النص المفهرس
صفحات 201-220
٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ به بأسٌ، وقالَ أبو حاتم: يُكتبُ حديثُه ولا يحتجُّ به، وقالَ النَّسائيُّ: ليس بثقة، وضعَّفَه الإمامُ أحمدُ، وقالَ: لم يصحُّ عندي حديثُه هذا. وقالَ مسلمٌ في كتابِ ((التفصيلٍ)) (١): هذا الحديثُ ليس بثابت، وأبو صالحٍ باذام قد اتَّقَى النَّاسُ حديثَه ولا يثبتُ له سماعٌ منِ ابنِ عباسَ(٢). ورُوِيَ عن زيدِ بنِ ثابتِ أنَّه نهى أن يبنى عندَ قبرِ ابنه(٣) مسجدٌ . خرَّجَه حربٌ الكرمانيُّ. وقال أبو بكر الأثرمُ في كتاب ((الناسخِ والمنسوخ)): إنما كُرِهتِ الصَّلاةُ في المقبرةِ للتشبهِ بأهلِ الكتابِ؛ لأنَّهم يتخذونَ قبورَ أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ووجدنا في كتابٍ مصنفٍ على مذهبٍ سفيانَ الثوريِّ: وإذا صلَّى الرجلُ (٣٩٠ - ب/ق) وبينَ يديه ميتٌ تَنحَّى عنه؛ إنما كره الصلاة إلى القبورِ من أجلِ الميت، فإن صلَّى إليها فلا بأسَ، وفيه - أيضًا - قال سفيانُ: ويكره أن يصلِّيَ الرجلُ إلى القبورِ أو ما بينَ القبورِ، ثم قالَ: ومن صلَّى إلى القبورِ فلا إعادةَ عليه. وفيه قالَ: ولا تعجبُني (٤) الصَّلاةُ على الجنازةِ في المقبرة. وهذا قولُ الشَّافعيِّ، وإسحاقَ، ورواية عن أحمد؛ لعمومِ النَّهي عن الصَّلاة في المقبرةِ. (١) كذا في ((ق))، وفي ((ك١)) بالمهملة، وفي مقدمة كتاب ((الطبقات)) للإمام مسلم نقل المعلق أن لمسلم كتابًا اسمه: ((تفضيل السنن)) بالمعجمة، ولعل الصواب بالمهملة. (٢) نقل العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص١٤٨) عن ابن حبان أنه لم يسمع من ابن عباس. (٣) في ((ك١)): ((أبيه)). (٤) رسمها في ((ق)): ((ولا يعجبني))، بالياء والتاء معًا. ٢٠١ الحديث: ٤٢٧ كتاب الصلاة واستدلَّ من رخَّصَ في صلاة الجنازةِ في المقبرةِ بأنَّ الصَّلاةَ على القبر جائزةٌ بالسَّنَّة الصَّحيحةِ، فعلم أنَّ الصَّلاةَ على الميتِ في القبورِ غيرَ منهي و عنها . خرَّجَ البخاريّ في هذا البابِ حدیثینِ : الحديثُ الأولُ: قالَ: ٤٢٧ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا (١) بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((إِنَّ أُوَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فيه تلْكَ (٢) الصَّوْرَةَ وَأُولَئِكَ شَرَارُ الْخَلْقِ عنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). هذا الحديثُ يدلُّ على تحريمٍ بناء(٣) المساجدِ على قبورِ الصالحِينَ وتصويرِ صورِهم فيها كما يفعلُه النَّصارى. ولاريبَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محرمٌ على انفرادِه (٤)، فتصويرُ صورِ الآدميينَ محرمٌ (٥)، وبناءُ القبورِ على المساجدِ بانفراده محرمٌ (٥) كما دلَّتْ (١) في (ق)) كتب فوقها: ((رأتاها - خ)) أي: في نسخة. قال القسطلاني (١ / ٤٣٠): ((ولأبي ذر والأصيلي رأتاها)) بالمثناة الفوقية بضمير التثنية على الأصل وفي رواية رأياها بالمثناه التحتية)) ا. هـ. (٢) في (ق)) كتب فوقها: ((تيك)) ولم يقل أنها في نسخة أخرى قال القسطلاني (١/ ٤٣٠): («تيك بكسر المثناه الفوقية وسكون التحتية كذا في رواية الحموي والكشميهني كما في الفرع وعزاها في ((الفتح)) للمستملي وفي رواية أبي ذر، وابن عساكر كما في الفرع تلك باللام بدل المثناة التحتية)) ا. هـ. (٣) كلمة ((بناء)) سقطت من ((ق)). (٥) في ((ك١)): ((يحرم)). (٤) فى ((ق)): ((انفراد)). ٢٠٢ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث : ٤٢٧ عليه نصوصٌ أُخرُ يأتي ذكرُ بعضِهَا. وقد خرَّجَ البخاريّ (٨٢ - ب/ ك١) في ((تفسير سورة نوحٍ))(١) من كتابه هذا من حديثِ ابنِ جريجٍ: ((وقالَ(٢) عطاءٌ عنِ ابنِ عباسٍ: صارتٍ الأوثانُ التي كانتْ في قومٍ نوحٍ في العربِ تعبد، وأما وَدَّ: كانتْ لكلب بدومةِ الجندلِ، وأما سُواعٌ: كانت لهذيلٍ، وأما يغوثُ: فكانتْ لمرادِ ثم لبني غطيفِ بالجُرفِ عند سبٍ، وأما يعوقُ: فكانت لهمدان، وأما نَسرٌ: فكانت لحميرٍ لآل ذي الكلاعِ. أسماء رجالٍ صالحين من قومٍ نوحٍ، فلما هلكوا أوحَى الشَّيطانُ إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسِهِم التي كانوا يجلسونَ أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تُعبدُ حتى إذا هلكَ أولئك ونُسِخَ العلمُ عُبِدَت)). وقد ذكرَ الإسماعيليُّ أنَّ عطاءً هذا هو (٣٩١ - أ/ ق) الخراسانيّ، والخراساني(٣) لم يسمحْ من ابنِ عباسٍ، واللهُ أعلمُ. فإن اجتمعَ بناءُ المسجدِ (٤) على القبورِ، ونحوها من آثارِ الصالحين معَ تصويرِ صورِهم: فلا شكّ في تحريمِه سواء كانت صورًا مجسدّة كالأصنامِ أو على حائط ونحوه كما يفعله(٥) النَّصارى في كنائِسِهِم. والتصاويرُ التي (٦) في الكنيسةِ التي ذكرتْها أمُّ حبيبةَ وأمُّ سلمةَ أَنَّهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطانِ ونحوها، ولم يكنْ لها ظِلٌّ - وكانتْ أمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبةَ قد هاجرتا إلى الحبشةِ - فتصويرُ الصُّورِ على مثل(٧) (١) (فتح: ٤٩٢٠). (٣) كلمة ((والخراساني)) ليست في ((ك١)). (٥) في ((ك١)): ((تفعله)). (٧) في ((ك١)): ((مثال)). (٢) في ((ك١)): ((فقال)). (٤) في ((ك١)): ((المساجد)). (٦) كلمة ((التي)): ليست في ((ق)). ٢٠٣ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة صورِ الأنبياءِ والصَّالحينَ للتبركِ بها والاستشفاعِ بها محرٍمٌ(١) فىٍ دينٍ الإسلام وهو من جنسِ عبادة الأوثانِ، وهو الذي أخبرَ النبيّ وَّ أَنَّ أهلَه شرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القيامةِ . وتصويرُ الصورِ للتأنسِ برؤيتها أو للتنزه بذلك والتَّلهي محرمٌ، وهو من الكبائرِ، وفاعلُه من أشدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامة؛ فإنَّه ظالمٌ ممثِّلٌ بأفعالِ اللهِ التي لا يقدرُ على فعْلها غيرُه، والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاتِه ولا في صفاتِه ولا في أفعاله. الحديثُ الثَّاني: ٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي النََّّحِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ◌َّهُ الَدِينَةَ فَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِى حَيَّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرٍوِ بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ◌َ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةً لَّيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَّى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُ وا مُتَقَلِّدِينَ السُُّوفَ (٢)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّنَّهِ عَلَّى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْر رِدْقُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى ◌ِفِنَاءِ أَبِي أُبُّوبَ، وَكَانَّ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضَِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِنَاءٍ الَمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَاٍ(٣) بَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ: ((يَّا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِيّ بِحَائِطِكُمْ هذَا». قَالَّوا: لا واللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلَى اللهِ، عز وجل . قَال أَنَسٌّ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَربٌ، وَفِيه نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ بَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَتُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرَبِ فَسُوَّيْتََ فَصَفَوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِد، وَجَعَلُوا عضَادَتَيْه وَبَالنَّخْلِ (٤) فَقُطْعَ، ٠ (١) في ((ك١)): ((يحرم)). (٢) في ((ك١)): ((مقلدي سيوفهم)). (٣) في اليونينية: ((ملاٍ من بني النجار))، وأشار إلى أنَّ هناك نسخة سقطت منها ((من)). (٤) في ((ق)): ((بنخل)). ٢٠٤ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث : ٤٢٨ بالحجَارَةَ(١)، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ ◌َِّ مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ(٨٣ - ١/ ١٥): اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَه (٣٩١ - ب/ق) فَاغْفُرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه أعلَى المدينةِ هو العوالِي والعاليةُ وهو قباءُ وما حولَه. وكانتْ قباءُ (٢) مسكنَ بني عمرو بن عوفٍ، وقيلَ: إنَّ كلَّ ما كانَ من جهةٍ نجد (٣) من المدينة من قُراها وعمائرِها إلى تهامَة يُسمَّى العاليةَ، وما كانَ دونَ ذلكَ يُسَمَّى السافِلَةَ. وبنو النجارِ كانوا أخوالَ النبيِّ ◌َّهِ. وقد ذكرنا سببَ ذلكَ في كتابِ (الإيمانِ)) في بابِ ((الصلاةِ من الإيمان)). وكانَ مقصودُ النبيِّ وَّ أن ينتقلَ من العوالي إلى وسطِ المدينةِ وأن يتخذَ بها مسكنًا يسكنُهُ. وفي إردافِهِ لأبي بكرِ في ذلكَ اليومِ دليلٌ على شرفِ أبي بكرٍ واختصاصِهِ به دونَ سائرِ أصحابِهِ(٤). وقولُهُ: ((وملأُ بني النَّجارِ حولَه) يريدُ رجالَهم وشجعانَهُم (٥) وأشرافَهُم. وقولُهُ: ((حتَّى ألقى بفناءِ أبي أيوبَ)) أي: بفناءِ دارِه، وألقى بالقافِ، معناه(٦): أنه نزلَ به؛ فإن السائرَ إذا نزلَ بمكان ألقى فيه رَحْلَه وما معه. (١) في هامش ((ق)) كتب: في نسخة: ((الحجارة)). (٢) في ((ك١)): ((وكان مساكن)). (٤) في ((ك ١)): ((الصحابة)). (٦) في ((ق)): ((ومعناه). (٣) في ((ك ١)): ((تحد)) وضبَّب عليها. (٥) ((وشجعانهم)) ليست في «ك١)). ٢٠٥ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة وقد ذكر شرحبيلُ بن سَعْدِ (١) وأهلُ السِّيَرِ أنَّ النبيَّ ◌َلِّ كانَ كلَّما مرَّ بدارِ من دورِ الأنصارِ كَبَنِي سالمٍ وبني الحارثِ بنِ الخزرجِ وبني عديّ أخذُوا بخطام راحلته وعرضُوا عليه النزولَ بحيِّهم (٢) فيقولُ(٣): ((خلُّوا سبيلَها؛ فإنَّها مأمورةٌ) حتى بَركتْ بفناء(٤) دارِ أبي أيوبَ عند مَسجدِه الذي بناه. وقولُ أنسٍ: ((وكان (٥) يحبُّ أن يصلِّيَ حيثُ أدركتْهِ الصَّلاةُ ويصلِّي في مرابضِ الغنمِ)) موافقٌ لقوله ◌َّ: ((جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهوراً، فأيُّما رجلٍ أدركتْه الصَّلاةُ فعنده مسجدُه وطهورُ))(٦) ولقوله لما سئلَ: أي مسجدٍ وضعَ في الأرضِ أولُ؟ قالَ: ((المسجد الحرامُ)) قِيلَ له: ثم أي؟ قال: ((ثم مسجدُ بيتِ المقدسِ)) قيل: كم بينهما؟ قال: ((أربعونَ سنة)) ثم قال: (((٧) الأرضُ لك مسجدٌ؛ فأينما أدركتْك الصَّلاةُ فصلِّ، فإنَّه لك مسجد». وقوله: ((فأرسلَ إلى بني النجارِ فقالَ: ((ثامنوني بحائطِكُم)) يعني: بیعوني إياهُ بثمنِهِ. قالَ الخطّابِيُّ(٨): وفيه أنَّ صاحبَ السِّلعةِ أحقُّ بالسَّومِ؛ فإنَّه طلبَ منهم أن يذكرُوا له الثمنَ ولم يقطع فيها(٩) من عنده، والحائطُ: ما فيه (١) ((بن سعد)) ليست في ((ك١)). (٢) (بحيهم)) ليست في ((١٥)). (٣) في (ك١)): ((وهو يقول)). (٤) في ((ق)): ((بفاً)). (٥) في ((ك١)): ((كان)) . (٦) انظر البخاري (ص٩١، ١١٩) من اليونينية، وانظر مسلم (٥٢١). (٧) في ((١٥)): ((ثم قال: ثم الأرض لك مسجد)). (٨) «أعلام الحديث)) (٣٩٠/١). (٩) في ((ك١)»: «ثمنا)). ٢٠٦ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث: ٤٢٨ شجرٌ وعلیه بنیانٌ. وقولُه: ((قالُوا: والله لا نطلبُ ثمنَه إلا إلى الله)) يدلّ على أنهم (١) لم يأخذُوا له ثمنًا. ىٌّ(٢) (٣٩٢ - أ/ ق) وغيرُهُ خلافَ ذلك، قالَ ابنُ وقد ذكرَ الزهريّ( سعد(٣): أبنا (٤) الواقديُّ: حدَّثني معمرٌ، عن الزهريِّ قالَ: بركتْ ناقةُ رسول اللهِ وَّ عند موضع مسجدِ رسولِ اللهِ وَ ل وهو يومئذٍ يُصلِّي فيه رجالٌ منَ المسلمين، وكان مِربدًا لسهلٍ وسهيلٍ - غلامين يتيمينٍ من الأنصارِ، وكانا في حجرٍ أبي أمامةَ: أسعدَ بنِ زرارةَ - فدعا رسولُ الله مَ له بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذَه مسجدًا، فقالا(٥): بل نهبُه لكَ يا رسول الله، فأبى رسولُ الله وَلّ حتى ابتاعه منهما. قالَ الواقديَّ: وقالَ: معمرٌ (٦) (٨٣ - ب/ ك١)، عن الزهريِّ: فابتاعه بعشرة دنانيرَ. وقالَ معمرٌ، عنِ الزهريِّ: وأمَر أبا بكر أن يعطيهما ذلكَ. وهذا إن صحَّ يدلُّ على أنَّ الغلامين كانا قد بلغَا الحلمَ. وحديثُ أنسٍ (٧) أصحُّ من روايةٍ يرويها الواقديُّ عن معمرٍ وغيره، عن الزهريِّ مرسلةً؛ فإنَّ مراسيلَ الزهريِّ لو صحَّتْ عنه(٨) فهي من أضعف المراسيلِ فكيف إذا تفردَ بها الواقديّ؟ (١) في ((ك١)): ((أنه)). (٢) في ((ك١)): ((الترمذي)). (٣) («الطبقات)) (٢٣٩/١). (٤) في ((ك١)): ((أنا)). (٥) في ((ك١)) كتب: ((فقال)) وضبَّب على حرف اللام وكتب بعدها ((لا))، مشيرًا إلى أن الصواب: ((فقالا)) - كما في ((ق)». (٦) في ((ق)): ((عن معمر)). (٨) كلمة ((عنه)) ليست في ((ق)). (٧) كلمة ((أنس)) ليست في ((ك١)). ٢٠٧ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة وقد رُوِيَ عنِ الحسنِ أنَّهما وهباهُ للنبيِّ وَ ل﴿ فقبلَه. قالَ المفضلُ الجَنَدِيُّ في ((فضائلِ المدينة)) له: ثنا(١) محمدُ بنُ يحيى: ثنا سفيانُ، عن أبي موسى، عن الحسنِ قالَ: كان مَسجدُ رسول الله وَل ءِ مربدًا (٢) لغلامين من الأنصارِ يُقَالُ لهما: سهلٌ وسهيلٌ، فلما رآه النبيّ وَلَّ أعجبه فكلَّمَ فيه عمَّهما - وكانا في حجرِه - أن يبتاعَه منهما فأخبرهما [عمهما أن رسولَ اللهِ وَ﴿ أراده، فقالا: نحنُ نعطيه إياه](٣) فأعطياه رسولَ اللهِ وَجَه فبناه. قالَ الحسنُ: فأدركتُ فيه أصولَ النخِل غلابًا - يعني: غلاظًا - وكانَ رسولُ اللهِ وَ لَهِ يخطبُ يومَ الجمعة إلى جذعٍ منها ويسند إليه ظهره ويُصلِّي إليه. ثم قالَ الواقديّ في روايتِه عن معمر، عن الزهريِّ: وكانَ - يعني: ذلكَ المربد - جدارًا مجدَّرًا ليسَ عليه سقفٌ، وقبلتُه إلى بيتِ المقدسِ، كانَ أسعدُ بنُ زرارة بناه فكانَ يصلِّي بأصحابه فيه ويجمِّع فيه (٤) بهم الجمعة قبلَ مَقْدم(٥) رسولِ اللهِ نَّهِ، فأمرَ رسولُ الله (٣٩٢ - ب/ق) وَّهِ بالنَّخلِ الذي في الحديقةِ، وبالغرقد الذي فيه أنُ يقطعَ، وأمرَ باللَّبِنِ فضُرُبَ، وكان في المربدِ قبورُ جاهليةٍ، فأمرَ بها رسولُ اللهِ بِ لهِ فنبشتْ وأمرَ بالعظامِ أن تُغَيَّبَ، وكان في المربدِ ماءٌ مُستنجلٌ فسيَّروه حتَّى ذهبَ وأسسوا المسجدَ فجعلوا طولَه مما يلي القبلةَ إلى مؤخرِه مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلكَ فهو مربعٌ، ويقالُ: كانَ أقلّ من المائة، وجعلوا الأساسَ قريبًا من ثلاثِ أذرعٍ على الأرضِ بالحجارةِ، ثم بنوه باللبن وبناهُ رسولُ اللهِ وَِّيهِ وأصحابُهُ، وجعلَ ينقلُ (١) في ((ك١)): ((حدثنا)). (٢) كلمة («مربدًا)) ليست في ((ك١)). (٣) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)). (٤) كلمة ((فيه)) ليست في ((ك١)). (٥) أقحم في ((ق)) كلمة ((النبي)) قبل كلمة ((رسول)). ٢٠٨ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث : ٤٢٨ معهم الحجارةَ بنفسه وهو (١) يقولُ: اللهمَّ لا عيشَ إلا عيشُ الآخره فاغْفِرْ للأنصارِ والمهاجره وجعل يقولُ: هذا الحِمَالُ لا حِمَالَ خَيْبَرْ هَذا أبرُّ رَبَّنَا وأَطْهَرْ وجعَل قبلتَه إلى بيتِ المقدسِ، وجعلَ له ثلاثةَ أبوابٍ: بابًا في مؤخره، وبابًا يقالُ له: باب الرحمة؛ وهو البابُ الذي يُدْعَى ((بابُ عاتكةً))، والبابُ الثالثُ الذي يدخلُ منه رسولُ اللهِ وَِّ وهو البابُ الذي يلي آل عثمان، وجعلَ طولَ الجدارِ بسطةً وعمدَهُ الجذوعَ، وسقَّفَهُ جَرِيدًا فقيل له: ألا نسقفُهُ؟ فقالَ: عريشٌ كعريشِ موسى، خشباتٌ وثمامٌ، الشأنُ أعجلُ من ذلكَ، وبنى بيونًا إلى جنبيهِ (٢) باللبنِ وسقفها بجذوعِ النخلِ والجريدِ. فلما فرغَ من البناءِ بنَى بعائشةَ في البيتِ الذي بابه شارع إلى المسجد، وجعل سودةً بنتَ زمعةَ في البيتِ الآخر الذي [يليهِ إلى البابِ الذي] (٣) يلي آلَ عثمانَ. انتهى. وذكرَ ابنُ سعدٍ (٤) أن النبيّ(٥) بَ ◌ّ أقامَ في منزلِ أبي أيوبَ سبعةَ ◌ُشھر. وهذا يدلُّ على أنَّ بعضَ حُجره تم بناؤُه بعد ذلك وانتقلَ (٨٤- أ/ ك١) إليها. وروى ابنُ سعد (٦) - أيضًا -، عن الواقديِّ: ثنا (٧) عبدُ الرحمن بنُ (١) ((هو)) ليست في ((ك١)). (٣) ما بين المعقوفين سقط من ((ك١)). (٤) ((الطبقات)) (١/ ٢٣٧). (٥) في ((ك١)): ((رسول الله)). (٧) فى ((ك١)): ((حدثنا)). (٢) في ((ك١)): ((جنبه)) . (٦) ((الطبقات)) (١/ ٦١١). ٢٠٩ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة: أبي الرجالِ قالَ: ماتَ أسعدُ بنُ زرارةَ في شوال على رأسِ تسعة أشهرٍ من الهجرةِ ومسجدُ رسولِ اللهِ وَله يومئذٍ (١) يُبْنَى. وهذا يدلُّ على أنَّ بناءَ المسجد لم يتم إلا بعدَ تسعة أشهر من الهجرة . وأما قولُ أنس: ((فكان فيه ما أقولُ لكم: قبورُ المشركينَ، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ))، لفظة ((خَرِبٌ)) رُويت بالخاءِ المعجمة والباء (٣٩٣ - أ/ق) الموحدة، ورويت ((حرثٌ)) بالحاءِ والثاءِ المثلثة. قال الإسماعيليُّ: من قال: حَرث فهو محتملٌ؛ لأن ما حُرِثَ ولم يزرعْ أو زرعَ فرفع زرعُه كانت الأخاديدُ والشقوقُ باقيةً في الأرضِ؛ يشير إلى أنَّ ذلك يناسب (٢) قولَه: ((فأمرَ بالحرث فسوِّيتْ)) ومن قال: ((خربٌ)) فهو صحيحٌ، فهو جمع حَرِبةِ أو خُربة - بضم الخاء - وهو العيبُ كالجحرِ والشق ونحوِهِ. قال: وأما الخَرِب فهو كقولك ((مكان خَرب)) يعني: أنه يكونُ وصفًا لمذكرٍ. قال: والحديثُ خارجٌ على تأنيثِ هذا الحرفِ فكأنَّه بالجمع أشبهُ. وقال الخطابيُّ(٣): رُويَ(٤) ((خِرَب)) يعني: بكسرِ الخاء، وبفتح الراءِ. قال الليثُ: هي لغة تميمٍ ((خِرَب)) والواحد ((خِرْبة)). قالَ: وسائرُ النَّاس يقولون ((خَرِب)) يعني: بفتحِ الخاءِ وكسرِ الراءِ جمعُ ((خَرِبة)» كما قيلَ ((كَلِمٍ)) جمع ((كَلِمة)). قالَ: ولعلَّ الصوابَ ((الخُرَبُ)) مضمومة الخاءِ جمع (خُربة)) وهي الخروقُ التي في الأرضِ، إلا أنَّهم يقولونَها في كلِّ ثقبة(٥) مستديرة. قالَ: ولعلَّ الروايةَ ((الجُرف)) جمع (الجرفة)) وهي جمع الجُرف)) (١) ((يومئذ)) ليست في ((ك١)). (٣) ((أعلام الحديث)) (١/ ٣٩٠ - ٣٩١). (٥) كلمة ((ثقبة)) ضيَّب فوقها في ((١٥)". (٢) في ((ك١)): ((سب)). (٤) (روي)) ليست في ((١٥)). ٢١٠ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث : ٤٢٨ كما قيلَ ((خُرج)) و((خِرَجة)) و((ترس)) و ((ترَسَة)) قال: واثنين منها إن ساعدت الروايةُ ((حَدَبٌ)) جمع ((حَدبة)) لقوله: ((فسوِّيتْ)) وإنَّما يسوَّى المكان المُحدَودَبُ(١) أو ما فيه خروق، فأما الخَرِب فتُبنَى وتعمرُ. انتهى ما ذكره، وفيه تكلُّفٌ شديدٌ، وتلاعبٌ بهذه اللفظةِ بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة . والروايةُ التي رواها الحفَّاظُ ((خَرَب)) فإن كان مفردًا فإنما أَنَّثَ تسويتَه؛ لأنَّ التأنيثَ يعودُ إلى أماكنه والظَّاهرُ أنها كانت متعددةً. وإن كان (خِرَب)) بالجمع (٢) فتأنيثُها واضحٌ. ومعنى تسويةِ الخربِ: أنَّ البناءَ الخرابَ المستهدمَ يصيرُ في موضعِه أماكنُ مرتفعةٌ عنِ الأرضِ فتحتاج إلى أن تحفرَ وتسوّى بالأرضِ، وهذا أمرٌ واضحٌ ظاهرٌ (٣) لا يحتاجُ إلى تكلفٍ ولا تعسفٍ. وأما (٤) النخلُ: فقد أخبرَ أنسٌ أنه قُطعَ وصفَّ قبلةً للمسجدِ. وأما قبورُ المشركينَ فُبِشَتْ. وذكر أنَّهم بدءوا بنبشِ القبورِ، ثم بتسويةِ الخرب ثم بقطع (٥) النخَّلِ. والمقصودُ من تخريج (٣٩٣ - ب/ق) الحديثِ في هذا البابِ: أَنَّ موضعَ المسجد كان فيه قبورٌ للمشركين(٦) فنُبشتْ قبورُهم وأُخْرِجتْ عظامُهم منها. وهذا يدلُّ على أن المقبرةَ إذا نُبِشَتْ وأُخرجَ ما فيها من عظامِ الموتى لم تبقَ مقبرةً، وجازت الصَّلاةُ فيها، ويدلُّ على كراهة الصَّلاةِ في المقبرةِ (١) في ((ك١)": ((المحدود)). (٣) في ((ك١)): ((ظاهر واضح)). (٥) في ((ك١)): ((يقطع)). (٢) كلمة ((بالجمع)) ليست في ((ق)). (٤) في ((ك١)): ((ولما)). (٦) في ((١٥)): ((المشركين)). ٢١١ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة ولو كانتْ قبورَ المشركين لما فيه من سدِّ الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجدَ؛ فإنَّه إذا تطاولَ (٨٤ - ب/ ك١) العهدُ ولم يُعرفِ الحالُ خُشِيَ من ذلك الفتنةُ وقد يُقالُ مع ذلكَ: إنَّ في نبشِ عظامِ المشركينَ الصَّلاةِ في أماكنها تباعدًا في الصَّلاةِ عن مواضعِ العذابِ والغضب وهي مما تكره(١) الصَّلاةُ فيها كما سيأتي ذكرُه إن شاءَ اللهُ تعالى. صَلى الله وفي الحديثِ: دليلٌ على طهارةِ الأرضِ بالاستحالةِ؛ فإنَّ النبيَّ وسلم لم يأمر عند نبشِ الأرضِ بإزالةِ تراب القبورِ ولا تطهيرِها، ولو فعلَ ذلك لما أهمل تعلمه(٢) للحاجة إليه. ويدلُّ عليه - أيضًا - أنَّ الصَّحابةَ كانوا يخوضون الطِّينَ في الطُّقاتِ ولا يغسلونَ أرجلَهم - كما تقدم عنهم - والنَّجاساتُ مُشاهدةٌ في الطُّرقات فلو لم تطهر بالاستحالةِ لما سُومِحَ في ذلكَ، وهذا قولُ طائفة من العلماء من السَّلْفِ كأبي قلابةَ وغيرِهِ، ورجَّحَه بعضُ أصحابنا، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ، والمشهورُ عنه: أنَّ الأرضَ النجسةَ إذا جفت(٣) فإنَّه يُصلَّى عليها ولا يتيممُ بها، ومذهبُ مالكٍ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وغيرهم أنَّها نجسةٌ بكلِّ حالٍ . وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ قبورَ المشركينَ لا حرمةَ لها، وأنَّه يجوزُ نبشُ عظامِهم ونقلهم من الأرضِ للانتفاعِ بالأرضِ إذا احْتِيجَ إلى ذلكَ. واختلفوا في نبشِ قبورهم لطلب ما يُدفنُ معهم من مالٍ (٤)، فرخَّصَ فيه كثيرٌ من العلماءِ [حكاه ابنُ عبدِ البِّرَ عن أبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ. قال: وكَرِهَه مالكٌ، ولم يُحرِّمْه](٥)، وكان النَّاسُ يفعلون ذلك في أول (١) في ((ك١)»: «يكره)). (٣) في ((ك١)): ((خفيت)). (٥) ما بين المعقوفين سقط من ((ك١)). (٢) في ((ك ١)): ((نقله)). (٤) في ((ك١)): ((المال)). ٢١٢ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الحديث : ٤٢٨ الإسلامِ كثيرًاً(١). وقد رُوِيٍّ(٢) عنِ النبيِّ ◌ِّ أنه مَرَّ بقبرِ أبي رِغَالٍ فأخبرهم أنَّ معه غُصنًا من ذهبٍ فنبشوه واستخرجوه منهُ. ومن العلماء من كَرِهَ ذلكَ، منهم: مالكٌ وغيرُه كما (٣) يكره الدخولَ إلى مساكنِهم خشيةَ نزولِ العذابِ فكيفَ بقبورِهم(٤). وكره بعضُ السَّلْفِ نبشَ القبورِ العاديةِ المجهولةِ خشيةَ أن يصادفَ قِبرَ نبيٌّ أو صالحٍ وخصوصًا بأرضِ (٣٩٤ - أ/ ق) الشَّامِ كالأردنِ، ونصَّ أحمدُ على أنَّه إذا غلبَ المسلمون على أرضِ الحربِ فلا تُنْبَشُ قبورُهم. وهذا محمولٌ على ما إذا كانَ النَّبْشُ عَبَثًا لغيرِ مصلحةٍ أو أن يُخشى منه أن يفعلَ الكفارُ مثلَ ذلك بالمسلمينَ إذا غلبوا على أرضِهِم. وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ بَيْعَ الأرض التي في بعضِها قبورٌ صحيحٌ؛ فإنَّ النبيَّ وََّ طلبَ شراءَ هذا المِرَبَدِ. وهذه المسألةُ على قسمين : أحدُهما: أن يكون المقبور(٥) في الأرض يجوزُ نبشُهُ ونقلُه كأهلٍ الحربِ ومَنْ دُفِنَ في مكانٍ مغصوبٍ، فهذا لا شكَّ في صحةِ البيعِ للأرضِ كلِّها وينقل المدفون فيها كما أمر النبيّ وَ له بنقلِ عظامِ المشركين من المربد. (١) في ((ك١)): ((كثيرًا في أول الإسلام». (٢) أبو داود في ((سننه)) (٣٠٨٨). (٣) في ((ق)): ((منهم الأوزاعي وعلل ذلك بأنه يكره .. )). (٤) ((فكيف بقبورهم)) ليست في ((ك١)). (٥) في ((ق)): ((تكون القبور)). ٢١٣ الحديث : ٤٢٨ كتاب الصلاة والثَّاني: أن يكونَ المقبورُ محرَّمًا (١) لا يجوزُ نبشُهُ، فلا يصحُّ بيعُ موضعِ القبورِ خاصةً وهل يصحّ في الثاني(٢)؟ يُخرّجُ على الخلاف المشهورِ في تفريقِ الصَّفْقة. ولو اشترى أرضًا فوجدَ في بعضِها عظامَ مَوتَى ولم يعلمْ هل هي مقبرةٌ أم لا؟ فقال ابنُ عقيلِ من أصحابِنا وبعضُ الشَّافعيةِ في زمنه: لا يصحّ البيعُ في محلِّ الدفنِ؛ لأنَّ تلك البقعةَ إما أن تكونَ مسبلةً أو أن تكون(٣) ملكًا للميت قد وَصى (٤) بدفنه فيها (٨٥ - أ/ ك١) فيكون أحقّ بها ولا ينتقلُ إلى الورثةِ. وهذا الذي قالوه هو الأغلبُ. وإلا فيحتمل(٥) أن يكونَ الدفنُ في أرضِ مغصوبةٍ أو مغارة للدفن، إلا أنَّ هذا قليلٌ أو نادرٌ فلا يعول عليه واللهُ أعلم. والمنصوصُ عن أحمدَ أنَّه إذا دُفنَ في بيتِ من دارِه فلا بأسَ ببيعه ما لم يُجْعَلْ مقبرةً مُسبَّلةً. وفي الحديث: دليلٌ على جوازِ قطعِ النَّخلِ لمصلحةٍ في قطعِه. وقد نصَّ على جوازِه أحمدُ إذا كانت(٦) في دارِهِ نخلةٌ ضَيَّقَتْ عليه فلا بأسَ أن يقطعها. وكره جماعةٌ قطعَ الشجرِ الذي يثمرُ، منهم: الحسنُ، والأوزاعيُّ، وإسحاقُ. وكره أحمدُ قطعَ السِّدُرِ خاصةً؛ لحديثِ مرسلٍ ورد فيه (٧)، وقالَ: قلَّ (٣٩٤ - ب/ ق) إنسانٌ فعلَه إلا رأى ما يكره في الدنيا. ورخَّصَ في قطعِه آخرونَ. (١) في ((ك١)): ((محترمًا)). (٢) في ((ك١)): ((الباقي)). (٣) في ((ك١)): ((وأن تكون)). (٤) في ((ك١)): ((رضي)). (٥) في ((ك١)): ((فيحمل)). (٦) في ((ك١)»: «إذا كان)). (٧) («الميزان)) (٢/ ١٥٧) وذكر أن للخبر علَّةً وهي: الإرسال، ونقل ابن الجوزي في = ٢١٤ الحديث : ٤٢٩ ٤٩- بَابُ الصَّلاةِ فِي مَرَبضِ الْغَنَمِ ٤٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يُصَلِّي فِي مَرَبِضِ الْغَنَمِ. [ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَبِضِ الْغَنَمِ](١) قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المسجدُ. م هذا مختصرٌ من الحديث الذي (٢) قبلَهُ، وإنما تركَ الصَّلاةَ في مرابضٍ الغنمِ بعد بناءِ المسجد لاستغنائه عنها بالمسجد، لا لنسخ الصّلاةِ فيها؛ فإنَّهِ رُويَ عنه أنَّه أَذِنَ في ذلكَ، ففي صحيحِ مسلمٍ، عن جابرِ بنِ سمرةً(٣) أنَّ رجلا قالَ للنبيِّ بَّهِ: أصلِّي في مرابضِ الغنمِ؟ قالَ: ((نعم) قالَ: أصُلِّي في مباركِ الإبلِ؟ قالَ: ((لا)). وفيه أحاديثُ أُخرُ يأتي بعضُها إن شاءَ اللهُ تعالى. وقد رُوي(٤) الرخصةُ في ذلك عن ابنِ عمرَ، وأبي ذرٍ(٥)، وأبي = ((العلل المتناهية)»(٦٥٧/٢) عن العقيلي قوله: الرواية في هذا الباب فيها اضطراب وضعف ولا يصح في قطع السدر شيء، وقال ابن الجوزي - أيضًا -: وقال أحمد بن حنبل: ليس فيه حديث صحيح. وراجع العقيلي (٣٩٦/٤). وراجع ((المنتخب من علل الخلال)) (ص٧٦)، و((التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث)) (ص١٧٤) للعلامة الشيخ بكر أبو زيد، وراجع ((أطراف الغرائب)) لابن طاهر (٦١٤٤) بتحقيقنا . (١) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)). (٤) في ((ك١)): ((رويت)). (٣) (٣٦٠). (٢) كلمة ((الذي)) ليست في ((ك١)). (٥) («الأوسط)) (١٨٧/٢). ٢١٥ الحديث : ٤٢٩ كتاب الصلاة هريرةَ، وجابرِ بنِ سمرةً، وابن الزبيرِ، وغيرهم وهو قولُ العلماء بعدهم. قالَ ابنُ المنذرِ(١): أجمعَ كلُّ من نحفظُ عنه من أهلِ العلمِ على إباحةِ الصَّلاةِ في مرابضِ الغنمِ. إلا أن الشافعيَّ فإنَّه (٢) قالَ: لا أكره الصلاة (٣) في مَرَاحِ الغنمِ إذا كانَ سليمًا من أبوالِها وأبعارِها (٤). (١) ((الأوسط)) (٢/ ١٨٧). (٢) كذا في ((ق)) و((ك١)»، ولعل الصواب بحذف ((فإنه)) والله أعلم. (٣) كلمة ((الصلاة)) ليست في ((ق)). (٤) في ((ك١)): ((ومن أبعارها)). ٢١٦ الحديث: ٤٣٠ ٥٠ - بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ ٤٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّنَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ(١) ◌ِه ٥ ,وو يَفْعَلُهُ. سليمانُ بنُ حَيَّنَ هو أبو (٢) خالد الأحمرُ. وقد خرَّجَ الشَّيخانِ هذا الحديثَ في ((صحيحَيْهِمَا)) من طريقه(٣)، ومن طريقِ المعتمرِ(٤) بنِ سليمان - أيضًا - عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، ورواه - أيضًا - شريكٌ، عن عبيد الله كذلك، وخالفهم ابن نميرٍ، ومحمد بن عُبَيد فروياه عن عبيد الله، عن نافع، أنَّ ابنَ عمرَ كان يفعلُ ذلكَ ولم يرفعاه، وزعمَ الدارقطنيّ أنه الصحیحَ. وتَصَرُّفُ الشيخين يشهدُ بخلاف ذلكَ، وأنَّ الصَّحيحَ: رفعُه؛ لأنَّ من رفعه فقد زادَ، وهُمْ جماعةٌ ثقاتٌ. والحديثُ نصٌّ في جوازِ الصَّلاةِ إلى البعيرِ . قالَ ابنُ المنذر(٤): (٣٩٥ - أ/ ق) فعلَ ذلك ابنُ عمرَ، وأنسٌ، وبه قالَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، وقالَ أبو طالبٍ: سألتُ أحمدَ: يصلِّي الرجلُ (١) في ((ك١)): ((رسول الله)). (٣) مسلم (٥٠٢)، والبخاري (فتح: ٥٠٧). (٢) في ((ك١)): ((هو خالد الأحمر)). (٤) ((الأوسط)) (٨٦/٥). ٢١٧ الحديث: ٤٣٠ كتاب الصلاة إلى بعيرِه؟ قال: نعم؛ النبيُّ بَ لّ فعلَ ذلك، وابنُ عمرَ. وكلامُ أحمدَ هذا يدلُّ على صحة رفع الحديث عنده (٨٥ - ب/ ك١) كما هي طريقةُ البخاريِّ، ومسلمٍ. وممن رُوِيَ عنه الاستتارُ ببعيرِه في الصلاةِ: سُويدُ بنُ غَفَلَة، والأسودُ ابنُ يزيدَ، وعطاء، والقاسمُ، وسالمٌ. وقال الحسنُ: لا بأسَ به. قال ابنُ عبد البرِّ: لا أعلم فيه خلافًا. ونقل البويطيُّ، عن الشافعيِّ أنه لا يُصَلَّى إلى دابة(١). قال بعضُ أصحابِهِ المتأخرين: لعلَّ الشَّافعيَّ لم يبلغْه الحديثُ، وقد وصَّانا باتباع الحديثِ إذا صحَّ، وقد صحَّ هذا الحديثُ ولا معارضَ له. وتبويبُ البخاريِّ يدلُّ على أن هذا الحديثَ يُؤْخدُ منه أنَّه تجوزُ الصَّلاةُ في مواضعِ الإبلِ وأعطانها، وقد سبقهُ إلى ذلكَ بعضُ من تقدمَ. وقد كتبَ الليْثُ بنُ سعدٍ إلى عبدِ اللهِ بن نافعٍ مولَى ابنِ عمرَ يسأله عن مسائلَ منها: الصلاةُ في أعطانِ الإبل، فكتبَ له في جوابِه: وأما ما ذكرتَ من معاطنِ الإبلِ: فقد بلغنا أنَّ ذلك يكره، وقد كانَ رسولُ الله (٢) مرَّه يُصلِّي على راحلتِهِ، وقد كانَ ابنُ عمرَ، ومَنْ أدركنا من خيارِ أهلٍ أرضنا يعرضُ أحدُهم ناقتَه بينَه وبين القبلةِ فيصلِّي إليها وهي تبعر وَ وتبولُ. وروى وكيعٌ عن إسرائيلَ، عن جابر - هو: الجعفي -، عن عامرٍ ءِ (١) نقلها ابن المنذر عن الشافعى فى ((الأوسط)) (٨٦/٥) وزاد: ((ولا امرأة)). (٢) في (ك١)): ((النبي)). ٢١٨ ٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل الحديث: ٤٣٠ الشَّعْبِيِّ، عن جندب بنِ عامر السلمي أنَّه كان يصلِّي في أعطانِ الإبلِ ومرابضِ الغنم. ورخَّصَ سفيانُ الثوريَّ في الصَّلاةِ في أعطانِ الإبلِ، ذكره بعضُ المصنفين على مذهبه، وقالَ: رواه عنه القَنَّادُ (١). وأكثرُ أهلِ العلمِ على كراهةِ الصَّلاةِ في أعطانِ الإبل . قالَ ابنُ المنذرِ(٢): وممن رَوينا عنه أنَّه رأى الصَّلاةَ في مرابضِ الغنمِ ولا يصلّي في أعطانِ الإبلِ: جابرُ بنُ سمرةَ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، والحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. انتهى. وهو - أيضًا - قولُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ. وقد رُوِيَ ذلك عن النبيِّ وَِّ من طرقٍ متعددة. ء وقد سبقَ حديثُ جابرِ بنِ سمرةً، عنِ النبيِّ وَّةِ (٣٩٥ - ب/ ق) بالنَّهي عن الصَّلاةِ في أعطانِ الإبلِ، والأمرِ بالصلاة في مرابضِ الغنم. خرَّجَه مسلمٌ (٣). وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجهْ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ (٤) في ((صحيحيهما)) من حديث ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((صَلُّوا في مرابضِ الغنمِ، ولا تُصلُّوا في أعطانِ الإبلِ»، وصحّحه الترمذيَّ، وإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ؛ إلا أنه اختُلِفَ على ابنِ سيرينَ في رفعه ووقفه. (١) محمد بن عبد الوهاب القناد السكري ((تهذيب الكمال)) (٣٤/٢٦). (٣) (٣٦٠). (٢) ((الأوسط)) (١٨٧/٢). (٤) المسند)) (٤٩١,٤٥١/٢، ٥٠٩)، والترمذي (٣٤٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٧٦٨)، وابن خزيمة (٨/٢)، و((الإحسان)) (٢٢٤/٤ - ٥٩٩). ٢١٩ الحديث: ٤٣٠ كتاب الصلاة قالَ الدارقطنيُّ: كانت عادةُ ابنِ سيرينَ أنَّه ربما توقَّفَ عن رفع الحديث توقيًا(١). وخرَّجَهُ الترمذيُّ (٢) من حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ وَُّلّ نحوه(٣)، وذكر أنه اختلف في رفعِه ووقفه أيضًا(٤)، وذكر في كتاب ((العلل)) عن البخاريِّ أن المعروفَ: وقفه. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من(٥) حديث البراء بن عازبٍ قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَ لهعن الصَّلاةِ في مبارك الإبلِ؟ فقالَ: ((لا تُصلُّوا في مباركِ الإبلِ؛ فإنَّها من الشَّيَاطِينِ)) وسُئِلَ عن الصَّلاةِ في (٨٦ - أ/ك١) مرابضِ الغنمِ؟ فقالَ: ((صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بركةٌ)). قالَ ابنُ عبد البرِّ: هو أحسنُ أحاديث الباب وأكثَرُها تواترًا. وروى الحسنُ، عن عبدِ اللهِ بن مغفلٍ أنَّ النبيَّ ◌َلَهَ نَهَى عن الصَّلاة في أعطانِ الإبل. (١) قال الدارقطنى فى ((العلل)) (٣٠،١٤/١٠): ((وكان ابن سيرين ربما وقف المرفوع)). ويلاحظ أن ابن سيرين قد تصحّفت في المطبوع إلى ((ابن عون)) ولا علاقة لابن عون بهذا الحدیث والله أعلم. (٢) ((الجامع)) (٣٤٩) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، ومن طريق إسرائيل، عن أبي حصين موقوفًا وقال في حديث أبي حصين المرفوع: غريب، وقال - أيضًا - في ((العلل الكبير)) له (ص٧٨): سألت محمدًا (أي: البخاري) عن هذا الحديث (أي: حديث أبي بكر بن عياش مرفوعًا) فقال: رواه إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا، ولم يعرف محمد حديث أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. (٣) في ((ك١)): ((بنحوه)). (٤) كلمة ((أيضًا)) ليست في ((ك١)). (٥) ((المسند)) (٢٨٨/٤، ٣٠٣)، وأبو داود (١٨٤)، ((والتمهيد)) (٣٣٣/٢٢). ٢٢٠