النص المفهرس

صفحات 421-440

٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
الحديث : ٤٨٢
غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَّهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ (١) أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ
خَدَّهُ (٤٤٦ - ب/ ق) الأَيْمَنَ (٢) عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ
مِنْ أَبْوَابِ الَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكَرٍ وَعُمَرُ،
فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِى يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ)) فَقَالَ
له (٣): يَارَسُولَ الله، أَنَسِيتَ (١٢٣ - ب/ك١) أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: (لَمْ
أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرِ)). فَقَالَ :(أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ). قَالُوا: (٤) نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ
فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبََّ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ
سَلَّمَ. (١٥٥ - أ / ط) فَرْبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نَبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ
حُصَيْنِ قَالَ: ثُم سَلَّمَ.
المسئولُ: ثم سلم(٥)؟ هو ابنُ سيرينَ.
وقد أعادَه البخاريّ في ((أبواب سجود السهو)) (٦) ويأتي الكلامُ عليه
هناك مستوفى إن شاءَ الله تعالى.
إنما المقصودُ في هذا البابِ منه(٧): أن النبيَّ وَّ قام بعدَ سلامه من
الصلاة(٨) إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجدِ فاتكاً عليها ووضعَ يدَه اليمنى
n
(١) كلمة: ((بين)) ليست في ((ق)).
(٢) في ((ك)) و((ط)): ((يده اليمنى)) وفي ((ق)): ((خده اليمنى)) ثم ضرب على اليمنى وكتب
«الأيمن)) وصححها.
(٣) كلمة: ((له)) ليست فى ((ق)).
(٦) حديث (١٢٢٩).
(٧) في ((ك١)): ((منها)).
(٤) في ((اليونينية)): ((فقالوا)).
(٥) قوله: ((ثم سلم)) ليس في ((ك!)).
(٨) فى ((ك١)) و((ط)): ((صلاته من المسجد)).
٤٢١

الحديث : ٤٨٢
كتاب الصلاة
على ظهرِ كفِّه اليسرَى وشبَّكَ بين أصابعه، فدلَّ على جوازِ تشبيكِ أصابعِ
اليدين في المسجدِ لغيرِ حاجة إليه. والظاهرُ أنَّه إنما فعلَه لما غلبه من
الهمِّ؛ فإن ذلك يفعلُه المهمومُ كثيرًا.
وقد رخَّصَ في التَّشبيكِ في المسجد (١) جماعةٌ.
قال وكيعٌ: ثنا الربيعُ بنُ صَبِيحٍ قال: رأيتُ الحسنَ في المسجدِ هكذا -
وشبَّكَ وكيعٌ بين أصابعِه. وقال حربٌ: رأيتُ إسحاقَ جالسًا في المسجدِ
يقرأ وشبَّكَ أصابعَه .
وقد رُوِيَ النَّهيُ عن التَّشبيكِ في المسجدِ من روايةِ مولى لأبي سعيدٍ
الخدري أنَّه كان مع أبي سعيد وهو مع رسولِ اللهِ وَلَّ قالَ: فدخلَ النبيّ
وَلا- فرأى رجلا جالسًا في (٢) وسط المسجد مشبكا أصابعَه يُحدثُ نفسَه
فأوماً إليه النبيُّ نَّهِ فلم يفطنْ، فالتفتَ إلى أبي سعيد فقال: ((إذا صلَّى
أحدُكم فلا يشبكنَّ بين أصابعه، فإنَّ التَّشبيكَ من الشَّيطان، وإنَّ أحدكم
لا يزالُ في صلاةٍ ما دام في المسجدِ حتى يخرجَ منه)).
خرجه الإمامُ أحمدُ، وفي إسنادِهِ عُبيدُ الله(٣) بنُ عبد الرحمن بن
مَوْهَبِ، ضعَّفَه ابنُ مَعِينٍ(٤).
ورُويَ - أيضًا - النَّهيُ عن (٤٤٧ - أ/ ق) تشبيكِ الأصابعِ لمن هو
(١) قوله: ((في المسجد)) من ((ق)) فقط.
(٢) كلمة: ((في)) من ((ق)) فقط.
(٣) في ((ك)): ((أحمد عبيد الله)) وفي (ط)): ((أحمد، عن عبيد الله)) وفي ((ق)): ((أحمد، وفي
إسناده عبید».
(٤) ((المسند))(٥٤/٣) وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ضعفه ابن معين في رواية
الدوري، وقال عنه إسحاق بن منصور: ثقة، وقال ابن طهمان: ليس به بأس. راجع
ترجمته من ((تهذيب الكمال)) (٨٦/١٩).
٤٢٢

٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
الحديث : ٤٨٢
ماشٍ إلى المسجد للصلاة(١) فيه من حديث كعب بن عجرةَ، عن النبيِّ
وَخَّ قالَ: ((إذا توضَّأَ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه ثم خرجَ عامدا(٢) إلى
المسجد فلا يشبكنَّ بين أصابعِهِ، فإنَّه في صلاة)) .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه (٣).
وفي إسناده اختلافٌ كثيرٌ واضطرابٌ.
ءِ
وقد ذكر أبو بكرِ الإسماعيليّ في ((صحيحِه المخرج على صحيح
البخاري)) أنَّ حديثَ كعبِ بنِ عجرةَ وما في معناه لاينافي حديث أبي
هريرةَ الذي خرَّجه البخاريّ في هذا البابِ وأنه يمكنُ الجمعُ بينهما بأنَّه
إنَّما يكره التشبيكُ لمن كان (١٥٥ - ب/ط) في صلاة أو حكمه حكم من
كان في صلاةٍ كمن يمشي إلى المسجدِ أو يجلس فيه لانتظار الصَّلاة، فأما
= (٤)
من قامَ من الصَّلاةِ وانصرفَ منها كما فعل النبيُّ وَلِّ لَّا سلَّم (٤) من
ركعتين وقامَ إلى الخشبة المعترضة (١٢٤ - أ/ ك١)، فإنَّه صار منصرفًا من
الصَّلاة لا منتظرًا لها فلا يضرَّه التَّشبيكُ حينئذ. قال: وقد قيل: إنَّ من
كان في صلاة ومنتظر الصلاة في جماعةٍ فهم على ائتلافٍ، فإذا شبَّك لم
يؤمنْ أن يَتْطيرَ بهم عَدوَّهم بأن(٥) سيختلفون. ألا تراه في حديث عبدِ الله
ابنِ عَمرو يقولُ: ((مرجتْ عهودُهم وأماناتُهم واختلفوا وصاروا هكذا،
وشبَّكَ بين أصابعه))(٦) ولم يؤمنْ أن يكون ذلكَ سببًا أو أمارةً لاختلافهم
(١) في ((ك١)) و((ط)): ((ماش إلى الصلاة)).
(٢) كلمة: ((عامدًا)) ليست في ((ق)) .
(٣) أحمد (٢٤١/٤، ٢٤٢، ٢٤٣ - ٢٤٤)، وأبو داود (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦)، وابن
ماجه (٩٦٧). وانظر ((الإرواء)) (٩٩/٢ - ١٠٢).
(٤) قوله: ((لما سلم)) من ((ق)) فقط.
(٥) في ((ق)): ((بأنهم)).
(٦) أخرجه أحمد (٢١٢/٢، ٢٢١) وغيره. وانظر تخريج («الإحسان)) (٢٧٩/١٣ - ٢٨١).
٤٢٣

الحديث : ٤٨٢
كتاب الصلاة
كما أمرَهم أن (١) يستووا في صفوفهم وقال: ((لا تَخْتلفوا فتختلفَ
قلوبكم))(٢). انتهى ما ذكره.
وهو مناسبةٌ بعيدةٌ جدا؛ فإنَّ التَّشبيكَ كما مُثِّلَ به الاختلافُ
والافتراقُ فقد مُثِّل به الائتلافُ والتعاون والتناصرُ - كما في حديث أبي
موسى الذي خرَّجه البخاريُّ في أول الباب(٣)- فليسَ كراهتُه لمشابهته لمثل
الافتراقِ بأولى من عدم كراهته لمشابهته (٤) لمثل التعاون والتعاضد
والتّناصُرُ .
ومثلُ هذه المعاني(٥) توجَدُ كثيرًا في كتبِ شروح(٦) الحديث المتأخرة،
وأكثرها مَدخولٌ. ولم يكن عُلماءُ سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك،
وكذلك لم أستكثرْ من ذِكر مثله في هذا الكتاب، وإنما ذَكرتُ هذا لأنَّ
الإسماعيليّ مع تقدمِه ذكرَه في ((صحيحه))، ونبّهتُ على ما فيه.
وجمعَ الخطابيّ في ((الأعلام)) بين حديث كعب (٤٤٧ - ب/ق) بنِ
عجرة في النهي وحديث أبي هريرة في فعلِ التشبيك بأنَّ النهي إنما
يحملُ على الاحتباءِ بالتشبيكِ للأصابع؛ لأنه يَجلبُ النَّومَ الناقضَ
للوضوء وما سواه فمباحٌ، فخصَّ الكراهةَ بحالة الاحتباء(٧).
وهذا في غايةِ البعد؛ لأنَّ حديثَ كعبٍ فيه النَّهيُ عن التشبيكِ
للعامد(٨) إلى المسجد والمراد به(٩): الماشي إليه، والماشي لا يحتبي.
(١) في ((ق)): ((بأن)).
(٣) قوله: ((الباب)) ليس في ((ط)).
(٥) قوله: ((المعاني)) ليس في ((ك١)).
(٧) ((أعلام الحديث)) (٤١٤/١).
(٩) كلمة: ((به)) ليست في ((ك١)).
(٢) أخرجه أحمد (٢٨٥/٤) وغيره.
(٤) كلمة: ((لمشابهته)) ليست في ((ق)).
(٦) في ((ك)) و((ط)): ((شرح)).
(٨) في ((ك)) و((ط)): ((للقاصد)).
٤٢٤

٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
الحديث : ٤٨٢
وقد وردَ مصرَّحًا بذلك في روايةٍ خرَّجها مسلمٌ في كتاب ((العلل)(١)
له(٢)، عن أبي ثمامةَ القمَّاح قال: لقيني كعبُ بنُ عجرةَ وأنا رائحٌ إلى
المسجد مُشبّك بين أصابعي فضربَ يديَّ ضربةً ففرَّقَ بينهما وقال: نُهينا
أن نشبكَ بين أصابعنا في الصَّلاة، فقلتُ: إنِّي لستُ (١٥٦ - أ/ط) في
صلاة. فقال: إنَّ الرجلَ إذا توضَّأَ فأحسنَ وضوءَه ثم خرجَ يَؤْمَّ المسجدَ
فهو في صلاة.
وخرَّجَه أبو داودَ بمعناه؛ إلا أنه لم يذكرْ قولَه: «إني لستُ في
صلاة)(٣)، وصَرَّحَ برفعٍ آخرِ الحديث إلى النبيِّ بَِّّ(٤).
وأعلَّ محمدُ بنُ يحيى الهَمداني في (صحيحه)) حديثَ أبي هريرةَ
الذي خرجه البخاريُّ في هذا الباب، وقال: ذكر تشبيكِ الأصابعِ ووضع
الخدِّ لا أعلم ذكرَه غير النَّضرِ - يعني: ابن شُمَيل -، عن ابن عون.
وأما تشبيكُ الأصابعِ في الصَّلاةِ فمكروه .
وقد خرجَ ابنُ ماجه حديثَ كعبِ بنِ عجرةَ المتقدم، ولفظُه: أنَّ
رسولَ اللهِ وَله رأى رجلا قد شبكَ أصابعَه في الصَّلاةِ ففرجَ رسولُ الله
(١٢٤ - ب / ك١) وَ جُله بين أصابعه(٥).
(١) كتاب ((العلل)) لمسلم ذكره ابن الجوزي في ((المنتظم)) (١٧١/١٢)، وابن الصلاح في
(صيانة صحيح مسلم)) (ص٥٩)، والنووي في ((شرحه)) (٢٨/١)، و((السير))
(٥٧٩/١٢). وانظر كتاب ((الطبقات)) لمسلم (١/ ١٢٧).
(٢) كلمة: ((له)) من ((ق)) فقط.
(٣) قوله: ((وخرجه أبو داود)) إلى هنا سقط من ((ك١)).
(٤) أبو داود (٥٦٢)، وأخرجه - أيضا - ابن أبي شيبة (٧٥/٢ - ٧٦).
(٥) ابن ماجه (٩٦٧).
٤٢٥

الحديث ٤٨٣
كتاب الصلاة
وخرج وكيعٌ، عن عاصمٍ بن محمد العمريِّ، عن ابنِ المنكدر، عن
= ھَاالله
النبيِّ وَلُل نحوه مرسلا .
وخرّجَ أبو داودَ بإسنادِه، عن نافع أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ يصلِّي وهو
مشبكٌ أصابعَه فقال: قال ابنُ عمرَ: تلك صلاةُ المغضوب عليهم (١).
وكرهه طاوس والنَّخعيُّ. وقال النعمانُ بنُ أبي عَيَاش: كانوا ينهون عن
ذلك(٢) .
وكلامُ ابنِ عمرَ يدلُّ على أنَّه كره لما فيه من مشابهةِ أهلِ الكتابِ،
وهو - أيضًا - من نوعِ العَبثِ الذي تُنَزَهُ عنه الصَّلاةُ ومثل تفقيعِ الأصابعِ.
وقد روى الحارثُ، عن علي أنَّ النبيَّ وَّ نَهاهُ أن يُفُقعَ أصابِعَه في
الصلاة. خرَّجَه ابنُ ماجه(٣).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من رواية (٤٤٨ - أ/ق) زَبَّان(٤) بن فائد، عن
سهلِ بنِ مُعاذٍ، عن أبيه أنَّ النبيَّ وَ لهَ قال: ((إنَّ الضَّاحكَ في الصلاةِ
والملتفتَ والمفقعَ أصابعه بمنزلة واحدة)»(٥).
وزَّبَّان(٤) وسهلٌ فيهما ضعفٌ.
وفيه إشارةٌ إلى أن ذلك كلَّه من العبثِ المنافي للخشوع في الصّلاة.
(١) أبو داود (٩٩٣).
(٣) (٩٦٥).
(٥) أحمد (٤٣٨/٣).
(٢) ابن أبي شيبة (٧٦/٢).
(٤) في الأصول الثلاثة: ((زياد))، خطأ.
٤٢٦

الحديث: ٤٨٣
٨٩ - بَابُ
الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ
الَِّي صَلَّى فِيهَا النَِّيُّ:
صَلى الله
خرَّجَ فيه حديثين(١).
أحدهما: قال :
٤٨٣ - ثَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمَيُّ: ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانُ: ثَنَا
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَّ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَحرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ
فَيُصَلِّيَ فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َِّ (١٥٦.
ب/ ط) يُصَلِّي في تِلْكَ الأَمْكِنَةِ. وَحَدَّثَنِي نَافِعٌّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ كَانَ
يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنةِ. وَسَأَلَتُ سَالِمًا وَلَا (٢) أَعْلَمُهُ إِلا وَفَقَ نَافِعًا في
الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، إلا أنَّهُمَا اخْتَلَفَا في مَسْجِد بشَرَف الرَّوْحَاء.
قد ذكرنا - فيما سبقَ - في باب «اتخاذ المساجد في البيوت))(٣) حكمَ
اتباعٍ آثارِ النبيِّ وَّ ◌ِه والصلاةِ في مواضعٍ صلاته وأنَّ ابنَ عمرَ كان يفعلُ
ذلك وكذلك ابنُه سالمٌ.
وقد رخَّصَ أحمدُ في ذلك على ما فعله ابنُ عمر، وكره ما أحدثه
النَّاسُ بعد ذلك من الغُلُوِّ والإفراط والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في
(١) والحديث الثاني هو حديث طويل فذكره مقطعا بترقيم (٤٨٤) إلى (فتح: ٤٩٢).
(٣) الباب (٤٦).
(٢) في ((اليونينية)): ((فلا).
٤٢٧

الحديث ٤٨٣
كتاب الصلاة
الشَّريعة .
وقد كان ابنُ عمرَ مشهورًاً بتبُّعَ آثَارِ النبيِّ ◌َِّهِ، ومن ذلك صلاتُه في
المواضع التي كان يصلِّي فيها، وهي على نوعين:
أحدهما: ما كانَ النبيُّ نَّهِ يقصدُهُ الصَّلاةِ فيه كمسجد قباء، ويأتي
ذكره في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
والثَّاني: ما صلَّى فيه النبيُّ وَّ اتفاقًا لإدراك الصَّلاة له عنده، فهذا
هو الذي اختصّ ابنُ عمر باتباعه .
وقد روى ابن سعد: أنا مَعن بنُ عيسى: ثنا عبدُ الله بن المؤملِ، عن
عبدِ الله بنِ أبي مليكةً، عن عائشةَ قالت: ما كانَ أحدٌ يتبعُ آثارَ النبي
وَلّ في منازله كما كان ابنُ عمرَ يتبعه(١).
وروى أبو نعيم من حديث(٢) خارجةَ بنِ مصعب، عن موسى (٤٤٨
- ب/ ق) بنِ عُقبةَ، عن نافع قال: لو نظرتَ إلى ابنِ عمرَ إذا اتبعَ أثر
النبيِّ (١٢٥ - أ/ ك١) وَّهَ لقلتَ: هذا مَجنونٌ.
ومن طريق عاصم الأحول، عمن حدَّثْه قال: كان ابنُ عمرَ إذا رآه
أحدٌ ظنَّ أن به شيئًا من تتبعِه آثار النبيِّ وَِّ.
ومن طريقِ أبِي مَوْدُود(٣)، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّه كان في طريقِ
مكةَ يقود (٤) برأسِ راحلته يثنيها ويقول: لعلّ خُفّا يَقع على خُفِّ -
(١) ((الطبقات)) (١٤٥/٤).
(٢) في ((ق)): ((رواية)).
(٣) في ((ك)) و(ط): ((أبي داود)) وكتب في صلب ((ق)): ((أبي داود)) ثم صلحها في الهامش
وصححها، وهو موافق لما في ((الحلية)).
(٤) فى ((الحلية)): ((يأخذ)).
٤٢٨

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٣
يعني: خُفَّ راحلةِ النبيِّ وَلَّ(١).
والمسجدُ الذي وقع فيه الاختلافُ: بشَرَفِ الرَّوْحَاءِ.
والرَّوحاءُ من الفرْع، بينها وبين المدينة مرحلتان، يقال: بينهما أربعونَ
میلا، وقيل: ثلاثون ميلا .
وفي ((صحيحِ مسلم)) (٢): بينهما ستة وثلاثون ميلا، يقال: إنَّه نزلَ
بها تُبَعٌ حين رجعَ من قتالِ أهلِ المدينةِ يريد مكةَ فأقامَ بها وأراح فسمَّاها
الروحاء، وقيل: إنَّ بها قبر مضر بن نزارِ.
وقد روى (١٥٧ - أ/ ط) الزبيرُ بنُ بكارِ بإسنادٍ له، عن ابنِ عمرَ أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ صلَّى بشرفِ الروحاءِ عن يمينِ الطَّريقِ وأنت ذاهبٌ إلى مكةً
ے
وعن يسارها وأنت مقبلٌ من مكةً.
ودونَ هذا الشَّرف الذي به هذا المسجد موضعٌ يقال له ((السَّيَالة)»
ضبطَها صاحبُ ((معجم البلدان))(٣) بتخفيف الياء - كان قريةً مَسْكونةً بعد
النبيِّ وَُّله، وبها آثارُ البناءِ والأسواقِ، وآخرُها شرف الروحاء، والمسجدُ
المذكورُ عنده قبورٌ عتيقة كانت مَدفنَ أهلِ السَّيَالة، ثم تهبط منه في وادي
الروحاء، ويُعرفُ اليومَ بوادي بني سَالم.
الحديث الثاني: هو حديثٌ طويل فنذكره قطعًا [قطعًا](٤)، ونشرحٌ
كلَّ قطعة [منه] (٤) بانفرادها(٥). قال البخاريُّ رحمه الله:
(٢) (٣٨٨).
(١) ((الحلية)) (٣١٠/١).
(٣) (٣٣٢/٣).
(٤) من ((ق)): فقط .
(٥) وجعلنا لكل قطعة رقما مستقلا بترقيم ((الفتح)).
٤٢٩

الحديث ٤٨٤
كتاب الصلاة
٤٨٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاض: ثَنَا
مُؤْسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللهِبْنَ عُمَرَ (١) أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِلُ
كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وَفِي حَجَتِّهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةَ فِي
مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ. وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةٍ(٢) وَكَانٌّ فِي
تَلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمْرَةَ هَبَطَ مِنْ(٣) بِطَنٍ وَادٍ، فَإِذَا ظَهَرَّ مِنْ بَطْنٍ وَأَد
أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التِي عَلَى (٤) شَّغِيرِ الْوَدِي الشَّرْقَّةِ (٤٤٩ - أ/ ق) فَعَرَّسَ ثَمَّ
حَتَّى يُصْحَ، لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الأَكَمَةِ الَِّي عَلَيْهَا
الْمَسْجِدُ، كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَّلِّي عَبْدُ اللهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُبَ(٥) كَانَ
رَسُولُ اللهِ ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحَا فِيهِ السَّلُ بِالْبَطْحَاءِ (١) حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ الْمَكَانَ
الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي فِيهِ.
ذُو الحليفة قريةٌ بينها وبينَ المدينة ستةُ أميال أو سبعة، وهي ميقاتُ
أهلِ المدينة وتُسمى - أيضًا - الشجرة، وكان النبيّ مَله ينزلُ بها حين
يعتمرُ وحين حجّ حجةَ الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية
وعمرة القضية .
وقد ذكرَ ابنُ عمرَ [في](٧) حَديثه هذا أنَّ النبيّ
وَخَّ كان ينزلُ بها
وَستَلم
٠٠٠
(١) قوله: ((ابن عمر)) ليس في ((اليونينية)) وفي نسخة: ((يعني: ابن عمر)).
(٢) في ((اليونينية)): ((غزوٍ)).
(٣) قوله: ((من)) ليس في ((ق)) و((ط))، وكذا في بعض نسخ ((اليونينية)).
(٤) من قوله: ((أو عمرة)) إلى هنا ليس في «ك١».
(٥) في ((ك)) و((ط)): ((كثيب)) وتشتبه في ((ق)) والمثبت من ((اليونينية)) بلا خلاف.
(٦) قوله: ((بالبطحاء)) من ((ق)) فقط.
(٧) ليست في ((ق)).
٤٣٠

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٤
تحتَ سَمُرَةٍ في موضعِ المسجدِ الذي بُني بها. وهذا يدلُّ على أنَّ المسجدَ
صَلَلى الله
لم يكنْ حينئذٍ مبنيا، إنما بُني بعد ذلك في مكانِ منزلِ النبي
وسلم
[منها](١)، وكان النبيُّ نَّهِ يُحرمُ منها وكان يُصلِّي (١٥٧ - ب/ط) بها في
موضعِ المسجدِ، وقد رُوِيَ أنَّه صلَّى في المسجد (١٢٥ - ب/ ك١)، ولعلّ
المرادَ: في بُقْعتِه وأرضه قبل أن يُجعل مسجدًا حتى يُجمعَ بذلك بين
الحدیثین .
وقد خرَّجَ البخاريُّ في ((الحج)) عن إبراهيمَ بنِ المنذرِ - أيضًا -، عن
أنسِ بنِ عياضٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّ
رسولَ اللهِ نَّ كان إذا خرجَ إلى مكةَ يصلِّي في مسجدِ الشجرة(٢).
وخرج مسلمٌ من حديثِ الزهريِّ أنَّ عُيدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عُمَر
أخبره، عن ابنِ عُمرَ أن النبيَّ وَّبَاتَ بذي الحليفةِ مَبْدَأَهُ وَصلَّى في
مسجدِها(٣).
ومن حديث الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عُمرَ أنَّ رسولَ اللهِ وَله
كان يركعُ بذي الحليفةِ ركعتين ثُمَّ إذا استوتْ به الناقةُ قائمةً عند مسجد
ذي الحليفة أهلَّ(٤).
وفي ((الصحيحين)) من حديث مالك، عن موسى بن عُقبةَ، عن
سالمٍ، عن أبيه قال: ما أهلَّ رسولُ الله وَلَهُ إلا من عند المسجدِ - يعني:
مسجد ذي الحُلَيْفةِ(٥) .
(١) من ((ق)) .
(٣) مسلم (١١٨٨).
(٥) البخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦/ ٢٣).
(٢) البخاري (١٥٣٣ - فتح).
(٤) مسلم (٢١/١١٨٤).
٤٣١

الحديث ٤٨٤
كتاب الصلاة
وفي روايةٍ لمسلمٍ من روايةٍ حاتمٍ بن إسماعيلَ، عن موسى بن عقبةً:
إلا من عند الشجرة(١).
وخرَّجَ البخاري(٢) - أيضًا - في ((الحج)) من حديثِ عُمرَ بنِ الخطّابِ
قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلهبوادي العقيقِ يقولُ: ((أتاني الليلة آت (٤٤٩ -
ب/ق) من ربي عزّ وجلّ فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل:
عمرة في حجَّةٍ))(٣).
ووادي العقيقِ متصلٌ بذي الحليفة، فهذا كانَ حال النبيِّ وَّ في
كيا الله
سفره إلی مکةَ.
فأما حالُه في رجوعِه إلى المدينةِ إذا رجعَ على ذي الحليفةِ من حج أو
عُمرة أو من غزاةٍ في تلك الجهة فإنه كان يهبطُ بَطْنَ واد هنالك فإذا ظهرَ
من بطنِ الوادي [أناخ](٤) بالبطحاء التي على شفيرِ الوادي الشرقية
فيُعرِّسُ هناك حتى يُصبِحَ.
قال الخطَّبيُّ: التَّعريسُ: نزولُ استراحة بغيرِ إقامة، وفي الأكثرِ يكونُ
آخرَ الليل ينزلون فينامون نومةً خفيفةً ثم يرتحلون.
قال: والبطحاءُ: حجارةٌ ورَمْل(٥).
قلت: المرادُ بالتَّعريسِ هنا نَومُه حتی یصبحَ.
وقد خرجَ البخاريُّ في ((الحج)) (٦) عن إبراهيمَ بنِ المنذرِ، عن أنسِ بنِ
(١) قوله: (إلا من عند الشجرة)) ليس في ((ك)) و((ط))، والحديث عند مسلم (٢٤/١١٨٦).
(٣) البخاري (١٥٣٤).
(٢) كلمة: ((البخاري)) سقطت من ((ك١)).
(٤) من ((ق)) .
(٦) (١٥٣٣) وتقدم قريبا.
(٥) ((أعلام الحديث)) (٤١٦/١ - ٤١٧).
٤٣٢

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٤
وَ الخلف (١٥٨ -
عياض، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّ النبيّ
وَسَلم
أ/ ط) كان إذا خرجَ إلى مكةَ يصلِّي في مسجدِ الشجرة، وإذا رجعَ صلَّى
بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتی یصبحَ.
وخرج فيه - أيضًا - من طريقِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّ
رسولَ الله وَّ أناخَ بالبطحاء بذي الحُليفة فصلى(١) بها. وكان عبدُ الله
يفعل ذلك(٢) .
ومن طريقِ موسى بن عُقبةَ قال: حدَّثَني سالم بنُ عبد الله، عن
أبيه، عن النبيِّ وَّ أنه أُرِيَ(٣) وهو مُعَرِّس(٤) بذي الحليفةِ ببطنِ الوادي،
قيل له: إنَّك ببطحاء مباركةٍ وقد أناخ بنا سالم يَتَوخى بالمناخ الذي كان
عبدُ الله يُنِيخ (٥) يتحرى مُعَرَسَ النبي ◌ِّهِ وهو أسفلُ من المسجدِ الذي
ببطن الوادي، بينه وبين الطريق وَسَط من ذلك.
وقد خرَّجَه مسلمٌ مع حديث مالك الذي قبله، وخرج حديثَ أنسٍ
ابنِ عياض (١٢٦ - أ/ ك١) بلفظ آخر.
فظهر(٦) من هذه الأحاديثِ كلِّها أنَّ النبيَّ وَّ كان يبيتُ بالمعرس
وَّ كان يُصلِّ هناك،
وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبحَ، وأنَّ النبيّ
وأَنَّه كان هناك مسجدٌ قد بُني ولم يكن في موضعٍ صلاةِ النبي بَ ◌ّ؛ بل
(٢) البخاري (١٥٣٢).
(١) في (ك)) و((ط)): ((وصلى)).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((رأى)) وما أثبتناه من ((ق))، وهو موافق لإحدى نسخ ((اليونينية))، وفي
الأخرى: ((رُوِيَ».
(٤) في ((ك)) و((ط)): ((وهو في بطن معرس))، وفي ((ق)) ضرب على ((في بطن)) وهو
الصواب الموافق لما في ((اليونينية)).
(٥) قوله: ((ینیخ)) ليس في ((ك)).
(٦) في ((ك)): ((وظهر)).
٤٣٣

الحديث ٤٨٤
كتاب الصلاة
کانَ قريبًا منه.
وفي حديثٍ سالمٍ أنَّ المسجدَ كان ببطن الوادي، وفي حديثٍ موسى
ابنِ عُقبةَ، عن نافعِ الطويل الذي خرجه البخاريَّ هنا أنَّه كانَ مبنيا
بحجارة (٤٥٠ - أ/ ق) على أكمةٍ. وفي حديثِه أنَّه كان ثَمَّ خليجٌ يصلِّي
عبد الله عنده، في بطنِهِ كُتُبٌ، كان النبيُّ وَّهِ ثَمَّ يُصَلِي.
قال الخطابيُّ: الخليجُ: وادٍ له عُمق ينشقُّ من آخرَ أعظمَ (١) منه،
والكُثُب جمعُ كثيب، وهو ما غلظ وارتفعَ عن وجهِ الأرض(٢).
وقوله: ((فَدَحَى السَّيْلُ فيه بالبطحاء حتى دَفَنَ ذلك المكان الذي كان
عبدُ الله يصلِّي فيه))، قال الخطابيَّ: معنى دَحَى السيل: سَوَاه بما حَمل(٣)،
والبطحاء: حجارة ورَمل(٤).
وهذه الصَّلاةُ التي كان النبيُّ وَّهِ يصلّي في هذا الموضعِ قد جاءَ في
رواية أنَّها كانت صلاةَ الصَّبحِ إذا أصبح. وقد خرجه الإمامُ أحمدُ، عن
موسى بنِ قُرَةً(٥)، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن نافع أنَّ عبدَ الله حدَّثَه أن
رسولَ الله وَيهِ كان يعرِّسُ بها حتى يُصلِّيَ [صلاة] (٦) الصبح (١٥٨ -
ب/ ط).
قال ابن عبد البرِّ في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل:
(١) ضَّب في ((ك١)) على كلمة ((أعظم)).
(٢) ((أعلام الحديث)) (٤١٦/١).
(٣) زاد في ((الأعلام)): ((من البطحاء)).
(٤) ((الأعلام)) (٤١٧/١).
(٥) كذا قال المؤلف، وهو خطأ فإن موسى هو ابن طارق أبو قرة الزبيدي، وهو كذلك في
(«المسند» (٨٧/٢)، و(«أطرافه)) (٥٨٦/٣)، و((المسند الجامع)) (٢٩٥/١٠ -٢٩٦).
(٦) من ((ق)).
٤٣٤

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٤
هذه البطحاءُ المذكورةُ في هذا الحديث هي المعروفةُ عند أهلِ المدينة
وغيرهم بالمعرس(١). قال مالكٌ في ((الموطأ)): لا ينبغي لأحدٍ أن يجاوز(٢)
المُعَرَّسَ إذا قَفَلَ حتى يُصلِّيَ فيه، وإنه مَن مَرَّ به في غيرِ وقت صلاة
فليقم حتى تَحِلَّ الصلاةُ، ثم يصلِّي ما بدا له؛ لأنَّه بلغني أن رسولَ الله
وَهِ عَرَّسَ [به] (٣) وأنَّ ابنَ عمرَ أناخ به (٤).
قال ابنُ عبد البرِّ: واستحبَّه الشَّافعيُّ ولم يأمرْ به، وقال أبو حنيفةَ:
من مَرَّ بالمعرسِ من ذي الحليفةِ فإن أحبَّ أن يعرسَ به حتى يصلِّيَ فَعَل
وليسَ ذلك عليه، وقال محمدُ بنُ الحسنِ: هو عندنا من المنازلِ التي
نزلها رسول الله وَله في طريق مكةَ، وبلغنا أنَّ ابنَ عُمر كان يتبع آثارَه
فلذلك كان ينزلُ بالمعرس لا أنَّه كان يراه واجبًا ولا سُنةً على الناس.
قال: ولو كانَ واجبًا أو سُنةٌ من سُئنِ الحج لكان سائرُ أصحابِ رسولٍ
الله وَّهُ يقفونَ وينزلونَ ويصلون، ولم يكنِ ابنُ عمرَ ینفردُ بذلك دونهم.
وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: ليس نزولُهُ وَّ بالمعرس كسائرِ
نزوله بطريقِ (٤٥٠ - ب/ق) مكةَ؛ لأنَّه كان يصلِّي الفريضة حيثُ أمكنه،
والمعرسُ إنما كان يصلِّي فيه نافلة. قال: ولو كانَ المعرسُ كسائرِ المنازلِ ما
أنكر ابنُ عمرَ على نافع تأخرَهَ عنه. وذكر حديثَ موسى بن عقبةَ، عن
نافع أنَّ ابنَ عمر سبقه إلى المعرسِ فأبطأ عليه فقال له: ما حبسك؟ فذكر
(١) ((التمهيد)» (٢٤٣/١٥).
(٢) في ((ق)): ((يتجاوز)) وما أثبتناه موافق لما في ((الموطأ))، وباقي النسخ.
(٣) من ((ق)).
(٤) ((الموطأ)) (ص٢٦٢).
٤٣٥

الحديث ٤٨٤
كتاب الصلاة
عُذرًا قال: (١٢٦ - ب/ ك١) ما ظننت أنك أخذتَ الطريقَ ولو فعلتَ
لأوجعتك ضَربًا. انتهى.
وفي قوله ((أَنَّه صلَّى بالمعرس نافلة)) نظرٌ، وقد قدمنا أنَّه إنَّما صلَّى به
الصبحَ لما أصبح.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ استحبابُ الصَّلاة بالمعرسِ؛ فإنه قال في رواية
صالحٍ: كان ابنُ عمرَ لا يمرُّ بموضعٍ صلَّى فيه النبيُّنَّةٍ إلا صلَّى فيه
حتى إِنَّه صَبَّ الماءَ في أصلِ شجرةٍ فكان ابنُ عمرَ يصبُّ الماءَ في
أصلها(١).
وإنما أخرجَ أحمدُ ذلك مخرجَ الاحتجاجِ به، [فإنَّه في أول هذه
الرواية استحبَّ ما كان ابنُ عمر يفعله من مسحٍ منبرِ النبيِّ وَّر ومقعده
منه] (٢)
وقد تَبيَّن بهذه النصوصِ المذكورة في هذا الموضعِ أنَّ النبيَّ وَّ كان
يخرج من المدينة إلى مكة (١٥٩ - أ/ ط) [في طريق](٢) ويرجعُ في غيرِه
كما كان يفعل ذلك في العيدين وكما كان يدخلُ مكةَ من أعلاها ويخرج
من أسفلها .
وقد خرجَ البخاريُّ في ((الحج)) من حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ الله
وَخَّ كان يخرجُ من طريقِ الشجرةِ ويدخل من طريقِ المعرس. وخرجه
مسلمٌ - أيضًا -(٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ موضعَ الشجرةِ وهو مسجدُ ذي
الحليفة غيرُ طريق المعرس الذي كان يرجع منه.
(١) ((مسائل صالح)) (١٣٤٠).
(٢) ما بين المعقوفين من ((ق)).
(٣) سبقت هذه الأحاديث أول شرح هذا الحديث.
٤٣٦

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٥
وخرج البزارُ نحوَه من حديث أبي هريرةَ.
ثم رجعنا (١) إلى بقيةٍ حديثٍ موسى بنِ عقبةً، عن نافع الذي خرجه
البخاري هاهنا :
٤٨٥ - وَأَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ (٢) حَدَّثَهُ: أَنَّ رسول اللهِ وََّ(٣) صَلَّى
حَيْثُ(٤) المَسْجِدُ الصَّغِيرُ، الَّذِي دُونَ الَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ(٥) الرَّوْحَاءِ،
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الله(٦) يَعْلَمُ(٧) الَكَانَ الَّذِي صَلَّىَ(٨) فِيهِ النَّبِيُّ ◌َّةِ، يَقُولُ: ثَمَّ
عَنْ يَمِينِكَ، حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّى(٩)، وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حَافَّةِ
الطَرِيقِ الْيُمْنَى، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ
بِحَجَرٍ (١٠)، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
هذا هو المسجدُ الذي اختلفَ فيه سالم ونافعٌ كما ذكرناه في شرحٍ
الحديث الأول.
وهذا (٤٥١ - أ/ ق) الحديثُ يدلُّ على أنَّ بالروحاء مسجدين كبير
وصغير، فالكبيرُ بشرفِ الروحاء ولم يصلِّ النبيُّ نَلّ عنده، إنما صلَّى
موضع الصغيرِ عن يمينِ ذلك المسجد، وأنَّ بين المسجدين رميةَ حجرٍ .
ثم رجعنا إلى بقية الحديث:
(١) في ((ك)) و((ط)): ((رجعت)).
(٢) في ((ك١)) و((ط)): ((وأن ابن عمر)).
(٣) في ((اليونينية)): (النبي ◌َّل.
(٥) في ((ك١)) و((ط)): ((يشرف)).
(٤) في ((ك١)): ((حنب)) وفي ((ط)) بدون نقط .
(٦) في ((ك)) و((ط)): ((عبد الله بن عمر)). (٧) ولأبوي ذرَّ، والوقت: ((يُعْلِم)) و: ((تَعَلَّم)).
(٨) في بعض نسخ ((الصحيح)): ((كان صلى)).
(٩) في ((ك)): ((يصلي)).
(١٠) في ((ك)): ((حجرًا)) وفي ((ط)): ((حجر)).
٤٣٧

الحديث ٤٨٦
كتاب الصلاة
٤٨٦ - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصلِّي إِلَى الْعِرْقِ الَّذِي عِنْدَ(١) مُنْصَرَف
الرَّوْحَاءِ، وَذَلَكَ الْعِرْقُ (٢) انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ، دُونَ الَسْجِدِ
الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكََّ، ثُمَّ(٣) اِبْنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ
فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي فِي ذلك المَسْجِدِ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ،
وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ. وَكَانَ عَبِّدُ اللهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ، فَلا
يُصَلِّى الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكَانَ، فَيُصلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ
مَكََّ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ، أَوْ مِنْ آخِرِ السَّخَرِ، عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ
ءَ . -
بهَا الصبح.
قَالَ الخطَّابِيُّ: العِرق جُبَيْلٌ صَغير(٤).
ومنصَرفُ الروحاء: المنصَرف بفتح الراء، ويقالُ: إن بينَه وبين بدر
أربعةَ بُرُدٍ، والمسجدُ المبنيُّ هناك قيل: إنَّه في آخر وادي الروحاءِ مع طرفٍ
الجبل على يسارِ الذاهبِ إلى مكة، وقيل (١٢٧ - أ/ ك): إنَّه ( ١٥٩ -
ب/ط) لم يبقَ منه مُنْذُ زمان إلا آثار يسيرة، وإنَّه كان يعرفُ حينئذ بمسجد
الغَزالة، وذكروا أنَّ عن يمينِ الطَّريقِ لمن كان بهذا المسجدِ و هو مستقبل
النازيةَ(٥) موضع كان ابنُ عَمَرَ ينزلُ فيه ويقول: هذا منزلُ رسولِ اللهِ
وَهُ. وكان ثَمَّ شجرةٌ كان ابنُ عمرَ إذا نزل وتوضأ صَبَّ فضلَ وضوئِه
(١) في ((ك)) و(ط)): ((عنه)) وضبَّب عليها في ((١٥)).
(٢) كلمة ((العرق)) ليست في ((ك)) و((ط)). وكتب في الحاشية عند الجميع: في ((معجم
البلدان)»: العرق: الأرض السبخة .
(٣) في ((اليونينية)): ((وقد)).
(٤) ((أعلام الحديث)) (١/ ٤١٧).
(٥) في ((ك)): ((المازية)) وفي الهامش: ((لعله: النازية)).
٤٣٨

٨٩ - باب المساجد التي على طرق المدينة
الحديث: ٤٨٧
في أصلها ويقولُ: هكذا رأيتُ رسولَ الله ◌ِ له يفعل. والنَّازية قال
صاحبُ ((معجم البلدان)): بالزاي وتخفيف الياء: عين على طريق الآخذ
٠
من مكةَ إلي المدينةِ قرب الصفراء، وهي إلي المدينةِ أقربٌ(١).
ولم يصرِّحِ ابنُ عمرَ في صلاته إلى هذا (٢) العِرق بأنَّه رأى النبيَّ
صَلى الله
وسلم
صلَّى إليه؛ ولكن محافظتُه على الصلاة في هذا المكان ذاهبًا وراجعًا
وتعريسُهُ به حتى يصلِّيَ به الصُّبْحَ يدلُّ على أنَّه إنما فعلَ ذلك اقتداءً
بصلاة النبيِّ وَّ فيه .
ثم رجعنا إلى بقية (٤٥١ - ب/ق) الحديث:
٤٨٧ - وَأَنَّ عَبْدَ الله حَدَّثَهُ: أَنَّ رسول اللهِيَةِ، كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَة
ضَخْمَةً، دُونَ الرُّوَثَةِ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَوُجَاهَ الطَّرِيقِ، في مَكَانٍ بَطْحِ
سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَّةَ دُوَيْنَ بَرِيْدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنٍ، وَقَدْ أَنْكَسَرِّ
أَعْلَاهَا فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَ، وَهِيَ فَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُنُبٌ كَثِيرَةٌ.
السَّرْحةُ: شجرةٌ، وتجمع على سَرْحٍ، كَتَمْرةٍ وتَمْر، وهو ضربٌ من
الشَّجْر له ثمرٌ ، وقيل : هي شجرةٌ بيضاء، وقيل : كلُّ شجرة طويلةٍ سرحةٌ.
وقال(٣) إبراهيمُ الحربيُّ: السَّرْحُ شجرٌ كبارٌ طوال لا تُرعَى، يُستظل
به لا ينبتُ في رَمَلِ أبدًا ولا في جبلٍ ولا تأكلُه الماشيةُ إلا قليلا، له
غُصْنٌ أصفر (٤).
(١) ((معجم البلدان)) (٢٩١/٥).
(٢) ضرب على كلمة: ((هذا)) في ((ق)).
(٣) في ((ك)) و((ط)): ((قال)).
(٤) لم نجده في ((غريب الحربي))، وفي ((اللسان)) (٢/ ٤٨٠) طبعة دار صادر، مادة (سرح)
نحو هذا، ولم يعزه إلى قائل. فالله أعلم.
٤٣٩

الحديث ٤٨٨
كتاب الصلاة
وقد وصفَها بأنَّها ضخمةٌ - أي: عظيمة - وأنَّه انكسر أعلاها فانثنى
في جَوفها، وأنَّها قائمةٌ على ساق وفي ساقها كثبٌ كثيرةٌ، وقد سبقَ أنَّ
الكتبَ جمعُ كثيبٍ وهو ما غلظَ وارتفعَ عن وجهِ الأرضِ .
والبَطحُ: الواسع.
والرُّويثَة: مكانٌ معروفٌ بين مكة والمدينةِ.
وأما مكانُ هذه السَّرحة فلا يُعرفُ منذ زمان.
وقد ذكر ذلك بعضُ من صنَّفَ في أخبارِ المدينةِ بعد السبعمائةِ وذكر
أنَّه لا يعرفُ في يومه ذاك من هذهِ المساجدِ المذكورة في هذا الحديث
سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة، وذكر معهما (١٦٠ - أ/ ط) مسجدًا
ثالثًا وذكر (١) أنه معروفٌ - أيضًا - بالروحاء عند عِرق الظَّبِيَةِ عند جبلٍ
وُرُقان، وذكر فيه حديثًا رواه الزبيرُ بنُ بكارِ بإسنادٍ ضعيف جدّاً، وأنَّ
النبيَّ بَّهِ قال: ((لقد صلَّى في هذا المسجدِ قبلي سبعون نبيّ))(٢).
وهذا لا يثبتُ، ولعلَّه أحدُ المسجدين بالروحاء، وقد تقدمَ ذكرُهما.
ثم رجعنا إلى بقية الحديث:
٤٨٨ - وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أنَّ النَّبِيِّ ◌َّ، صَلَّى فِي طَرَفٍ
تَلْعَةَ مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ كبيرة(٣)، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلى هَضْبَةٍ، عِنْدَ ذَلِكَ الَسْجِدِ
(١) في ((ق)): ((وذكر معها مسجدا ثالثا، وزعم)).
(٢) وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧ / ١٦ - ١٧).
(٣) كلمة: ((كبيرة)) ليست في ((اليونينية)).
٤٤٠