النص المفهرس

صفحات 341-360

٦٩ - باب أصحاب الحراب في المسجد
الحديث : ٤٥٦
٧٠ - بَابُ
ذِكْرِ الْبَيْعِ والشَِّاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْمَسْجِد
٤٥٦ - حَدَّثْنَا عَلَىُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا (١) سُفْيَانُ، عَن يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَنَتْهَا (٢) بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِن شِئْتِ
(١٠٨ - ب/ ك١) أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاءُ لِي. وَقَالَ أَهْلُهَا: إِن شِئْتِ
أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِن شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَنَا.
فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِِّ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ: ((ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا؛ فإِنَّمَا الْوَلَاءُ
لَمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِبَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَقَالَ سُّفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعَدَ
رَسُولُ اللهِِّ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:((مَا بَالُ أَقْوَامٍ(٣) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ(٤)
فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَط
مائَةَ مَرّة».
[وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ يَخْبَى، عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ ، لَمْ (٥) يَذْكُرْ صَعِدَ
الْمِنِبرَ. قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَه.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُّ عَوْنٍ (١)، عَنْ يَحْتَى: سَمِعْتُ عَمْرَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ](٧).
(٢) في ((ك١)): ((أيتها)) .
(١) في ((ط)): ((نا)).
(٣) في ((ك١)): ((قوم)).
(٤) في هامش ((ق)) كتب: وفي نسخة (ليست))، وكذا قال في اليونينية.
(٦) في ((ك)) و((ط)): ((عوف)).
(٥) في اليونينية: ((ولم)).
(٧) ما بين المعقوفين فيه تقديم وتأخير مع ((اليونينية))، وإلى هذا أشار القسطلاني (١ /٤٤٧).
٣٤١

الحديث : ٤٥٦
كتاب الصلاة
حاصلُ ما ذكره من الاختلاف في إسناد هذا الحديث: أَنَّ ابنَ عيينةَ
رَوَاه عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمرةَ، عن عائشةَ فوصلَه كلَّه. ورواه
(٤٢٦ - ب/ ق) مالكٌ في ((الموطأ))(١) ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة أن
بَرِيرةَ أتتْ عائشةَ، فذكر الحديثَ، ولمْ يُسْندْ مَتْنَه عن عائشةَ؛ إلا أَنَّ
النبيَّ وَّ قال لها: ((اشتريها وأَعْتقيها فإنَّما الولاءُ لمن أعتقَ)) ولم يذكرُ
صعوده على المنبرِ.
وقد رَوَاه بعضُهم عن مالك فأسندَه كلَّه عن يحيى، عن عمرةَ، عن
عائشةَ كما رواه سفيانُ، وليسَ بمحفوظ عن مالك.
وذكر البخاريّ عن ابنِ المدينيِّ أنَّ يحيى - وهو: ابنُ سعيد -، وعبد
13
الوهاب - وهو: الثقفيّ - روياه عن يحيى بن سعيد، عن عمرةَ نحوه.
والظَّاهرُ أَنَّه أرادَ أنَّهما(٢) لم يذكرا (١٣٦ - أ/ ط) عائشةَ في أوله كمالكِ،
وأَنَّ جعفرَ بنَ عونٍ رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ: سمعتُ عمرةَ قالت:
سمعتُ عائشةَ، فصرَّحتْ بسماعها من عائشةَ الحديثَ كلَّه، وهذا يقوِّي
روايةَ ابنِ عيينةَ.
لكن خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) عن جعفرِ بنِ عونٍ، ولم يذكر فيه
السَّمَاعَ.
وفي حديثِ ابنِ عيينةَ شكَّ منه في لفظتينٍ، إحداهما(٤): هل قالَ في
الحديثِ: ثم قام رسولُ اللهِ بِّ على المنبرِ أو قال: فصعدَ على المنبرِ؟
(١) ((الموطأ)) (ص ٤٨٨).
(٣) ((المسند)) (٦ /١٣٥).
(٢) في ((ط)): ((أنها)).
(٤) في ((ط)) و((ك)): ((إحديهما)).
٣٤٢

٠ ٧- باب ذكر البيع والشراء علي المنبر
الحديث : ٤٥٦
[فهذا(١) اختلافٌ قريبٌ؛ لأنَّ المعنى متقاربٌ، غيرَ أنَّ روايةَ ((قام على
المنبرِ))](٢).
تقتضي أنَّه خطبَ بذلكَ قائمًا وليسَ في مجردٍ صعودِه ما يقتضي(٣)
قيامه .
والثَّانيةُ: شكَّ سفيانُ: هل في الحديثِ أن أهلَ بَريرةَ قالوا لعائشةَ:
إن شئت أعتقيها ويكون الولاءُ لنا أو (٤) قالوا: إن شئت أَعْطيتِهَا ما بقي
بدل(٥) أعتقيْها؟
وقد خرَّج ابنُ خزيمةَ في مصنَّفٍ له مفرد في الكلامِ على حديثٍ
بريرةَ هذا الحديثَ عن عبد الجبار بنِ العلاء، عن سفيانَ، وقالَ فيه: إنَّهم
قالوا لعائشةً(٦): إِنْ شئتِ فأعطي ما بقي ويكونُ لنا الولاءُ.
وقال: هذه اللفظةُ ((فأعطي ما بقي)) وَهمٌ. ثنا بهذا الخبرِ: عبدُ اللهِ بنُ
محمد، عن (٧) الزُّهريِّ، عن سفيانَ، ولم يذكرْ هذه اللفظةَ، ورواه الثقفي،
ءِ
عن يحيى (١٠٩ - أ / ك١)، وليسَ فيه هذه اللفظةُ.
قلتُ: قد تبيَّنَ بروايةٍ (٨) البخاريِّ، عن ابنِ المدينيِّ، عن سفيانَ أَنَّه
كانَ يتردَّدُ في هذه اللفظةِ ولا يجزمُ بها، وقد رواه الحميديُّ (٩) وغيرُه،
عن سفيانَ ولم يذكروها، إنَّما ذكروا لفظةَ العِتقِ.
(١) في ((ط)): ((وهذا».
(٢) ما بين المعقوفين سقط من ((١٥)).
(٣) في ((ط)) و ((ك)) الآتي: ((أنه خطب بذلك قائمًا وليس في مجرد صعوده ما يقتضي))،
(٤) في ((ك)): ((و)).
وهو انتقال نظر ولم يضرب عليه.
(٥) في ((ك)): ((یدل)).
(٧) ليست في ((ق)).
(٩) الحميدي (٢٤١).
(٦) ليست في ((ط)) و ((ك)).
(٨) في ((ك١)): ((رواية)).
٣٤٣

الحديث : ٤٥٦
كتاب الصلاة
ومقصودُ البخاريِّ بتخريجِ الحديثِ في هذا الباب، أَنَّ النبي
صلى الله
وَسعر
عالي
(٤٢٧ - أ/ ق) خطبَ على المنبرِ في مسجدِهِ، وذكر في خطبته أحكامَ البيعِ
والشراء، فدلَّ على جوازِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ .
وقد رَوَى مالكُ(١)، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ قصةَ برِيرةَ -
أيضًا - وقال في حديثِهِ: فقام رسولُ اللهِ بَلَه فِي النَّاسِ فحمد الله وأثْنَى
عليه وقالَ: ((ما بالُ رجال يشترطونَ شروطًا ليستْ في كتابِ الله ... ))
الحديثَ. وقد خرَّجَه البخاريُّ(٢) في موضعٍ آخر.
وظاهرُ هذا يدلُّ على أَنَّه (١٣٦ - ب/ ك١) خطبَ بذلك على المنبرِ.
وذكرُ البيعِ والشراء يقعُ على وجهينٍ، أحدهما: أن يكونَ ذكرُهما على
وجهِ الإفاضةِ في حديثِ الدنيا أو في التجارةِ، فهذا من مباحِ الكلامِ في
غيرِ المسجدِ .
وقد اخْتُلِفَ في كراهةِ مثله في المسجد.
فكَرِهَه طائفةٌ من العلماء. قال أصحابُنا. [منهم ابنُ بَطَّةَ وغيرُه](٣):
يُكرهُ الحديثُ فيه إلا لمصلحةٍ في الدين.
قالَ أحمدُ في روايةِ حنبلٍ: لا أرى لرجلٍ إذا دخلَ المسجدَ إلا أن
يُلزِمَ نفسَه الذكرَ والتَّسبيحَ؛ فإنَّ المساجدَ إنما بُنيتْ لذكرِ الله عزَّ وجلَّ.
ورَوَى حمَّادُ بنُ سلمةَ في ((جامعه)): ثنا(٤) محمدُ بنُ إسحاقَ، عن
عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ أَنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ سمعَ ناسًا يذكرونَ تجاراتِهم
(١) ((الموطأ)) (ص ٤٨٨).
(٣) ما بين المعقوفين ليس في ((ط)) و((ك١)).
(٢) (فتح: ٢١٦٨).
(٤) في (ط): (نا)).
١
٣٤٤

٧٠- باب ذكر البيع والشراء علي المنبو
الحديث : ٤٥٦
في المسجد والدنيا فقال: إنَّما بُنيت المساجدُ لذكر الله، فإذا أردتم أن
تذكروا تجاراتكم فاخرجوا إلى البقيع .
وقال سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ: رأى أبو الدرداءِ رجلا يقولُ لصاحبِهِ في
المسجد: اشتريتُ وَسْقَ حطب بكذا وكذا، فقال أبو الدرداء: إنَّ المساجدَ
لا تُعمر لهذا.
وقال سفيانُ، عن رجلٍ، عن الحسن(١): يأتي على النَّاسِ زمانٌ لا
يكونُ لهم حديثٌ في مساجدِهم إلا في أمرِ دنياهم فليسَ للهِ فيهم حاجةٌ
فلا تجالسوهم. وكرهه أبو مسلم الخولانيّ، وغيرُه من السَّلف.
ورُويَ عن عمرَ أَنَّه بنى البطحاءَ خارجَ المسجد وقال: من أرادَ أن
يلغطَ فليخرجْ إليها.
ورخَّصَ أصحابُ الشَّافعيِّ في التحدّثِ بأمورِ الدنيا المباحةِ في
المساجد وإن حصلَ معه ضحكٌ واستدلُّوا بما خرَّجَه مسلمٌ (٢) من حديث
جابرِ بنِ سمرةً قال: كانَ رسولُ الله (٤٢٧ - ب/ق) وَّةِ لا يقومُ من
مصلاه الذي يصلِّي فيه الصُبْحَ حَتَّى تطلعَ الشَّمسُ، فإذا طلعتْ قامَ.
قال: وكانوا يتحدَّثُونَ فيأخذونَ في أمرِ الجاهليةِ فيضحكونَ ويتبسمُ.
وقد كان النبي(٣) وَّهَ يختمُ مجالسَه بكفَّارةِ المجلسِ، وأمرَ أن تُخْتمَ
(١٠٩ - ب / ك١) المجالسُ به، وأخبرَ أَنَّه إن كانَ المجلسُ لغوًا كانت
كفارةً له. ورُويَ ذلك عن جماعةٍ من الصّحابةِ .
فإذا وقعَ اللغوُ في المساجدِ ثم ختم المجلسُ بكفّارته فهو شبيه
(١) ابن أبي شيبة (١٣ / ٥٢٨).
(٣) ليست في ((ق)).
(٢) مسلم (٦٧٠ / ٢٨٦).
٣٤٥

الحديث : ٤٥٦
كتاب الصلاة
بالبُصَاق (١٣٧ - أ / ط) في المسجد ودفنها بعدَه ــ كما سبق.
الثَّاني: أن يكونَ ذِكر (١) البيعِ والشِّراءِ على وجهِ الإخبارِ عن
أحكامهما الشَّرعية وما يجوزُ من ذلكَ وما لا يجوزُ، فهذا من نوعِ تعليمٍ
العلمِ، وهو من أَجَلِّ القُربِ وأفضلِها مع صلاحِ النيةِ فيه. فإن اقترنَ
بذلك إرادةُ الإنكار على من باع بيعًا غيرَ سائغٍ أو شرطَ في بيعه شرطًا
غيرَ سائغٍ فقد اجتمعَ فيه حينئذٍ أمران: تعليمُ العلمِ، والأمرُ بالمعروف
والنَّهيُ عن المنكرِ. ومثلُ هذا إذا أُعلنَ به على المنابرِ في المسجد(٢) كان
أبلغ في إشهارِه ونشرِه وظهورِه وارتداع المخالفينَ له. وهذا كلّه من أفضل
القربِ والطَّاعاتِ .
وحينئذٍ - ففي دخولِ هذا الحديثِ في تبويبِ البخاريِّ نظرٌ؛ فإن كان
قد أشارَ إلى الاستدلالِ بهذا الحديثِ على جوازِ البيعِ والشَّراءِ في المسجدِ
فهو أبعدُ وأبعدُ.
وأمَّا عقدُ البيعِ والشِّراءِ في المسجد: فقد(٣) وردَ النَّهيُ عنه من حديث
عمرو(٤) بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّ، عن النبيِّ وَّ.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيَّ، وابنُ ماجه، والترمذىُّ (٥)
و حسنه .
وخرَّجَ الترمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ خزيمةَ في ((صحيحِهِ))، والحاكمُ (٦) من
(١) ليست في ((ط)) و((١٥)).
(٢) في ((ط)) و((ك)): ((المساجد)).
(٣) في ((ك١)): ((وقد)).
(٤) في ((ك١)»: ((عمر)).
(٥) ((المسند)) (٢١٢/٢)، وأبو داود (١٠٧٩)، والنسائي (٤٧/٢) وابن ماجه (٧٤٩)،
والترمذي (٣٢٢).
(٦) الترمذي (١٣٢١)، و((الكبرى)) للنسائي (٥٢/٦)، وابن خزيمة (٢٧٤/٢)، والحاكم
(٥٦/٢).
٣٤٦

٧٠- باب ذكر البيع والشراء على المنبر
الحديث : ٤٥٦
صَلى الله
عَالحية
وَسلم
حديثِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبان، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ
قالَ: ((إذا رأيتُمْ من يَبيعُ أو يَبتاعُ في المسجدِ فقولوا: لا أربحَ اللهُ تجارتَكَ)).
وقد رُوِيَ عن ابن(١) ثوبان مرسلا، وهو أصحُّ عند الدار قطنيٍ (٢).
وحَكَى التِّرمذيُّ في ((جامعِهِ))(٣) قولين لأهلِ العلمِ من التَّابعينَ في
كراهةِ البيعِ في المسجدِ (٤٢٨ - أ/ ق).
والكراهةُ قولُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وهو عندَ أصحابنا
كراهةُ تحريمٍ وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه وللشافعي قول أنه لا يكره
بالكلية، وهو قول عطاء وغيره.
واختلفَ أصحابُنَا في انعقادِ البيعِ في المسجدِ على وجهينٍ، وفرقَ
مالكٌ بينَ اليسيرِ والكثيرِ فكره الكثيرَ دونَ اليسيرِ، وحُكِيَ عن أصحابِ
أبي حنيفةَ نحوُهُ.
(١) ((ابن)) ليست فى ((ق)).
(٢) («العلل)) (٣ب -/ ١ -أ، ب).
(٣) تحت حديث رقم (٣٢٢).
٣٤٧

الحديث : ٤٥٧
كتاب الصلاة
٧١ - بَبُ
النَّقَاضِي وَالْمُلازَمَةِ (١٣٧ - ب/ط) فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٧ - حدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَنَ (١) يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ كَعْبِ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي
حَدْرَدَ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَتُّهُمَا(٢) حَتَّى سَمِعَهَا
رَسُولُ اللهِ﴾ وَهُوَ فِي (٣) بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجَّرَتِهِ
فَتَادَى: ((يَا كَعْبُ)). قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((ضَعْ مِن دَيْنِكَ هَذَا)).
وأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ. قَالَ: لَقَدْ(٤) فَعَلْتُ يَارَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)).
مقصودُ البخاريِّ: الاستدلالُ بهذا الحديثِ على جوازِ تقاضي الغريمِ
الغريمِه في المسجدِ ومطالبته (١١٠ - أ/ ك١) بدَينه وملازمته له لطلب حَقِّه؛
فإنَّ النبيَّ وَ لَّ علم بذلكَ وسَمِعَه ولم ينكرُهُ، وهذا مما يَعتضدُ به من
يجيزُ البيعَ والشراءَ في المسجد كما دلَّ عليه تبويبُ البخاريِّ في البابِ
الماضي.
ومن كَرِهَ البيعَ فَرَّقَ بينه وبينَ النَّقاضي بأنَّ البيعَ في المسجدِ ابتداءً
لتحصيلِ المالِ فيه، وذلكَ يجعلُ المسجدَ كالسُّوق المعدِّ للتجارة واكتسابٍ
الأموال، والمساجدُ لم تُبْنَ لذلك؛ ولهذا قالَ عطاءُ بنُ يسار، وغيرُه لمن
#
(١) في ((ق)): ((أنبا)) .
(٣) ((في)) ليست في ((ك١)).
(٢) في (ك١)) و((ط)): ((أصواتها)).
(٤) فى ((ط)) و((ك١)): ((فقد)).
٣٤٨

٧١ - باب التقاضي والملازمة في المسجد
الحديث : ٤٥٧
رأوه(١) يبيعُ في المسجدِ: عليكَ بسوقِ الدنيا، فهذا سوقُ الآخرةِ.
وأَمَّا تقاضي الدَّيْنِ: فهو حفظُ مال له، وقد لا يتمكنُ من مطالبته إلا
في المسجدِ، فهو في معنى حفظِ مالِهِ من الذهاب وفي معنى التحاكم إلى
الحاكمِ في المسجدِ - كما سبقَ ذكَرُه.
ومِمِّنْ رخّصَ في المطالبةِ لغريمه في المسجدِ: عطاءً، وابن جريج.
وفي إشارةِ النبيِّ بََّ بِيدِهِ وإيمائِه إليه أن يضعَ الشَّطْرَ (٤٢٨ - ب/ق)
دليلٌ على أن إشارةَ القادرِ على النّطقِ في الأمورِ الدينية مقبولةٌ كالفُتْيا
ونحوها، وقد سبق ذكرُ ذلك في كتاب ((العلم)).
ولم يكن هذه من النبيِّ وَّةِ حكمًا؛ لأنَّه لم يستوفِ شرائطَ الحكم
من ثبوتِ الدَّيْنِ ونحوه وإنما كانَ على وجهِ الإصلاحِ، واللهُ أعلمُ.
(١) في ((ط)) و((ك)): ((أراد أن)).
٣٤٩

الحديث : ٤٥٨
كتاب الصلاة
٧٢ - بَابُ
كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَدَى(١) وَالْعِيدَانِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ: ثَا(٢) حَمَّادُ بْنُ زِيْدٍ، عَن ثَابِتٍ، عَنْ
أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ - أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - (١٣٨ - أ/ ط)
كَانَ يَقُمَّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ◌َِّ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ. فَقَالَ: ((أَفَلاَ
كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ عَلَى قَبْرِهَا -)) فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى
عَلَيْهَا.
فيه دليلٌ على أَنَّ قَمَّ المسجد حسنٌ مندوبٌ إليه، فإنَّ هذا الذي كان
يقم المسجدَ في عهدِ النبيِّ نَّ لم يكنْ حالُه يخفى عليه. والقَمُّ: هو
إخراجُ القمامةِ - وهي: الزبالة .
وقد رُويَ من وجوهِ أُخَرَ أَنَّها كانت امرأةً من غيرِ شكِّ، فروى
إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ: حدثني أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن
العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ قالَ: كانتْ سوداءُ تلتقطُ الخرقَ
والعيدانَ من المسجد، فسأل عنها رسولُ اللهِ وَله فقيلَ: ماتتْ من الليلِ
ودُفنتْ وكرهنا أن نوقظَكَ، فذهبَ النبيُّ بِّهِ إلى قبرِها وصلَّى عليها
وقالَ: ((إذا ماتَ أحدٌ من المسلمينَ فلا تَدَعوا أن تُؤْذِنوني به (٣).
(١) ((والقذا)) ليست في (ط)) و((ك١)).
(٣) ((الكبرى)) للبيهقي (٤ / ٣٢ - ٣٣).
(٢) في ((ط)): ((نا)).
٣٥٠

٧٢ - باب باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقدى
الحديث : ٤٥٨
ورَوَى(١) ابنُ لهيعةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، عن أبي الهيثمِ، عن
أبي سعيد قال: كانتْ سوداءُ تقمُّ المسجدَ فتوفيت ليلا فلمَّا أصبحَ رسولُ
اللهِ وٍَّ أُخْبِرَ بموتها فقالَ: ((ألا (١١٠ - ب/ ك١) آذنتُموني بها)) فخرجَ
بأصحابِهِ فوقفَ على قبرها فكبرَّ عليها والنَّاسُ خلفَه فدَعَى لها ثم
انصرف.
خرَّجَه ابن ماجه(٢).
وقد رُويَ أَنَّ هذه المرأةَ يقالُ لها ((أمُّ محجن))، فرَوَى محمدُ بنُ حميد
الرازيُّ: ثَنَا مهرانُ بنُ أبي عمرَ، عن أبي سنان(٣)، عن علقمةَ بنِ مَرَثدٍ،
عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه (٤)، أنَّ النبيَّ بِّهَ مرَّ على قبرِ حديثِ عهدٍ بدفنٍ
ومعه أبو بكر (٤٢٩ - أ/ ق) وعمرُ فقال(٥): ((قبرُ مَنْ هذا؟)) قال أبو بكرٍ:
هذه يا رسولَ الله أمُّ محجن كانت مُولعةً بأن تلقط(٦) الأذى مِن المسجدِ.
قال: ((ألا آذَنتمُوني)) قالوا: كنتَ نائمًا فكَرِهْنَا أن نجهدَك. قال: ((فلا
تفعلوا فإنَّ صلاتكم على موتاكم تنوِّرِ لهم في قبورِهم)). قال: فصفًّ
بأصحابه فصلَّى (٧) عليها .
وفي هذا الإسنادِ ضعفٌ.
وروى أبو الشَّيخِ الأصبهانيُّ في كتاب (ثوابِ الأعمالِ)) بإسناد له،
عن عبيدِ بنِ مرزوقٍ قال: كانت بالمدينةِ امرأةٌ يقالُ لها ((أمُّ محجن» تقمُّ
(١) ((الواو)) ليست في ((ك)) و((ط)).
(٣) في (ط)) و((ك)): ((شيبان)).
(٥) في ((ط)) و((ك)): ((قال)).
(٧) في ((ط)) و((ك)): ((يصلى)).
(٢) ابن ماجه (١٥٣٣).
(٤) ((الإصابة)) (١١٦/٨).
(٦) فى ((ط)) و((ك١)): ((تلتقط)).
٣٥١

الحديث : ٤٥٨
كتاب الصلاة
المسجدَ، فماتتْ فلم يعلمْ بها النَّبِيَّ وَلِ فمرَّ على (١٣٨ - ب/ط) قبرها
فقالَ: ((ما هذا القبرُ؟)) قالوا: أمَّ محجنٍ. فقالَ: ((التي كانتْ تقمّ (١)
٩
المسجدَ؟)) قالوا: نعم، فصفَّ النَّاس وصلَّى (٢) عليها ثم قال: ((أيَّ العملِ
وجدت أفضلَ؟)). قالوا: يا رسول الله(٣)! أتسمع؟ قال: ((ما أنتم بأسمعَ
منها)) فَذكر أنَّها أجابته: قمُّ المسجدِ .
وهذا مرسلٌ غريبٌ.
وقد ذكرنا ــ فيما تقدَّمَ - حديثَ الأمرِ باتِّخاذِ المساجد في (٤) الدَّور
وأن تنظفَ وتطيب.
ورَوَى ابنُ جريجٍ، عن المطلبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنَطب، عن أنسٍ،
عن النبيُّ وَّ قال: ((عُرضتْ عليّ أجورُ أمتي حتّى القذاة يخرجُها الرجلُ
من المسجدِ)) .
خرَّجَه أبو داودَ، والترمذىُ (٥).
والمطَّلبُ لم يسمعْ من أنسٍ، قاله ابنُ المدينيِّ وغيرُ واحد (٦). وابنُ
جريجٍ قال الدارقطني: لم يسمعْ من المطلب(٧)، قال: ويقالُ: إنَّه كان
يدلسُه عن ابنِ (٨) أبي سبرةَ وغيرِهِ من الضُّعفاءِ.
وكنسُ المساجد وإزالةُ الأذى عنها فعلٌ شريفٌ لا يأنفُ منه مَن يعلم
آدابَ الشريعة وخصوصًا المساجد الفاضلة. وقد ثبتَ أنَّ رسولَ الله وَه
(١) في ((ك١)): ((يقم)).
(٣) لفظ الجلالة ((الله)) ليس في ((ط)).
(٥) أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦).
(٧) وكذا قال ابن المديني، انظر ((جامع التحصيل)) (ص ٢٢٩).
(٨) ((بن)) ليست في ((ط)) و((ك)).
(٢) في ((ط)): ((فصلى)).
(٤) في (ط)) و((ك١)): ((بالدور)).
(٦) ((جامع الترمذي)) (٢٩١٦).
٣٥٢

٧٢ - باب باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقدى
الحديث : ٤٥٨
رأى نخامةً في قبلةِ المسجدِ فحكَّها بيدِهِ، وقد سبقَ هذا الحديثُ(١).
ورَوَى وكيعُ: ثنا كثيرُ بنُ زيد، عن المطّلبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنَطب
أَنَّ عمرَ أتى مسجدَ قباء على فرسٍ له فصلَّى فيه(٢) ركعتين ثمَّ قالَ: يا
أوفى ائتني بجريدة، فأتاه بجريدة فاحتجرَ عمرُ بثوبِهِ ثم کسَحَه.
وقال أبو نعيم الفضلُ: ثنا أبو عاصم الثقفي قال: كنتُ أمشي أنا
والشَّعَبيُّ في المسجدِ فجعلَ يُطأطئُ رأسَه فقلتُ: ماذا تأخذُ؟(٣) قال:
المشاطة والصّوف.
(١) سبق (٤٠٦، ٤٠٧).
(٢) ((فيه)) ليست في ((ط)) و((ك)).
(٣) في ((ط)) و((ك)): ((فقال ماذا يأخذ؟)).
٣٥٣

الحديث : ٤٥٩
كتاب الصلاة
٧٣ - بَابُ
تَحْرِیمِ نِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ (٤٢٩ - ب/ق)
٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنزِلَتِ الْآيَاتُ مِن سُورَةِ الْبَقَرَةِ (١١١ -
٢/ ١٥) فِي الرَّبَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ
حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ.
ذكرُ الخمرِ بالتَّحريم - إما لشربه أو للتِّجارة فيه - من جملةِ تبليغِ دينٍ
الله وشرعه، وذلك لا(١) تصانُ عنه المساجدُ؛ فإنَّ اللهَ ذكر في كتابِه الذي
يُتْلَى في الصَّلواتِ في المساجد الخمرَ والميسرَ (٢) (١٣٩ - أ/ط) والأنصابَ
والأزلامَ، كما ذكر الزِّنًا والربا وسائرَ المحرماتِ من الشركِ والفواحشِ،
ولم يزلِ النبيُّ نَّهَ يتلو ذلك في المسجدِ في الصَّلواتِ وغيرِها، ولم يزلْ
يذكرُ تحريمَ ما حرَّمَه الله في المساجدِ وفي خطبِهِ على المنبرِ. وهذا البابُ
مما لا تدعو الحاجةُ إليه لظهوره.
ولكن يُشكلُ (٣) في هذا الحديث أمران.
أحدُهما: أَنَّ تحريمَ التجارةِ في الخمرِ ثمّا شُرِعَ من حينِ نزولٍ تحريم(٤)
الخمر ولم يتأخر إلى (٥) نزول آيات الرِّبا؛ فإنَّ آيات الرِّبًا من آخرِ ما نزلَ من
(١) في ((ط)): ((لأنه يصان)).
(٢) في ((ط)) و((ك١)): ((الميسر والخمر)).
(٣) ((يُشكل)) ليست في ((ط)) و((١٥)).
(٤) في ((ط)) و((ك)): ((تحريم نزول)).
(٥) في ((ط)): ((من حين تحريم نزول الخمر ولم يتأخر شرعه إلى نزول ... )).
٣٥٤

٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد
الحديث : ٤٥٩
القرآن كما رَوَى البخاريُّ في ((التفسير))(١) من روايةِ الشَّعبيِّ، عن ابنِ
عبَّاسٍ قال: آخرُ آيَةِ نزلتْ على رسول الله وَل آيَةُ الرِّبًا.
وفي ((الصَّحيحين)(٢)، عن جابرٍ أَنَّه سمعَ النبيَّ وَِّ عامَ الفتحِ وهو
بمكةً يقولُ: ((إنَّ اللهَ ورسولَه حرمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ)).
وخرَّجَ مسلمٌ (٣) من حديث أبي سعيد الخدريِّ أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((يا
أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللهَ يُعرِّضُ بالخمرِ (٤)، ولعلَّ اللهَ سيُنزلُ فيها أمرًا، فمن كانَ
عنده منها شيءٌ فليبعْهُ ولينتفعْ بهِ)). قال: فما لبثْنَا إلا يسيراً حَتَّى قال:
((إنَّ اللهَ حرَّم الخمرَ، فمن أدركتْه هذه الآية وعنده منها شيءٌ فلا يشربْ
ولا يبعْ)). قال: فاستقبلَ النَّاسُ بما كان عندهم منها في طريقِ المدينةِ
فسفکوها .
وهذا نصٌ في تحريمٍ بيعِها مع تحريمٍ شربها .
والثَّاني: أَنَّ آيَاتِ الربا ليس فيها ذِكرُ الخمرِ، فكيف(٥) ذُكِرَ تحريمُ
النِّجارةِ في الخمرِ مع تحريمِ الربا؟ ويُجابُ عن ذلكَ: بأنَّ مرادَ عائشةً (٦):
أنَّ النبيَّ وَّ أخبرَ بتحريمِ التجارةِ في الخمرِ مع الربا وإن كان قد سبقَ
ذكرُ تحريمٍ بيعِ الخمرِ. (٤٣٠ - أ/ق) وقد رَوَى حجّاجُ بنُ أرطاةَ حديثَ
عائشةَ، عن الأعمشِ بإسنادِ البخاريِّ ولفظُه: لَّا نزلتِ الآياتُ التي في
سورة البقرةِ نهى رسولُ اللهِ وَله عن الخمرِ والربا.
(١) (فتح: ٤٥٤٤).
(٣) مسلم (١٥٧٨ / ٦٧).
(٥) في ((ط)) و((ك١)): ((فليسٍ)).
(٢) (فتح: ٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١).
(٤) في (ك)): ((الخمر)".
(٦) (فتح: ٤٥٤٠).
٣٥٥

الحديث: ٤٥٩
كتاب الصلاة
وإنَّما أرادَ(١) النبيُّ نَّهِـ واللهُ أعلمُ - بتحريمِ(٢) التجارةِ في الخمرِ مع
الرِّبًا لِيُعْلِمَ بذلك أَنَّ الربا الذي حرَّمَه اللهُ يشملُ جميعَ أكلِ المالِ مِمَّا
حرَّمَه اللهُ من المعاوضات كما قال: ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّمَ الرِّبًا﴾
[البقرة: ٢٧٥] فما كان بيعًا (١٣٩ - ب/ط) فهو حلالٌ، وما لم يكنْ بيعًا
فهو ربًا حرام أي: هو زيادةٌ على البيع الذي أحلَّه اللهُ، فدخل في تحريمٍ
الربا جميعُ أكلِ المالِ بالمعاوضات (١١١ - ب/ك١) الباطلةِ المحرّمةِ مثل
ربا الفضلِ فيما حَرَّمَ فيه التفاضلُ وربا النسأ فيما حَرُمَ فيه النَّسأُ، ومثلُ
أثمانِ الأعيانِ المحرمةِ كالخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ ومثل قَبولِ الهَدية
على الشَّفاعةِ، ومثل العُقودِ الباطلةِ كبيعِ الملامسةِ والمنابذةِ وبيعِ حبلٍ
الحبلةِ [وبيع الضررِ] (٣) وبيعِ الثَّمرةِ قبلَ بدو (٤) صلاحِها والمخابرةِ والسَّفِ
فيما لا يجوزُ السَّلْفُ فيه. وكلامُ الصَّحابةِ في تسميةِ ذلك ربًا كثير.
وقد قالوا: القبالاتُ(٥) ربًا، وفي النَّجْشِ(٦) أَنَّه ربا، وفي الصفقتين
في الصفقة أَنَّه ربا، [وفي بيع الثمرةِ قبلَ صلاحها أنَّه ربا .
ورُوِيَ أنَّ غُبْنَ المسترسل ربا](٧)، وأنَّ كلَّ قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا.
وقال ابنُ مسعود: الرِّبًا ثلاثةٌ وسبعونَ بابًا .
(١) في ((ط)) و((ك١)): ((أزاد)).
(٢) في ((ط)) و(ك١)): ((تحريم)).
(٣) ما بين المعقوفين ليس في ((ط)) و((ك)).
(٤) ((بدو)) ليست في ((ق)).
(٥) هو أن يتقبل بخراج أو جباية أكثر مما أَعْطَى، فذلك الفضلُ رِبًا.
(٦) وهو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءَها ليقع غيره
فيها .
(٧) ما بين المعقوفين ليس في ((ك))، والحديث عند البيهقي في ((الكبرى)) (٣٤٩/٥).
٣٥٦

٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد
الحديث : ٤٥٩
وخرَّجَهَ ابنُ ماجه، والحاكمُ (١) عنه مرفوعًا .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه(٢) أنَّ عمرَ قال: من آخرِ ما نزلَ آيَةُ
الرِّبًا، وإنَّ(٣) رسولَ اللهِ وَلَ قُبضَ قبل أن يفسِّرَها لنا، فدعوا الرِّبا
والريبةَ - يُشيرُ عمرُ إلى أنَّ أنواعَ الربا كثيرةٌ، وأن من المشتبهات ما لا
يتحققُ دخولُه في الربا الذي حرَّمَه اللهُ، فما رابكم منه فدعوه .
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٤)، عن عمر رضي الله عنه(٥) أَنَّه قَالَ: ثلاثٌ
وددتُ أَنَّ رسولَ الله وَيهِ كانَ عهد إلينا عهدًا ننتهي إليه: الجَدُّ،
والكلالةُ، وأبوابٌ من أبوابِ الرِّبًا.
وبعضُ البيوعِ المنهيِّ عنها، نُهِيَ عنها سَدًا لذريعةِ الرِّبا كالمحاقلة
والمزابنةِ، وكذلك قيل في النّهي عن بيعِ الطَّعامِ (٤٣٠ - ب/ق) قبلَ قبضه
وعن بَيَعتَينِ في بَيْعةٍ، وعن ربحِ ما لم يضمنْ. وبسطُ هذا موضعُهُ
(البيوعُ)، وإنَّما أشرنا هنا إلى ما يبينُ كثرةَ أنواعٍ أبوابٍ (٦) الربا وأنَّها
تشملُ جميعَ المعاوضاتِ المحرَّمَةِ؛ فلذلك لَّ نزلَ تحريمُ الرِّبًا نهى النبيُّ
نَّهُ عن الرِّبًا وعن بيعِ الخمرِ لُيُبيِّنَ أَنَّ جميعَ ما نهى عن بيعِهِ داخلٌ في
الرِّبًا المنهي عنه، والله أعلم.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٨ /٣١٤) وابن ماجه (٢٢٧٥) والحاكم (٢ / ٣٧).
(٢) ((المسند)) (١ /٣٦، ٤٩ - ٥٠)، وابن ماجه (٢٢٧٦).
(٣) في ((ط)) و((ك١)): ((فإن)).
(٤) مسلم (٣٠٣٢ / ٣٢ - ٣٣).
(٥) ((رضي الله عنه)) ليست في ((ق)).
(٦) ((أبواب)) ليست في (ط)) و(ك١)).
٣٥٧

كتاب الصلاة
٧٤ - بَابُ
الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ
وَقَالَ (١٤٠ - أ /ط) ابْنُ عَّاسِ ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مَحَرَّرًا﴾
[آل عمران: ٣٥]: لِلْمَسْجِد تَخْدمُهَا
هذا من رواية عطاءِ بنِ السَّائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ، وقالَه - أيضًا - مجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ
وغيرُهم(١). وقال قتادةُ، والربيعُ، وغيرُهما: كانوا يُحرِّرُونَ الذكورَ من
أولادهم للكنيسة يخدُمها(٢)، فكانتْ تظنُّ أَنَّ ما في بطنها ذكرًا، فلما
وضعتْ أنثى اعتذرتْ من ذلك إلى الله وقالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأنثى﴾
[آل عمران: ٣٦]؛ لأنَّ الأنثى لا تَقْوى على ما يقوى عليه الذَّكَرُ من
الخدمة ولا تستطيعٌ(٣) أن تلازمَ المسجدَ في حَيضها [ ..... ](٤) فقال اللهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿فَتَقِبََّهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَنِ﴾ [آل عمران: ٣٧] - يعني: إنَّ اللهَ
قبل نذرَها، وإن كان أنثى فإنَّه أعلمُ بما وَضَعتْ، وهذا كانَ في دينٍ بني
إسرائيلَ.
وقد ذكر طائفةٌ من المفسِّرِينَ أن هذا كان شرعًا لهم وأَنَّ شرعَنَا غَيرُ
مُوافقٍ له(٥)، وخالفهم آخرونَ.
(١) ((تفسير الطبري)) (٣ /١٥٨).
(٢) في ((ط)): ((تخدمها)).
(٣) في ((ك)): ((يستطيع)).
(٤) ما بين المعقوفين بياض في (ك١)) و((ط))، وفي ((ق)): ((ومع الله)) كذا !!
٠٠,٠
(٥) في (ط)) و((ك)): ((لهم)).
٣٥٨

٧٤ - باب الخدم للمسجد
قال القاضي أبو يعلى في كتابِ ((أحكام القرآن)): هذا النَّذرُ صحيحٌ
في شريعتنا؛ فإنَّه إذا نذرَ الإنسانُ أن ينشئَ ولدَه الصَّغيرَ على عبادة الله
وطاعته وأن يعلِّمَه القرآنَ والفقهَ وعلومَ الدِّينِ صِحَّ النَّذرُ.
وَ له: ((من نذرَ
وهذا (١١٢ - أ/ ك١) الذي قالَه حَقٌّ؛ فقد قالَ النبيَّ
أن يطيعَ اللهَ فليطعْهُ(١))، فلو نذرَ أحدٌ أن يَخدُمَ مَسجدًا لله عزَّ وجلَّ لَزِمَه
الوفاءُ بذلك معَ القدرةِ .
وأَمَّا إن نذرَ أن يجعلَ ولدَه لله ملازمًا لمسجد يخدمُه ويتعبَّدُ فيه فلا
يبعدُ أن يلزمَه الوفاءُ بذلك؛ فإنَّه نَذَرُ طاعةٍ فيلزمُّهُ تجرُّهُ(٢) ولدِه لما نذرَه
له، ويجبُ على الولدِ طاعةُ أبيه إذا أمره بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وقد نصَّ الإمام(٣) أحمدُ على أَنَّ الكافِرَيْنِ إذا جَعَلا ولدَهما الصَّغِيرَ
مسلمًا صارَ مسلما بذلك، ولو وقفَ عبدَه على خدمةِ الكعبةِ صحَّ، نصَّ
عليه أحمدُ أيضًا - ونصَّ في عبد موقوف على (٤٣١ - أ/ق) خدمة
الكعبة أنَّه إذا أبى أن يخدمَ بِيعَ واشْتُرِيَ بثمِنِه عبدٌ يخدمُ مكانَه.
ورَوَى سعيدُ بنُ سالمٍ القداحُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أبيه أَنَّ معاويةً
أخدمَ الكعبةَ عبيدًا بعث بها إليهم ثم اتّبَعتْ ذلك الوُلاةُ(٤) بعدَه.
خرجه الأزرقيُّ(٥).
(١) (فتح: ٦٦٩٦) وغيره.
(٣) ((الإمام)) ليست في ((ق)).
(٥) ((أخبار مكة)) (٢٥٤/١).
(٢) في ((ط)) و((ك)): ((أن يجرد)).
(٤) في ((ط)) و((ك)): ((الولاة ذلك)).
٣٥٩

الحديث : ٤٦٠
كتاب الصلاة
قالَ البخاريُّ:
٤٦٠ - حدثنا(١) أَحْمَدُ بْنُ وَاَقد: ثَنَا (٢) حَمَّادٌ، عَن (١٤٠ - ب/ط)
ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلاً - كَانَتْ تَقُمُّ
الْمَسْجِدَ - وَلاَ أُرَاهُ إِلا امْرَأَةً -، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِّ ◌َ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى
قَبْرِهَا(٣).
وقد سبقَ الحديثُ(٤) قريبًا(٥) بتمامِه مع الكلامِ عليه، وإنَّما خرَّج
هاهنا منه ما يدخلُ في هذا البابِ وهو أنَّ هذه المرأةَ كانت تقمّ المسجدَ
وتقومُ بخدمتهِ وتنظيفِهِ وإخراج القمامةِ منه .
(١) في ((ق)) (( ثنا)).
(٢) فى ((ط)): ((نا)).
(٣) والذي في ((اليونينية)): ((قبره)) وقال القسطلاني (١ /٤٤٩): ((ولأبي الوقت والأصيلي:
((قبرها)» وفي رواية: ((على قبر)) - بغير ضمير)) ا. هـ.
(٤) (٤٥٨) .
(٥) ((قريبا)) ليست في ((ك١)).
٣٦٠