النص المفهرس

صفحات 281-300

٦٢ - بَابُ
بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعيد: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِن جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ
بِينَاء الْمَسْجِدِ وَقَالُ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَّطَرِ، وَإِيَّاكَ أَن تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ
فَتَفْنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسَّ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لاَ يَعْمُرُّونَهَا إِلا قَلِيلًا. وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاس: لَتُزَخْرِ فَنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَّهُودُ وَالنَّصَارَى.
أمَّا حديثُ أبي سعيد: فقد خرَّجَه بتمامِه في مواضعَ من كتابِه في
((الصَّلاة)) و(الاعتكاف)) وغيرهما(١).
وفي الحديث: أَنَّ السَّمَاءَ مَطَرتْ فوكفَ المسجدُ فانصرفَ النبيّ
93
صَلىالله
وَسِم
من صلاةِ الصَّبْحِ وعلى جبهتهِ وأنفه أثرُ الماء والطين.
وهذا يدلُّ على أنَّ سقفَ المسجدِ لم يكنْ يُكنُّ (٢) النَّاسَ من المطرِ،
ولا يمنعُ من نزولِ ماءِ المطرِ إليه.
وقد ذكرنَا - فيما سبقَ - من مراسيلٍ (٣) الزُّهرِيِّ أَنَّ النبيَّ،وَهِ جعلَ
طولَ جدارِه: بسطة، وعمدَه: الجذوع، وسَقْفَه: جريدًا، فقيل له: ألا
نسقُفُه؟ فقالَ: ((عريشًا كعريشِ موسى، خشباتٌ وثمام(٤)، الأمرُ أعجلُ
(١) ((فتح)): (٦٦٩، ٢٠٢٧) وانظر أطرافه (فتح: ٦٦٩).
(٢) قال ابن الأثير في ((النهاية)) (٤ /٢٠٦): الكنَّ: ما يرد الحرَّ والبرد من الأبنية
والمساكن ... والاسم: الكِنَّ.
(٣) ((طبقات ابن سعد)) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٤) في ((ك١))(( تمام))، وثمام: نبت معروف في البادية، ولا تجهده النعم إلا في الجدوبة.
((اللسان)»: مادة ثمم.
٢٨١

كتاب الصلاة
من ذلك)).
وقالَ المرُّوذيُّ في كتابِ ((الورعِ)): قُرِئ على أبي عبدِ اللهِ - يعني
أحمد -: سفيان، عن عمرٍو، عن أبي جعفرٍ قَالَ: قِيلَ للنبيِّ وَّ فِي
المسجد: هدْهُ طدْهُ قالَ: لا، عريشٌ كعريشِ موسى)).
قال أبو عبد الله: قد سألوا النَّبِيَّ وَ ◌ّ أن يكحلَ المسجدَ قال: لا،
عريشٌ كعريشِ موسى)) قال أبو عبدِ اللهِ: إنَّما هو شيءٌ مثلُ الكحلِ
يُطلا، أي: فلم يرخِّصِ النبيُّ ◌ِهِ .
وقال أبو عبيد: كان سفيانُ (٤١١ - ب / ق) بنُ عيينةَ يقول: معنى
قوله ((هدهُ))(١): أصلحْهُ. قال: وتأويلُه كما قالَ، وأصلُه: أنَّه يرادُ به
الإصلاحُ بعد الهَدمِ (٢)، وكلُّ شيءٍ حركتَه فقد هدتَه، فكانَ المعنى: أَنَّه(٣)
يُهدمُ ثم يُستأنفُ ويُصلَحُ.
قال المروذيُّ: وقلتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ محمدَ بنَ أسلم الطوسيَّ لا
يُجَصِّصُ مسجدَه ولا يُطَوسُ مسجِدٌ مُجصصٌ إلا قلعَ جِصَّه، فقال أبو
عبد اللهِ: (٤) هو من زينةِ الدُّنيا.
ورَوَى ابنُ أبي الدُّنيا(٥) من حديثِ إسماعيلَ بنِ (٩٧ - ب/ ك١) مسلمٍ،
عن الحسنِ قالَ: لَّا بنى رسولُ اللهِ وَّرِ المسجدَ أعانَه عليه أصحابُه وهو
(١) في ((ك)): ((هذه)).
(٢) في ((ك)): ((لعدم)).
(٣) في «ك)): ((أن)).
(٤) في ((ك)): ((أبو عبيد))، وانظر ((كتاب الورع))((باب من كره تجصيص المساجد وزخرفتها)).
(٥) رواه البيهقي في «دلائل النبوة)) (٢ / ٥٤١ - ٥٤٢) من طريق ابن أبي الدنيا، وابن كثير
في («البداية والنهاية)) (٣ /٢١٥) وقال: هذا مرسل.
٢٨٢

٦٢ - باب بنيان المسجد
معهم يتناولُ اللبنَ حتى اغبرَّ صَدرُه فقالَ: ((ابنوه عريشًا كعريشِ موسى)).
فقيلَ للحسنِ: وما عريشُ موسى؟ قالَ: إذا رفعَ يَدَه بلغَ العريشَ -
يعني: السَّقْفَ.
ومن روايةٍ ليثٍ، عن طاوسِ قالَ: لما قَدِمَ معاذٌ اليمنَ قالوا له: لو
أَمرتَ بصخر وشجرٍ فَيُنْقَلُ (١) فبنيتَ مسجدًا، قال: إنِّي أكره أن أنقلَه على
ظهري يومَ القيامةِ (٢). كأنَّه يخافُ إذا أتقنَ بناءَه بالصّخرِ والخشبِ.
ورَوَى سفيانُ، عن أبي فزارةَ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ
قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أُمَرْتُ بتشييدِ المساجدِ)) قال ابنُ عبّاسٍ:
لَتُرْخِرفْتَّها كما زخرفتْهَا اليهودُ والنَّصارى.
خرَّجَهَ (٣) الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ.
كذا رواه ابنُ عيينةَ، عن الثَّوريّ(٤).
ورَوَاه وكيعٌ، عن الثَّورِيِّ(٥) فجعلَ أولَه مرسلا عن يزيدَ بنِ الأصمِّ
(١) ((فينقل)) ليست في ((ك١)).
(٢) كتاب الورع، باب من كره تجصيص المساجد وزخرفتها .
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٨)، والطبراني في «الكبير)) (١٢ / ٢٤٣)، وذكره المرّوذي في كتاب
((الورع)) (ص / ١٨٣) عن الإمام أحمد.
(٤) ((الإحسان)) (٤ / ٤٩٣)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢ / ٤٣٨)، ورواه يحيى بن سعيد
الأموي، عن الثوري كذلك كما في («تغليق التعليق» (٢ /٢٣٨).
(٥) رواه ابن أبي شيبة (١ / ٣٠٩) واقتصر على قول ابن عباس فقط، ورواية ابن مهدي
ذكرها الحافظ في ((تغليق التعليق)) وقال: تابعه أبو حمزة السكري عن أبي فزارة؛ لكنه لم
يذكر الموقوف.
وقال الحافظ - أيضًا: ورواه أحمد بن حنبل في كتاب ((الورع)»- أيضا -، عن ابن مهدي
بسنده فأرسل الجملة الأولى عن يزيد بن الأصم ووقف الثانية عن ابن عباس.
وقال الحافظ - أيضًا - في (الفتح: ١ / ٥٤٠): وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف=
٢٨٣

كتاب الصلاة
لم يذكرْ فيه ابنَ عبَّاسٍ .
وكذا رَوَاه ابنُ مهديٍّ، عن سفيانَ.
وخرَّجَ ابنُ ماجه كلامَ ابنِ عبَّاسٍ من وجهِ آخر، عن ابنِ عبَّاسٍ
مرفوعًا بإسناد ضعيف .
وخرَّجَ - أيضًا - بإسنادٍ ضعيفٍ(١) عن عمرَ مرفوعًا: ((ما ساءَ عملُ
ئے
قومٍ قطُّ إلا زخرفوا مساجدهم)».
ورَوَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ، عن
النبيِّ ◌َّ قالَ: ((لا تقومُ السَّاعَةُ حتى يَتَبَاهِى النَّاسُ في المساجدِ)).
خرَّجَه الإمامُ (٢) أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ وابنُ ماجه (٣).
ورَوَى المروذيَّ في كتاب ((الورعِ))(٤) بإسنادِهِ، عن أبي الدرداء قالَ(٥):
((إذا حَلَيتم مصاحفَكم وزخرفتم مساجدكم فعليكم الدَّمَارُ))(٦).
قال المروذيُّ: ذكرتُ لأبي عبدِ الله مسجدًا قد بُنيَ وأنُفُقَ عليه مالٌ
كثيرٌ، فاسترجعَ وأنكر ما قلتُ.
قالَ حربٌ: قلتُ لإسحاقَ - يعني: ابنَ راهويه -: فتجصيصُ (٤١٢ -
على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله.
=
ورواه - أيضًا - الإمام أحمد في كتاب ((الورع)) باب ((من كره تجصيص المساجد
وزخرفتها))، عن أبي فزارة، عن يزيد الأصم قال: قال رسول الله مَظله: ((ما أمرت بتشييد
المساجد)) قال: وقال ابن عباس ((لتزخرفنها .... ))
(١) ابن ماجه (٧٤٠ - ٧٤١).
(٢) كلمة ((الإمام)): ليست في ((ك١)).
(٣) («المسند»(٣ /١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣)، وأبو داود (٤٤٩)، والنسائي (٢/ ٣٢)،
وابن ماجه (٧٣٩)، وابن خزيمة (٢ / ٢٨١ - ٢٨٢).
(٤) (ص: ١٨٣)
(٥) كلمة ((قال)): ليست في ((ك١)).
(٦) ((الزهد)) لابن المبارك (ص ٢٧٥) موقوفًا و((كشف الخفاء)» للعجلوني.
٢٨٤

٦٢ - باب بنيان المسجد
أ/ ق) المساجد؟ قالَ: أشدُّ وأشدُّ، المساجدُ(١) لا ينبغي أن تُزِينَ إلا
بالصَّلاةِ والبِرِّ (٢).
وقال سفيانُ الثوريُّ: يُكْرَهُ النقشُ والتزويقُ في المسجدِ، وكلُّ ما
تُزَيَّنُ به المساجدُ، ويقالُ: إنَّما عمارتُه: ذكرُ الله عزَّ وجلَّ.
وممن كَرِهَ زخرفةَ المساجد وتزويقَها: عمرُ بنُ عبد العزيزِ، وكان قد
أرادَ إزالةَ الزخرفةِ التي كان الوليدُ وضعها في مسجدٍ دمشقَ الجامعِ فَكبرَ
ذلك على من يَسْتحسنُهُ ممن (٣) تعجبُهُ زينةُ الحياة الدنيا واحتالوا عليه
بأنواعِ الحيلِ وأوهموه أَنَّه يَغِيظُ الكفَّارَ حتى كفَّ عن ذلكَ.
وقد رُوِيَ عن ابن جريج قالَ: أولُ من زخرفَ المساجدَ: الوليدُ بنُ
عبدِ الملكِ .
ذكره الأزرقيُ(٤).
ولأصحابنا وأصحابِ الشَّافعيِّ في تحريمٍ تحليةِ المساجدِ بالذهبِ
والفضة وجهانٍ، وكَرِهَه المالكيةُ وبعضُ الحنفية. ومنهم من رخَّصَ فيه،
وقالوا: إن فعلَ ذلك (٩٨ - أ / ك١) من مالِ الوقفِ ضمنه من ماله.
وأمَّا ما حكاه البخاريُّ، عن عمرَ، وأنسٍ [ ..
. .](٥).
وقد رُوِيَ عن أنسٍ مرفوعًا. رواه سعيدُ بنُ عامر: حدثنا(٦) صالحُ
بنْ رستمٍ قالَ: قالَ أبو قلابةَ: سمعَ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ وقد مروا
بمسجد أُحدثَ - فذكرَ (٧) أنَّ النبيَّ مَِّ قالَ: ((يأتي على أُمتي زمانٌ
(١) كلمة ((المساجد)): ليست في ((ك)).
(٢) كلمة ((البر)): ليست في ((ك١)).
(٣) في ((ق)): ((فيمن)).
(٤) ((أخبار مكة)) للأزرقي (٢١٢/١، ٧١/٢).
(٥) بياض قدر سطر ونصف في كل من (ق)) و((ك))).
(٦) في ((ق)): ((ثنا)).
(٧) في ((ك١)): ((فذكروا)).
٢٨٥

الحديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
يتباهونَ فيه بالمساجد ولا يعمرُوهَا (١) إلا قليلا)) - أو قالَ: ((ثم(٢) لا
یعمرونها إلا قليلا)).
وخرَّجَهَ(٣) ابنُ خزيمةَ في ((صحيحه)) (٤).
٠٠
ثُمَّ خرَّجَ البخاريُّ هاهنا(٥) حديثًا فقالَ:
٤٤٦ - حدثَا(٦) عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا أَبِي، عَن
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: ثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ الله ◌َّ ◌َبْنِيًّا بِاللَِّنِ وَسَقْفُهُ: الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ: خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ
فِيهِ أَبُو بَكْرِ شَيْئًا، وزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَ
بِاللَّيِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشْبَا ثُمَّ غَيَّرَه عُثْمَانُ فَزَادَ فِهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً
وَبَنَى جِدَارَهُ بِحِجَارَة مَنْقُوشَةٍ(٧) وَالْقَصَّةُ(٨) وَجَعَلَ عُمُدَهُ منْ حِجَارَة
مَنْقُوشَة وَسَقَّفَهُ (٩) بالسّاجِ.
القصةُ: الجَصُّ (٤١٢ - ب / ق).
والسَّاجُ: نوعٌ من أرفع أنواع الخشبِ يُجلَبُ (١٠) من بلادِ الهندِ والزّنْجِ.
(١) في (ك١)): ((ولا يعمرونها)).
(٢) كلمة ((ثم)) ليست في ((ق)).
(٤) ابن خزيمة (٢ / ٢٨١).
(٦) فى ((ق)): (( ثنا)).
(٥) في ((ك)): ((هنا)).
(٧) في (ق)) كتب في الهامش: في نسخة: ((بالحجارة المنقوشة)).
(٨) وفي ((ك)) ضَبَّب على كلمة ((والقصة)).
(٩) في ((ك)): ((سقفه)) غير مشكلة، وفي ((اليونينية)) مخففة: ((وَسَقَفَهُ)).
(١٠) في ((ك)): ((تجلب)).
٢٨٦
(٣) في («ك١)» خرجه، بدون واو .

٦٢ - باب بنيان المسجد
الحديث : ٤٤٦
ويَستدلُّ بما فعلَ عثمانُ مَن يُرْخِّصُ في تجصيصِ المساجدِ وتزويقها
ونقشها .
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ في هذا البابِ رواياتٌ أُخرُ، فخرَّجَ أبو داودَ (١)
من طريقِ فراسٍ (٢)، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ أَنَّ مسجدَ النبيِّ وَِّ كانت
سواريه على عهد النبيِّ نَلَّ من جذوعِ النَّخْلِ، أعلاه مُظلَّلٌ بجريد
النَّخْلِ، ثمَّ إنها تخربت(٣) في خلافة أبي بكرِ فبناها بجذوعِ النَّخلِ
وبجريدِ النَّخلِ، ثم إنَّها تخربت في خلافة عمرَ فبناها بجذوعِ النَّخلِ
وجريدِ النخلِ، وتخربت(٤) في خلافة عثمانَ فبناها بالآجر فلم تزل ثابتةً
حَتَّى الآن.
وفي هذه الروايةِ زيادةُ تجديد أبي بكرٍ له وإعادته على ما كانَ؛ لكنَّه
لم يزد في بقعةِ المسجد شيئًا، وإنَّما زادَ فيه عمرُ.
ورَوَى الإمامُ أحمدُ(٥): ثنا حمَّادٌ الخيّاطُ (٦): ثنا عبدُ اللهِ، عن نافعٍ
أن عمرَ زادَ في المسجدِ من الأسطوانةِ إلى المقصورةِ، وزادَ عثمانُ، فقالَ
عمرُ: لولا أَنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ إِ لهَ يقولُ: ((ينبغي أن نَزِيدَ في
مسجدنا» ما زدتُ.
وليسَ في هذه الروايةِ ذكرُ ابنِ عمرَ، وهو منقطعٌ.
وفي ما فعلَه عمرُ وعثمانُ من تخريب المسجد والزيادة فيه: دليلٌ
(١) («السنن)) (٤٥٢).
(٢) في ((ك)): ((فريس)).
(٣) في ((ق)): ((تخربث)).
(٤) في ((ك)): ((ومحرب)) كذا، وفي المطبوع من ((سنن أبي داود)) (٥٤٢): ((نخرت)).
(٥) ((المسند)) (١ / ٤٧).
(٦) في ((ق)) ((حدثنا حماد الحناط))، وهو خطأ.
٢٨٧

الحديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
على جوازِ الزيادة في المساجد وتخريبها لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه
ء
أصلحَ من البناءِ الأول؛ فإنَّ هذا فعلَه عمرُ، وعثمانُ بمشهد من المهاجرينَ
والأنصارِ وأقروا عليه.
فأما توسعةُ (٩٨ - ب/ ك١) المساجد إذا احتيجَ إلى ذلكَ لضيقها وكثرة
أهلها: فقد صرَّحَ بجوازِه أكثرُ العلماءِ من المالكيةِ والحنفيةِ وغيرِهم.
وأما هدمُ المسجد العامرِ وإعادةُ بنائه على وجهِ أصلحَ من الأولِ: فقد
نصَّ على جوازِهِ الإمَامُ أحمَدُ.
قال أبو داودَ في ((مسائِلِهِ))(١): سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ بنى مسجداً
فَعَتَقَ فجاءَ رجلٌ فأرادَ أن يهدمَه فيبنيه بناءً أجودَ من ذلك فأبى عليه
الباني الأولُ، وأحبَّ الجيرانُ لو تركه يَهدمُه؟ فقالَ: لو صارَ إلى رضى
جيرانِهِ لم يكن به بأسٌ. قال: وسمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن مسجد يريدونَ
أن يرفعوه من الأرضِ فمنعهم من ذلكَ مشايخ يقولون: لا نقدر نصعد.
قالَ أحمدُ (٤١٣ - أ /ق): ما تصنعُ (٢) بأسفله؟ قالَ(٣): أجعلُه سقايةً.
قال أحمد (٤): لا أعلمُ به بأسًا. قالَ أحمدُ: ينظرُ إلى قولِ أكثرِهم -
يعني: أهل المسجد .
وبوَّبَ عليه أبو بكرٍ: عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ في كتابِ ((الشَّافِي)) بابٌ
((المسجدُ يُبنى بناءً أجود من بنائه)). وهو - أيضًا - قولُ أصحابِ أبي
حنيفةَ، ومذهبُ سفيانَ الثَّوريِّ، حَكَى أصحابُه عنه في تصانيفهم على
مذهبه أنَّه قالَ في المسجدِ يكونُ في ضِيقِ فأرادَ أهلُهِ أن يوسعوه من ملك
(١) ((سؤالات أبي داود)) (ص ٤٦).
(٣) في ((ك١)): ((قالت)).
(٢) في ((ك)): ((ما يصنع)).
(٤) كلمة ((أحمد)) ليست في ((ق)).
٢٨٨

٦٢ - باب بنيان المسجد
الحديث : ٤٤٦
رجلٍ منهم فلهم ذلك، وإن أرادوا أن يُوسعوهُ من الطريقِ والطريقُ واسعٌ
لا يضرُّ بالمارةِ فيه(١) فليسَ لهم ذلك، إلا أن يأذنَ الإمامُ. قالَ: وللإمامُ
أن يُحوَِّ الجامعَ من موضعٍ إلى غيرِهِ إذا كانَ فيه صلاحٌ للرعية(٢) ونَوى
الرشدَ فيه، ذكروا أَنَّ ابنَ مسعودٍ حَوَّلَ مسجدَ الكوفةِ من موضعٍ
الثَّمَّارِينَ. قال: وسُئِلَ سفيانُ عن بيعِ حَصيرِ المسجدِ الخلقِ فيجعلُ(٣) في
ثمنِ الجديدِ، فلم يرَ به بأساً.
ومذهبُ الإمامِ أحمدَ أَنَّ ما خربَ من الأوقافِ كلِّها ولم يمكنْ
عمارتُها فإنَّها تباعُ ويُستبدلُ بها ما يقومُ مقامَها. وعنه في المساجدِ
روایتان، إحداهما(٤) كذلكَ.
والثَّانيةُ: لا تباعُ، وتنقلُ آلاتُها إلى موضعٍ آخر يُبنَى بها مثلُها.
ونقلَ عنه حربٌ في مسجد خربٍ فَتُقِلتْ آلاتُه وبُنِيَ بها مسجدٌ في
مكان آخر أَنَّ العتيقَ يُرَمُّ ولا يُعَطَّل ولا يُبنى في مكانه بيتٌ ولا خانٌ
للسَّيْلِ، ولكن (٥) يُرِمُّ ويُتْعَاهَدَ(٦).
ونقلَ حربٌ، عن إسحاق بن راهويه أَنَّه أجازَ للسُّلطان خاصةً(٧) أن
يبني مكانَ المسجدِ الخرابِ خانًا للسَّبِيلِ أو غيرِه مما يكونُ خيرًا للمسلمين
فيفعلُ ما هو خيرٌ لهم.
ورَوَى حربٌ بإسناده، عن عبيدِ اللهِ بن الحسنِ العنبريِّ في مسجد
غامضٍ أرادَ أهلُه أن يستبدلوا به. قالَ: إذا كانَ الخليفةُ هو الذي(٨) يفعلُ
ء
(١) ((فيه)) ليست في ((ك١)).
(٣) في ((ك١)): ((فتجعل)).
(٥) في ((ك١)): ((ولكنه)).
(٧) ((خاصة)) ليست في ((ك١)).
(٢) في ((ك)): ((الرعية)).
(٤) في ((ك١)): ((إحديهما)).
(٦) في ((ك)): ((ويعاهد)).
(٨) كلمة ((الذي)) ليست في ((ق)).
٢٨٩

الحديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
ذلك أراهُ جائزًا.
ورَوَى وكيعٌ بإسنادِهِ، عن جابرٍ، عن الشَّعبيِّ قالَ: لا بأسَ أن يُجعلَ
المسجدُ حَشّا، والحشَّ مسجدًا.
ومما يدلُّ على جوازِ ذلك: أنَّ النبيَّ بََّ (٩٩ - ٢/ك١) عزمَ على هدمِ
بناءِ الكعبةِ وإعادتها على قواعد (٤١٣ - ب/ق) إبراهيمَ، فيُدخِلُ فيها
غَالَبَ الحِجْرِ ويَجعَلُ لها بابينِ لاصقينِ بالأرضِ، وقد فعلَ ذلكَ ابنُ
الزُّبِيِ وزادَ مَعَ ذلك في طولِهَا، ثم أعادَها الحجَّاجُ بأمرِ عبدِ الملكِ إلى
حالها الأولِ وأقرَّ الزيادةَ في طولها.
فيالله العجبُ كيف تُقرُّ زيادةٌ لم يذكرها النبيِّ وَجُلّهِ وتُزالُ زيادةٌ ذكرها
وعزمَ عليها؟!، ولهذا نَدِمَ عبدُ الملك على ما فعلَ لَّا بلغَه الحديثُ عن
عائشةً.
ومما يدلُّ على جوازِ ذلك: أَنَّ العباداتِ يجوزُ إبطالُها لإعادتها على
وجهِ أكمل مما كانت كما أمرَ النبيُّ وَّ أصحابَه بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ
ليُعيدوا الحجّ على وجهِ أكملَ مما كان وهو وجهُ التمتع؛ فإنَّه أفضلُ من
الإفرادِ(١) والقِرانِ بغيرِ سَوْقِ هدي كما دلَّ عليه هذه(٢) النصوصُ بالأمرِ
بالفسخِ، وكما أنَّ من دخلَ في صلاة مكتوبةٍ منفردًا ثم حضرَ جماعةٌ فإن
له إبطالَ صلاته أو قلبَها نفلا ليعيدَ فرضَه في جماعةٍ؛ فإنَّه أكملُ من
صلاته منفرداً.
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ، منهم: أحمدُ، والشَّافعيُّ فى أحدٍ قوليه،
(١) في ((ك١)) ((الإفراد والإفراد)»، هكذا كررها.
(٢) في ((ك)): ((وهذي)).
٢٩٠

٦٢ - باب بنيان المسجد
الحديث : ٤٤٦
وكذلك مالكٌ وأبو حنيفةً إذا لم يكن قد صَلَّى أكثرَ صلاته.
وكذلك الهديُ المُعيَّنُ والأضحيةُ المعيَنَةُ يجوزُ إبدالُهما بخيرِ منهما
ہے
عند أبي حنيفة وأحمدَ وغيرِهما .
وإذا هُدِمَ المسجدُ ثم أُعيدَ بناؤه أو وُسِّعَ فالبناءُ المعادُ يقومُ مقامَ الأولِ
ولا يحتاجُ إلى تجديدٍ وقفه. وهذا على قول من يرى أَنَّ الوقفَ ينعقدُ
بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه، وأَنَّ المسجدَ يصيرُ مسجدًا بالأذان وصلاة
النَّاسِ فيه، كما هو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، وأحمدَ(١) ظاهر.
وتصيرُ الزّيادةُ في المسجدِ مسجدًا بمجردٍ وصلِها في المسجدِ وصلاةٍ
النَّاس فيها .
وقد قالَ مجاهدٌ، والأوزاعيَّ في الفرسِ الحَبيسِ إذا عطبَ فاشتُرِيَ
بثمنه فرسٌ آخرُ وزِيدَ فى ثمنه زيادةٌ: إنَّ الفرسَ كلَّه يكونُ حَبيسًا
کالأولِ.
وحكمُ الزيادةِ حكمُ المزيدِ فيه في الفضلِ - أيضًا - فما زيدَ في
المسجد الحرامِ ومسجد النبيِّ وَِّ كلُّه مسجدٌ، والصَّلاةُ فيه كلِّه سواءٌ في
المضاعفةِ والفضلِ.
وقد قيلَ: إِنَّه لا يُعلمُ عن السَّلْفِ في ذلك خلافٌ؛ إِنَّما خالفَ فيه
بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا، منهم: ابنُ عقيلٍ، وابنُ الجوزيِ (٤١٤ -
أ/ ق)، وبعضُ الشَّافعية(٢)؛ ولكن قد رُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ التوقفُ في
ذلك، قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: الصفُّ الأولُ في مسجدِ النبيِّ
(١) في ((ك١)» («أحمد والثوري)).
(٢) ((بعض الشافعية)) ليست في ((ك١)).
٢٩١

الحديث : ٤٤٦
كتاب الصلاة
وَّ أَيُّ صفٍّ هو؟ فإِنِّي رأيتُهم يتوخُون دونَ المنبرِ ويدعونَ الصفَّ الأولَ.
قال: ما أدري. قلتُ لأبي عبدِ الله: فما زِيدَ في مسجدِ النبيِّ نَّهِ فهو
عندكَ منه؟ فقالَ: وما عندي؟ إنَّما هُمْ أعلمُ بهذا - يعني: أهل المدينةِ.
وقد رَوَى عمرُ بنُ شبَّةَ في كتاب ((أخبار المدينة)) بإسناد فيه نظر(١)،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال (٩٩ - ب/ ك١) :- لو بُنِيَ هذا (٢)
المسجدُ إلى صنعاءَ لكانَ مسجدي)) فكان أبو هريرةَ يقولُ: لو مُدَّ هذا
المسجدُ إلى باب داري ما عَدَوتُ أن أُصلِّيَ فيه. وبإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن
أبي(٣) عمرةَ قالَ: زادَ عمرُ في المسجدِ في شامية، ثم قالَ: لو زدْنَا فِيه
حتّى نبلغَ الجبانَة كان مسجدَ النبيِّ وَّهِ. وبإسنادِه عن ابنِ أبي ذئبِ قالَ:
قالَ عمرُ: لو مُدَّ مسجدُ النبيِّ وَجَلَّ إلى ذي الحليفة كان منه.
وكذلك الزيادةُ في المسجد الحرامِ: رَوَى مثنى بنُ الصّباحِ، عن
عطاء(٤) أَنَّه قيلَ له في المضاعفةِ في المسجدِ وحدَه أو في الحرمِ قال: في
الحرم كلِّه؛ فإنَّ الحرمَ كلَّه مسجدٌ. ورَوَى الأزرقيّ بإسنادِهِ، عن أبي
هريرةَ قالَ: إنَّا لنجدُ في كتابِ اللهِ أَنَّ حدَّ المسجد الحرامِ من الْحَزْوَرَةِ(٥)
إلى المسعَى. وبإسنادِهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: أساسُ المسجدِ الحرامِ
الذي وضعه إبراهيمُ عليه السّلامُ: من الحزورة إلى المسعَى. وبإسناده،
عن عطاء قال: المسجد الحرامُ: الحرمُ كلُّهُ(٦).
(١) ((الضعيفة)) (٩٧٣).
(٢) ((هذا)) ليست في ((ك١)».
(٣) في ((ك١)): ((عن ابن أبي عمر)).
(٤) في ((أخبار مكة)) من طريق عبد الجبار بن الورد المكي، عن عطاء.
(٥) انظر «معجم البلدان)) (٢ / ٢٩٤).
(٦) ((أخبار مكة)) (٢ / ٦٢).
٢٩٢

٦٢ - باب بنيان المسجد
الحديث : ٤٤٦
ورَوَى عبدُ الرزّاقِ في كتابه(١) من روايةٍ ليث، عن مجاهد قال: الحرمُ
كلُّه مسجدٌ، يَعتكف في أيَِّ شاء، وإن شاءَ في منزِلِهِ إلا أنَّه لا يصلّي إلا
في جماعة.
وقد ذكرَ الشَّافعيةُ أنَّه لو حلفَ لا يدخلُ هذا المسجدَ فزِيدَ فيه فدخلَ
موضعَ الزيادةِ لم يحنثْ، فلو حلفَ لا يدخلُ مسجدَ بني فلانٍ فزِيدَ فيه
فدخلَ موضعَ الزيادةِ حنثَ.
وهذا ممّا يشهد؛ لأنَّ حكمَ الزيادةِ حكمُ المزيدِ في المسجدِ الحرامِ،
ومسجد النبيِّ وَّةِ؛ لأنَّه عَرَّفَ المسجدَ الحرامَ بالألف واللام، ومسجدَه
بإضافته إليه؛ ولكنَّه جمعَ بينَ الإشارة إليه وتعريفه (٤١٤ - ب/ق)
بالإضافة فقال: مسجدي هذا. [والله سبحانه وتعالى أعلم](٢).
(١) ((المصنف» (٤ /٣٤٥ - ٣٤٦).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ((ق)).
٢٩٣

كتاب الصلاة
٦٣ - باب
التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهدينَ عَلَى أَنفُسهم
و
بِالْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨].
عمارةُ المساجد تكونُ بمعنيين: أحدُهما: عمارتُها الحِسِّيّةُ ببنائِها
وإصلاحها وترميمها، وما أشبهَ ذلكَ.
والثَّاني: عمارتُها المعنويةُ بالصَّلاة فيها وذكر الله وتلاوة كتابهِ ونشرِ
العلمِ الذي أنزلَه على رسولِهِ، ونحو ذلك.
وقد فُسِّرتِ الآيةُ بكلِّ واحدٍ من المعنيينِ، وفسِّرتْ بهما جميعًا،
والمعنى الثَّاني أخصّ بها.
وقد خرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجه(١) من حديثٍ دَرَّاجٍ،
عن أبي الهيثمٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إذا رأيتم الرَّجلَ
يعتادُ المسجدَ فاشهدوا له بالإيمان)) ثمَّ تلا: ﴿إنَّما يَعْمرُ مساجدَ(٢) الله(٣) مَنْ
آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ﴾ [التوبة: ١٨] الآية.
(١) ((المسند)) (٣ /٦٨، ٧٦)، والترمذي (٢٦١٧) وقال: حديث غريب حسن، وابن ماجه
(٨٠٢)، و((الكامل)) (٣ / ١١٤، ١٥٤)، و((تاريخ بغداد)) (٤٥٩/٥).
(٢) في ((ق)): ((مسجد)).
(٣) لفظ الجلالة ليس في «ك١)».
٢٩٤

٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد
ولكن قالَ الإمامُ أحمدُ: هو منكرٌ(١).
وقولُه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يعمرُوا مساجدَ الله﴾ وقُرئَ ﴿مسجدَ
الله﴾ فقيلَ إنَّ المرادَ به جميعُ المساجد على كلا القراءتين؛ فإنَّ (٢) المفردَ
المضافَ يعمّ كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل:
إن (٣) المرادَ بالمسجد المسجدُ الحرامُ خاصةً كما قالَ: ﴿وَمَا كانُوا أَوْلِياءَهَ إِنْ
أَوْلِياؤُه(١٠٠- أ/ ك١) إلا المتَّقونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقيلَ: إنَّه (٤) المرادُ
بالمساجد على القراءة الأخرى، وأنَّه جمعَه لتعدَّد بقاع المناسك هناك،
وكلُّ واحدٍ منها في معنى مسجدٍ . رُوِيَ(٥) ذلك عن عكرمةَ، واللهُ أعلمُ.
فمن قالَ: إنَّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصةً قَالَ: لا يُمكَّنُ الكُفَّارُ من
دخولِ الحرمِ كلِّه، بدليل قولهِ تعالى: ﴿إِنَّما المشركونَ نجسُ فلا يَقْرِبُوا
الْمَسْجِدَ الحَرَامَ بعدَ عامِهِم هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وجمهورُ أهلِ العلمِ على أَنَّ الكفارَ يُمنعونَ من سكنى الحرمِ ودخوله
بالكليةِ وعمارتِه بالطَّوافِ وغيرِه كما أمرَ النبيُّ وَله من ينادي: ((لا يحج
بعدَ العام مشركٌ))(٦)، ورخَّصَ أبو حنيفةَ لهم (٧) في دخولهِ دونَ الإقامةِ
به .
يِ
(١) قال المروذي (١٧٦): سألت أبا عبد الله عن أبي السمح قلت: كيف هو؟ قال: قد روى
عن أبي الهيثم أحاديث، وتبسم، قلت: كيف هو؟ قال: ما أدري ما هو؟
وقال في «علل عبد الله)) (٤٤٨٢): قال أحمد : حديثه منكر.
(٢) فى ((ق)): ((القراءتين ولكن فإن)) وضبب على: ((ولكن)).
(٣) ((إن)) ليست في ((ق)).
(٥) في ((ك)): ((وروي)).
(٦) مسلم (١٣٤٧ / ٤٣٥)، وأحمد (١ /٣)، والترمذي (٣٠٩١) وغيرهم.
(٧) ((لهم)) ليست في ((ك١)).
(٤) في ((ك١)): ((إن)).
٢٩٥

كتاب الصلاة
ومن قالَ: المرادُ جميعُ المساجد، فاختلفوا؛ فمنهم منْ قالَ: لا يُمكَّنُ
الكفَّارُ (٤١٥ - أ/ ق) من قربانِ مسجدٍ من المساجدِ ودخولهِ بالكليةِ.
ومنهم من رخَّصَ لهم(١) في دخولِ مساجدِ الحِلِّ في الجملةِ.
ومنهم من فرَّقَ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركينَ، فرخَّصَ فيه لأهلٍ
الكتاب دونَ المشركين.
وقد أفردَ البخاريُّ بابًا لدخول المشرك(٢) المسجدَ، ويأتي الكلامُ على
هذه المسألة هناكَ مستوفَّى إن شاءَ اللهُ تعالى (٣).
واتَّفقوا على منعِ الكُفَّارِ من إظهارِ دينِهِم في مساجد المسلمينَ، لا
نعلمُ في ذلك خلافًا .
وهذا مما يدلُّ على اتفاقِ النَّاسِ(٤) على أنَّ العمارةَ المعنويةَ مرادٌ من
الآية.
واختلفوا في تمكينهم من عمارة المساجدِ بالبنيانِ والترميمٍ ونحوِه على
قولینَ :
أحدُهما: المنعُ من ذلك؛ لدخولهِ في العمارةِ المذكورةِ في الآيةِ .
ذكر ذلك كثيرٌ من المفسِّرِينَ كالواحديِّ، وأبي الفرجِ بْنِ الجوزيِّ،
وكلامُ القاضي أبي يعلى في كتاب (٥) ((أحكام القرآن)) يوافقُ ذلك، وكذلك
كيا(٦) الهراسيِّ من الشَّافعيةِ، وذكره البغويّ منهم احتمالا.
(١) ((لهم)) ليست في ((ك)).
(٢) في ((ك١)): ((المشركين)).
(٣) باب (٨٢) ((دخول المشرك المسجد))، وسيأتي.
(٤) في ((ك١)): ((المسلمين)).
(٥) كلمة ((كتاب)) ليست في ((ك١)).
(٦) ((كيا)) ليست في ((ك١))، وهو مترجم له في ((السير)) (١٩ /٣٥٠).
٢٩٦

٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد
والثَّاني: يجوزُ ذلك، ولا يُمْنَعونَ منه.
وصرَّح بهَ(١) طائفةٌ من فقهاءِ أصحابِنَا والبغويُّ من الشَّافعيةِ،
وغيرُهم. وهؤلاء منهم من حملَ العمارة على العمارة المعنويةِ خاصةً،
ومنهم من قال: الآيةُ إِنَّما أريدَ بها المسجدُ الحرامُ، والكفَّارُ ممنوعونَ من
دخولِ الحرمِ على كلِّ وجهٍ بخلافِ بقيةِ المساجدِ. وهذا جوابُ ابنِ عقيلٍ
من أصحابنا .
وقد رُوِيَ عن عمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ أَنَّه استعملَ طائفةً من النَّصارى في
عمارةٍ مسجدِ النبيِّ وَّ لَّا عمَّرَه في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك.
ويتوجَّهُ قولٌ ثالثٌ وهو: أَنَّ الكافرَ إن بنى مسجدًا للمسلمينَ(٢) من
مالِهِ لم يُمكِّنْ من ذلك ولو لم يباشرْهُ بنفسه، وإن باشرَ بناءَه باستئجار
المسلمينَ له جازَ؛ فإنَّ فى قبول المسلمينَ منَّةَ الكفَّار ذُلا للمسلمينَ
بخلاف (٣) استئجارِ الكفَّارِ للعملِ للمسلمينَ، فإنَّ فيه ذُلا للكفَّار.
وقد اختلفَ النَّاسُ في هذا - أيضًا - على قولين؛ أحدُهما: أنَّه لو
وصَّى الكافرُ بمال للمسجد أو بمال يُعمَّرُ به مسجدٌ أو يوقدُ(٤) (١٠٠ -
ب/ ك) به فإنَّه تُقَبلُ وصيّتُه، وصرَّحَ به القاضي أبو يعلى في ((تعليقِهِ))
في مسألةِ الوقيدِ، وكلامه يدلُّ على أنَّه مَحلُّ وفاقٍ؛ وليسَ كذلكَ.
والثَّاني: المنعُ من ذلك، وأنَّه لا تقبلُ الوصيةُ بذلكَ. وصرَّحَ به
الواحديّ في ((تفسيره))، وذكرَ ابنُ مُزَيْن(٥) (٤١٥ - ب/ ق) في كتابِ ((سير
وُ
(١) في ((ك)): ((وبه صرَّح)).
(٢) (للمسلمين)): ليست في ((ك!».
(٣) في ((١٥)) ((خلاف)).
(٤) في ((ك١)): ((يوحذ)).
(٥) ضبطها في ((ق)): ((مزيّن))، وأثبتناها كما ضبطها في ((توضيح المشتبه)) (٨ /١٣٩).
٢٩٧

كتاب الصلاة
الفقهاء)) عن يحيى بن يحيى قالَ: سمعتُ مالكًا وسُئِلَ عن نصراني
أوصى بمال تُكسَى به الكعبةُ، فأنكرَ ذلك وقالَ: الكعبة مُنْزَّهةٌ عن ذلك،
وكذلك المساجدُ لا تجري عليها وصايا أهلِ الكفرِ .
وكذلكَ قالَ محمدُ بْنُ عبد الله الأنصاريَّ قاضي البصرةِ: لا يصح
وقفُ النَّصرانيِّ على المسلمينَ عمومًا بخلاف المسلم المعَيَّنِ، والمساجد من
الوقفِ على عمومِ المسلمينَ. ذكره حربٌ عنه(١) بإسناده(٢).
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سألتُ أبي عن المرأةِ الفقيرةِ تجيءُ إلى
اليهوديِّ أو (٣) النصرانيِّ فتصدقُ منه؟ قال: أخشى أن ذلك ذلةٌ.
وقال مُهنَّا: قلتُ لأحمدَ: يأخذُ المسلمُ(٤) من النصرانيِّ من صدقتِهِ
شيئًا؟ قال: نعم إذا كانَ محتاجًا.
فقد يكونُ عن أحمدَ روايتانِ في كراهةِ أخذِ المسلمِ المعين من صدقة
الذميِّ، وقد يكون كَرِهَ السؤالَ ورخَّصَ في الأخذِ منه بغيرِ سؤالٍ، واللهُ
و
أعلم.
وأما وقفُهم على عمومِ المسلمينَ كالمساجدِ، فيتوجّهُ كراهتُه بكلِّ حال
كما قالَه الأنصاريُّ. وقد ذكرَ أهلُ السيرِ - كالواقديِّ، ومحمدِ بْنِ سعدِ (٥)
- أَنَّ رجلا من أحبار اليهودِ يقالُ له ((مُخَرِيقِ)) خرجَ يومَ أحدٍ يقاتلُ(٦) مَعَ
النبيِّمَِّ وقالَ: إِنْ أُصِبْتُ في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعهُ حيثُ
شاءَ، فقُتِلَ يومئذٍ فقبضَ رسولُ اللهِ وَِّ أموالَه، فقيلَ: إنَّه فرَّقَها وتصدَّقَ
(١) في ((ك)): ((ذكره عنه حرب)).
(٣) في (ك١)): ((اليهودي والنصراني)).
(٥) ((الطبقات)) (١ / ٥٠١ - ٥٠٢).
(٢) ((بإسناده)) ليست في ((ك١)).
(٤) في ((ك)): ((المسلمين)).
(٦) في ((ق)): ((يتمايل)).
٢٩٨

٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد
الحديث : ٤٤٧
بها، وقيلَ : إِنَّه حَبَّسها ووقفها.
ورَوَى ابنُ سعد ذلكَ بأسانيدَ متعددة، وفيها ضعفٌ، واللهُ أعلمُ.
قالَ البخاريُّ رحمه اللهُ:
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَار: ثَنَا خَالدُ الْحَذَّاءُ، عَنْ
عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَّاسٍ وَلَابْنِهِ عَلِيٍّ: انطَلِقَا إِلَىْ أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ
حَدَيْثِهِ. فَانطَلَقْنَا(١) فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطِ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ
أَنشَأَ يُحَدِّثْنَا حَتَّى أَتَّىَ عَلَى ذِكْرٍ بِنَاءِ الْمَسَجِدِ قَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ كَبِنَةَ لَبَةٌ
وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآءُ(٢) النَّبِيُّ ◌َ فَيَنْفُّضُ(٣) التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ:
(وَيَحَ عَمَّاٍ(٤)، يَّدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّهِ وَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ). قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ(٥).
في هذا الحديثِ: حرصُ العالمِ المَّسعِ علمُه (٤١٦ - أ/ق) على أولاده
ومواليه في تعليمهم العلمَ حتَّى يرسلَهم إلى غيرِه من العلماءِ وإن كانَ
هو أعلمَ وأفقهَ لما يُرجَى من تعليمِهم من غيرِهِ ما ليسَ عندَه.
وفيه: أَنَّ الصَّحابةَ كانوا يعملونَ في حوائطِهم - وهي بساتينَهم
و
(١) ((فانطلقنا)) ليست في ((ك١)).
(٢) في ((ك١)»: «فيراه)).
(٣) في ((ق)) ((ينفض)). وأشار قبلها بعلامة لحق وكتب في الهامش: ((فجعل)) ولم يصححها
وهي عند الكشميهني.
(٤) في ((ق)) أشار بعلامة لحق بعد كلمة ((عمار)) وكتب في الهامش: ((تقتله الفئة الباغية)) ولم
يصححها، وأشار في ((اليونينية)) إلى أنها ليست عند أبي ذر والأصيلي، وراجع في هذا
بحثًا للحافظ - رحمه الله - في (الفتح: ١ / ٥٤٢ - ٥٤٣)، وراجع ((المنتخب من علل
الخلال)) (١٣١). وسيأتي في كلام المصنف تحت هذا الحديث ما يفيد في هذا.
(٥) في (ق)): ((المفتن)).
٢٩٩

الحديث : ٤٤٧
كتاب الصلاة
وحدائقُهم - بأيديهم وأَنَّ أحدَهم كان(١) إذا عَمِلَ في عملٍ دنياه ألقى
رداءَه واكتفى بإزارِهِ، فإذا جاءَ من يطلبُ العلمَ أخذَ رداءَه وجلسَ معهم
في ثوبينِ: إزارٍ ورداءٍ.
وقولُ (١٠١- أ/ ك١) أبي سعيد: (كُنَّا نحملُ لبنةً لبنة وعمَّارٌ لبنتين
لبنتين)) يدلُّ على أَنَّ أبا سعيد شهدَ بناءَ المسجد وعملَ فيه، وهذا يدلّ
على أنَّ المرادَ بناءُ المسجد ثاني مرة، لا أول مرة؛ فإنَّ جماعةً من أهلِ
السِّيرِ ذكروا أنَّ النبيَّ نَّهِ بعدَ ما فتح اللهُ عليه خيبرَ بنى مسجدَه مَرَّةً ثانيةً
وزادَ فيه مثلَه. وإنَّما استشهدْنَا لذلك بمشاركةِ أبي سعيدٍ في بناءِ المسجدِ
ونقلِ اللَِّنِ؛ لأنَّ أبا سعيدٍ كان له عند بناءِ المسجدِ في المرةِ الأولى نحوَّ
عشر سنين أو دونها؛ لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ ردَّه يومَ أُحُدٍ ولم يُجَزْهُ وله نحوُ
ثلاثُ عشرةَ سنةً، وكانت غزوةُ أُحُدٍ في أواخرِ السَّنَةِ الثالثةِ من الهجرةِ،
ومن له عشرُ سنينَ أو دونُها فبعيدٌ أن يعملَ مع الرجالِ فِي البنيانِ . ويدلّ
على تجديدِ النبيِّ ◌َّةِ لعمارة مسجده أدلةٌ أُخر، منها: أَنَّ عثمانَ وسَّحَ
مسجدَ النبيِّ وَّهَ في حياتِهِ بإذنِ النبيِّ وَ لّ فاشترى له مكانًا من ماله
وزادَه في المسجدِ .
رَوَى ثمامةُ بنُ حَزْن(٢) قالَ: شهدتُ الدَّارَ حينَ أشرفَ عليهم عثمانُ
فقالَ: أنشدُكُم بالله والإسلامِ هل تعلمونَ أَنَّ المسجدَ ضاقَ بأهله فقال
٠٠
رسولُ اللهِ وَ لَهُ: ((مَنْ يشتري بقعةَ آل فلان فيزيدُها في المسجدِ بخيرِ له
منها في الجنَّةِ؟)) فاشتريتُها من صُلْب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلِّيَ
فيها ركعتينٍ قالوا: اللهمَّ نعم - وذكر الحديثَ.
(١) ((كان)) ليست في ((ك!)).
(٢) في ((ك)): ((وروى ثمامة بن حرب))، والصواب حَزْن - كما في ((الإصابة)). (٢ /٤١٨).
٣٠٠