ ك١) رُويَ في الخطِّ بين يدي المصلِّي حديثٌ
مرفوعٌ من حديث أنسٍ، خرَّجه حمزةُ السَّهميّ في ((تاريخ إستراباذ))(٢)،
وإسنادهُ مجهولٌ ساقط بِمَرَّةٍ(٣) .
واختلفَ القائلون بالخطِّ هل يخط طُولا أو عرضًا كالهلال؟ على
قولین .
قال عطاءٌ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ: يكون عَرَضًا، وقال عمرو
ابنُ قيس وغيرُهُ: يكون طُولا. وأجازه أحمدُ على كلِّ حال؛ ولكنَّ
المعترضَ عنده أَوْلَی.
(١) ((العلل)) (٨/ ٥٠).
(٢) وهو مع ((تاريخ جرجان)) المطبوع، وفيه (ص/ ٥١٨).
(٣) في ((ك)): ((عيرة)) كذا.
٤٣

الحديث : ٥٠١
كتاب الصلاة
٩٤ - بَابُ
السُُّرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا
٥٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبي
جُحَيّفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِّهِ بِالْهَاجِرَةٍ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
رَكْعَتَيْنِ وَنُصِبَتْ (١) بَيْنَ بَدَيْهِ عَتَزَةٌ وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ
بِوَضُوئِهِ.
مرادُ البخاريِّ أنَّ السُّرَةَ تشرعُ بمكةَ وغيرِها، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ وَّ
صلَّى بالبَطْحَاء - وهو أبطح مكة - في حجته إلى عَنَزَة.
رسمي
وقد اختلف العلماءُ في حکم مکةً في السّترة (٤٦٤- ب/ق) هل
حكمُها كحكمٍ سائرِ البلدانِ أم لا؟ على قولين:
أحدُهما: أنَّ حكمَها في سترةِ الصَّلاةِ حكمُ سائرِ البلدان، وهو
.] (٢) وَالشَّافعي، وَحُكِيَ روايةً عن
اختیارُ البخاريِّ وقول [
أحمد، ورُوِيَ نحوُهُ عن ابنِ عمرَ.
قال أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكينٍ في كتاب ((الصلاة)): ثنا جعفرُ بنُ
بُرْقَان، عن يزيدَ الفَقِير قال: كنتُ أَصلِّي إلى جنبِ ابنِ عمرَ بمكةَ فلم أرَ
رجلا أکره أن يمرَّ بین یدیه منه.
ثنا عبدُ العزيزِ المَاحِشُون، عنِ صالحٍ بنِ كَيْسَان قال: رأيتُ ابنَ عمرَ
يصلّي في الكعبةِ فلا يدع أحداً يمرَّ بين يديه يبادُره. قال: يرده.
(١) في ((اليونينية)): (نَصَبَ)) وكتب فوقها: ((صح صح)).
(٢) بياض في جميع الأصول، في ((ق)) بمقدار كلمة، وفي ((ك١)) و((ط)) بمقدار ثلاث كلمات.
٤٤

٩٤ - باب السترة بمكة وغيرها
الحديث : ٥٠١
وروى ابنُ أبي شيبةً (١) بإسنادِه، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ قال: رأيتُ
أنسَ بنَ مالكِ في المسجدِ الحرامِ قد نصب عَصًا (٢) يصلي إليها.
القول الثَّاني(٣): أنَّ مكةَ تجوزُ الصَّلاةُ فيها إلى غيرِ سترةٍ والمرور
(١٧١ - أ/ ط) بين يدي المصلِّي من غيرِ كراهةٍ في ذلك.
وهو قولُ طاوس، وعطاء، وأحمدَ - نصَّ عليه في روايةِ ابنِ الحكمِ
وغيره ـ وكان محمدُ ابنُ الحنفيةِ يصلِّي بمسجد مِنَّى والنَّاس يَمُرُونَ بين
یدیه، فجاء فَتی(٤) من أهله فجلس بین یدیه.
وروى ابنُ جُرِيجٍ، عن ابنِ أبي عَمَّارٍ قال: رأيتُ ابنَ الزبيرِ طافَ
بالبيتِ ثم جاء فصلى(٥) والطُّوَّافُ بينه وبين القبلة. قال: يمرُّ بين يديه
المرأة فينتظرها حتى تمرَّ ثم يضع جبهته في موضع قَدَمِهَا(٦).
واستدلَّ الإمامُ أحمدُ بحديثِ المطلبِ بنِ أبي وَدَاعَةً، وقد خرَّجه
الإمامُ أحمد، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه من روايةِ ابنِ جُريجٍ، عن كثيرٍ
(١٣٧ - أ/ ك١) بن كثير، عن أبيه، عن المطلبِ بنِ أبي وَدَاعَةَ قال: رأيتُ
النبيّ وَّ إذا فرغ من سَبْعِه (٧) جاءَ حتى يُحاذيَ بالركن فصلى(٥) ركعتين
في حاشيةِ المطافِ وليس بينَه وبين الطُّوَافِ أحدٌ(٨).
وخرَّجه الإمام أحمدُ - أيضًا -، عن ابنِ عُيينةَ قال: حدَّثْني كثيرُ بنُ
(١) في ((المصنف)) (٢٧٧/١).
(٢) في ((ك١)): ((عرضا)).
(٣) في ((ك)) و((ط): ((والقول الثاني)).
(٤) في ((ك)) و((ط)): ((بني)).
(٥) في ((ق)): ((يصلي)).
(٦) في ((ق)): ((قدميها))، وانظر («المغني)) (٩٠/٣).
(٧) فى ((ك١)) و((ط)): ((سعيه)).
(٨) أحمد (٣٩٩/٦)، والنسائي (٦٧/٢)، (٢٣٥/٥)، وابن ماجه (٢٩٥٨).
٤٥

الحديث ٥٠١
كتاب الصلاة
كثير بن أبي وداعةَ سمع بعضَ أهله يحدِّثُ عن جده أنَّه رأى النبيِّ
كَذ الله
عَادي
وَسَلم
يصلِّي مما يلي بابَ بني سَهِمٍ والنَّاسُ يمرونَ بين يديه ليسَ بينهم سترةٌ.
قال ابنُ عيينةَ: وكان ابنُ جُريج أخبرنا عنه فقال: ثنا كثير، عن أبيه
فسألته(١) فقال: ليسَ من أبي سمعتُه؛ ولكن من بعضِ أهلي، عن جدي
صَلىالله
أنَّ النبيَّ
صلَّى مما يلي باب بني سهمٍ ليس بينه وبين (٤٦٥ - أ/ق)
وسلم
الطُّوَّافِ سترةٌ. وخرَّجَه أبو داودَ عن الإمامِ أحمدَ (٢).
وقد تبيَّن بروايةِ ابنِ عُينَةَ هذه أنَّها أصحُّ من روايةِ ابنِ جُرِيجٍ؛ ولكن
يصيرُ في إسنادِها مَن لا يُعرف. وقد رواه غيرُ واحدٍ عن كثيرِ بنِ كثيرٍ
كما رواه عنه ابنُ جُريج(٣).
وصلاةُ النبيِّ وَِّ بالأبطحِ [إلى العنزة](٤) لا يُعارضُ حديثَ المطلبِ؛
لأنَّ حديثَ المطلب دلَّ على جوازِ الصَّلاةِ بمكةَ إلى غيرِ سترةٍ، [وحديث
أبي جحيفةً(٥) دلَّ على جواز الصَّلاة بمكةَ إلى سترة](٦)، وقد نصَّ أحمدُ
[على](٧) أن مكةَ مخصوصةٌ من بينَ البلدانِ بذلك(٨). ومن أصحابنا من
قالَ: إنَّ حكمَ الحرمِ كلِّه كذلك.
ولو قيل: إنَّ الصَّلاةَ إلى غيرِ سترة مُختصٌّ(٩) بالمسجدِ الحرامِ وحده
دونَ بقاعٍ مكة والحرم لكانَ جمعًا بين الحديثينِ متوجهًا، وكلام القاضي
(٢) أحمد (٣٩٩/٦)، وأبو داود (٢٠١٦).
(١) في ((ق)): ((فسأله)).
(٣) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٩٢/٥ - ٩٣).
(٥) في ((ق)): ((ابن أبي جحيفة)).
(٤) ما بين المعقوفين من ((ق)).
(٧) ليس في ((ق)).
(٦) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)).
(٨) وكذا ابن ماجه بعد تخريجه لحديث المطلب.
(٩) توجيهه: عمل مختص بالمسجد الحرام. وفي (ك١)) و(ط)): ((تختص)).
٤٦

٩٤ - باب السترة بمكة وغيرها
الحديث : ٥٠١
أبي يعلى في كتابه ((الجامع (١٧١ - ب/ط) الكبير)) يدلُّ عليه، وصرَّحَ به
غيره من أصحابنا.
وحملَ الشَّافِعِيُّ حديثَ المطلبِ بنِ أبي وداعةً على أنَّ الأمرَ بالصَّلاة
إلى السترةِ على الاستحبابِ دون الوجوب(١) كما حملَ عليه حديثَ ابنِ
عباسٍ في صلاةِ النبيِّ ◌َّةٍ بِمِنَّى إلى غيرِ جدارٍ.
وحديثُ أبي جحيفةً قد يُوهمُ أنَّ النبيَّ نَّهِ صلَّى بالهاجرةِ الظُّهرَ
والعَصرَ فجمعَ بينهما في أولِ وقتهما وهو مقيمٌ بمكة، ولم يستدلَّ به أحدٌ
- فيما نعلم - على الجمع(٢) بين الصَّلاتينِ. وقد جاءَ في روايةٍ للإمامِ
أحمدَ: فصلَّى الظهرَ أو العصرَ - بالشك -؛ ولكن روايةُ من قالَ:
((بالهاجرة)) يدلُّ على أنَّه صلَّى الظُّهر بغير شك، و[قد](٣) خرجه مسلم،
ولفظُه: فتقدمَ فصلَّى الظُّهرَ ركعتين يمرُّ بين يديه الحمار والكلب لا يُمنعُ،
ثم صلَّى العصرَ ركعتين، ثم لم يزلْ يصلِّي ركعتينِ حتَّى رجعَ إلى
المدينة (٤).
. . .١٠
وهذا يدلُّ على أنَّه إنَّما صلَّى العصرَ في وقتها.
وقد رواه حجاجُ بنُ أَرْطَاةَ، عن عونِ بنِ أبي جُحيفةَ، عن أبيه،
وقال فيه بعدَ ذكرِ صلاةِ الظّهرِ: ثم حضرتِ العصرُ فقام بلالٌ فأذَّنَ فصلَّى
(١٣٧ - ب/ ك١) بنا رسولُ الله وَخله ركعتين.
خرَّجه من طريقِه ابنُ سعد.
(١) في ((ك)) و((ط)): ((الموجوب)).
سـ
(٣) من ((ق)).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((الجميع)).
(٤) مسلم (٥٠٣/ ٢٤٩).
٤٧

الحديث ٥٠١
كتاب الصلاة
وهو صريحٌ في أنَّه لم يجمع بين الصَّلاتينِ.
وحجاجُ بنُ أرطاةً وإن كان مُتْكلَّما فيه إلا أنَّه فقيهٌ يَفهم معنى الكلام
فُيُرجَعُ(١) إلى زيادتِهِ على مَنْ ليسَ له مثلُ فهمِه في الفقهِ والمعاني (٤٦٥.
ب/ ق).
(١) في ((ك!)): ((فرجع)).
٤٨

الحديث : ٥٠٢
٩٥ ۔ بَابُ
الصَّلاةِ إلَى الأُصْطُوَنَةِ(١)
وَقَالَ عُمَرُ: المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ الْمُتَحَدِّثِنَ إِلَيْهَا
وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ (٢) رَجُلا يُصَلِّي بَيْنَ أُصْطُوَتَيْن(١) فَأَذْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ:
صَلِّ إِلَيْهَا
خرَّج فیه حدیثین.
الحديث الأول :
٥٠٢ - ثَنَا الْمَكِّيُّ(٣): ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةً
ابْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُصْطُوَنَةِ(١) الَّتِي عِنْدُ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا
مُسْلِمٍ أَرَكَ تَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُصَطُوَنَةِ(١)، قَالَ: فَإِّي رَأَيْتُ النَّيَّ
وَلِّ يَتَحرَّى الصَّلاةَ عنْدَهَا.
هذا - أيضًا - من ثلاثيات البخاريِّ. والأصطوانةُ: السَّاريةُ، وهذه
الأصطوانة الظَّاهرُ أنها من أُصطوانِ المسجدِ القديمِ الذي يُسمَّى الروضةَ،
وفي الروضةِ أصطوانتان كلٌّ منهما يقالُ: إنَّ النبي ◌َّ كان يصلِّي إليها:
الأصطوانة المخلقة وتعرف بأصطوانة (٤) المهاجرين؛ لأنَّ أكابرَهم كانوا
(١) في ((اليونينية)) بالسين في جميع المواضع.
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((ابن إبراهيم)).
(٤) في (ك١)) و((ط)): ((بأصطوان)).
(٢) في نسخة من ((اليونينية)): ((عمر)).
٤٩

الحديث : ٥٠٢
كتاب الصلاة
يجلسون إليها ويصلون (١) عندها وتسمى أُصطوانة (٢) (١٧٢ - أ/ ط)
عائشة، ويُقَالُ: إنَّ النبي ◌َّهِ صلَّى إليها المكتوبةَ بعد تحويلِ القبلة بضع
عشرة يومًا ثم تقدَّم إلى مصلاه اليوم، وهي الأصطوانةُ الثَّالثةُ من المنبرِ،
والثَّالثةُ من القبلةِ، والثالثةُ من القبرِ الشَّرِيفِ وهي متوسطةٌ في
الروضةِ، وأصطوانة(٣) الّوبةِ وهي التي رَبَط فيها أبولبابةَ نفسَه حتى تاب
اللهُ عليه، وقد قيلَ: إنَّ رسولَ الله وَّله كان إذا اعتكفَ في رمضانَ طُرِحَ
له فراشُه ووضع سريرُه وراءَها.
وقد رُوِىَ عن عمرَ مولى غُفْرةَ، ومحمد بن كعب أنَّ أكثر](٤) نوافلٍ
النبيِّ وَلَّ كانت عندها وهي الأصطوانة الثَّانيةُ من القبر الشريف والثالثةُ
من القبلة و الرابعةُ من المنبر(٥).
وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّه لا بأسَ أن يلزمَ المصلِّي مكانًا معينًا من
المسجدِ يُصلِّي فيه تطوعًا .
وقد ورد في روايةِ التَّصريحُ بأنَّ هذه الصلاةَ كانت تطوعًا .
خرَّجه ابنُ ماجه، ولفظُ حديثه: أنَّ سلمةً كان يأتي إلى سُبحةِ الضُّحى
(٤٦٦ - أ/ ق) فيعمد إلى الأصطوانة دون المصحف(٦) فيصلِّي قريبًا منها
(١) في ((ك)): ((فيصلون)).
(٢) فى ((ك١)) و((ط)): ((أصطوان))، وكانت في ((ق)): ((أصطوان)) ثم أضاف لها التاء.
(٤) من ((ق)).
(٣) في ((ك١)) و((ط)): ((أصطوان)).
(٥) في ((ك)): ((القبر"، وفي ((ط)) غير واضحة.
(٦) في ((ك ١)) و(ط)): ((الصف)) وكتب فوقها: ((المصحف)) وفي ((ق)): ((المصحف)) وفوقها ((الصف)»،
وفي ((سنن ابن ماجه)) لعبد الباقي: ((المصحف)) وفي نسخة الأعظمي: ((الصف)) وفي
((التحفة)): ((المصحف)).
٥٠

٩٥ - باب الصلاة إلى الأصطوانة
الحديث : ٥٠٢
فأقول له: ألا تصلِّي هاهنا (١)؟ وأشير إلى بعض، [نواحي] (٢) المسجد،
فيقول: إنِّي رأيتُ رسولَ الله وَله يتحرَّى هذا (١٣٨ - أ/ ك١) المقام(٣) .
وقوله ((قريبا منها)) قد يُحملُ على أنَّه كان ينحرفُ عنها في صلاتِه
ولا يستقبلها استقبالا .
وخرَّج البزارُ من رواية يزيدَ بنِ أبي زياد ، عن مجاهد ، عن
عبد الرحمن بن صفوان قال: لَّ خرجَ النبيُّ ◌َله من البيتِ سألتُ مَن
كان معه: أين صلَّى رسولُ اللهِ وَله؟ قالوا: ركعتين (٤) عند السَّارية
الوسطَى عن يمينها. ويزيدُ بنُ أبي زيادٍ ليس بالحافظِ .
وروى عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّاد، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّه سألَ
بلالا: أين صلَّى النبيُّ ◌َّ؟ يعني: في الكعبةِ قال: فأشارَ له بلالٌ إلى
السارية الثّانية عند الباب. قال: صلَّى عن يمينها تقدَّم عنها شيئا(٥).
وعبدُالعزيزِ- أيضًا - ليسَ بالحافظِ .
وقد صرَّحَ أصحابُنَا و أصحابُ الشَّافعيِّ وغيرُهم بأنَّه يستحبُّ لمن
صلَّى إلى سُترة منصوبة أن ينحرفَ عنها ولا يستقبلها . وصرَّح بذلك
من أصحابنا : أبوبكر عبدُ العزيز ، وابنُ بطةَ ، و القاضي أبو يعلى
وأصحابُه، وأخذوه من نصِّ الإمام أحمد [على أنَّ](٦) الإمامَ يقوم عن
(٢) ليست في ((ق)).
(١) في ((ك١)): ((هها)).
(٣) ابن ماجه (١٤٣٠).
(٤) في ((ق)): ((صلى ركعتين))، وفي ((كشف الأستار)) (١١٦٣)، و((مختصره)) لابن حجر
(٨٠٨)، و((مجمع الزوائد)) (٢٩٥/٣) كما أثبتناه.
(٥) أخرجه الأزرقي في ((أخبار مكة)) وسيأتي (ص٥٦ - ٥٧) أول الحديث (٥٠٥).
(٦) من (ق)).
٥١

الحديث : ٥٠٢
كتاب الصلاة
يمين طاق المحراب، وكذا قال النخعيّ، واستدلوا بما روى علي بن
عياش(١)، عن الوليدِ بنِ كاملٍ، عن المهلب (١٧٢ - ب/ط) بنِ حجرٍ
البَهرانيِّ، عن ضُباعةَ بنتِ المقداد بن الأسود(٢)، عن أبيها: ما رأيتُ
رسولَ اللهِ وَلَه يُصلِّي إلى عودٍ ولا إلى عمودٍ ولا إلى شجرةٍ إلا جعله
على حاجبه الأيمن (٣) أو الأيسر ولا يصمد له صمدًا.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود(٤).
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ - أيضًا(٥) - من روايةٍ بقيةَ بنِ الوليد، عن الوليد
ابنِ كاملٍ، عن حُجرِ - أو ابنِ حُجرِ - بن المهلبِ، عن ضُبَيْعَةَ بنتِ المقداد
ابن معدي كرب(٢)، عن أبيها أن النبيَّ وَِّ كان إذا صلَّى إلى عمودٍ أو
خشبة أو شبه ذلك، لا يجعلُه نصب عينيه؛ ولكن يجعلُه على حاجبه
الأيسر.
ولعلَّ هذه الرواية أشبهُ، وكلامُ ابنِ معينٍ وأبي حاتمِ الرازي يشهدُ
له (٤٦٦- ب/ق)، والشَّاميون كانوا يُسمُّونَ ((المقدامَ بنَ مَعدِي كَربَ))
المقدادَ، ولا ينسبونَهُ أحيانًا، فيظنُّ من سمعَهُ غيرَ منسوبٍ أنه ابنُ الأسودِ
وإنما هوَ ابنُ معدي كربَ. وقد وقعَ هذا الاختلافُ [لهم] (٦) في غير
حديثٍ من رواياتِهم(٧).
والمهلب بن حجر شيخٌ ليس بالمشهورِ . والوليدُ قال أبوحاتمٍ: هو
(١) في ((ك)) و((ط)) بالباء الموحدة، وفي ((ق)) دون نقط، وصوابه كما أثبتناه.
(٢) كتب في ((ق)) فوق كلمة: ((المقداد)) و((الأسود)) و((معدي)) و(کرب)): ((صح)).
(٣) في ((ق)): ((الأيمين)).
(٥) أحمد (٤/٦).
(٧) انظر (العلل)) لابن أبي حاتم (٢٢١٨).
(٤) أحمد (٤/٦)، وأبو داود (٦٩٣).
(٦) من ((ق)).
٥٢

٩٥ - باب الصلاة إلى الأصطوانة
الحديث : ٥٠٢
شيخ، وقال البخاريّ: عنده عجائب(١).
قال القرطبيّ: لعل هذا [كان] (٢) أول الإسلام لقرب العهد بإلف
عبادة الحجارة والأصنامِ حتى تظهرَ المخالفة في استقبالِ السّرةِ لما كانوا
عليه من استقبالهم تلك المعبودات. انتهى.
وقد كره مالكٌ أن يُصلَّى إلى حَجرِ في الطريق، فأما إلى حجارة
كثيرةٍ فجائزٌ. ذكره في ((تهذيبِ المدونةِ)).
وقد وردَ النهيُ عن أن يُوطِنَ الرجلُ له مكانا في المسجدِ يُصلِّي فیه،
من روايةٍ تميمٍ بنِ محمودٍ، عن عبد الرحمنِ (١٣٨ - ب/ ك١) بن شبل
قال: نهى رسولُ اللهِ وَلَه عن نقرةِ الغرابِ وافتراشِ السّبْعِ وأن يوطنَ
الرجلُ المكانَ في المسجدِ (٣) كما يوطَن البعيرُ.
خرَّجَه الإمامُ أحمد، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه(٤).
وفي إسنادِهِ اختلافٌ كثيرٌ، وتميم بنُ محمود قال البخاريّ: في حديثهِ
نظر(٥).
وقد حمل أصحابُنا حديثَ النَّهي على الصَّلاةِ المفروضةِ وحديثَ
الرخصة على الصَّلاةِ النافلةِ. وكان للإمام أحمدَ مَكانٌ يقومُ فيه في
الصَّلاة المكتوبة خلف الإمام فتأخَّرَ يومًا فنحَّاه الناسُ وتركوه، فجاء بعد
ذلك فقام في طَرفِ الصفِ (١٧٣ - أ/ ط)ولم يقمْ فيه وقال: قد جاءَ أنه
يكره (٦) أن يوطنَ الرجلُ مكانَه.
(١) انظر ((الجرح والتعديل)) (١٤/٩) و((التاريخ الصغير)) للبخاري (١٧٨/٢).
(٢) من ((ق)).
(٣) فى ((ك١)) و((ط)): ((الذي في المسجد)).
(٤) أحمد (٤٢٨/٣، ٤٤٤) وأبو داود (٨٦٢) والنسائي (٢١٤/٢) وابن ماجه (١٤٢٩).
(٥) ((التاريخ الكبير)) (١٥٤/٢).
(٦) في ((ك)): «إنه قد جاء، ولم يكره)).
٥٣

الحديث : ٥٠٣
كتاب الصلاة
الحديث الثَّاني:
٥٠٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ: ثَنَا سُقْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَس قَالَ:
لَقَدْ أَدْرَكْتُ كِبَارَ أَصْحَابٍ مُحَمٍَّ ◌ٍِ (١) يَبْدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ.
وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍوٍ، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَّيُّ ◌ِ.
روايةُ شعبةَ قد أسندها البخاريُّ في كتابِ ((الأذان))(٢)، و[قد](٣) خرَّجَ
مسلمٌ من روايةِ عبدِ العزيز بنِ صُهيب، عن أنسِ قالَ: كنَّا بالمدينة فإذا
أَذَّنَ المؤذنُ لصلاة المغربِ ابتدروا السَّواريَ فركعوا (٤٦٧ - أ/ ق) ركعتين
حتى إنَّ الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجدَ فيحسب (٤) أنَّ الصَّلاةَ قد صُلِّيتْ
من كثرةٍ من يصليهما(٥).
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ عادةَ أصحابِ النبيِّ(١) وَّ في زمنِه
كانت(٧) التنفل إلى السَّواري قبل الصَّلاة المكتوبة وبعدها، بخلاف الصَّلاة
المكتوبة فإنَّهم كانوا يصلُّونَها صفوفًا صفوفًا ولا يعتبرونَ لها سُتْرةً؛ بل
یکتفون بسترة إمامِهم .
وروى وكيع، عن هشامِ بنِ الغَازِ، عن نافع قال: كانَ ابنُ عمرَ إذا
لم يجدْ سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لي: اجلسْ ووَلِّ
ظهْرَكَ.
(١) في ((اليونينية)): ((النبي ◌ََّ))، وقوله: (فَلَ) ليس في ((ك)) و((ط)).
(٣) من («ك١)).
(٢) حديث (٦٢٥).
(٤) في ((ق)): ((فيسحب)).
(٥) مسلم (٨٣٧/ ٣٠٣).
(٦) فى ((ق)): ((رسول الله)) وألحق بالهامش: ((النبي)).
(٧) في جميع النسخ: ((كانت)) وكتب فوقها في ((ق)): ((ن)) يعني: ((كان)).
٥٤

الحديث : ٥٠٥،٥٠٤
٩٦ - بَابُ
الصَّلاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةِ
٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْبَيْتَ وَأُسَامَةِ بْنُ زَيّدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلَحَةَ وَبِلالٌ
فَأَطَالَ، ثُمَّ خَرَجَ فَكُنْتُ (١) أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلالا: أَيْنَ
صَلَّى؟ فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ(٣).
٥٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ(٣)، عَنْ نَافِعٍ،
عَنِ ابْنٍ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبَلَاَلٌ
وَعَثَمَانَّ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَعْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسأَلْتُ بِلالا
حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ(٤) بَّةِ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ،
وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةً أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ
أَعْمِدَةِ، ثُمَّصَلَّى.
وَقَالَ(٥) إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ فَقَالَ: عَمُودَيْنِ (١٣٧ - ١/ ١٥) عَنْ
(١) في ((اليونينية)): ((كنت)) وفي نسخة: ((وكنت)).
(٢) في هامش ((ق)): ((المتقدمين))، وأشار إليها بنسخة. وأشار إليها - أيضًا - القسطلاني، ولا
خلاف في ((اليونينية)).
(٣) في ((اليونينية)): ((أخبرنا مالك، عن نافع)).
(٤) في ((اليونينية)): ((النبي)) بلا خلاف، وكذا القسطلاني.
(٥) فى ((اليونينية)): ((وقال لنا)).
٥٥
٠
الد

الحديث ٥٠٥،٥٠٤
كتاب الصلاة
يمينه.
قد دلَّ هذان الحديثان على أنَّ البيتَ الحرامَ كان فيه ستةُ أعمدة
حيث(١) دخلَه النبيُّ ◌َلِّ (١٧٣ - ب/ط) وكانتِ الأعمدةُ صَفين(٢) في
كلِّ صفٍّ ثلاثةُ أعمدة فجعلَ النبيُّ وَِّ الأعمدةَ الثلاثةَ التي تلي بابَ
البيت خلفَ ظهرِه وتقدَّمَ إلى الأعمدة المتقدمة فصلَّى بين عمودَين منها.
وفي روايةِ مالكِ التي ذكرها البخاريُّ (٤٦٧ - ب/ق) تعليقًا أنَّه جعلَ
عمودَين عن يمينه، وعمودًا عن يساره. وقد خرَّجها مسلمٌ، عن يحيى
ابنِ يحيى، عن مالك(٣).
وهذا يدلُّ على أنَّه كان إلى جهةِ الركنِ اليماني أقرب منه من جهة
الحجر.
ويشهدُ لذلك(٤) - أيضًا - روايةُ سالم، عن أبيه أنَّه سألَ بلالا: هل
صلَّى فيه رسولُ اللهِ وَلَ؟ فقال: نعم، بينَ العمودين اليمانيين. وقد
خرَّجها البخاريُّ في ((الحج))(٥).
والمرادُ باليمانيين ما يلي جهة الركنِ اليماني. ويدلَّ عليه - أيضًا -
حديثُ مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ أَنَّه سألَ بلالا: أصلَّى النبيُّمِّ في الكعبةِ؟
قال: نعم(٦)، بين السَّاريتين اللتين على يساره إذا دخل(٧). وقد خرّجه
البخاريّ في ((أبواب استقبال القبلة)) وقد مَضى(٨).
وقد روى عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّاد قالَ: حدَّثني نافعٌ أنَّ ابنَ عمرَ
(١) كذا.
(٣) مسلم (١٣٢٩).
(٥) حديث (فتح: ١٥٩٨).
(٧) في الحديث: ((إذا دخلت)).
(٢) في ((ك١)»: ((صقر))!
(٤) في ((ط)): (كذلك)).
(٦) في الحديث: ((نعم ركعتين)).
(٨) البخاري (٣٩٧).
٥٦

٩٦ - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة
الحديث : ٥٠٥،٥٠٤
سأل بلالا: أين صلَّى رسولُ اللهِ وَالَّ؟ فأشارَ له بلالٌ إلى السارية الثّانية
عند الباب، قال: صلَّى عن يمينِها، تقدم عنها شيئًا.
خرجه الأزرقيُّ(١).
وقولُه ((السارية الثانية عند الباب)) كأنَّه يريد السَّاريةَ الثَّانيةَ مما يلي
الباب؛ فإنَّ الباب يليه سارية من الصفِّ المؤخر ثم يليها ساريةٌ ثانية من
الصفِّ المقدم وهي السَّاريةُ الوسطى من ذلك الصف.
وقوله ((صلَّى عن يمينها)) يوهمُ أنَّه جعلها عن يسارِه حتى يكونَ مصلِّيًا
على (٢) يمينها، وعلى هذا التقديرِ فيكون قد جعلَ عمودًا عن يمينه وعَمودَين
عن يساره، وهذا يخالفُ روايةً مالك المتقدمة. وتلك الروايةُ مع ما
عضدها وشهدَ لها أصحّ من روايةِ ابنِ أبي رَوَّاد ويزيد بن أبي زياد التي
ذكرناها في البابِ الماضي.
وقولُهُ في رواية ابنِ أبي رَوَّاد: ((تقدم (٣) عنها شيئًا)) يدلُّ على أنه
صلَّى متقدمًا عنها إلى مُقَدم البيت، وسيأتي في البابِ الذي يلي هذا أنَّه
وَلَّ جعلَ بينه وبين الجدار [نحوَ] (٤) (١٧٤ - أ/ ط) ثلاثة أذرع.
وقد رَوى الأعمشُ، عن عُمَارةَ بنِ عُميرٍ، عن أبي الشَّعثاءِ - وهو:
سليم(٥) المحاربي - قال: خرجتُ حاجّاً فجئتُ حتى دخلتُ البيتَ، فلما
كنتُ بين السَّاريتين مضيتُ حتى لزقتُ بالحائط فجاءَ ابنُ (٤٦٨ - أ/ ق)
عمرَ فصلَّى إلى جنبي، فلمَّ صلَّى قلتُ له: أينَ صلَّى رسول الله وَه
(١) في ((أخبار مكة)) (٢٧٢/١). وسبق (ص٥١) أن أعله المؤلف تحت الحديث (٥٠٢).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((وتقدم)).
(٢) في ((ك١)) و(ط)): ((عن)).
(٤) من ((ق)) .
(٥) في (ك١)) و((ط)): ((سلم)) .
٥٧

الحديث: ٥٠٤، ٥٠٥
كتاب الصلاة
من البيت؟ قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيد أنَّه صلَّى هاهنا.
خرجه الإمام أحمد، وابن حبان في ((صحيحه))(١).
وفيه دليلٌ على أنَّه صلَّى متقدمًا على السَّاريتينِ وإن لم (١٣٩ -
ب/ ك١) يكن جعلهُما خلفَ ظهرِه كما جعل الأعمدةَ الثَّلاثةَ المتأخرةَ التي
تلي بابَ البيتِ، فإنَّه جعلها وراءَ ظهرِه في صلاتِه.
ومقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: أَنَّ مَن صلَّى بينَ ساريتين منفردًا(٢)
كمن يصلِّي تطوعًا فإنَّه لا يكره له ذلك كما فعلَه النبيِّ يَّ في الكعبةِ
وكان ابنُ عمرَ يفعلُه. وكذا لو صلَّى جماعةً وكان إمامَهم ووقف(٣) بين
السَّاريتين وحده، وقد فعلَ ذلك سعيدُ بنُ جبيرٍ، وسويدُ بنُ غَفَةَ
ورخَّصَ فيه سُفيانُ للإمامِ وكرهه للمأمومین.
وإنما يكره ذلك لصفٍّ تقطعه(٤) السَّواري، فلو صلَّى اثنان أو ثلاثةٌ
جماعةً بين ساريتين لم يكره - أيضًا. هذا قولُ أصحابنا، وأصحاب
الشَّافعيِّ وغيرهم من العلماء وعلى مثلِ ذلك حملوا ما وردَ من النَّهي
عنه مرفوعًا وموقوفًا .
فالمرفوعُ رُوِيَ من حديثِ سُفيانَ، عن يحيى بنِ هانئ بنِ عروةَ
المرادي، عن عبد الحميد بنِ محمود قال: صلَّينا خلفَ أميرٍ من الأمراءِ
فاضطرنا النَّاسُ فَصلَّينا بينَ السَّاريتين، فلما صلَّينا قال أنس بن مالك:
كنا نَتَّقي هذا على عهد رسول اللّهِ وَهُ .
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وابنُ خزيمة وابن
(١) أحمد (٢٠٤/٥، ٢٠٧)، (٤٦٤/٦)، وابن حبان (٧/ ٤٨٠).
(٢) في (ك١)): («متفردًا)).
(٤) في ((ق)): بالتاء والياء معًا.
(٣) في ((ك١)): ((وقف)).
٥٨

٩٦ - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة
الحديث : ٥٠٥،٥٠٤
حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم وقال: صحيحٌ، وقال الترمذيَّ: حديثٌ
حسنٌ(١).
وعبدُ الحميد بن محمود (٢) المِعْوَلي البصريُّ رَوى عنه جماعةٌ، وقال
أبو حاتمٍ: هو شيخٌ(٣). ويحيى بن هانئِ الْمُرَادِي كوفيٌّ ثقةٌ مشهورٌ.
وروى هارونُ بنُ مسلم أبو مسلم، عن قتادةَ، عن معاويةَ بن قُرة،
عن أبيه قال: كُنَّا نُنهَى أن نصف بين السَّواري على عهد رسولِ اللهِ نَّه
ونُطرد عنها طردًا .
خرَّجِه ابنُّ ماجه، وابنُ خزيمة (١٧٤ - ب/ط) وابنُ حبان في
((صحيحيهما))، والحاكم وصححه(٤).
وقال ابنُ المدينيِّ: إسنادُه ليس بالصَّافي. قال: وأبو مسلم هذا
مجهول(٥). وكذا قال أبو حاتم: هو مجهول(٦). وليس هو بصاحب الحناء؛
فإنَّ ذاك معروفٌ. وقد فرَّقَ (٤٦٨ - ب/ق) بينهما مسلمٌ في كتابٍ
و
((الكُنَى))(٧) وأبو حاتم الرازيّ، وفيه عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا ولا يثبتُ.
(١) أحمد (١٣١/٣)، وأبو داود (٦٧٣) والنسائي (٩٤/٢)، والترمذي (٢٢٩)، وابن
خزيمة (٣٠/٣)، وابن حبان (٥٩٦/٥ - ٥٩٧)، والحاكم (٢١٠/١، ٢١٨). وفي بعض
نسخ الترمذي: ((حسن صحيح)).
(٢) في ((ق): ((وعبد الحميد هذا ابن محمود)» والمعولي: بفتح الميم وكسرها وسكون العين
المهملة وفتح الواو.
(٣) ((الجرح والتعديل)) (١٨/٦) وفي نسخة منه: ((هو مجهول)).
(٤) ابن ماجه (١٠٠٢) وابن خزيمة (٢٩/٣) وابن حبان (٥٩٧/٥ - ٥٩٨) والحاكم (٢١٨/١).
(٥) في ((ق)): «هو مجهول)).
(٦) ((الجرح والتعديل)) (٩٤/٩) وفيه: ((شيخ))، وزاد من نسخة: ((مجهول)). وعند ابن حجر
في ((التعجيل)).
(٧) ورقة (٢٨)، (١٠٤).
٥٩

الحديث : ٥٠٥
كتاب الصلاة
قال ابنُ المنذر(١): لا أعلمُ في هذا خبرًا يثبت.
وقد رُويَ النَّهيُ عنه عن حذيفةَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وهو
قولُ النخعيِّ، وحكاه الترمذيُّ(٢) عن أحمدَ وإسحاقَ.
وقد نصَّ أحمدُ على كراهةِ الصَّلاةِ بين الأساطين مطلقًا من غيرِ
تفصيل. نقله عنه جماعةٌ، منهم: أبو طالب(٣)، وابنُ القاسم، وسَوَّى في
روايته بين [يوم](٤) الجمعة وغيرِها. ونقل عنه حربٌ: يكره ذلك قَلُّوا أو
كَثُرُوا، وإن كانوا عَشَرةً.
وصرَّحَ أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفر في كتابِ ((الشافي)) بكراهةِ قيامٍ
الإمامِ بينَ السَّواري.
وأما القاضي أبو يعلى وأصحابُه فقالوا: إنَّما يكره ذلك لصفُ (٥)
تقطعُهُ السَّواري، وحملوا كلام أحمدَ على ذلك.
ويشهدُ له ما نقله ابنُ منصور (١٤٠ - أ/ ك١)، عن أحمدَ وقد سألَه:
هل يقومُ الإمامُ بين السَّاريتين يَؤُمُّ القَومَ؟ قال: إنَّما يكره للصفِّ [إذا كان
يَستترُ بشيءٍ فلا بأسَ. قال إسحاقُ بنُ راهويه كما قالَ، وكذا نقل حربٌ
عن إسحاقَ أنه يكره ذلك للصفِّ](٦) ولا يكره لمن صلَّى وحده.
ورخَّصَ فيه ابنُ سيرينَ، وأبو حنيفةً، ومالكٌ، وابنُ المنذرِ، وفي
(١) في ((الأوسط)) (٤/ ١٨٣).
(٢) عَقيب حديث (٢٢٩)، وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر.
(٣) في ((ك)): ((ابن طالب)) خطأ، وأبو طالب هو: عصمة بن أبي عصمة.
(٤) من ((ق)).
(٦) سقط من «ك١).
(٥) في ((ك)) و((ط)): ((للصف)).
٦٠