النص المفهرس
صفحات 181-200
٤٦ - باب المساجد في البيوت الحديث : ٤٢٥ مالك كانَ رجلا محجوبَ البصرِ، وأنه ذكرَ للنبيِّ وَّهِ التخلفَ عن 8 الصلاة، فقالَ: ((هل تسمعُ النداءَ؟)) قالَ: نعم، فلم يرخِّصْ له. وكذا رواه محمد بنُ سعد (١)، عن سفيانَ. وهو يدلُّ على أن سفيانَ شكَّ في إسنادِهِ ولم يحفظه. وقال الشَّافعيُّ: أبنا سفيانُ بنُ عيينةَ: سمعتُ الزهريَّ يحدثُ عن محمودِ بنِ الربيعِ، عن عتبانَ بن مالك قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إني محجوبُ البصرِ، وإنَّ السيولَ تحولُ بيني وبينَ المسجدِ، فهل لي من عذر؟ فقال(٢) رسولُ الله وَّ: ((هل تسمعُ النداء؟)) قال: نعم، فقالَ له النبيُّ وَلَهُ: ((لا أجدُ لك من عُدْرِ إذا سمعتَ (٣٨٦ - أ/ق) النداءَ). قال سفيانُ: وفيه قضيةٌ لم أحفظْها . قال الشَّافعيُّ: هكذا حدثنا(٣) سفيانُ، وكان يتوقاه ويعرفُ أنه لم يضبطه(٤). قال: وقد أوهمَ فيه فيما نرى، قال(٥): والدلالةُ على ذلكَ: ما أنبأ مالكٌ، عنِ ابنِ شهابٍ، ثم ذكر حديثَ عتبان المتقدم على ما رواه الجماعةُ، عنِ الزهريِّ. قال البيهقيَّ: اللفظُ الذي رواه ابنُ عيينةَ في هذا الإسنادِ إنما هو في قصةِ ابنِ أم مكتومِ الأعمَى(٦). قلت: وقد اشتبهت القضيتان على غيرٍ واحدٍ، وقد سبقَ عن الإمامِ أحمدَ أنه ذكر أنَّ ابنَ أم مكتومٍ سأل النبيِّ وَّ أن يصلِّيَ في بيتِه ليتخذَه (١) ((الطبقات)) (٥٥٠/٣). (٢) في ((ك١)): ((قال)». (٣) في ((ق)): «ثنا)» . (٤) في ((١٥)): ((يظنه)). (٥) كلمة ((قال)) ليست في ((ق)). (٦) ((معرفة السنن والآثار)) (١٢٠/٤ - ١٢٢) و((التمهيد)) (٢٢٩/٦). ١٨١ الحديث : ٤٢٥ كتاب الصلاة مصلّى؛ وإنما هو عتبانُ بنُ مالك. وقد اشتبه على بعضِ الرواة محمودُ بنُ الربيع - الراوي له عن عتبان - فسمَّاه محمودَ بَن لبيد، وهو - أيضًا(١) - وهمٌ، وقد وقعَ فيه بعضُ الرواةِ للحديثِ عن مالك، وقال يزيدُ بنُ هارونَ (٢)، عن(٣) سفيانَ ابنِ حسين، عن الزهريِّ، عن محمودِ بن الربيعِ - أو - الربيع بن محمود - شكَّ یزید. وقد رُوِيَ عن ابن عيينةَ بإسنادٍ آخر: خرَّجَه ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التمهيد))(٤) من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ محمد: حدثنا(٥) سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن عمرةَ، عن عائشةَ - إن شاءَ الله -، عن عتبانَ بنِ مالك أَنَّه سألَ رسولَ اللهِ وَله عن التخلف عن الصلاة فقال: ((أتسمعُ النداءَ؟)) قال: نعمْ، فلم يرخِّصْ له. وهذا الإسنادُ غيرُ محفوظ؛ ولهذا شك فيه الراوي: إما سفيانُ أو غيرُهُ وقالَ: إن شاء اللهُ، وإنما أرادَ حديثَ محمودِ بن الربيع. وأما حديثُ ابنِ أمِّ مكتومٍ: فقد خرَّجه مسلمٌ (٦) من روايةٍ يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن أبي هريرةَ قالَ: أتى النبيَّ وَّهَ رجلٌ أعمى، فقالَ: يا رسول الله، إنَّه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسألَ رسولَ الله ◌ِ الره أن يرخصَ له فيصلِّي في بيته، فرخَّصَ له، فلما ولَّى دعاه فقالَ: ((هل تسمع النِّداءَ بالصَّلاة؟» قال: نعم، قال: ((فأجب)). (١) ((التمهيد)) (٢٢٦/٦ -٢٣٠). (٢) ((المسند)) (٤٣/٤). (٣) كلمة ((عن)) ليست في ((١٥)). (٤) (٦/ ٢٢٩). (٥) في: ((ق)): ((ثنا)». (٦) مسلم (٦٥٣). ١٨٢ ٤٦ - باب المساجد في البيوت الحديث: ٤٢٥ وخرَّجَ الإمامُ أحمد، وابنُ حبانَ في ((صحيحه))(١) من حديث عيسى ابن جاريةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: أتى ابنُ أمّ مكتومٍ إلى النبيِّ وَّه عبد الله فقالَ: يا رسولَ اللهِ، منزلي شاسعٌ وأنا مكفوفُ البصرِ وأنا أسمعُ. قالَ: ((فإن سمعتَ الأذانَ فأجبْ ولوحبواً ولو زحفًا». وعيسى بنُ جاريةَ تُكُلِّم فيه. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ (٣٨٦ - ب/ق)، وأبو داودَ، وابن ماجه (٧٩ - أ/ ك١)، وابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم(٢) من حديث عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ◌َّ فقال: يارسولَ اللهِ إنِّي رجلٌ ضريرُ البصرِ شاسعُ الدارِ ولي قائدٌ لا يلائمني، فهل تجدُ لي رخصةً أنْ أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمعُ النداءَ؟)) قال: نعم. قال: ((لا أجدُ لك رخصةً)). وفي إسنادِهِ اختلافٌ على عاصمٍ. ورُويَ عنه، عن أبي رزينٍ مرسلا(٣). ورواه أبو سنان(٤)- سعيد بن سنان - عن عمرو بنِ مرةً، عن أبي رزينٍ، عن أبي هريرةَ. وأبو سنان، قال أحمدُ: ليس بالقويِّ. (١) ((المسند)) (٣٦٧/٣)، و(«الإحسان)) (٤١٢/٥). (٢) ((المسند)) (٤٢٣/٣)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، وابن خزيمة (٣٦٨/٢)، والحاكم (٢٤٧/١). (٣) البيهقي في ((الكبرى)) (٥٨/٣). (٤) ابن أبي شيبة (٣٤٦/١). ١٨٣ الحديث : ٤٢٥ كتاب الصلاة: وخرج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيَّ، وابنُ خزيمة(١) من حديثٍ عبدِ الرحمنِ بن عابس، عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، عن ابن أمُّ مكتومٍ أنَّه قال: يا رسولَ الله، إن المدينةَ كثيرةُ الهوامّ والسباعِ، فقالَ النبيّ حَكَا اللّه. وسيلة . عليـ ((هل(٢) تسمعُ : حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ؟)) قال: نعم. قال: «فحي هلا)). وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ(٣) من حديثِ عبدِ العزيزِ بنِ مسلمٍ، عن حُصينٍ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، عنِ ابنِ أمِّ مكتومِ أنَّ رسولَ الله بَّ أتى المسجدَ فرأى في القومِ رقةً، فقالَ: ((إنِّي لأهم أن أجعلَ للنَّاسِ إمامًا ثم أخرج فلا أقدرُ على إنسانٍ يتخلفُ عن الصَّلاةِ في بيتِه إلا أحرقته(٤) عليه فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ إن بيني وبينَ المسجدِ نخلا وشجرًا، ولا أقدرُ على قائد كلَّ ساعةٍ، أيسعني أن أصلِّيَ في بيتي؟ قالَ: «أتسمعُ الإقامةَ(٥)؟)) قال: نعم. قال: ((فأتها)) . وخرَّجَهَ ابنُ خزيمةَ والحاكمُ (٦) من روايةِ أبي جعفرٍ الرازي، عن حُصينٍ به بنحوه. وقد رُويَ هذا الحديثُ من روايةِ البراءِ بنِ عازبٍ، وأبي أُمامةَ، وكعبِ بنِ عجرةَ. وفي أسانيدِها ضعفٌ، واللهُ أعلم. (١) أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (٢/ ١١٠)، وابن خزيمة (٣٦٧/٢)، وقال ابن خزيمة: ((أخبرنا أبو طاهر: نا أبو بكر: نا علي بن سهل الرملي بخبر غريب غريب ... )) ثم ساق باقي الإسناد والحديث، و((الكبرى)) للبيهقي (٥٨/٣). وبعد بحث لم أجده في ((المسند)) وكذلك («أطرافه». (٣) («المسند» (٤٢٣/٣). (٤) في ((ك١)): ((أحرقه)). (٢) كلمة ((هل)) ليست في ((ق)). (٥) في ((ق)) كتب فوقها: ((صح)). (٦) ابن خزيمة (٣٦٨/٢)، والحاكم (٢٤٧/١). ١٨٤ ٤٦ - باب المساجد في البيوت الحديث : ٤٢٥ وقد أشكلَ وجهُ الجمعِ بين حديثِ ابنِ أم مكتومٍ، وحديثِ عتبان بنِ مالك حيث جعلَ لِعتبان رخصةً ولم يجعلُ لابنِ أمِّ مكتوم رخصةً. فمن الناسِ من جمع(١) بينهما: بأن عتبانَ ذكر أنَّ السيولَ تحولُ بينه وبينَ مسجدٍ قومِهِ، وهذا عذرٌ واضحٌ؛ لأنَّه يتعذرُ معه الوصولُ إلى المسجدِ، وابنُ أم مكتومٍ لم يذكر مثلَ ذلكَ وإِنما ذكر مشقةَ المشي عليه. وفي هذا ضعفٌ؛ فإنَّ السيولَ لا تدوم، وقد رخَّصَ له في الصَّلاةِ في بيته (٣٨٧ - أ/ ق) بكلِّ حال ولم يخصَّه بحالةِ وجودِ السيلِ، وابنَ أمّ ه مكتوم قد ذكرَ له أنَّ المدينةَ كثيرةُ الهوامّ والسباعِ وذلك يقومُ مقامَ السيلِ المخوف(٢) وقيل(٣) : إن ابنَ أم مكتومٍ كان قريبًا من المسجد بخلاف عتبان؛ ولهذا وردَ في بعضِ طرقِ حديثٍ ابن أمِّ مكتوم أنَّه كان يسمعُ الإقامةَ؛ ولكن في بعضِ الروايات أنَّه أخبر أن منزلَه شاسعٌ - كما تقدم. ومن الناسِ من أشارَ إلى نسخِ حديثِ ابنِ أم مكتومٍ بحديثِ عتبان؛ فإنَّ الأعذارَ التي ذكرها ابنُ أم مكتوم يكفي بعضُها في سقوطِ حضورِ المسجد . وقد أشارَ الجوزجانيُّ(٤) إلى أن حديثَ ابنِ أم مكتومٍ لم يقُلْ أحدٌ بظاهرِه، يعني: إنَّ هذا لم يوجبْ حضور المسجد على من كان (٧٩ - ب/ ك١) حاله كحالِ ابنِ أُمِّ مكتومٍ . (١) في ((ك١)): ((يجمع)). (٢) كلم ((المخوف)) ضَبَّب عليها في ((ك١)). (٣) في ((١٥)): ((وقد قيل)). (٤) )) شرح علل الترمذي)) (٣٢٧/١): قال: وقد ذكر بعضهم أنه لا يعلم أحدًا أخذ بذلك. ١٨٥ الحديث : ٤٢٥ كتاب الصلاة وَخَ﴿ إنما أرادَ لا يجدُ لابنِ أم مكتوم رخصةً في وقيل: إنَّ النبيَّ حصولِ فضيلةِ الجماعةِ مع تخلفِهِ وصلاتِهِ في بيتِه (١). واستدلَّ بعضُ من نصرَ ذلك - وهو البيهقيّ - بما خرجه في ((سننِهِ)) من طريقِ أبي شهابٍ الحناط، عن العلاءِ بنِ المسيبِ، عن أبيه، عن ابن أم مكتومٍ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إِنَّ لي قائدًا لا يلائمني في هاتين الصلاتينِ. قال: ((أيُّ الصَّلاتين؟)) قلتُ: العشاءُ والصبحُ. فقالَ النبيُّ وَلَهُ: ((لو يعلمُ القاعدُ عنهما ما فيهما لأتوهما (٢) ولو حبواً))(٣). وحديثُ ابن أم مكتوم يدلُّ على أن العَمى ليسَ بعذرِ في تركِ الجماعةِ إذا كان قادراً على إتيانها، وهو مذهبُ أصحابنا. ولو لم يمكنْه المجيءُ إلا بقائدٍ ووجَد قائدًا متبرعًا، فهل يجبُ عليه حضورُ المسجد؟ على وجهينِ ذكرهما ابنُ حامدٍ من أصحابنا؛ وهذا بناء على قول أحمدَ: إنَّ حضورَ المسجد للجماعة فرضُ عينٍ. وسيأتي ذكر ذلك مستوفَّى في موضعه إن شاء الله تعالى (٤). وقد يُستدلَّ بحديث عتبانَ على أنَّ الجماعةَ في البيتِ تكفي من حضورِ المسجدِ خصوصًا للأعذارِ، ويحتملُ أن يكون عتبانُ جعل موضعَ صلاةِ النبيِّ ◌َِله في بيته مسجدًا يُؤْذِّنُ فيه ويقيم ويصلِّي [بجماعةِ أهلِ داره ومن قرب](٥) منه، فتكون(٦) صلاتُه حينئذ في مسجد إمَّا مسجد جماعة أو مسجد بیت یجمعُ فيه. (١) ((معرفة السنن والآثار)) (١٢٢/٤)، و((السنن الكبرى)) (٥٨/٣). (٢) كذا في ((ق)) و((ك١))، وقد كتب الناسخ في هامش ((ق)): ((لعله لأتاهما)). (٣) ((السنن الكبرى)) (٥٨/٣). (٤) كلمة ((تعالى)) ليست في ((ك١)). (٥) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)). (٦) في (ك ١)): ((فيكون)). ١٨٦ ٤٦ - باب المساجد في البيوت الحديث: ٤٢٥ وأما ابنُ أم مكتومٍ: فإنَّه استأذنَ في صلاتِه في بيتِه منفردًا فلم يأذنْ له . وهذا أقربُ ما جُمع به بينَ الحديثينِ، واللهُ أعلم. لكن في (سنن البيهقيِّ» (١) من حديثٍ كعبِ بنِ عجرَةَ أنَّ رجلا أعمى أتَى رسولَ الله ◌َّهِ (٣٨٧ - ب/ ق) فقالَ: إِنِّي أسمعُ النداءَ، ولعلِّي لا أجدُ قائدًا أفأتخذُ مسجدًا في دارِي؟ فقالَ له رسولُ اللهِ وَّ: ((تسمع النداءَ؟)) قالَ: نعم: قالَ: ((فإذا سمعتَ النداءَ فاخرجْ)). وفي إسنادِهِ اختلافٌ، وقد قالَ أبو حاتم(٢) فيه: إنه منكرٌ. ومعَ هذا فلا دلالةَ فيه على أنَّه أرادَ أن يصلِّيَ في بيته جماعةً؛ إنَّما فيه أنَّه أرادَ أن يجعلَ في دارِهِ (٣) مسجدًا لصلاتِهِ في نفسِهِ. وفي حديثِ عتبانَ: دليلٌ على جوازِ إمامةِ الأعمى، وجوازِ الجماعةِ في صلاةِ التطوعِ أحيانًا، وجوازِ إمامةِ الزائرِ بإذنِ المزورِ في بيته. وقولُهُ: ((وحبسناه على خزيرة صنعنَاهَا(٤) لَهُ)) يدلُّ على أنَّ الزائرَ وإن كانَ صاحبَ المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له فإنه يستحبُّ له أن يضيفَه وإن حبسه لذلكَ في بيتِهِ بعدَ (٥) انقضاءِ حاجتِهِ لم(٦) يضر ذلكَ بشرط أن لا يكونَ على الزائرِ فيه مشقةٌ . (١) ((الكبرى)) (٥٨/٣) وقال: ((خالفه أبو عبد الرحيم فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي ابن ثابت، عن عبد الله بن معقل)). (٢) ((علل الرازي)) (١٥٩/١). (٤) في ((ق)) ((صنعاها)). (٦) في ((ك١)): ((ثم)). (٣) في ((ك١)): (بيته)) . (٥) تحرفت في (ك١)) إلى ((مَبَد)) كذا. ١٨٧ الحديث: ٤٢٥ كتاب الصلاة والخزيرةُ: مَرَقةٌ تصنعُ من النُّخالةِ، وقيلَ: من الدقيقِ - أيضًا - وقيلَ: إِنَّه لابدَّ أن يكونَ معها شيءٌ من دسمٍ من شحمٍ أو لحمٍ وخصّ بعضُهم دسمَها باللحم خاصةً. وقوله: ((فئابَ في البيتِ رجالٌ)) يعني: جاءُوا متواترينَ بعضُهم في إثرِ بعض. و وقوله: ((من أهلِ الدارِ)) يعني: دارَ بني سالمٍ بنِ عوفٍ، وهم قومٌ عتبان . وفي قولِ النبيِّ وََّ: ((لا تقلْ ذلك)) نهيٌّ أن يُرْمَى أحدٌ( ٨٠ - أ/ ك١) بالنفاقِ لقرائنَ تظهرُ عليه. وقد كانَ النبيُّ ◌َلَّه يُجرِي على المنافقينَ أحكامَ الإسلام(١) في الظَّهرِ مع عِلمِهِ بنفاقِ بعضِهم، فكيف بمسلمٍ يُرمَى بذلك بمجرَّدٍ قَرینةِ. وفيه: أنَّ من رَمَى أحدًا بنفاق وذكر سُوءَ عمله فإنَّه ينبغي أن تُردَّ غِيِبتُهُ ويُذْكَر صالحُ عمِلِهِ؛ ولهذا ذكر النبيُّ وَِّ أَنَّه يشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ولا يلتفتُ إلى قول من قالَ: إنَّما يقولُها تقيةً ونفاقًا. وإنما لم يأمرِ النبيَّ ◌َّهِ بهجرِ مالكِ بنِ الدُّخشن(٢) لأنَّه لم يُعرَفْ عنده بما يُخشى عليه منه النفاق ولم يثبتْ ذلكَ ببينةٍ، وإنَّما رُميَ بذلكَ. بخلاف الثَّلاثة الذين خُلِّفوا؛ فإنهم اعترفُوا بما يُخْشَى عليهم منه النفاقُ، (١) في ((ك١)): ((المسلمين)). (٢ مالك بن الدُّخْشُن، ويقال: مالك بن الدُّخْشُم - بالميم. وهو مترجم في ((الإصابة)) (٧٢١/٥) . ١٨٨ ٤٦ - باب المساجد في البيوت الحديث: ٤٢٥ ولهذا عَذْرَ المعتذرينَ ووكلهم إلى الله وكانَ كثيرٌ منهم كاذبًا . وقد سبقَ القولُ في معنى تحريمٍ من قال: ((لا إله إلا الله)) على النَّار في أواخرِ كتابٍ ((العلمِ)). وقد شهدَ مالكُ بنُ الدخشمِ مع النبيِّ نَّهِ بدرًاً وأُحُدًا والمشاهدَ كلَّها. واختلفوا: هل شهد (٣٨٨ - أ/ ق) مع الأنصارِ بيعة العقبة أم لا؟. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َِّ بعثَهُ مع عاصمِ بنِ عدي لتحريق مسجد الضّرار وهدمه. وقد روى أسدُ بنُ موسى: حدثنا(١) حمادُ بنُ سلمةَ، عن عاصمِ بنِ بهدلةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ أن رجلا من الأنصارِ أرسلَ إلى رسولِ الله ◌َّ فِي دَارِهِ فأتاه النبيُّ ◌َّهِ واجتمعَ قومُهُ وتغيبَ رجلٌ منهم فقالَ النبيُّ بَّهِ: ((أين فلان؟)) فغمزَهُ رجلٌ منهم، فقالَ: إنَّه وإنه فقالَ رسولُ الله(٢) وَلَهُ: ((أليسَ قد شهدَ بدرًا؟)) قالوا: بلى. قالَ: ((فلعلَّ اللهَ قد اطَّلَعَ إلى أهلِ بدرٍ فقالَ: اعملوا ماشئتم فقد غفرتُ لكم له))(٣). وخرَّجَه الطبرانيُّ (٤) من طريقِ حمادٍ - أيضًا - ولفظُ حديثه: إنَّ رجلا من الأنصارِ عَميَ فبعثَ إلى رسولِ اللهِ وَله: اخططْ لي في داري مسجدًا لأصلِّيَ فيه، فجاءَ رسولُ اللهِ وَّهِ وقد اجتمعَ إليه قومُه وتغيب رجلٌ. (١) في ((ق)): ((ثنا)). (٢) في ((ك١)): ((النبي)). (٣) كذا السياق في ((١٥))، وكتب فوق: ((لكم)) حرفًا لعله ((صح)) وفي ((ق)): ((غفرت له))، وأشار بعلامة لحق بعد كلمة ((غفرت)) وكتب في الهامش: ((لكم)) ولم يصححها، والسياق لا يحتمل اجتماع: ((لكم)) و ((له))، ولعل ((له)) زائدة. (٤) في ((الأوسط)) (٦٥٨). ١٨٩ الحديث: ٤٢٥ كتاب الصلاة وخرَّجَ ابنُ ماجهْ (١) أول الحديثِ فقط(٢). وخرَّجَ أبو داودً(٣) آخرَه من طريقِ حماد. ولأنسٍ عن النبيِّ نَّ حديثٌ آخر في معنى حديثٍ عِتبان، خرَّجه البخاريُّ في مواضعَ (٤) أُخَرَ (٥) وقد ذكرناه في بابِ ((الصلاةِ على الحصيرِ)) فيما تقدّمَ. (١) ابن ماجه (٧٥٥). (٢) كلمة ((فقط)) ليست في ((ك١)). (٣) أبو داود (٤٦٥٤). (٤) في (١٥)): ((موضع)). (٥) (فتح: ٣٨٠ - ٧٢٧ - ٨٦٠ ... ). ١٩٠ الحديث : ٤٢٦ ٤٧ - بَابُ التَّمُّنِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ بَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى ٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْروقٍ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: كَانَ النبيُّ ◌ِلَّهَ يُحِبُّ التََّمِّنَ مَّا اسْتَطَاعَ في شَائِهِ كُلِّ: فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَتَتَعُلِهِ. وقد سبقَ هذا الحديثُ في باب ((الَّيمنِ في الوضوءِ والغسلِ)) وبسطنا القولَ عليه هناكَ، وأنَّه يدلَّ على تقديمٍ اليمنَى في الأَفعالِ الشَّريفة واليسرى فيما هو بخلاف ذلك؛ فالدخولُ إلى المسجد (٨٠ - ب/ ك١) من أشرفِ الأعمال فينبغي تقديمُ الرجلِ اليمنى فيه كتقديمِها في الانتعالِ، والخروجُ منه بالعكسِ فينبغي تأخيرُ اليمنَى فيه كتأخيرِهَا في خلعِ النعلين . .](١) . وأما ما ذكره عن ابنِ عمرَ تعليقًا [. وروى شدادٌ: أبو طلحةَ الراسبيُّ، عن معاويةَ بنِ قرة، عن أنسِ بنِ مالك أنَّه كانَ يقولُ: من السُّنَّةِ إذا دخلتَ المسجدَ أن تبدأَ برجلِكَ اليمنى، وإذا خرجتَ أن تبدأَ برجلك اليسرى. خرَّجَه الحاكمُ (٢)، وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، وخرجِهِ (١) ما بين المعقوفين بياض في ((ق)) و((ك١)). (٢) ((المستدرك)) (٢١٨/١). ١٩١ الحديث : ٤٢٦ كتاب الصلاة ءِ البيهقيُّ (١) وقال: تفردَ به: أبو طلحةَ، وليس بالقويِّ، وسُئلَ الدارقطنيّ عنه (٣٨٨- ب/ق) فقال: يُعتبرُ به. وخرَّجَ له(٢) مسلمٌ، ورُويَ عن أنسٍ من وجه آخر أضعف من هذا من فعله ولم يقل فيه ((من السنة)). (١) ((الكبرى)) (٢/ ٤٤٢). (٢) استشهادًا في باب ((قبول توبة القاتل وإن كثر قتله)) (٢٧٦٧)، وانظر ((تهذيب الكمال)) (١٢/ ٣٩٧). ١٩٢ ٤٨ - بَابٌ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهليَّةِ وَيَتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ؟ لقَوْل النَّبَِِّ: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) وَمَا يُكْرَهُ(١) مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ؟ وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يُصَلِّي عِندَ قَبْرٍ فَقَالَ: الْقَبْرَ القَبّرَ، وَلَمْ يَأْمُرُهُ بِالإِعَادَةِ مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: كراهةُ الصَّلاةِ بينَ القبورِ وإليها؛ واستدلَّ لذلك بأنَّ اتخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ؛ بل من عملِ اليهودِ، وقد لعنهم النبيُّ وَلّ على ذلكَ. وقد خرَّجَ البخاريّ هذا الحديثَ فيما بعد(٢) - وسيأتي قريبًا (٣) إن شاءَ اللهُ تعالى. وقد دلَّ القرآنُ على مثلٍ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ الله عز وجلَّ في قصة أصحابِ الكهفِ : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَبَوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فجعلَ اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلٍ أهلِ الغلبةِ على الأمورِ، وذلك يشعرُ بأن مستندَه القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى وأنّه ليس من فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعين لما أنزلَ اللهُ على رسله من الهُدَى. (١) في ((ق)) قال: في نسخة: ((وما يذكر ... )). (٢) فى ((ق)): ((فيما تقدم)) وهو خطأ؛ لأن أول موضع لهذا الحديث هو هذا، وأطرافه كلها بعده. (٣) (فتح: ٤٣٤ - ١٣٤١ - ٣٨٧٨). ١٩٣ كتاب الصلاة وإذا كُرهت الصلاةُ إلى القبورِ وبينها فإن كانتِ القبورُ محترمةً اجتنبتِ الصَّلاةُ فيها، وإن كانت غيرَ محترمةِ كقبورِ مشركي الجاهليةِ ونحوِهم ممن لا عهدَ له ولا ذمةَ مع المسلمينَ فإنَّه يجوزُ نبشُها ونقلُ ما يوجدُ فيها من عظامِهم والصلاةُ في موضِعِها؛ فإنها(١) لم تبقَ مقبرةً ولا بقيَ فيها قبورٌ. [وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على ذلكَ في روايةِ المروذيِّ](٢). وأما ما ذكره عن عمرَ - رضيَ الله عنه -: فمن روايةٍ سفيانَ، عن حميد، عن أنس قالَ: رآني عمرُ وأنا أصلِّي إلى قبرِ فجعلَ يشيرُ إليّ : ء القبرَ القبرَ. ورواه إسماعيلُ بنُ جعفر، عن حميد، عن أنسِ حدَّثْه أنَّه قامَ يصلِّي إلى قبرِ لا يشعرُ به فناداه عمرُ القبرَ القبرَ قالَ: ظننتُ أَنَّه يقول: القمرَ فرفعتُ رَأْسِي فقال رجل: إنه يقولُ: القبر فتنحيتُ. ورُويَ عن أنسٍ، عن عمرَ من وجوهِ (٣) أُخَرَ. وروى(٤) همامٌ: ثنا(٥) قتادةُ أنَّ أنسًا مرَّ على مقبرة وهم يبنونَ مسجدًا فقالَ (٣٨٩ - أ/ق) أنسٌ: كان (٨١ - أ/ ك١) يكرهُ أن يُبْنَى مسجدٌ فى (٦) وسط القبورِ. وقال أشعثُ، عن ابن سيرينَ: كانوا يكرهونَ الصلاةَ بينَ ظهراني القبور. خرَّجَ ذلكَ كلَّه: أبو بكر الأثرمُ، وقالَ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ - يعني: (١) في ((ك١)): ((فإن)) . (٢) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)). (٣) انظر ((الكبرى)) للبيهقي (٤٣٥/٢)، ((ومصنف عبد الرزاق)» (٤٠٤/١). (٤) في «ك ١)): (روی)) بدون واو. (٥) في ((ك١)): ((حدثنا)). (٦) كلمة ((في)) ليست في ((١٥)). ١٩٤ ٤٨ _ باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ أحمدَ - يُسْألُ عن الصَّلاة في المقبرة فكره الصَّلاةَ في المقبرة، فقيل(١) له: المسجدُ يكونُ بين القبورِ أيُصلَّى فيه؟ فكره ذلك، قيل له: إنَّه مسجدٌ وبينه وبين القبورِ حاجز، فكره أن يُصلَّى فيه الفرضُ، ورخَّصَ أن يُصلَّى فيه على الجنائزِ، وذكر حديثَ أبي مرثدِ الغنوي، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا تُصلَّوا إلى القبورِ))، وقال: إسنادٌ جيدٌ. وحديثُ أبي مَرئدٍ هذا: خرَّجه مسلمٌ(٢)، ولفظُه: إنَّ النبيَّ وَّ قالَ: ((لا تجلسوا على القبورِ ولا تصلُّوا إليها)). ورُوِيَ عن عمرٍو بنِ يحيى المازنيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ وَّه قال: ((جُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهوراً إلا المقبرة والحمامَ)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، والترمذيُّ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ وصححه(٣). (١) في ((ك١)): ((قيل)). (٢) (٩٧٢) . (٣) ((المسند)) (٩٦/٣) من طريق عبد الواحد بن زياد، وكذا أبو داود (٤٩٢) وابن حبان (٥٩٨/٤)، وابن خزيمة (٧/٢) وابن حبان (الإحسان: ٢٥١/١) وابن المنذر في ((الأوسط)) (٢/ ١٨٢)، وأخرجه الترمذي (٣١٧) من طريق عبد العزيز بن محمد وكذا، ابن خزيمة (٧/٢. وقد صرح الترمذي بأن الدراوردي اضطرب فيه حيث أن منهم من ذكره عنه من مسند أبي سعيد ومنهم من لم يذكره. ومن طريق حماد بن سلمة: أخرجه ابن ماجه (٧٤٥) وزاد أحمد: محمد بن إسحاق وحماد بن سلمة من طريق يزيد بن هارون عنه - كلهم -، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي وَله ورواه سفيان الثوري مرسلا عند عبد الرزاق (٤٠٥/١) وفي ((المسند)) (٨٣/٣)، والترمذي (٣١٧)، وقال: ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه. قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي ◌َله وكذا أرسله ابن عيينة عند الشافعي في ((الأم)) (٩٢/١) عن عمرو بن يحيى، ورواية حماد ابن سلمة عند أحمد من طريق عبد الصمد عنه قال: عن أبي سعيد - فيما يحسب - عن النبي بَله، وانظرها عند أبي داود (٤٩٢) من طريق التبوذكي عن حماد، وقال في ((تحفة الأشراف))(٤٨٣/٣): شك في رفعه. ثم تعقبه الحافظ في ((النكت الظراف)) وقال: ليس = ١٩٥ كتاب الصلاة وقد اختُلِفَ في إرساله ووصله بذكر أبي سعيدٍ فيه (١)، ورجّحَ كثيرٌ و منَ الْحُفَّاظ إرسالَه عن عمرو بنِ يحيى، عن أبيه منهم(٢): الترمذيّ والدار قطنيُّ وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ قد (٣) استوفيناها في كتابِ ((شرحٍ الترمذيِّ)). وأما ما ذكَرَهُ البخاريُّ أنَّ عمرَ لم يأمرْ أنسًا بالإعادة: فقد اختُلِفَ في الصَّلاةِ في المقبرةِ هل تجبُ إعادتها أم لا؟ وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا تجبُ الإعادةُ بذلكَ، وهو قولُ: مالكِ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ في رواية عنه. والمشهورُ عن أحمدَ الذي عليه عامةُ أصحابه: أنَّ عليه الإعادةَ = ذلك شكّاً في رفعه؛ بل في وصله، وهو مُتَعَلَّقُ قولِهِ في سياقه: ((عن أبي سعيد))، كأنه شك هل قال: عن عمرو بن يحيى عن إثبات النبي بَّ قال، أو زاد فيه ((عن أبي سعيد فوصله». هذا وقد رجَّح الترمذي إرسال هذا الحديث بقوله: وكأن رواية الثوري عن عمرو بن یحیی، عن أبيه، عن النبي ◌ُّ أثبت وأصح مرسلا. وقال - أيضًا - في ((العلل الكبير)) (ص٥٧): كان الدراوردي - أحيانًا - يذكر فيه ((عن أبي سعيد»، وربما لم يذكر فيه، والصحيح: رواية الثوري وغيره، عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسل. وقال الدارقطني في ((العلل)) (٣/٤- أ): ((والمرسل: المحفوظ)). وقال الدارمي في ((السنن)) (٣٢٣/١): «الحديث كلهم أرسلوه)). كذا في المطبوع، ولعلَّ الصواب: ((أكثرهم أرسلوه)). يتضح هذا من خلال تتبع طرق الحديث، ثم رأيت محققي كتاب ((علل الترمذي الكبير)) نقلوا عن الدارمي أنه قال: أكثرهم أرسلوه، فالله أعلم. وقال البيهقي في ((الكبرى)) (٢/ ٤٣٥): حديث الثوري مرسل وقد رُوِيَ موصولا وليس بشيءٍ وراجع «نصب الراية)) (٣٢٤/٢) فقد نقل تضعيف الإمام النووي لهذا الحديث، وإنكارَه على الحاكم تصحيحَه هذا الحديث، فقال: ((ولا يُعارَضُ هذا بقول الحاكم: ((أسانيده صحيحة))؛ فإنهم أتقن في هذا منه)) ا. هـ كلام النووي. (١) كلمة ((فيه)): ليست في ((ك١)). (٣) كلمة ((قد)): ليست في ((ك١)). (٢) في ((ك١)): ((ومنهم)». ١٩٦ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ لارتكابِ النَّهي في الصَّلاةِ فيها. وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ أو بعضِهِم. وجعلوا النَّهي هاهنا لمعنى يختصُّ بالصلاة من جهة(١) مكانها، فهو كالنَّهي عن الصَّلاةِ المختصِ بها (٢) لزمانها كالصَّلاةِ في أوقاتِ النهي، وكالصيامِ المنهيِّ عنه لأجلِ زمنِه المختصِّ به كصيامِ العيدين، حتّى إنّ من أصحابنا من قالَ: متى قلنا النهيَ عنِ الصَّلاةِ في المقبرةِ والأعطانِ ونحوِها للتحريمٍ فلا ينبغي أن يكونَ في بطلانِ الصَّلاة فيها خلافٌ عنَ أحمدَ، وإنما الخلافُ عنه في عدمِ البطلانِ مبنيٌّ على القول بأنَّه مكروهٌ كراهةً تنزيه . وأكثَرُ العلماء على أنَّ الكراهةَ في ذلك كراهةٌ تنزيهِ. ومنهم من رخَّصَ فیه. قالَ ابنُ المنذرِ(٣): اختلفوا في الصَّلاةِ في المقبرةِ، فروينا عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرو، وعطاء، والنخعيِّ أنهم كرهوا الصلاةَ فيها، واختلف عن مالك (٣٨٩ - ب/قَ) فيه، فحكَى ابنُ القاسمِ عنه أنَّه قالَ: لا بأسَ به، وحكَى أبو مصعب عنه أَنَّهُ قالَ: لا أحبُّ ذلكَ. قالَ ابنُ المنذر: ونحن نكرهُ من ذلك ما كَرِهَه أهلُ العلمِ استدلالا بالثابتِ عنِ النبيِّ ◌َُّ أنَّه قالَ: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكِم (٨١ - ب/ ك١) ولا تتخذوها قبورًا))، ففي هذا دليلٌ على أنّ المقبرةَ ليست بموضعٍ للصلاة . قلتُ: قد استدلَّ البخاريّ بذلك - أيضًا - وعقدَ له بابًا مفردًا، وسيأتي في مَوضِعِه إن شاءَ اللهُ تعالى. قالَ ابنُ المنذر(٣): وقد قال نافعٌ مولى ابنِ عمرَ: صلَّينا على عائشةَ (٢) كلمة ((بها)): ليست فى ((ك١)). (١) في ((ك١)): ((وجهه)). (٣) ((الأوسط)) (١٨٣/٢ - ١٨٥). ١٩٧ كتاب الصلاة وأمِّ سلمةَ وسط البقيعِ والإمامُ يومئذٍ أبو هريرةَ، وحضر ذلك ابنُ عمر. قلتُ: صلاةُ الجنازة مستثناةٌ من النهي عند الإمامِ أحمدَ، وغيرِهِ، وقد سبقَ قولُ أحمدَ في ذلك، وقال - أيضًا -: لايُصلَّى في مسجدٍ بينَ المقابرِ إلا الجنائز؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سنتها، يشيرُ إلى فعلِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم . قالَ ابنُ المنذر(١): وروينا أنَّ واثلةَ بنَ الأسقع كان يصلِّي في المقبرةِ غير أنَّه لا يستترُ بقبر . قلتُ: لأنَّه هو روى عن أبي مرثدٍ حديثَ النهي عن الصَّلاة إلى القبورِ، فكانَ يخصُّ النَّهي بحالةِ استقبالِ القبرِ خاصةً. قالَ ابنُ المنذرِ(٢): وصلَّى الحسنُ البصريُّ في المقابرِ. قلتُ: لعلَّه صلَّى على جنازة؛ فإنَّه رُويَ عنه أَنَّه أمرَ بهدمِ المساجدِ المبنيةِ في المقابرِ. قالَ: وكره عمرُ بنُ الخطّاب، وأنسُ بنُ مالك الصلاةَ إلى المقابرِ. انتهى ما ذكره. واختلفَ القائلون بالكراهة في عِلةِ النهي، فقال الشَّافعيُّ: علةُ ذلك: النجاسةُ؛ فإنَّ ترابَ المقابر يختلطُ بصديد الموتى ولحومهم، فإن كانت طاهرةً صحَّت الصلاةُ فيها مع الكراهةِ . وقسمَ أصحابُه المقبرةَ إلى (٣) ثلاثة أقسام: ما تكرر(٤) نبشُها فلا يصح( (١) ((الأوسط)) (٢/ ١٨٤). (٢) ((الأوسط)) (١٨٥/٢). (٣) كلمة ((إلى)) ليست في ((ك١)). (٤) في ((ق)): ((ما يكرر)). : (٥) في ((ق)) هكذا رسمها: ((تصح))، تقرأ بالياء والتاء. ١٩٨ ٤٨ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ الصَّلاةُ فيها؛ لاختلاط ترابها بالصديد. وجَديدة لم تُنْبش: فتصحَّ الصَّلاةُ فيها مع الكراهة؛ لأنَّها مدفنٌ للنجاسة. وما شك في نبشها: ففي صحةٍ الصَّلاة فيها قولان. واختلفَ أصحابُنا في علةِ النَّهي عن الصَّلاةِ، فمنهم من قالَ: هو مظنةُ النَّجاسة، ومنهم من قال: هو تعبدٌّ لا يُعقل. وقالوا مع هذا: لا فرقَ بينَ أن تكون(١) قديمةٌ أو حديثةً نبشتْ أو لم تُنْبَشْ إذا تناولها اسم و مقبرة. قالوا: فإن كان في بقعة قبرٌ أو قبران (٣٩٠ - أ/ ق) فلا بأسَ بالصلاة فيها ما لم يصلِّ إلى القبرِ . وأنكرَ آخرونَ التعليلَ بالنَّجاسةِ بناءً على طهارةِ ترابِ المقابر بالاستحالة، وعلَّلوا بأنَّ الصلاةَ في المقبرةِ وإلى القبورِ إنَّما نُهِيَ عنه سدّاً لذريعةِ الشرك؛ فإنَّ أصلَ الشرك وعبادة الأوثانِ كانت من تعظيمِ القبورِ. وقد ذكرَ البخاريّ في ((صحيحِهِ)) في ((تفسيرِ سورةِ نوح)) عنِ ابنِ عبّاسٍ (٢) وَ معنى ذلك، وسنذكره فيما بعدُ إن شاءَ الله تعالى. وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٣)، عن جندبٍ سمعَ النبيَّ وَّ قبلَ أن يموتَ بخمسٍ يقولُ: ((إنَّ من كانَ قبلكم كانوا يتخذونَ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدً، ألا فلا تَّخذوا القبور مساجدَ فإنِّي أنهاكم عنْ ذلكَ)). وهذا يعم كلَّ القبورِ . وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ حبانَ في ((صحيحه) (٤) من حدیثِ ابنِ مسعودٍ، عنِ (٨٢ - أ/ ك١) النبيِّ وَلَّ قالَ: ((إنَّ من شرارِ النّاسِ من (١) في ((ك ١)): ((يكون)). (٢) (فتح: ٤٩٢٠). (٤) ((المسند)) (٤٠٥/١، ٤٣٥) و(الإحسان: ٩٤/٦). (٣) (٥٣٢). ١٩٩ كتاب الصلاة تدركه (١) الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذُ القبور مساجدَ). وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ من حديث أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، عَنِ النبيِّ نَّهِ: ((لعنَ اللهُ زائرات القبورِ والمتخذين عليها المساجدَ والسَّرِجَ)). وقالَ الترمذيَّ: حسنٌ؛ وفي بعضِ النسخ: صحيح. وخرَّجَهَ ابنُ حبان في ((صحيحه))، والحاكم وصححه(٢). واختُلفَ في أبي صالحِ هذا من هوَ(٣)؟ فقيلَ: إنَّه السمانُ، قاله الطبرانيُّ، وفيه بُعدٌ، وقيلَ: إنه ميزانٌ (٣) البصريُّ، وهو ثقةٌ، قاله ابنُ حبانَ، وقِيلَ: إنَّه باذان مولى أم هانئ، قاله الإمامُ أحمدُ والجمهورُ. وقد اختُلفَ في أمرِه (٤): فوثقه(٥) العجلّي(٦)، وقالَ ابن معينٍ: ليس (١) كتب في هامش ((ق)): ((لعلَّه: تدركهم)). (٢) ((المسند)) (٢٢٩/١، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٩٤/٤ - ٩٥)، وابن حبان (الإحسان: ٤٥٢/٧ - ٤٥٥)، والحاكم (٣٧٤/١)، والطيالسي (٢٧٣٣). (٣) قال الترمذي: ((وأبو صالح هذا: هو مولى أم هانىء بنت أبي طالب، واسمه باذان، ويقال: باذام - أيضًا)) ا. هـ. وقال ابن حبان: ((أبو صالح: ميزان، ثقة، وليس بصاحب الكلبي. ذاك اسمه: باذام)» ا. هـ. وفي ((تحفة الأشراف)) (٣٦٨/٤) قال: ((رواه علي بن مسلم الطوسي، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن محمد بن جحادة قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانىء)»، وفي الزيادات على ((التحفة)) ذكر أنه أبو صالح السمان، والذي في ((مسند الطيالسي))، بدون تعیین. وقال الحاكم: ((أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به: إنما هو باذان، ولم يحتج به الشيخان)» ا. هـ. (٤) في ((ك١)): ((مران)) وضبب عليها. (٥) في ((ق)): ((فوقفه)). (٦) ((ثقات العجلي)) (٢٤٢/١) و((تهذيب الكمال)) (٧/٤) و((الجرح والتعديل)) (٤٣١/٢). ٢٠٠