النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتَعُ النَّارِي
شُرْعَ صَحِيْحُ البُخَارِيُ
لحافِظُ زَيِّن الدّين أبي الفرجُ ابْنْ رَجَبُ الحَنبَلِّ
٧٣٦ - ٧٩٥
«وَشْرْحُ قطَعَة مِنَّ البُخَارِيُّ إِلَى كِتَابٍ
الجنائِ، وَهِيَ مِن عجائب الدّهر وَلو كمَل
كان مِنَّ العجائبٌ»
إِبِّ عَبدُالهادئة
تحقيق
محمود بن شعبان بنُ عبد المقصود
إبراهيم بن اسماعيل القاضى
محمّد بنْ عَوض المنقوش
علاء بن مصطفى بن همام
مُجْدِي بِنَّ عَبْد الخالقِّ الشافعىِّ
السَّيِِّبنُ عزّت المُرْسِيْ
صَلاَح بتْ السَّالم المصراتي
صبِّي بنُ عبد الخالق الشافعي
الجزء الترائع
التّاشِرُ
مُكتَبُهُ العَرَاءِ الْأَشْرِنَّ

فَعُ النَّارِيُ
شِرْعٌ صَحِيْحَ البُخَاريُ
٤

كافة الحقوق محفوظَة
( ((مكتب تحقيق دَار الحرمَيْن))
٧٢- شارع مصر والسودان - حدائق القبّة - القاهِرة
ت : ٤٨٢٠٣٩٢
الطّبعَة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦م
النّاشِرُ
مكتَبة الغربَاء الأثريّة
المدينة المنوّرة
هاتف: ٨٢٤٣٠٤٤ - فى : ٨٢٦٤١٠٦
ص.ب: ١٤٤٩ - المديْنَة النّبويّة
المملكة العَربيّة السّعُوديّة

الحديث : ٤٩٣
٩٠ - بَابٌ
سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ (١)
خرَّجَ فيه ثلاثةَ أحاديث:
الحديث الأول: قال:
٤٩٣ - ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أنا (٢) مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبِّدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتِبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَّاسٍ أَنَّهَ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا
عَلَى حِمَارِ أَثَانِ وَأَنَا يَوْمِنَذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاخْتِلامِ وَرَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّي
بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَّى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بِينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ
وَأَرْسَلْتُ الأَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُّ فِي الصَّفَبِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عليَّ (٣) أَحَدٌ.
وقد خرَّجه - أيضًا - في كتابِ ((العلم))، عن إسماعيلَ، عن
مالك (٤)، وخرجه في آخرِ ((المغازي)) في باب ((حجة الوداع))، عن يحيى
ابنِ قزعةَ، عن مالك، وذكره - تعليقًا - قالَ: وقال الليثُ: حدَّثني
يونسُ، عن ابن شهاب قال: حدَّثْني عَبِيدُ اللهِ بنُ عَبد الله أنَّ ابنَ عباسٍ
أخبره أنَّه أقبل يسيرُ على حمارِ ورسولُ اللهِ وَلهَ قائمٌ بمنّى في حجةٍ
الوداعِ يصلِّي بالناس فسار الحِمَارُ بين يدي بعضِ الصَّفِّ ثم نزلَ عنه
فصف مع النَّاسِ(٥). ولكن هذا لفظُ روايةٍ يونسَ.
(١) في ((اليونينية)): ((سترةُ مَنْ خلفه)).
(٣) في (ك)) و ((ط)): ((عليَّ ذلك)).
(٥) (فتح: ٤٤١٢).
(٢) فى ((ك١)) و((ق)): ((أبنا)).
(٤) (فتح: ٧٦).

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
وقد خرجه به مسلمٌ في ((صحيحه)) من طريقِ ابنِ وهبٍ، عنه(١) .
وخرجه مسلم - أيضًا - من طريق ابن عيينةَ، عن الزهريِّ وقال: والنبي
13
وَلّ يصلِّي بعرفةً(٢). ومن طريقِ معمرٍ، عن الزهريِّ، ولم يذكرْ فيه منّى
ولا عَرفةَ، وقالَ: ((في حجة الوداع أو يوم الفتح)) (٣) واقتصرَ من حديث
ابنِ عيينةَ ومعمرٍ على هذا.
وذِكرُ يومِ الفتحِ لا وجهَ له؛ فإنَّ ابنَ عباس لم يكن قد ناهَزَ يومئذ
الاحتلامَ، ولا كان النبيُّ (٤٥٤- أ/ ق) وَلّ يصلِّي يومئذ بمنَّى ولا عَرَفَة.
ے
وفي رواية ابن عيينة: جئتُ أنا والفضلُ على أتان لنا. وفي روايةٍ -
أيضًا -: فلم يقلْ رسولُ اللهِ وَلّ لنا شيئًا.
وقد خرّجه النسائيّ بتمامه هكذا(٤).
وخرَّجَ الترمذيُّ حديثَ معمر بتمامه، ولفظُه: كنتُ رديفَ الفضلِ
على أتان فجئنا والنبيُّ وَّر (١٢٩ - أ/ ك١) يصلِّي بأصحابِه بمنّى فنزلنا
عنها فوصلنا الصفَّ فمرتْ بين أيديهم فلم يَقطعْ صلاتَهم(٥) .
ففي هذه الروايات أنَّ ابنَ عباس مرَّ على حمارِهِ بين يدي بعضِ
الصفِّ والنبيُّ وَّهِ يصلّي بالنَّاسِ فلم ينكرْ ذلك عليه أحدٌ لا النبيُّ
صَلى الله
وَسِلم
ولا أحدٌ ممن صلَّى خلفه. وبهذا استدلَّ البخاريُّ وغيرُه من العلماء على
أن سُتْرةَ الإمامِ سترةٌ لمن خلفه؛ لأن سترةَ الإمامِ إذا كانت محفوظةً كفى
ذلك المأمومينَ ولم يضرهم مُرورٌ مَن مَرَّ (١٦٢ - أ/ ط) بين أيديهم،
ولذلك(٦) لا يشرعُ للمأمومين اتخاذُ سترةٍ لهم وهم خلف الإمامِ.
(١) مسلم (٢٥٥/٥٠٤).
(٣) (٢٥٧/٥٠٤).
(٥) الترمذي (٣٣٧).
(٢) (٥٠٤ / ٢٥٦).
(٤) النسائي (٢/ ٦٤) وغيره.
(٦) في ((ك)) و((ط)): ((وكذلك)).
٦

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث : ٤٩٣
ولا نعلم أحدًا ذكرَ في حديث ابن عباس ((إلى غير جدار)) غير مالك.
وقد خرّجه في ((الموطأ)) في موضعين، ذكر في أحدهما هذه الكلمةً
وأسقطها في الأخرى(١). وقد قال [الشافعي](٢): قول ابن عباس ((إلى
غيرِ جدار)) أراد - واللهُ أعلم - إلى غير سترة.
واستدلَّ بذلك على أنَّ السترةَ غيرُ واجبةٍ في الصلاة.
وحمله غيرُهُ على أنَّ النبيَّ وَّهِ كان يصلِّي إلى عنَزَة؛ فإن هذه كانت
عادته في الأسفارِ على ما يأتي إن شاء اللهُ تعالى.
فكلام (٣) البخاريِّ قد يدلُّ على هذا لإدخاله هذا الحديثَ في أنَّ سترةَ
الإمامِ سترةٌ لمن خلفه.
وحمله الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنِ منصورٍ، والأثرم على مثل هذا.
لكن البخاريَّ قد خرجَ الحديثَ وفيه: أنَّ النبيَّ وَّ صلَّى إلى غيرِ
جدار - كما تقدم - إلا أن يقال: لا يلزمُ من عدمِ الجدارِ نفي استتاره
بحربة ونحوها.
وقد ذكر الأثرمُ أنَّ ابنَ أخي الزهريِّ روى هذا الحديثَ عن الزهري
(٤٥٤ - ب/ ق) وذكر فيه أن النبيَّ وَّ صلَّى إلى غيرِ سترة.
وقد رُويَ عن الإمام [أحمد] (٤) مثلُ قولِ الشافعيِّ وأنّه حمل الحديثَ
على أن النبيِّ وَّهِ صلَّى إلى غير سترة. نقله عنه الحسنُ بنُ ثَوَاب.
(١) في رواية يحيى (ص١١٥) وفي رواية أبي مصعب (١٦١/١) بدون ذكرها، وفي رواية
أبي مصعب (٥٢٥/١) بذكرها، وانظر ((المعرفة)) للبيهقي (١٩٤/٣).
(٢) من ((ط) وفي (ق)) بياض، وفي (ك)): ((النبي)) خطأ. وقول الشافعي هذا ذكره البيهقي في ((المعرفة)).
(٤) سقطت من ((ك١)).
(٣) فى ((ك١)): ((وكلام)).
٧

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
[و](١) استدل بالحديث في رواية جماعة من أصحابه [عنه](١) على أنَّ
مرورَ الحمارِ بين يدي المصلِّي لا يقطع(٢) صلاته وعارض به حديثَ أبي
ذر. وهذا إنَّما يكون إذا كان يصلِّي إلى غيرِ سترةٍ. وقد وردَ في روايةٍ
[التصريحُ](٣) بأن النبيَّ ◌َ ﴿ كان يصلّي إلى غيرِ سترةٍ، وفي حديث آخر
التصريحُ بأنّ ابنَ عباسٍ مرّ بين يدي النبيِ وَ لاّ.
فأما الأولُ: فمن طريقِ الحكمِ، عن يحيى بنِ الجَزَّار، عن أبي
الصَّهْبَاء قال: تذاكرنا ما يقطعُ الصَّلاةَ عند ابنِ عبَّاسٍ قال (٤): جئتُ أنا
وغلامٌ من بني عبد المطلب على حمارِ ورسولُ اللهِ وَلَ يصلِّي فنزل
صََا الله
ونزلت وتركنا الحمارَ أمام الصفِّ فما بالاه وجاءتْ جاريتان من بني عبد
المطلب فدخلتا بين الصفِّ فما بالى ذلك.
خرَّجه أبو داودَ، وهذا لفظُه، والنسائيّ(٥
.
وخرجه الأثرمُ وعنده: ورسولُ اللهِ وَّهِ [يصلي] (٦) في أرضٍ خَلَاءٍ.
وخرّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر (٧) في كتاب ((الشافي)) من
طريقِ شعبةَ (١٢٩ - ب/ ك١)، ولفظه: أنَّ النبيَّ وََّ صلَّى في فضاءٍ
لیس بین یدیہ سُترةٌ.
وقد ذكره الإمامُ أحمدُ بهذا اللفظ من حديث شعبةَ واحتجّ به ولم
(١) ليست في ((ق)) .
(٣) من ((ق)).
(٢) في ((ط)) بالتاء، وفي ((ك١)) بدون نقط ..
(٤) في ((سنن أبي داود)): ((فقال)).
(٦) من ((ق)).
(٥) أبو داود (٧١٦) والنسائي (٦٥/٢).
(٧) هو: غلام الخلال شيخُ الحنابلة قال الذهبي: ((كان كبير الشأن، من بحور العلم، له الباع
الأطول في الفقه، ومن نظر في كتابه ((الشافي)) عرف محله من العلم)).
انظر ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (١١٩/٢) و((السير)) (١٤٣/١٦).
٨

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث : ٤٩٣
نجده في المسند بهذا اللفظ. وذكر الأثرمُ أنَّ شعبةَ ومنصورًا رويا في هذا
الحديث (١٦٢ - ب/ط) أن النبيَّ وَّلهُّ صلَّى في فضاء من الأرضِ ليسَ
بين يديه سترةٌ. ولعلّ هذا مما تصرفوا في لفظه لما فهموه من معناه، هكذا
رواه شعبةُ، ومنصورٌ، عن الحكمٍ، عن يحيى، عن صهيبٍ، ورواه شعبةُ
- أيضًا -، عن عمرو بنِ مرةً، عن يحيى بنِ الجزار، عن ابن عباسٍ من
غير ذكر صهيبٍ في إسنادِهِ. خرجه الإمام أحمدُ كذلك(١).
وقد رُوِيَ عن منصورٍ، عن الحكمِ كذلك - أيضًا - خرَّجه ابنُ حبان
في ((صحیحه)) كذلك(٢).
(١) («المسند» (٢٥٠/١، ٢٥٤).
(٢) (الإحسان: ٦/ ١٢٠ - رقم ٢٣٥٦) عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن جرير، عن منصور،
به. وليس فيه ذكر صهيب أبي الصهباء. و((الإحسان)) - مرة أخرى - (١٤٢/٦ - ١٤٣ -
رقم ٢٣٨١) من نفس الطريق السابق، وفيه: ((عن أبي الصهباء)).
فأثبت الشيخ شعيب في تخريجه للإحسان في الحديث الأول ((عن أبي الصهباء)) وقال:
سقط من الأصل، واستدرك من الحديث (٢٣٨١) وهو في ((مسند أبي يعلى)) (٢٧٤٩) ا. هـ.
قلت: وهذا خطأ كبير؛ فإن الحديث الأول ليس فيه ذكر أبي الصهباء، فإن كان عدم ذكره
خطأ فهو من أخطاء الرواية لا النسخة، فلا يصح أن يزاد فيها مثل هذا.
ويؤيده أنه جاء كذلك في ((موارد الظمآن)) (٥٢٩) وعليه اطلع الشيخ شعيب! وأورده ابن
رجب - كما هنا - وصرح أنه ليس فيه ذكرٌ لأبي الصهباء.
فليس هذا مسوغًا للتغيير في الأصل؛ فإن الشيخ قد يروي الحديث مرة بإسناده متصلا
مسندًا، ويرويه مرة أخرى مرسلا أو منقطعا، فلا يصح أن يزاد في الرواية المنقطعة ما ذكر
واسطة في الرواية المتصلة. وهذا تجرؤٌ على الأصول كبير. ورحم الله الشيخ عبد السلام
هارون، فعندما استعجمت عليه بعض كلمات في مخطوط، صورها كما هي في المطبوع
كما تراه في ((نوادر المخطوطات)) (٣٦٨/٢ - ٣٦٩). والله المستعان.
وانظر مثالا آخر للتغيير في الأصل مما يضر بالأصل (١٨١/٢) تحت الحديث (٣٣١).
ومثالا آخر في ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٣٦/٢ - رقم ٣١٩٣) حيث زاد [عن رسول الله
(4*] من ((صحيح مسلم)) والحديث مختلف في وقفه ورفعه!
٩

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
ورواه حجاج، عن الحكم، عن يحيى بنِ الجزار، عن ابنِ عباسٍ من
غير ذكرِ أبي الصهباء - أيضًا -، ولفظُ (٤٥٥- أ/ ق) حديثه: صلَّى رسولُ الله
وَله في فضاء ليس بين يديه شيءٌ، ولم يزد على ذلك. خرجه من طريق
الإمام أحمد(١).
وأبو الصَّهباء اسمه: صهيب [المدني] (٢)، وهو ثقةٌ؛ وثقه أبو زرعة
وغيرُهُ ويقال: إنه(٣) البكري وهو مدني؛ لكن سُئِلَ عن صهيبِ هذا
فقال: شيخٌ من أهلِ البصرةِ(٤).
وهذا يدلُّ على أنَّه غيرُ المدنيِّ، وصحَّح أبو حاتم الرازيُّ - فيما نقله
عنه ابنُه - على القولين إدخال صهيب في إسناده وإسقاطَه(٥).
وفي «مسند الإمامِ أحمد))(٦) أنَّ يحيى [بن](٧) الجزار لم يسمعْه من
ابنِ عباس، والظاهرُ أنَّ ذلك من قولِ شعبة، وكلام أحمد يدل على أنَّ
الصحيحَ دخولُه في الإسنادِ.
وذكر الإمامُ أحمدُ هذا الحديثَ واستدلَّ به على أنَّ الصَّلاةَ إلى غيرِ
سترة صحيحةٌ، وقال: ليس هو بذاك - يعني: من جهة إسناده -، ولعلَّه
رأى أنَّ صهيبًا هذا غيرُ معروف وليس هو بأبي الصهباءِ البكري مولى ابن
عباس؛ فإن ذاك مَدَنِيٌّ .
وأما الثَّاني: فمن طريقِ ابنِ جريج: حدَّثني عبدُ الكريم الجَزَرِيُّ أنَّ
(٢) من ((ق)).
(١) ((المسند)) (٢٢٤/١).
(٣) في ((ك)) و((ط)): (له)).
(٤) انظر ((الجرح والتعديل)) (٤٤٤/٤)، و((تهذيب الكمال)) (٢٤١/١٣ - ٢٤٣).
(٦) انظر ((المسند)) (٢٩١/١).
(٥) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٤١).
(٧) من ((ق)».
١٠

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث : ٤٩٣
مجاهدًا أخبره عن ابن عباس قال: أتيتُ النبيّ وَلّ أنا والفضلُ على أتان
فمررنا بين يدي رسول الله وَّ بعرفةَ وهو يصلي المكتوبة ليس شيء
يسترُهُ يَحُولُ بيننا وبينه.
خرجه البزار.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من طريقِ ابنِ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ
عباس، عن ابنِ عباس قال: جئت أنا والفضلُ على حمارِ ورسولُ الله
وَلِلّه يصلّي بالناس في فضاء من الأرضِ، فمررنا بين يديه ونحنُ عليه
حتى جاوزنا عامةَ الصَّفَهِّ، فما نَهانًا ولا رَدَّنَا(١).
وشعبةُ هذا تُكلم (٢) فيه.
فعلى تقديرٍ أن يكونَ ابنُ عباسٍ مِرَّ بين يدي النبيِّ نَِّ وهو يصلّي
إلى غير سترةٍ فإنّه يحمل على أنه مرَّ بين يديه من بُعْد، فإنه لا يُظنّ
بالفضلِ وأخيه أن يمرا على حمارٍ بين يدي النبيِّ وَّهِ (١٣٠ - أ/ ك١)
بالقُرب منه، وإذا كان (١٦٣ - أ/ ط) مرورُهما بين يديه متباعداً فإنه لا
93
يضرّ، ومرورهما على هذه الحال وُجُودُه كعَدمه.
وعلى تقديرٍ (٤٥٥ - ب/ق) أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعضٍ
الصفِّ ولم يمرا بين يدي النبيِّ وَله .
والرواياتُ الصحيحةُ إنما تدل(٣) على ذلك، فمع ما عُلِمَ من عادةٍ
النبيِّ نَّهُ من صلاتِه إلى العَنَزَةِ في أسفارِهِ، وقد رُوِيَ ذلك من حدیثِ
(١) («المسند» (٣٢٧/١، ٣٥٢)، وحدث في ((المسند)» المطبوع سقط في الموضع الثاني نَبَّه عَليه
الشيخُ شاكر في تحقيقه للمسند، وكذا محقق ((أطراف المسند» (١١٩/٣).
(٢) في ((ك١)) و((ط)): ((متكلم)) وراجع ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (٤٩٧/١٢ - ٥٠٠).
(٣) في الأصول كلها بالتاء، والياء معًا.
١١

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
ابنِ عباسٍ - أيضًا.
خرجه الإمامُ أحمدُ (١): ثنا يزيدُ بنُ أبي حكيم: حدثني الحكم بن
أَبَان قال: سمعتُ عكرمةَ يقول: قال ابنُ عباس قال(٢): رُكُزتِ العَنَزَة بين
يدي النبيِّ وَّةِ بعرفاتٍ فصلَّى والحمار من وراء العَنْزَةِ.
والظَّاهرُ أَنَّه أشارَ إلى مرورِه على الحمارِ بين يديه، فيُستَدَلُّ بالحديث
حينئذٍ على أنَّ سترةَ الإمامِ سترةٌ لمن خلفه كما استدلَّ به البخاريُّ،
مَاك الله
وسواء(٣) كان النبيّ
وَلخلقه حينئذٍ يصلَّ إلى سترة أو إلى غيرِ سترة؛ لأنَّ
قبلتَه كانت محفوظةً عن المرورِ فيها، وكان هو وَّلَه سترةً(٤) لمن وراءه
فلذلك لم يضرهم مرورُ الحمارِ بين أيديهم.
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ أنَّ سُتْرةَ الإمامِ سُتُرةٌ لمن خلفه.
قال ابنُ المنذرِ: رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وبه قال النَّخعيُّ، ومالكٌ،
والأوزاعيّ، وأحمدُ. انتهى(٥).
ورُوِيَ - أيضًا -، عن أبي قلابةَ، وعن الشَّعْبِيِّ، ورُويَ [عنه](٦)، عن
مسروق .
ولكن أنكره الإمامُ أحمدُ.
وذكره عبدُ الرحمن بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن فقهاء المدينة السّبعة
(١) في ((المسند)) (٢٤٣/١).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((قال: عن ابن عباس، قال)) وضبب في ((ق)) على كلمة ((قال)) الثانية،
وهي في ((المسند)).
(٣) في ((ق)) أشار فوق هذه الكلمة بما يشبه رأس السين إلى الحاشية الآتية: ((حاشية بخط
المصنف في أصله: إن كانت صلاته بمنّى، فحمله بعضهم على أن الحرم يجوز المرور فيه)).
(٥) من «الأوسط)) (١٠٧/٥).
(٤) في ((ك١)) و((ط)): ((قبلة)).
(٦) من (ق)).
١٢

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث : ٤٩٣
في مشيخة سواهم - من نظرائهم أهل فقه وفضل -، وهو قولُ الثوريِّ.
وقد رُوِيَ فيه حديثٌ مرفوعٌ. خرجه الطبرانيُّ من روايةٍ سُويدِ بنٍ
عبد العزيز، عن عاصم الأحول، عن أنسٍ، عن النبيِّ نَ لّ قالَ: ((سترةُ
الإمامِ سترةٌ لمن خلفه))(١).
ولكن لا يصحُّ، وسويدٌ هذا ضعيفٌ جدّاً، وقد أنكرَ الإمامُ أحمدُ
عليه أنَّه روى عن حُصينٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروق أنَّه قال: سترةُ
الإمامِ سترةٌ لمن خلفه، وقال: إنَّما هو قولُ الشَّعبيِّ، فكيف لو سمع أنَّه
روى ذلك بإسنادٍ له عن النبيِّ وَِّ(٢)؟
ومنهم من قال: الإمامُ سترةٌ لمن خلفه. وهو قولُ طائفة من أصحابِ
مالك .
ومعنى كون [سترة](٣) الإمام (٤٥٦- أ/ق) سترةً لمن خلفه: أنَّ المأمومينَ
لا يشرعُ لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترةً غير سترة إمامهم وأنه (٤) لا
يضرهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامِهم.
ويدلُّ على ذلك - أيضًا - ما روى هشامُ بن الغَازِ، عن عمرو بنِ
شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: هبطنا مع النبيِّ وَلـ (١٦٣ - ب/ ط)
(١) الطبراني في «الأوسط)) (٤٦٥).
(٢) وقال المزي فى ترجمة سويد من ((تهذيب الكمال)) (٢٥٨/١٢ - ٢٥٩): ((وقال أبو بكر
الأثرم: سمعت أبا عبد الله، وعنده الهيثم بن خارجة فذكرا سويد بن عبد العزيز، فقال
أبو عبد الله للهيثم: كم كانت روايته عن حصين؟ فقال: أربع مائة أو ست مائة. قال أبو
عبد الله: فيها أرى يخلط. فقال: لا، كلها صحاح. فقال أبو عبد الله: أليس فيها سترة
الإمام سترة لمن خلفه، عن الشعبي، عن مسروق؟ وتبسم كأنه ينكره)).
(٣) ما بين المعقوفين من ((ق)).
(٤) في ((ك١)): ((أنه)).
١٣

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
ثنيةَ أذاخر فحضرت الصَّلاةُ - يعني إلى جَدر - فاتخذه قبلة(١) ونحن
خلفه، فجاءت بَهيمةٌ تمر بين يديه فما زالَ يُدارئها حتى (١٣٠ - ب/ ١٥)
لصقَ بطنُه بالجدر(٢) ومرَّتْ من ورائه(٣).
خرجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود (٤).
وهذا يدلُّ على أنَّ المرورَ بين الإمام وسترتِه محذورٌ، بخلافِ المرورِ
بين يدي مَن خلفه إذا كانت سترةُ الإمامِ محفوظةً.
وأما جوازُ المرورِ بين يدي المأمومين إذا كانت سترةُ إمامهم محفوظةً،
ففيه قولان :
أحدهما: أنَّه منهيٌّ عنه - أيضًا .. نصَّ عليه [أحمد](٥) في روايةٍ
الأثرم: في الرجلِ يكون خلفَ الإمام وبين يديه صفٌ فيكون في الصفِّ
الذي بين يديه خللٌ عن يسارِه ليس هو بحذاه أيمشي إليه فيسدّه؟ قال: إن
كانَ بحذاه فَعَلَ، فأما أن يمشيَ مُعترضًا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمرّ بين
يديه فلا .
وهذا يدلُّ على أنَّ المشيَ بين يدي المأمومين داخلٌ في النهي.
ومن أصحابِنا من حملَ ذلك على كراهة التنزيهِ بخلافِ المشي بين
يدي الإمامِ والمنفردِ. والكراهةُ قولُ أصحابِ الشافعيِّ - أيضًا - وسيأتي
عن الشَّافعيِّ ما يدلُّ عليه، وقال سفيانُ: لا يعجبني ذلك. وذكر مالكٌ
في ((الموطأ)) أنَّه بلغه أنَّ ابنَ عمر كان يكره أن يمرَّ بين يدي النساء وهُنَّ
(١) في (ك١)) و((ط)): ((قاعدة))!
(٣) في ((ك)): ((روائه)).
(٥) ما بين المعقوفين من ((ق)).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((بالجدار)).
(٤) أحمد (١٩٦/٢) وأبو داود (٧٠٨).
١٤

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث: ٤٩٣
يُصَلِين(١). وحمله بعضُهم على كراهةِ المرورِ بين يدي صفوفِ النساءِ في
مؤخرِ المسجد إذا صَلَّينَ مع الإمام.
والقولُ الثَّاني: جوازُهُ من غيرِ كراهةٍ وأَنَّه غيرُ داخلٍ في النهي وقد
حكاه بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمدَ إذا كان مشيه لحاجة كمشيه إلى
فُرْجَةٍ في الصف أو إذا لم يجدْ موضعًا يصلِّي فيه. وهو ظاهرٌ كلامٍ کثیرِ
من أصحابنا؛ فإنهم استدلَّوا بحديثِ ابنِ عباسٍ على أن سترةَ الإمامِ
سترةٌ لمن خلفه (٤٥٦ - ب/ق) وجعلوا عدمَ الإنكارِ على ابنِ عباسٍ دليلا
على ذلك. وكلامُ ابنِ عباسٍ يدلُّ عليه - أيضًا - فإنَّه استدلَّ بعدمِ الإنكارِ
على الجوازِ، وهو مستلزمٌ لعدمٍ بطلانِ الصَّلاة. وهذا مذهبُ مالك
وأصحابه .
ذكر مالكٌ في ((الموطأ)) بابَ «الرخصةِ في المرورِ بين يدي المصلِّي))
وخرَّجَ فيه حديثَ ابنِ عباسِ هذا ثم قال: بلغني أنّ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ
كان يمرّ بين يدي بعضِ الصَّفْوفِ والصلاة قائمةٌ.
قال مالكٌ: وأنا أرى ذلك واسعًا إذا أقيمت الصَّلاةُ بعد أن يُحرمَ
الإمامُ ولم يجدِ المرءُ مَدْخلا إلى (١٦٤ - أ/ ط) المسجدِ إلا بين الصفوف(٢).
وقد ذكرَ أبو داودَ في ((سننه)) بعضَ كلامٍ مالك، عن القعنبيِّ، عنه(٣).
وقال سفيانُ الثوريَّ: إذا انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم فإنَّه
يمشي معترضًا حتى يدخلَ المسجدَ.
(١) ((الموطأ)) (ص١١٥).
(٣) عَقيب الحديث (٧١٥).
١
(٢) («الموطأ)) (ص ١١٥).
١٥

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
وفي (تهذيب المدونة) للبراذعي(١): ولا بأس بالمرورِ بين الصّفْوف عرضًا
والإمامُ سترةٌ لهم وإن لم يكونوا إلى سترة، وكذلك من رعفَ أو أَحْدَثَ
(١٣١ - أ/ ك١) فليخرجْ عَرَضًا وليسَ عليه أن يرجعَ إلى عَجزِ المسجد(٢).
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيد)) أنَّ المأمومَ لا يدفعُ مَن مَرَّ بين يديه
وقال: لا أعلم بين أهلِ العلم فيه خلافًا (٣)، وذكر في ((الاستذكار)) قولَ
مالكِ الذي ذكره في ((الموطأ)) وذكرَ أنَّ مالكًا يرخِّصُ في ذلك لمن لم يجد
منه(٤) بُدّ وأنَّ غيرَهَ لا يرى به بأسًا - يعني: بكلِّ حالٍ - سواء اضطر إليه
أولا؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ. قال: وقد قدمنا أنَّ الإمامَ سترةٌ لمن خلفه،
فالماشي خلفه أمَامَ الصفِّ كالماشي خلفه دُون صفّ. قال: ويحتمل هذا
أن يكونَ المارُّ لم يَجد بُدّ كما قال مالكٌ، ولكن الظَّاهرَ ما قدمنا من
الآثارِ الدالةِ على أنَّ الإمامَ سترةٌ لمن خلفه(٥) .
وهذا الكلامُ يدلُّ على أنَّ للعلماءِ اختلافًا هل الرخصةُ تختصُّ بحالٍ
الضَّرورةِ أم تعمُّ؟
وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً أخرى عن أحمدَ بأنَّ من كان بين
يديه فرجةٌ فلا يكره له أن يمشي عرضًا بين الصفوف (٤٥٧ - أ/ ق) حتى
یقومَ فیها .
(١) في ((ك)) بالدال المهملة، وسيأتي التنبيه على هذا (ص٣٤). وهو: شيخ المالكية أبو سعيد
خلف بن أبي القاسم البراذعي، وكتاب ((تهذيب المدونة)) قال ابن فرحون: اتبع فيه طريقة
اختصار أبي محمد إلا أنه ساقه على نسق ((المدونة)) وحذف ما زاده أبو محمد، وقد
ظهرت بركة هذا الكتاب على طلبة الفقه، وسموا بدراسته وحفظه وعليه معول الناس
بالمغرب والأندلس .
(٢) انظر ((المدونة)) (١٠٩/١).
(٣) ((التمهيد)) (١٨٧/٤ - ١٨٨).
(٤) في ((ك١)) و((ط)): ((به)).
(٥) ((الاستذكار)) (١٧٨/٦).
١٦

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث: ٤٩٣
وهذا قولٌ ثالثٌ بالرخصة في ذلك لحاجة إليه وإن لم يكن ضرورة.
وذكر البيهقيُّ في كتابِ ((المعرفة)(١) عن الشَّافعيِّ في القديم أنَّه ذكر
قولَ مالك في هذا واعتراضَ من اعترضَ عليه ثم أخذَ في الذَّبِّ عنه
واحتجّ بحديثِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ، وأشار إلى أنَّ ذلك إنما قاله في المرور
بين [يدي] (٢) المتنفِّلين الذين عليهم قطعُ النَّافلة للمكتوبة ولا يجد الداخل
طريقًا غيرَ الممرِّ بين أيديهم(٣) .
ومعنى هذا: [أنه](٢) إنما يجوزُ المرورُ[ للضرورة](٢) بين يدي من يصلِّي
صلاةٌ مكروهةً وهو من يتنفلُ بعد إقامة الصلاة أو يُطيلُ في نافلته (٤) وقد
أقيمت الصَّلاةُ. ولكنَّ أصحابَ مالك حملوا كلامَ مالك على عمومِه في
حال الضرورة كما تقدم، وهذا الكلام من الشَّافعيِّ يدلُّ على أنَّ المأمومينَ
لا يجوزُ المرورُ بين أيديهم إذا كانوا يقتدونَ بصلاةِ الإمامِ لضرورةٍ ولا
غيرِها كما قالَه أحمدُ في غيرِ حالِ الضرورةِ في رواية الأثرم.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: إذا وجدَ الداخل (٥) فرجةً في الصفِّ الأول
فله أن يمرَّ بين يدي الصفِّ الثَّاني (١٦٤ - ب/ ط) ويصف فيها؛ لتقصيرِ
أهلِ الصفِّ الثَّاني بتركها. وهذا موافقٌ لكلامِ الشَّافعيِّ حيثُ لم يُجِزِّ
المرورَ إلا مع تقصير المصلين، لكنه يخصه(٦) بحال الضرورة، وأصحابه لم
يخصَّوه بذلك، ونصَّ الشَّافعيُّ في كتاب ((مختلف الحديث)) على [أن](٧)
المرورَ بين يدي المصلِّي إلى غير سُتْرةٍ مباحٌ غيرُ مكروهِ، واستدلَّ بحديث
(١) (١٩٥/٣).
(٣) في ((ك١)) و(ط)): ((يديهم)).
(٥) في ((ق)): ((الرجل)).
(٧) ليست في ((ق)).
(٢) من ((ق)).
(٤) فى ((ك١)) و((ط)): ((نافلة)).
(٦) في ((ك)) و((ط)): ((خصه)).
١٧

الحديث: ٤٩٣
كتاب الصلاة
ابنِ عباسٍ هذا، وبحديث المطلب بنِ أبي وَدَاعَةً (١).
وذهبت طائفةٌ من العلماء إلى أنَّ سترةَ الإمام سترةٌ (٢) لمن خلفه من
المأمومين .
فروى الجوزجانيّ، وغيرُهُ من طريق ابن سيرين أنَّه بلغه أنَّ الحكمَ
الغفاريَّ أَمَّ جَيشًا وأنه كان بين يديه رُمحٌ فمرَّ به ما يقطع الصلاةَ، فأعادَ
بالقوم الصَّلاةَ، فلما انصرف (١٣١ - ب/ ك١) ذُكرَ ذلك له فقالَ: أَوَ لم
تروا إلى ما مرَّ بين أيدينا، فأنا ومن يليني قد سَتَرَنَا الرَّمحُ، فإنما أَعدتُ
الصَّلاةَ (٤٥٧ - ب/ق) من أجل العامة(٣).
قال ابنُ المنذرِ في كتابه الكبير: ورُوِيَ عن عطاءِ نحوه(٤).
وروى عمر بنُ شبةَ في كتاب ((أخبار قُضاة البصرة)): ثنا محمد بن
حاتم: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم: ثنا يونسُ قال: كان موسى بنُ أنس
يصلي بالنَّاسِ في صحنِ المسجد، فكان كلبٌ يمرَّ بين أيديهم فسألوا
الحسنَ، فقال: أما الإمامُ ومن كان إلى سارية ومن كان خلف الصفِّ فلا
يُعيدُ، ومن كان بين السَّواري فليُعد.
وأما على تقديرٍ أن يكونَ ابنُ عباس مَرَّ على الأتان بين يدي النبيِّ
وَخله وهو يصلّي إلى غير سترة ولم ينهه عن ذلك فهذا يحتملُ وجوهًا:
أحدها: أن يكونَ مرَّ بين يديه من بُعدٍ، والمار أمام المصلي إلى غيرِ
(١) انظر ((اختلاف الحديث)) الذي بآخر ((الأم)) (ص٥١٢).
(٢) في (ك)) و((ط)): ((سترة الإمام ليست سترة)) كذا.
(٣) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٨/٢ - ١٩).
(٤) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٠٨/٥).
١٨

٩٠ - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه
الحديث: ٤٩٣
سترة عن بُعد كالمارِّ خلفَ سُترته. ولكن خرج الإمامُ أحمدُ من حديث
الحسنِ العرني(١)، عن ابنِ عباسٍ قالَ: أقبلتُ على حمارٍ ورسولُ الله
وَّهُ يصلّي بالنَّاسِ حتى إذا كنتُ قريبًا منه نزلتُ عنه وخَلَّيتُ عنه
ودَخلتُ مع النبيّ (٢) فَ ل﴿ في صلاتِه، فما أعادَ صلاتَه ولا نهاني عما
صنعتُ(٣).
والحسنُ العرني (٤) لم يسمعْ من ابنِ عباس، قاله الإمامُ أحمدُ(٥)،
فحدیثُه عنه منقطعٌ.
والثَّاني: أن يحملَ على أنَّ الاستتارَ في الصَّلاةِ غيرُ واجب، وإنَّما
هو على الاختيار. وهذا حكاه البيهقي(٦)، عن الشافعيِّ؛ ولكن يقال:
فالمرورُ بين يدي المصلِّي إلى غيرِ سترة [إما](٧) أنه حرامٌ أو مكروهٌ فكيف
أقرَّ عليه (١٦٥ - أ/ ط) ولم ينكر؟.
وقد يجابُ بأنَّه إذا كان مكروهًا فإنكارُه غيرُ واجب. ولأصحابنا
وجهُ: أنَّ من صلَّى إلى غير سترة لم يكنِ المرورُ بين يديه مَنهيًا عنه، إنَّما
النهي يختصّ بمن صلَّى إلى سترة فينهى عن المرور بينه وبين السترة. وهو
قولُ ابنِ المنذرِ (٨).
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: لا يحرمُ المرورُ بين يدي المصلي(٩) إلى غيرِ
(١) في (ك)) و((ط)): ((البصري)) وضبب عليها في ((ك١)) والصواب ما أثبتناه من ((ق)).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((رسول الله)).
(٣) ((المسند)) (٢٤٧/١، ٣٠٨، ٣٤٣).
(٤) في ((ك١)) و((ط)): ((البصري)) خطأ .
(٥) انظر ((العلل ومعرفة الرجال)) لعبد الله بن أحمد (٣١). وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٩٦/٦).
(٧) ليست في ((ك١)).
(٦) في ((المعرفة)) (١٩٥/٣).
(٨) في ((الأوسط)) (٩٤/٥ - ٩٥).
(٩) في ((ك)) و((ط)): ((من صلى)).
١٩

الحديث: ٤٩٤
كتاب الصلاة
سترة، بل يُكْرَهُ، وهل للمصلِّي إلى غير سترةٍ أن يدفعَ المارّ بين يديه؟.
#
على وجهين لهم، أصحهما(١): ليس له الدفعُ.
والثَّالثُ: أن يكونَ مرورُ ابنِ عباسٍ بين يدي (٤٥٨ -أ/ ق) النبيِّ وَل
بمنى كما في روايةِ مالكِ وغيره من أصحابِ الزهريِّ، وحكمُ الحرم أنَّه
يجوزُ المرورُ فيه بين يدي المصلِّي دونَ سائرِ البُلدان، قاله طائفةٌ من
أصحابنا، وستأتي هذه المسألةُ - فيما بعد - حيث بوَّبَ البخاريّ عليها(٢).
وقد رُوِيَ ما يخالفُ هذا وأنَّ المارَّ يُرَدُّ بالأبطح، فروى ابنُ لهيعة:
حدَّثَني حَبَّان بنُ واسع، عن أبيه، عن عبدِ الله بن زيد(٣) وأبي بشيرٍ
الأنصاري أنَّ رسولَ اللهِ فَ له صلَّى بهم ذاتَ يومٍ وامرأة بالبطحاء، فأشارَ
إليها النبيِّ وَّهِ أن تأخرِي، فرجَعَتْ حتى صلَّى ثم مَرَّتْ (١٣٢ - أ/ ك١).
خرجه الإمامُ أحمدُ(٤). وابنُ لهيعةً حالُه مشهورٌ.
الحديثُ الثَّاني: قال:
٤٩٤ - ثَنَا إسْحَاقُ: ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ: ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ
فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِّهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَآئِهِ(٥)، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي
السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتخذَهَا الأمراءُ.
(١) في ((ق)): ((أصحها)).
(٢) الباب (٩٤): ((السترة مكة وغيرها)).
(٣) في ((ك) و((ط)): ((يزيد)) وفي (ق)) محتملة، والصواب ما في ((المسند)) كما أثبتناه، وانظر
((أطراف المسند (٧٦/٦).
(٤) فى ((المسند)) (٢١٦/٥).
(٥) صححها في ((ق))، وفي («اليونينية)): «والناس وراءَه)).
٢٠